eKtab
EN ع
كان ردائي ازرق
Read free sample

كان ردائي ازرق

by جمال كامل فرحان

Page 1
استعارة
 
 
 
زوجتي جميلة، أحبُّها وأغار عليها كثيرا·
 
أحب أن أداعبَها كل وقت·
 
وأحب قبل أن أنام، أن أوسِدَ راحتي فوق نهدها الطري وأعصره ثم أغفو·
 
الآن، أتقلَّبُ في الفراش·
 
هي غافية جواري وقد بانَ بياض فخذها المرمري·· نائمة وعلى وجهها ابتسامة طفولية ناعمة·
 
أتردّدُ أن المسَها وأخاف أن أدنو أكثر·
 
أتمرغُ في فراشي وقد ضاعتْ كلُّ رغبة·· بل أخاف وأخشى رغبتي·
 
كان حادثاً مروعاً، فقدت على أثرِه ذراعي اليسرى، بُتِرت من أسفل الكتف بقليل·
 
وكفي اليمنى من الرسغ·
 
أجرِيَتْ لي عملية سريعة·
 
استعاروا لي كفَّ شخص قد مزق الانفجار جسده·· تبعثر وأصبح أشلاء·
 
كانتْ الكفُّ بأصابعها الطويلة الناحلة هي العضو الوحيد، السليم المتبقي·
 
حين أفقتُ من هول الصدمة سعدت بالنتيجة (المفروضة عليَ) ومدى مهارة الجراح وبراعته·
 
لكني يقظ الآن وأتقلب قرب زوجتي
 
ولا أستطيع أن أدنو··
 
آه، من ذلك الإحساس·
 
حين أداعبُ نهد جميلتي أو حين ألمسها، أحس بأن أصابعي هي ليست أصابعي·
 
هي ليست من تلمسُ نهدها وتعصره·
 
هي ليست أنا·
 
واه من أرقِ ذلك الشعور·
 
مراراً أتجاهل قولَ زوجتي وهي تتمايع فوق السرير وتطلقُ ضحكتها المغناج:
 
- أصبحتْ أصابعك أكثر رقة على جسدي·
 
اللعنة·· اللعنة·
 
الفجر على وشك الطلوع· رأسي متصدع وجسدي يرتعش· 
 
تحاصرني كفّ ذاك الشخص، تطاردني، تطوقني وتطبق عليّ·
 
وأتخيل أصابعه الناعمة تتلمس جسد حبيبتي·· تُمسِكه، تَفركه، تُدغدِغه، تُلاعِبه 
 
بعدها·· تتجول فوق انحناءاته واستداراته اللينة البضة·
 
الآن، أحاولُ أن أنام وكفي - كفه - أشدها، أقيدها، أخنقها تحت فخذي بقوة·· بقوة· 
Page 2
ساعي بريد
 
سحبتُ حقيبتي الجلدية السوداء من تحت السرير، نفضتُ عنها الغبار ومسحتها بخرقة زرقاء ناقعة قليلا بالماء، ثم رتبت أغراضي وجهزت ملابسي وبعض ما أحتاجه هناك· غداً بعد طلوع الفجر سأسافرُ إلى بغداد·
 
منذ عشرة أيام اختفى ابن عمي، انقطعتْ أخباره وضاعت ولا نعرف عنه شيئا· 
 
ما زلت أذكر زوجته أنعام ووقوفها أمامي بوجهها المصفر وكلماتها التي تحشرجت في فمها: اتصل بي بعد وصوله إلى بغداد·· أخبرني أن لا أقلق، غدا صباحا سيكون في الجامعة وينهي معاملة سحب شهادة تخرجه·· ثم ضحك وهو يقول سنتعشى معاً هذه الليلة·
 
أخذتُ منها عنوان الفندق وعيناها غرقتا بالدموع، وقلتُ وأنا أداري وجهي أن تطمئن ثم خرجت·
 
في العاشرة والنصف صباحا كنت في كَراج النهضة·
 
كانت صبيحة شتوية دافئة، سماء زرقاء نقية لا غيوم تخربشها·· وسربٌ مِن الحمام أراه يحلق بعيداً بهدوء وسلاسة· كنت خائفاً ومرتبكاً بعض الشيء، فلم أزرْ بغداد منذ قرابة السنتين· كل ما أعرفه عنها الآن، سمعته من أصدقاء أتوا هاربين منها أو ما قرأته وشاهدته من قسوة وعنف تناقلته الفضائيات كل يوم· خطف، قتل، وذبح بدمٍ باردٍ· هي تصفية متواصلة·· عنف على أشده·· تعصب استفحل منذ زمن وانطلق بلا قيد يجوب الشوارع والطرقات·· فوضى عارمة لا أتخيـــل نهايتها كيف تكون· كل هذا بدا وتفاقم بعد ثلاثين يوما من تفجير مرقدي (علي الهادي والحسن العسكري)· 
 
تركتُ الكَراج وأنا أتلفتُ يمينا وشمالا، وعلى عجل استأجرتُ سيارة أجرة، لم أنظر إلى وجه السائق· جلستُ وأغلقت الباب بقوة وقلت بصوت حاد: إلى شارع (المشجر)· 
 
تشاغلت بفتح حقيبتي التي حشرتها بين ساقي، وعلى مهل رحت أُفتش وأقلب الأغراض كمَنْ نسي أو أضاع شيئاً ما· لكني كنتُ مشوشاً وكنت لا أريد أن أرى ما حولي، وكنت أخشى الحديث مع السائق أو حتى الالتفات إليه· بعد نصف ساعة ترجلت من السيارة وأخذت أبحث عن مكان الفندق· لم أسأل أو أطلب العون من أحد، مشيت مع ظلِّ حقيبتي المتأرجح أمامي وعيناي تتطلعان إلى لافتات المحال وعناوين الفنادق الكبيرة برسومها وزخرفاتها الملونة·
Page 3
بعد وقت، توقفت أمام واجهة فندق عال بطوابقه الستة، فأخرجت الورقة من جيب سترتي وقرأت: نعم، هذا هو فندق جنروك·
 
كانت صالة الفندق واسعة ودافئة· لم يكن فيها سوى عجوز كردي جلس مطرق الرأس ومحني الظهر قليلا، بلباسه الفضفاض وعمامته البنية المتلوية فوق رأسه· أخبرني موظف الاستعلامات بعربيته المكسرة - كان كرديا هو أيضا- بعد أن سحب سجلاً سميكاً أسود اللون وأكد ليّ وهو يتفحص الأوراق ويقلبها:
 
- أي كاكة ابن عمك كان هنا·· بات ليلة واحدة، وخرج صباحا حوالي الساعة التاسعة ولم يعد بعدها· 
 
وضعتُ مرفقي على سطح الحاجز الخشبي الصقيل الذي يفصلنا، ورحت أفرك وجهي بيدي اليمنى زافرا زفرة طويلة ثم لمحته يمدّ عنقه ويكمل كلامه بصوت أقرب إلى الهمس:
 
- حقيبته وملابسه محفوظة في أمانات الفندق·
 
كان قد أغلق السجل الكبير وظل ساكتا· جو الصالة الرطب أشعرني بارتخاء أطرافي وخدر خفيف راح يدب في رأسي وجسمي، فسألته:
 
- ألم يقل شيئا قبل خروجه ؟ 
 
قال: لا·
 
كنت حائرا لا أعرف ماذا افعل؟ وأين وكيف أبحث عنه ؟ فأخبرته عن اختفائه والأيام العشرة كيف مرت على أهل بيته· كانت أصابعي متوترة تخربش الحاجز الصقيل، فسألني الموظف:
 
- كاكة بحثتم في الطب العدلي·
 
أربكتني هذه الجملة وقلت بصوت مختنق:
 
- لا·
Page 4
- الأفضل أن تذهب هناك أولا·
 
تسمرت عيناي في وجه الموظف، وكنت لا أدري ماذا أقول، إلا أنه قرّب رأسه قليلا وأردف: 
 
- هناك ينقلون الجثث، وغالبا تكون بلا رؤوس· 
 
كانت ملامحه وقسماته لا تفصح عن أي شيء، كانت صلبة وباردة·· شعرت بضيق شديد وبارتعادة خفيفة صلبت قدمي، فطلبت منه غرفة لأبيت فيها·  
 
ناولني مفتاح الغرفة، الذي تدلى من حلقته قلب خشبي بني اللون· 
 
- الطابق الثالث غرفة 286· 
 
أشار بيده إلى المصعد الموجود على يميني· دخلت المصعد، كان فارغا وضيقا قليلا، وصوت أنينه زاد من تشوشي وكآبتي التي رحت أغطس فيها· فتحت باب الغرفة ورميت الحقيبة قرب السرير، استلقيت بحذائي فوق الفراش وشعرت بألم متنمل راح يتنامى صعودا من أسفل ظهري حتى عنقي فتأوهت وأطبقت عيني· 
 
حلمت بأجساد تائهة تبحث عن رؤوسها أو رؤوس محلقة تنقط دما طريا تبحث عن أجسادها· 
 
استيقظت على رنة الهاتف النقال المتصاعدة· كانت أنعام زوجة ابن عمي على الخط، تسأل ماذا فعلت وعن آخر الأخبار· سكتُ لبرهة وقلت لها تأملي خيرا· سمعت نشيجها وكلماتها المتقطعة، لم أفهم منها شيئا لكني لم أكلمها عن الطب العدلي وعن الأجساد والرؤوس وعن حلمي·· فأكدتُ لها أن لا تقلق وأنهيت الاتصال سريعا·   
 
ساعة الحائط الدائرية التي تقابلني، تشير عقاربها إلى الواحدة والنصف ظهرا· تقلصات معدتي وخشونة ريقي ذكرتني بأني لم أتناول شيئاً منذ الصباح· خرجت ونزلت إلى صالة الفندق، لم أر فيها الشيخ الكردي، وموظف الاستعلامات ابتسم ليّ ابتسامة متكلفة وأنا أناوله المفتاح، لكنه أوقفني ويده تمسك القلب الخشبي بإحكام وسألني: 
Page 5
- هل ستخرج ؟
 
استغربت من سؤاله وقلت:
 
- لماذا ؟
 
- إذا كنت تنوي الخروج من الأفضل ترك هويتك الشخصية هنا·
 
تنفست بصوت مسموع وأنا أحدق بعينيه الضيقتين وقلت: 
 
- لا أفهم ماذا تقصد ؟
 
- احتياطات سلامة·
 
- احتياطات ماذا ؟
 
- أنت لا تعلم كيف تجري الأمور هنا··· أرجوك أعطني الهوية·
 
كانت يده تنقر على سطح المنضدة بنتوء القلب الخشبي، نقرات خافته، منتظمة أحسستها تنغز في رأسي· أشحت بوجهي عنه وتركته من دون كلمة وخرجت من الفندق· 
 
كانت السماء قد تعكرت بصبغة رمادية، غيوم ترابية انتشرت وحجبت أشعة الشمس· فكرتُ وأنا أقطع الشارع بالهوية وبأوراق الثبوت، وذكرى أيام قريبة مضت·· أيام الجيش والإجازات الدورية وتحاشي الانضباط العسكري· كانت جيوبنا منتفخة، متهدلة من كثرة أوراق ومستمسكات الثبوت· فابتسمت وأنا أخرج محفظتي من جيب بنطالي، وأتأمل هويتي وصورتي القديمة واسمي الثلاثي ومحل وتاريخ الولادة، ثم قمت بدسها خلسة في جوارب قدمي اليسرى· ثم هززت رأسي متذكرا كلمة الموظف: احتياطات سلامة·
 
وضعت يدي في جيبي سترتي وسرت خافض الرأس· امتد أمامي رصيف شبه خال، ومحال مغلقة، ودكاكين على وشك الإغلاق· فتوقفت منتبها وأنا أحاذي أحد الحواجز الكونكريتية العالية، هالني ارتفاعها وضخامتها·· جدران من الاسمنت تصطف وتتراص مكونه غابة كالحة، شاهقة العلو، غابة تمتد وتتلوى، تحيط وتحاصر الناس والشوارع والسماء· فنما في داخلي إحساس غريب وأنا أجاور تلك الجدران الكونكريتية، شعور عصر أضلاعي ألماً وكآبة ثقيلة· 
Page 6
بعد نصف ساعة من سير متخبط، وجدت نفسي أدخل كَراج باب المعظم· لا أدري كيف وصلت ؟ ولماذا أتيت إلى هنا؟ ولِمَ دخلت الكَراج من دون أن أفكر أو يساورني القلق والخوف ولو للحظة؟  
 
هناك، وفي مصادفة غريبة تعجبت لها، التقيت (أحمد سعيد) صديقي القديم أيام حرب التسعينات·
 
كان أحمد سعيد يعمل في إحدى الكافيتريات الكثيرة الموجود في كَراج باب المعظم·· أكلات سريعة ودسمة وعصائر طبيعية وبأبخس الأسعار، هذا ما قرأته على الواجهة الزجاجية النظيفة وأنا أقترب منها وألوح بيدي إلى أحمد·
 
جلسنا في مقهى قريب من الكَراج بعد أن استأذن ساعة من عمله· رحتُ أنظر إليه وأتأمله·· لم يزل على نحافته وسمرته النقية التي تلونها ضحكته الهادئة· سألني عن أحوالي وعن الحياة كيف مرت معي بعد أيام الجيش· فقلت له: 
 
- لا شيء جديداً طرأ على حياتي وما زلت متشبثا بعزوبيتي·
 
ابتسم في وجهي ابتسامة صغيرة ثم أخبرته عن ابن عمي واختفائه وعن الطب العدلي، وأغراضه التي لم أقدر أن آخذها من أمانات الفندق، والرؤوس التي تتحرك بلا أجساد· وحيرتي التي أنا بها، وكيف أستطيع الذهاب هناك وأبحث بين الجثث والرؤوس· فقال بصوت بارد وهو يقلب استكان الشاي:
 
- نعم، أعرف هذا الشعور·
 
- تعرف !
 
- نعم، لكن بصورة مغايرة·
Page 7
سكتَ قليلا وهو يهز رأسه ثم راح يخبرني بحكاية عمله الليلي ومشوار كل يوم، وحكايته مع الشاي وقطعة من الكعك، فضحكت من كلامه ولم أصدقه لكنه قال مؤكدا:
 
- لماذا لا تريد أن تصدق بأني أعمل ساعي بريد في الليل؟
 
لزم الصمت لفترة بعد أن أخذ رشفة من الشاي· في تلك اللحظة تناهى إلى سمعي تراشق عيارات نارية وصوت مكابح سيارات شقت السماء، فارتبكت ودرت برأسي عدة مرات قبل أن أسمعه يقول:
 
- لا تهتم، إنها بعيده منا·
 
لم أزل على ارتباكي حين أبصرت عموداً من الدخان الأسود ارتفع إلى السماء· 
 
- سكنتُ في حي الفضل منذ قرابة شهرين·
 
أسند مرفقيه إلى سطح الطاولة، ثم راح يكمل حديثه وعيناه سابحتان في مكان ما:
 
- هي عمارة بائسة لا أعرف اسمها إلى الآن، لكنها رخيصة الإيجار· غرفة صغيرة بسرير حديدي متخلخل وأرضية متصدعة ونافذة مغلقة دائما· كنت لا أجلس في غرفتي طول النهار، حتى يوم إجازتي أقضيه في التسكع والتجوال، إلى أن يهدّ التعب جسدي ورأسي يثقل ويتصدع من ضجيج الناس وأصوات السيارات، فأعود إلى غرفتي وأنام كالميت· لكن، الأمور اختلفت مؤخرا، تفاقم العنف واشتد·· أصبحت لا أفرق بين الناس، أصبحت لا أعرفهم أو أفهمهم·· أصبحوا كما لو أصابهم العمى· فأخذت لا أغادر غرفتي، ترهبنت بغير إرادتي، حتى ساعات العمل تقلصت·
 
توقف عن الحديث وأخرج من جيب قميصه السمائي علبة سجائر، قدم لي سيجارة· رفضتها شاكرا ورأيته يشعل واحدة وينفث دخانها بهدوء ثم راح يكمل:
 
- أذكر ذلك اليوم، كنت أتيت من العمل باكرا، خلعت ملابسي وغسلت جسدي، ثم أعددت عشائي وتمددت فوق الفراش بعد استكان الشاي الثخين· سمعتُ طرقا خفيضا، منتظما على باب غرفتي· رفعت رأسي، أنصتُّ جيدا، لكن لا شيء· في البداية خُيلِ إلي بأني غفوت قليلا، لأني لا أعرف الكثير من الأشخاص هنا ولا أستقبل أي ضيوف في غرفتي· فأرجعت رأسي وغاص في الوسادة العالية· بعد دقائق عاودت الطرقات النقر· قمت متضايقا وفتحت الباب· كان رجلا قد تجاوز الخمسين من العمر، قصير القامة، أشيب الشعر وبخدين منخسفين وتجاعيد حادة· قال بأنه جاري يسكن الغرفة الملاصقة لغرفتي· 
 
توقف أحمد للحظات وظهرت على وجهه ابتسامة خاطفة قبل أن أسمع ضحكته ويهز رأسه قائلا:
Page 8
- أتصدق ؟ لا أدري إلى الآن لماذا دعوته إلى الدخول ؟ ولِمَ رحت أنصِتُ لحديثه وحكايته وهو يخبرني عن امرأة أحبَّها·· وهي حبهُ الوحيد والزواج الذي أبعدته وبددته الحرب وعن أيامه داخل الخنادق، وكيف كان يفكر ويحلم بها·· وعن أيامه الطويلة في الأسْر، وصورتها التي لم تفارق خياله وعقله وعن قسوة العودة، وكيف يعيش الحياة الآن بأيامها السخيفة·· وعن سماعه أخبارها وعزوفها عن الزواج، وعن عيشها مع بنات أختها، ثم ودعني وأعطاني عنوان بيتها وترجى أن آتيه بأخبارها·
 
خرج بتثاقل خطاه التي زادت من تقوس ظهره· تركني متخبطا مع حيرتي (لم أعده بشيء) استلقيت فوق الفراش وحاولت النوم، لكن نظرات عينيه وما كانتا تفصحان به من لهفة وأسى هما من قادتاني مساء اليوم التالي إلى بيتها· 
 
كان حظر التجوال يبدأ في التاسعة، وأمامي ساعة ونصف فقط، وعليّ الإسراع والحذر وأنا أتنقل بين الشوارع والأزقة· كانت السماء يومها أشد حلكة، وهدير طائرات أسمعها تجوب السماء· أتصدق ؟ لم أكن خائفا من كل هذا·
 
لم يكن الخوف شوارعَ موحشة أو أرصفة خالية أو بنايات مترعة بالظلمة·· بل تجسد الخوف في أي وجه ألمحه أو أصادفه·· في أي وجه أراه من بعيد·· يقترب منك أو يسير خلفك بهدوء ثم يحاذيك من دون أن تدري أو تشعر به· وجوه كثيرة صادفتها في مشواري يا صديقي· وجوه يابسة، شاحبة، شاردة، جامدة·· لا تلتفت إليك ولا أنت تتمنى النظر إلى ملامحها·· وجوه كما لو كانت تائهة، شاردة، غريبة عن هذا العالم، عن أماكنها عن شوارعها عن حياتها التي عاشتها يوما ما هنا·
 
بعد مسير نصف ساعة وقفت أتطلع إلى بيت كبير وتذكرت حديث الرجل: على يمينك حين تدخل الشارع العريض منزل بطابقين·· باب حديدي بطلاء أسود، وبظلفتين واسعتين وسياج قصير غطته أشجار الياس والرمان·
 
ارتقيت العتبة الرخامية، وترددت قليلا قبل أن أرج الباب بثلاث طرقات خفيفة، تعالى صداها في سكون الشارع· انتظرت قليلا قبل أن أسمع صوتا نسائياً ناعما من وراء البـاب:
Page 9
- منو·· منو·
 
بصوت متقطع قلت: آني مرسال·
 
بحركة بطيئة انسحب الباب إلى الداخل، وظهرت فتاة رشيقة في العشرين من عمرها، بوجه جميل وعينين عسليتين كبيرتين، قلت لها وأنا أبلع ريقي:
 
- آني ساعي بريد·
 
أمالت رأسها على كتفها اليسرى ونظرت إليّ بعينين مستغربتين قبل أن أسمعها تهمس:
 
- أنت من ؟
 
- أخبري من في البيت وسوف يفهمون·
 
شيعتني الفتاة بنظرة غريبة ثم تركتني· أطلقت زفرة ارتياح قصيرة، وشعرت بسخونة رأسي وجبهتي· في تلك اللحظة لمتُ نفسي على هذه الخدمة وعلى هذه الزيارة·· أي حماقة أوقعت نفسي بها ؟ وأي توريطة أنا بها الآن·· فتخيلت قهقهات وسخريات من في المنزل حين تخبرهم الفتاة عني وسخافة قولي: أني ساعي بريد·   
 
جاءت الفتاة ووقفت جانبا وقد أشرعت درفة الباب قائله:
 
- أتفضل·
 
ارتبكت قليلا ثم دخلت أتبع الفتاة· عبرنا حديقة صغيرة نسبيا، فالتقط أنفي رائحة العشب المبلول ورائحة شجرة ملكة الليل بعبقها الندي الخدر· وقفت الفتاة وأشارت إليّ بحركة من يدها إلى باب غرفة الاستقبال ثم تركتني· 
 
جلستُ بعد تردد على أريكة وثيرة، قماشها سميك أرجواني يميل إلى السواد· كان التيار الكهربائي مقطوعا، وثلاث شموع تتراقص بظلالها فوق طاولة زجاجية انتصفت الغرفة· 
Page 10
سكت أحمد سعيد وضيق عينيه بعض الشيء، وكما لو تذكر أمرا ما:  
 
- متى تذهب إلى الطب العدلي ؟
 
فاجأني سؤاله وأربكني قليلا قبل أن أجيب:
 
- أظنني سأذهب غدا صباحا·
 
رمى عقب سيجارته بعيدا ثم أسند ساعده الأيمن إلى الطاولة وقال: 
 
- أقلت عشرة أيام لم يتصل ابن عمك ؟
 
- نعم هذا ما قالته زوجته·
 
جمدت عيناي ولم تطرفا وأنا أتأمل وجهه قبل أن أردف·
 
- هل من أمل ؟
 
سحب سيجارة جديدة من علبته وبدأ يلاعبها بين أصابعه وقال:   
 
- أذكر، كانت نافذة الغرفة مشرعة قليلا، وريح خفيفة تلاعب أطراف الستارة بقماشها السميك·· كنت أفكر بالرجل الكبير وجدوى هذا اللقاء، وهل يفصح عن معنى وماذا يكون؟ وكيف ستنظر إليّ المرأة حين أكلمها عنه·
 
بعد لحظات جاءت الفتاة بوجهها المورد وهي تحمل صينية الشاي، وضعتها فوق الطاولة ثم انسحبت بهدوء إلى ركن الباب· لمحت الصينية من طرف عيني، كانت تحوي قدح شاي خزفياً جميلاً، وصحناً وضُعِ في منتصفه قطعة كيك واحدة أحسستها شهية وهشة الطعم·
 
- اشرب شايك قبل أن يبرد·
 
رأيت امرأة قد تجاوزت الخمسين من العمر، تدخل الغرفة وتجلس على كرسي قريب من الباب· كانت نحيلة بعض الشيء، ترتدي ثوبا أسود وشالاً لفته فوق رأسها· كان وجهها وإن لاعبته التقاطيع والغضون إلا أنه ما زال يشع نضارة وحيوية·