eKtab
EN ع
كان يدق الباب الأخير
Read free sample

كان يدق الباب الأخير

by نجوان درويش

Page 1
مذبح
 
المذبح سريرُ الآبِ
 
والأجراس فاكِهَةُ الكنائسْ
 
وعَلَيْهِ الآبُ يَنْأَى
 
بامرأةِ الكَونِ
 
فالرَّاهِبُ أعمى
 
والبَخُّورُ حارِسْ
Page 2
زير لغات
 
أنا لاجئٌ من كْرِيتْ
 
أحترفُ شُربَ الشَّاي
 
بالنَّعنَعِ في أيَّامِ الصَّيفْ
 
وبالمِيرَمِيَّة في ليالي الشتاء
 
كلَّما آوتني لغةٌ
 
فَرَرْتُ إلى حِضْنِ أختِها
 
حتى صِرتُ زِيرَ لُغاتْ!
 
أنا لاجئٌ من كريت
 
لا أملكُ سِوى أغنياتٍ نسيتُها
 
وبِضعَ تذكاراتْ :
 
حَفْنَةُ مِلحٍ هي صوتُ أُمِّي
 
ريشةُ عُصفورٍ أظُنُّها دمعةُ أبي
 
وأراجيحُ أطفالٍ ذُبحوا لِوَحْدِهِمْ
 
أعرِضُها عليكم
 
لقاءَ بِضْعَةِ قُروشٍ أو رَغيفْ
 
***
 
أنا لاجئٌ من كريت!
Page 3
شركسٌ رُحَّلٌ في كلامي
 
وأَذكُرُ حينَ قالَ الحبُّ لي
 
كُنْ سَروةً في منامي
 
فغنيَّتُ له بالأرمَنيَّة
 
لَحَّنتُ لهُ مَرثاةَ كُرديٍّ
 
وأسكنتُ شركساً رُحَّلاً
 
في كلامي
 
وأذكُرُ حينَ رَحلَت العَرَباتُ
 
وسكِرْنا في القَبْوِ وحيدَينِ
 
الحبُّ يبكي على تِلالِ السرْوِ
 
وأنا أَحدو غرامي
 
قال لِيَ الحبُّ :
 
كيف أعيشُ بلا قَمَرٍ
 
يُضيءُ دمي ويُحْيي عِظامي ؟
 
فأعطَيتُهُ قمري الوحيد
 
وسِرْتُ
 
إلى قبري سريري
 
تُهَدهِدُنِي كِلابُ الرِّيحِ كي أغفو
 
يُغطِّيني ظَلامي ·
Page 4
شالٌ في الغروب
 
أتَوَقَّدُ ·· أنا نَارُ الآيةِ
 
ومِنْدِيلُ السماواتِ السَّبْعِ ، أُرَفْرِفُ
 
مِثْلَ شَالٍ في الغُرُوبْ
 
أَسْكُبُ اللَّوْنَ في المَشْهَد
 
ِفارِعاً كَشجرةْ
 
وجميلاً كَمِحْبَرةْ
 
تَنْفَتِحُ مَقَابِرُ الأَرمنِ على غسيل البيوت
 
يَقَعُ صَوْتٌ في باحَةِ الدار
 
فَيُعْوِلُ عبَّادُ شمس
 
رَبُّ الخرائبِ عَمِّي
 
وشجرُ الخرائبِ أبي ، و قَلْبَانا :
 
بُومَانِ يَنْعَبَانْ
Page 5
وأنا أضعتُ كنيستي
 
كنائسُ تَغفو على كَتِفِي
 
وأُخرى في بَراري الشَّوكِ تَتْبَعُني
 
وأنا أَضَعْتُ كنيستي وأجراسي
 
وخَابِيَةَ النبيذِ
 
و شُرْفَةَ الليلِ المُقَدَّسِ
 
وأَضَعْتُ والدتي
 
وقُلْتُ لغَيْمَةٍ
 
كانتْ تُظَلِّلُني مِنَ الغَيْمِ : اذْهبي !
 
وصَرَفْتُ المَرْيَماتِ عَنِّي
 
وهَبَطْتُّ مِنْ سُدُمِ الأعالي
 
واصْطَحَبْتُ قوَّاداً معي
 
ودُرْتُ - و إِيّاهُ - في طُرُقِ المَدائنِ
 
لا أَهفو إلى شيءٍ
 
ولا أَصبو إلى أَحَدِ
Page 6
زكريّا
 
الرَّاهِبُ الوثنيُّ زكريّا
 
صديقي في العُمْرِ وَالسَّكَنْ
 
قرأَ عليَّ وصيَّتَهُ الليلةَ وانتحرْ
 
زكريّا
 
لقد نَسيْتَ ذكرياتِكَ عندي
 
هل تَرجِعُ ثانيةً لتأْخُذَها ؟
 
مزاميرُكَ عند مَدْخَلِ البيتِ ظَلّتْ
 
مزاميرُكَ حِنَّاءٌ لعُرسٍ قديمْ
 
لِمَ العَجَلةُ
 
لتُعذِّبَني يا زكريّا !
 
وهل كان يَنْقُصُني مَزيدٌ من الشَّجَنْ
 
أَنْتَظِرُ ·· فيأتي زمانُ القَشّ
 
أُحْرِقُ القَش ّ
 
َفَيخْنِقُني الهَشيمُ
 
وهكذا تَمضي الفُصول
 
زكريّا
 
ما الذي قالَته لكَ اللُّغاتُ
 
وبماذا حَدَّثَتْكَ طُيُورُ الينابيعِ
 
أَيُّ وَجْهٍ طَالَعَتْهُ عَيْناكَ عِنْدَ البابِ الأخير
 
زكريّا ·· أنتَ تعرفُ أَنَّ نَفَسي قَصيرْ
 
وأنَّ الشِّعرَ
 
يُبكي وجهيَ المنْحُوتَ من صخرِ سَدُومْ
 
زكريّا ·· خَيَّبَتْنِي الكتب
 
وأَحْزَنَتْنِي الشُّعوب
 
زكريّا ·· أَشْفِقْ عَليّ !
 
كفاكَ أني
 
وأنتَ مُسجَّىً في حِذاء الربّ
 
أستجدي مِنكَ كلاماً
 
أو كلاماً
 
يا زكريّا !
Page 7
وجع
 
وَجَعي عَظيمْ
 
يا إله النَّدم يا إلهي الصَّغيرْ
 
وَجَعٌ في عِظَامِي
 
وَجَعٌ في الوجُوهِ التي عَبَدْتُها زَمناً
 
وَجَعٌ في المرايا
 
وفي زجاج الغرفةِ
 
وفي رفوفِ الكُتُبِ
 
و وَجَعٌ في عِظامِ السَّريرْ
 
وَجَعٌ في شَجَرِ الخريف انْظُروا كيفَ
 
في شَيخوخةِ العُرْيِ يَبْكي
 
وَجَعٌ في شواهدِ القُبُور
 
في قبرِ جَدِّنا الكبير
 
وَجَعٌ في غَيْمَةِ الرَّبِّ
 
و وَجَعٌ في رغيفِ النَّاس
 
وَجَعٌ في المياهِ وفي الرِّيحِ العتيقةِ
 
وَجَعٌ مِنكَ أَنت
 
كيفَ رَدَّ لي في لَحْظَةٍ وَجَعي القَدِيمْ
Page 8
بنفسج
 
أَعلَيتُكَ
 
في بروج الحُلمِ
 
أقْصَيتني
 
في مَغاوِرِ الظُّنونْ
Page 9
I
 
الموسيقى لا تهزُّ أيَّ شيءٍ مُطْلقاً
 
والأسطواناتُ جثثٌ باردَة
Page 10
II
 
هل يعرفُ أحدٌ غيري
 
بأنَّ الموسيقيينَ كلَّهُم شحَّاذونَ
 
مِنْ ذوي العاهات
 
يَبصِقونَ على بعضِهِم ويَعرُجونَ
 
في بَلْداتٍ مُهْمَلَةْ
 
وأنًّ المُغنِّياتِ اللَّواتي
 
كان السنونو يُسافرُ في أصواتِهنَّ
 
ولا يَرْجِعُ
 
مُومِسَاتٌ يَسْعُلنَ في أَقبِيَةٍ مُظلِمَةْ
 
وأنًّ القصائِدَ المُلْهِمَةْ
 
حينَ أتلُو مَطالِعَها تَتَحلَّلُ وتَسقُطُ عَليَّ
 
كمُومياءَ أُخرِجَتْ مِنْ قَبرِها
 
وأنِّي حينَ أذكُرُ الأصدِقاء
 
أَقَعُ في ظُلْمةٍ سَحيقةٍ
 
لتُصَفِّقَ حَوْلي وَطاويطُ الكُهوفِ
 
إلى الأبد