Page 1
هـذيان
تركتك عند منتصف اللقاء، أردت أن أكمل الحديث معك، لكن هذا الليل بات يشكل لي قيداً آخر يبعدني عنك. قبل أن أغلق الباب خلفي متجهة إلى البيت، نظرت إلى عمقك مرة أخرى لعدة لحظات، كانت صورة عابرة، شاهقة ومتمردة على الحياة. تجعلني أستمرُّ في ابتسامتي حتى موعدي مع النوم، وكل من مر بجانبي كان يبتسم لي كردة فعل إيجابية. كان هذا الإحساس المشبع بك يتمرد على وقتي، إذ إنّني لم أستطعْ النوم رغم التعب الرابض فوق جسدي الضعيف.
أُمي كعادتها تضعني على السرير، تحدثني عن مخططاتها للغد، وإن كانت تتضارب مع مواعيدي في المكتب، لذا يجب علي أحيانا أن أنظّمها حسبما تريد، وأحيانا أستطيع أن لا أرضخ لمقرّراتها السريعة. حديثها الطويل جعلني أنعس وأتذكر وجهك الملطخ بالبياض، كنت ابتسم لأمي، وكانت تعتقد أنني أبتسمُ لها، وأطأطئ برأسي استجابة لها، لكنها لا تعلم أنّك كنت الحاضر أمامي، وليس أُمي، لذا أعتذر لها عن تلك الحالة الجنونية، وأُقبل قلبها الشاسع بمحبتها.
كعادتي، الحديث لله كان أول لقائي مع النوم، وعند الانتهاء، حاولت أن أغمض قلبي على الشيء الأخير من حديثنا، كنت تقلب الصفحات فوق قلبي، تجعلني طفلة صغيرة تسير ببطء على كفة يدك وتميل برأسها على كتفك الأيمن، وتطلب منك أغنية صغيرة كي تنام.
في اللحظات الأخيرة من دخولي إلى عالم الأحلام، رأيتك أمامي مستلقيا، تبتسم لي كعادتك، ذقنك الطويلة تكاد تلمس أنفاسي، رائحة وجودك ترتطم بأحلامي فتنبت أصابعي بالنرجس، ويمتلئ أنفي برائحة المطر المنزلق من عينيك.
تصيبني الدهشة الأولى، كيف قفزت عبر تلك المسافات الكثيفة التي بيننا، ووصلت إلى سريري الوحيد؟.. لم أبحث عن الإجابة.. كنت أنتَ إجابتي الوحيدة.
Page 2
شكاية صغيرة جدا
منذ فترة فقط علمت أن الرجل القوي الذي يقف أمام الريح ويهزمها، لا يحتمل بتاتا شكوى امرأة. الرجل الذي يمتلك صبرا لا تناهزه امرأة البتة، لكنه يعجز عن التعبير أمام شكاويها الكثيرة، هو قادر على تحمل كل شيء منها، بكائِها، غنائِها الذي قد يكون قبيحا في بعض الأحيان، دلعها المفرط أمامه، غنجها الكثيف، تلعثمها أمام عواطفها، ضحكاتها الهستيرية، إلا شكاويها التي قد تكون صغيرة جدا، لا تحتاج إلى جهد كبير.
هذا الرجل الذي علمني أنَّ اليد التي تمتد تحت خدي، ترسم لي وسادة ناعمة أتّكئ عليها وقت التعب، لكنه غير قادر على تحمل شكوى صادرة مني.
هذا المزيج بين الاثنين كان مصدرا لتعبي، إذ إنّني بحثت كثيرا في تضاريس وجهه الشاحب، في كمية الأجوبة في رأسه، في أصابعه التي تلوّنني بفرح، لكنني لم أجد إجابة توضح لي هذا الهروب أمام الشكاوي. لمَ يحتمل ثرثرتي المليئة بأمور عديدة، ولا يحتمل شكوى واحدة مني. الآن فقط اتضحت أمامي، هذا الرجل لا يحتمل الشكايات المستمرة، كما يحتملها صدر أمي.. هي هكذا تكون معادلة منصفة في حقه.
الآن فقط علمتُ أنني كلما فتحت فيَّ فوق "الكيبورد" ونسخت لك الكثير من الشكايات المكررة في بعضها، الكثير من الشكايات الصغيرة التي كانت تعني لي الكثير، كنتُ أسحبُ الهواء من صدرك وأخنقك. لطفا أيها الرجل الكريم، لم يكن لي علم أنّك تكره الشكايات هكذا، وأنها قادرة على ضغط قلبك بهذا الشكل المرهق. اعذرْ فتاتك التي حرضت الهواء الخروج من صدرك، اعذرها هي لم تكن تعلم بذلك السر العظيم.
Page 3
إيقاع
كلما كنت حزينة، شيءٌ ما يدركني لأرتبني داخل زاوية وأغلق على جسدي من كل الجهات، وأنصت بكل حذر لمقطوعة موسيقية، لتنساب داخلي أشكالا من عوالم، والشيء المفرح أنني أسيطر على اختياري بها.
إن أردت أن اذهب إلى باريس وأصعد برج إيفل، فقط بـ "زر" خيالي أدخلها بكل سهولة دونما التقيد بقوانين المدينة ومنع انتشار التجول بها، وأصعد إلى أعلاها، أتنفس الهواء الباريسي البارد، وأغمز السماء بخبثٍ لذيذ وكأني أسخر من قدرها لأقول لها إنّني استطعت هزيمتكِ، وإن أردت التجول في ساحة الحمائم في لندن، فقط أغمض عيوني وأفتحها على نافذة جديدة بقطعة موسيقية أخرى. فبتهوفن هـُـنا يتفنن في إيقاعاته، والحمام الملون يحلق حولي كرقصٍ غجري يجعلني أبتسم بقوة.
Page 4
لـذة
لمَ أصبحنا نبحث عن شيء يؤلم قلوبنا، ويصادرها نحو الشمس لتحترق؟ أكره نفسي حين أؤذيك بطريقتي الخاصة أبحث عن أي شيء يسبب لك الألم، حتى لو كانت كلمة تمتلئ بالبغض. أنت كذلك ازددت كما كنتَ سابقا ببرودة يلتصق في أصابعك محرك البحث عن شيء يؤلمني. يكسرني إلى شظايا تتمتع بها عيناك. أعترف أنها لذة لا تقاوم، أن نؤذي بهذه الطريقة شيئا جميلا نما في قلوبنا المتسخة بالأحلام.
Page 5
نافذة
ثمة شجار دار بين النافذة الصغيرة في حجرة ما، وبين الشمس الذهبية. كان عتاباً شديداً، كيف أن النافذة تضطر أن تحتمل ملاءة الليل، وهمسات النجوم، وحفيف أصوات الوحدة وأحزان الزوايا في الحجرة الدائرية، والملائكة التي تطارد الشياطين، والخطوط المكونة من أحلام النائمين، ونقر الأفكار المرتفعة من أفواه الهاربين، والكوابيس الناتجة من عجيج الأطفال. من مجامر قلبين متخاصمين، من موسيقى لا إيقاع لها تلهو على أجساد من لحمٍ وهواء، من صقيعٍ يلون الزجاج بأشكال الدموع.. النافذة الحزينة لا تنام أبداً إلا بقدوم الشمس في كل صباح.
Page 6
كلب
الكلب المربوط في آخر دهليز، يترصد اللصوص الذين يداهمون بيوتنا ليلاً. يسرقون أصوات حناجرنا، ويكسرون أجهزة المذياع التي تعزف لنا يومياً موسيقى السماء. الكلب يشتم روائحهم وينبحُ قضيتنا المعلقة في رقبته. في كل صباح، بعضنا يمرق من جانبه، يبتسم له، ويترك له بعض الماء والخبز، والبعض الآخر يـُهمله، ويمضي في طريقه.