eKtab
EN ع
قضايا قيد التكوين
Read free sample

قضايا قيد التكوين

by د. حسن خليل

Page 1
مقدمة

تعددية، هويّات... ومراكز تجارية

"خلال دورة إعداد منشطين لإدارة نشاطات تربوية وترفيهية للأطفال، طرح المدرب المعادلة التالية على شكل سؤال-إشكالي : هل حياة العصفور في الجبل هي ضرورية لحياة السمكة في البحر؟ الدهشة وربما الاستغراب كانا السمة العامة لمحاولات الإجابة، إذ لا رابط مباشراً من حيث النوع أو المكان أو البيئة بين الاثنين، ويعني ذلك بالجواب المباشر أنه لا ترابط. المنطق الشكلي الذي تحكم في طريقة الجواب لم يأخذ في الاعتبار إلّا ما هو ظاهر مباشرة، ولكن كانت الدهشة أكبر عندما تم تفكيك التركيب المعرفي من خلال تفكيك الترابط وكشفه بالاستناد إلى الوظيفة البيئية لكل واحد من المكونات: الشجرة والعصفور والمناخ والأمطار والمياه والجفاف... يجعلنا نرى أن سبب بقاء الثاني هو حتماً وحكماً ضرورة وجود الأول" (1).

من هذا المنطلق، نجد أن العنوان المطروح للنص يمكن أن يُوقع قارئه في الإشكالية نفسها التي واجهت مجموعة المتدربين أمام معضلة "السمكة والعصفور" . لكن، استناداً إلى المنطق التفكيكي سنحاول فهم الأمور وتبيان العلاقة القائمة، إن لم تكن من حيث الترابط الوجودي أو المعرفي، فمن حيث الواقع السياسي والثقافي المسيطر على عالم ما بعد القيم (2) الذي أرست ركائزه عولمة مابعد نهاية الحرب الباردة وعممته سياسات النظم الرأسمالية التي تحكمت، وعمقت أزمته، الأزمة الحالية المتفاعلة والمتفلتة عالمياً. وعليه، نحن في قلب متاهة يلزمها أكثر من منطق تفكيكي لفهمها، وأكثر من آخر تركيبي لحلها ولإعادة تشكيلها.

إن التداعيات المترتبة على الأزمة الحالية لا يمكن ولا يجب حصرها بالجانب الاقتصادي، على أهميته، فقط، وإنما بمختلف الجوانب ولعل أهمها ما هو متعلق بالبيئة السياسية المرتبطة بالواقع الاجتماعي الذي سيتفاعل عل نحو عنيف ومتصاعد في الفترة الراهنة والآتية وذلك لسببين: الأول مرتبط بتأثر المواطنين وخاصة أصحاب الدخل المحدود والفئات العمالية بالأزمة الحالية وما سينتج عنها من مشاكل واضطرابات في اتجاهات مختلفة، والثاني مرتبط بسياسات الحكومات المسؤولة عن تلك الأزمة من خلال محاولاتها تحويل أو حرف النقاش إلى قضايا أخرى وخاصة القضايا الخلافية والمثيرة كنقاش الهوية الوطنية أو الاندماج المجتمعي أو التفوق الثقافي (3) أو غيرها من أمور تدخل في صلب القضايا التي لطالما شكلت مادة للتعبئة والتحشيد في سلوكيات كل النظم التي تحكّمت في السياسات الدولية في العقدين الأخيرين. ارتباطاً بهذا الموضوع وبهذه الوجهة، نرى أن ثمة جهداً مضنياً يُبذل حالياً في المجتمعات الغربية من قبل حكوماتها، والتي هي بالمناسبة الأكثر يمينية في سلوكها السياسي والاجتماعي، لتسليط الضوء وحرف النقاش عن أسباب الأزمة، إلى ما هو أكثر استهدافاً وإثارة للمشاعر القومية أو العصبوية أو حتى العنصرية كمثل النقاش في الهوية الوطنية، التعددية، الأديان، الهجرة والمهاجرين والاندماج المجتمعي... في فرنسا أو سويسرا أو ما يجري في المانيا وبلجيكا وبريطانيا... وغيرها ربطا بما جرى ويجري في الولايات المتحدة الأميركية منذ احداث 11 ايلول 2001، لنجد بأن منطق الأمور متجه إلى منحى آخر يرتبط بمحاولات لإثارة قضايا من النوع السابق الذكر للتغطية على مفاعيل الأزمة الحالية ولتغطية قرارات وسلوكيات ستتضح أشكالها ونوعيتها في القادم القريب من الأيام. مع ملاحظةتصاعد حالة من الكره تجاه الأجنبي أي اجنبي وفي أي بلد كان أو لأي بلد انتمى (4).

إذا ما أضفنا إلى كل ذلك السلوك المتنامي للحركات المتطرفة والأصولية على اختلاف تنوعاتها ومصادرها ومصادر دعمها وتمويلها نرى اكتمال المشهد على صورة أكثر ضبابية وقتامة وخطورة. هنا بالضبط تكمن المشكلة ومن هنا يستوجب النقاش وخاصة كشف العلاقة المباشرة أو غير المباشرة القائمة ما بين النظم الحاكمة حالياً في العالم والأحداث المتلاحقة: علاقة، إن لم تكن بحكم الإرتباط فبحكم المصالح المتبادلة، وبذلك يكتمل المشهد أو أقله يمكننا كشف أو استشراف ما ستؤول إليه الأمور لاحقاً. بهذا المنحى سنحاول مناقشة الترابط بين القضايا المطروحة في هذا النص مرتكزين على بعض القضايا المثارة حالياً في العالم.

إن بروز مثل تلك النقاشات لم يأت من فراغ أو مجرد موضوع يُطرح من هنا وهناك. انه امتداد لسياسة قديمة- جديدة من حيث الشكل والمضمون والاستهداف. ان المخفي من الأهداف هو أكثر بكثير من المُعلن، وعليه يستوجب ليس القفز من فوقه على اعتباره سياسة يمينية أو عنصرية من قبل سلطة حاكمة من هنا أو هناك، وليس أيضاً التماهي أو المزايدة أو التشدد في الانخراط فيه من جهة أو الإقلاع عنه من جهة أخرى. بل المطلوب هو المشاركة الحقيقية ليس في مناقشة من يُطلق تلك القضايا ويثيرها بشكل غرائزي وعنصري وإنما مناقشة القضايا في ذاتها، بمعنى آخر مناقشة القضايا وليس الأشخاص. يجب ان لا يُصبح نقاش الهوية الوطنية مثلاً حكراً على من يحتمي ويتلطى بالتزمت والشعارات الجوفاء لإمرار سياساته، وليس نقاش القضايا الاجتماعية فقط حكراً لمن يعتقد أنه المعني الوحيد بها والتعددية ليست: منبراً لرفض ثقافة الآخر أو مدعاة للانغلاق والانعزال وبالمقابل ليست للتماهي المطلق على قاعدة رفض العنصرية ودعوة للانفتاح ولتقبل الآخر فقط دون ايجاد الأرضية الحقيقية لإرساء نمطها.
Page 2
من الضروري، إذن العودة إلى اصل القضية المرتبطة بالوظيفة السياسية لمجمل القضايا التي تُطرح على الصعد كافة ومن الاتجاهات السياسية والاجتماعية والفكرية والأيديولوجية كافة لتبيان استهدافاتها الحقيقية وطرح المقاربات الضرورية لها. إن مقاربة الأمور يجب أن تتم من خلال تقديم القضايا بوضوح دون لبس أو غموض أو حتى خجل أو مواربة. بذلك يصبح النقاش أكثر فاعلية وإنتاجا. إن طرح قضية بحجم الهوية الوطنية مثلاً لا يمكن عزله مطلقا عن طرح القضية الاجتماعية والفكرية والاقتصادية وغيرها. لا تناقض ما بين تلك الأمور على الرغم من محاولات الكثير فصلها بعضها عن بعض، أي بمعنى آخر أخذ الأمور بالقطعة أي "بالمفرق" وذلك لتسهيل استهدافها من جانب واستخدامها واستغلالها من جانب آخر. ان طرح قضية التعددية لا يمكن أن يكون إلّا من زاوية الاعتراف بثقافة الآخر وبشخصيته وضرورة تقبله. من هنا تصبح عملية التعدد قضية رأي عام فاعل ومتفاعل، منتج لثقافة مشتركة ومرتبطة بواقع اجتماعي وسياسي واضح ومتساوٍ أقله في مصادر الحياة وامكانية العيش المحترم بكل كرامة في ظل نظام عادل بكل المقايس وفي كل القضايا.

ما تحاول السلطات المتحكمة حالياً القيام به هو حرف تلك القضايا كما غيرها إلى اماكن بعيدة كل البعد عن جوهر القضايا المطروحة. ما تحاوله هو تحويل فكرة الانتماء الوطني من حالة جامعة إلى حالة انعزال وتقوقع و"وطنية" مفرطة "بالأنا أولاً" ومن بعدي لا شيء، ما تريده من قضية التعددية هو تحويلها إلى اداة انقسام وفدرلة تحت مسميات التقدم أو التطور بشعارات أقل ما يقال فيها أنها استعلائية رافضة لكل ما هو آخر بغض النظر عن طبيعته واصله أو حتى موقعه. ما تريده هو تحويل المواطن من كتلة احلام ومشاعر وهمّ وطني وقضايا اجتماعية وعمل عام وتضامن مع الآخر إلى متسول للقمة العيش ولا همّ يومياً له سوى السؤال عن القيمة الشرائية لمعاشه أو كيفية تأمين متطلبات معيشته الأساسية ليوم الغد (5). لقد تم تحويل المواطن إلى كائن حي ما يلزمه هو متطلبات طبيعية للحياة من مسكن وملبس وغذاء فقط ونقطة على السطر. لقد نجحوا إلى حد ما بتحويل أو بحرف الهم العام إلى الخاص والعمل المشترك إلى فردي والتضامن مع القضايا والشعوب إلى فئوية محصورة ما بين خطاب مفرط في "الكيانية" (6) وقضايا قُزّمت إلى درجة التلاشي. لقد استطاعوا تحويل الشعوب إلى جماعات منغلقة على نفسها مهتمة بذاتها لا رابط بينها إلّا المصالح وتأمينها. لقد نجحوا جزئيا بذلك وليس نهائياً: إذن هناك متسع للمبادرة والعمل فإلى هناك، لم الانتظار؟

إن الواقع المعيش اليوم بتعقيداته قد فرض ايقاعه المتسارع على مختلف الصعد، فالتسارع مرتبط بحجم المشاكل وصعوبة مقاربتها، فمن هنا نفهم الحدة التي اتسمت بها تطورات الفترة الأخيرة والارتجال الذي رافقها أيضاً. ارتجال ارخى بظلاله على مناح متعددة وليست حالة اللااستقرار المسيطرة حالياً إلّا وجهاً من اوجه تلك الحالة. إن العالم اليوم غارق في دوامة المتناقضات، تدور على نفسها دون هدف محدد وليست بوجهة واضحة. العالم ينحو اليوم إلى تعميم ثقافات متناقضة شكلاً ومضموناً، ومفاهيم مغايرة أو لنقل مشوهة فكراً وممارسة. فلون البشرة ليس تعددية وقبوله ليس انفتاحاً على الآخر، بل هو وبكل بساطة لون البشرة ولا شيء سواه وقبوله المجتمعي ما هو إلّا امر طبيعي وبديهي، فلماذا إذن هذا الافتعال أو ادعاء مقاربة تلك الأمور؟

إنه لمن البديهي ان يكون التعدد هو ذلك المزيج المتنوع والمتعدد الاتجاهات الثقافية والاجتماعية والمناطقية وحتى الدينية، فلا اللون هو الأساس ولا اظهار بعض النماذج "الصورية" (من صورة) هو براءة استخدام وشهادة حسن سلوك في السياسة والاجتماع والممارسة. القضية هنا هي قضية اخلاقية بالدرجة الأولى وليست قضية مظاهر مشوشة وخطاب سياسي خادع ومخادع وفارغ من حيث الشكل والمضمون معاً. القضية هي قضية ممارسة جادة وفاعلة ومتفاعلة وليست مجموعة مسرحيات تلفزيونية سيئة الإخراج وممثلين هواة. انها إذن قضية حقيقية وليست وعدا أو قولا عابرا محدودا أو لنقل منتهي الصلاحية.

إن الاجتماع الإنساني لطالما كان المؤسس لأنماط الحياة الجماعية والاجتماعية كافة، فلا يمكن تصور حياة اجتماعية أو سياسية أو ثقافية بدون ذاك الاجتماع الناتج والمنتج لها. لقد فطر الإنسان منذ وجوده ككائن اجتماعي على هذا النوع من الحياة واستمر عليه وانتظم في جماعات ومجموعات واعمال وممارسات وسلوكيات وغيرها، عليها وبواسطتها وبسببها اقام المدن والنظم وأشكال الحكم والدول والمؤسسات، وعلى وقائع موجباتها وضروراتها واحتياجاتها كان يتطور ويتقدم. إن الانتظام الاجتماعي كان السلوك والممر الإلزامي لنمط الحياة أو لإنتاج الحياة الاجتماعية وبذلك يصبح أي تطور أو تغير لأي نمط من طبيعتها يستوجب تعديلا في شكلها ومضمونها وأهدافها وغاياتها. لقد كان اجتماع الناس حول النار في عصور ما قبل التاريخ هو سبب بقاء الحياة الإنسانية والاجتماعية واستمرارها، و كان اجتماع الناس حول الفلاسفة في اثينا القديمة سبباً من اسباب قيام الفكر الإنساني ببعديه المادي والروحاني، وكان اجتماع الناس حول القادة الكبار والقضايا الكبرى هو السبب في الثورات التي هزت العالم وكما هو اجتماع الناس في الساحات العامة وفي الكنائس والجوامع ودور العبادة من أجل التباحث والتقرير في القضايا الكبرى التي تهم مجتمعاتهم جميعها، كما كانت الساحات العامة تغص بالمواطنين احتفالاً بنصر ما أو ثورة على ظالم وتكوّن الرأي العام المُعبّر عن أكثرية فعلية تحمل أحلاماً كبيرة وتحمي أفكاراً عظيمة من أجل التغيير. هذا هو الواقع والمكان الذي كان يُصنع فيه الرأي العام وعلى هذه الصناعة كانت تتشكل المبادرة ويكون التصرف.

بالمقارنة ما بين "كان في يوم" و"اليوم" هناك مسافة كبيرة، ليس بالزمن وإنما بالحدث. تحدثنا عن المكان العام وكيفية ولادة الرأي العام في الفقرة السابقة (هذا الذي كان). لكن اليوم: يتحدثون عن التطور والتقدم التكنولوجي، عن القرية الكونية وصناعة الرأي العام، عن الإعلام والاتصال والتواصل، يتحدثون عن التحديث وكل شئ. ومع ذلك يبقى المركز التجاري هو المكان الأكثر استقطابا لمجموع الناس، يتوافدون إليه باستمرار، أصبح المكان الجامع لمن له حاجة التسوق أو الشرب أو الأكل أو حتى التسلية أو لقضاء الوقت والتسكع، أصبح المكان الأكثر تأثيراً في حياة الناس وسبب اجتماعهم، لقد بز الساحات التي ولّّدت الثورات وأصبح المكان الرئيس لأي مدينة، فيه يجتمعون وإليه يذهبون.

فإذا كنا قد قلنا سابقاً إن مكان تجمّع الناس هو مكان صناعة الرأي العام، ففي عصر العولمة والتطور الصناعي والتكنولوجي من الجائز أن نسأل: أي رأي عام ستنتجه المراكز التجارية؟

إذن نحن أمام مقاربة جديدة مرتبطة بطبيعة تكوين المكان العام واستكمالاً الرأي العام. إن ارتباط المكان بالرأي أصبح من الأمور التي تدخل في صلب عملية التكوين الفكري أو الوعي الفكري المُؤسس للمشروع والسلوك السياسي والاجتماعي. إن تصاعد حدة النقاشات حول القضايا المرتبطة بالمكان أو بالانتماء أخيراً وفي غير دولة ومنطقة لا يمكن فهمه إلّا من خلال ارتباطه بالواقع العام السائد على غير صعيد. إن المؤكد أن ثمة تغيراً ما قد حدث في أمور عديدة متعلقة بسبب اجتماع الناس ونتائجه. إن الاجتماع الإنساني المرتبط دوما بالحاجة هو الأساس الذي يجب البناء عليه لمقاربة وفهم مجمل القضايا المرتبطة أو المطروحة على بساط النقاش. لا فصل بين الاجتماع والمجتمعين والهدف والنتيجة المترتبة على ذلك. مجموع هذه القضايا هو من يكوّن ويشكّل الرأي العام والوعي المرتبط به.
Page 3
من هذا المنطلق تصبح الحاجة إلى فهم الأسباب الموجبة لأي عمل من الضروريات التي يجب التفتيش عنها والعمل عليها. إن مجموع القضايا المطروحة اليوم للنقاش على الصعيد العالمي وفي مجمل المواضيع لا يمكن ولا يجب اختصارها بالقضايا التي سنحاول مناقشتها في الآتي من هذا النص. لكن حدة القضايا المطروحة والمرتبطة بالهوية والانتماء الوطني أو التعددية أو تكوين المكان العام وارتباطه بمسألة الديمقراطية تصبح من المهمات التي يجب الانخراط في نقاشها نقاشاً جدياً، وذلك لسببين اثنين: الأول وكما قلنا للأهمية المرتبطة بهذه القضايا وضرورة كشف حقيقة الأمور، و الثاني مرتبط بالخطورة المترتبة على حرف مثل تلك النقاشات عن مسارها الطبيعي إلى اماكن يُراد بها قضايا واستهدافات أخرى.

إننا وبكل تأكيد أمام إشكالية كبرى تفرضها طبيعة القضايا والمفاهيم المطروحة كمواضيع للنقاش. إن أولى تلك الاشكاليات هي الطبيعة "المؤشكلة" لكل مفهوم وارتباطه بالواقع السياسي والاجتماعي والفكري والأيديولوجي، وثانيها ما هو مرتبط بالسلوك السياسي والاجتماعي للأفراد والجماعات التي تمارس مثل تلك القضايا سواء اكانت ممارسة والتزاما فكرياً أم سلوكاً عملياً، وثالثها ما هو مرتبط بالواقع السياسي المسيطر وخاصة في هذه الأثناء التى نشهد فيها ازمات متعددة ممتدة من ازمات سياسية إلى اخلاقية وما بينهما. لذلك تصبح الصعوبة متركزة ومتمركزة في المكمن الدائم والقائم على التقاطع والتقارب وربما التناقض بين القضايا ومدى ارتباطها بالسلوك السياسي الحالي. نحن إذن على الخط الوهمي الفاصل ما بين النظرية والتطبيق أو ما بين القول والممارسة أو ما بين الفعل الواعي وردة الفعل الغرائزية. مكان صعب من حيث المكوث أو التموضع فيه على نحو دائم لأن حجم القضايا وصعوبة مقاربتها يتطلبان أكثر من الفهم لطبيعتها ولسبر اغوار ماهيتها ومكنوناتها، لأن المشكلة لا تكمن في صعوبة الفهم وإنما وبكل بساطة في سوء الفهم أو في استغلاله من أجل قضايا ومآرب بعيدة بعض الشيء عن طبيعته واستهدافاته أقله في المعلن منها.

تعددية وهويات ومراكز تجارية هو مفهوم ثلاثي الاعتبارات والأبعاد، ليس التسلسل الزمني أو التتابع هو الأساس أو هو المراد نقاشه وإنما الترابط القائم بين "القضايا" الثلاث ومدى تأثيرها في الواقع المعيش هو ما نريد قوله، ببساطة، إن المستجد اليوم هو اعمق بكثير من الذي يُعلن على غير صعيد. فإذا كانت العولمة قد أرست مفهوما جديدا لمنطق التشارك والانفتاح والديمقراطية ومقارباتها وغيرها من الأمور، هي وبدون شك أيضاً قد اضفت مقاربة أو فهما جديدا للثالوث السابق الذكر في الفهم أو التعريف أو حتى الاستخدام. وعلى هذا الأساس نشأت بعض السلوكيات التى اعُتبرت جوهرية واساسية في دراسة وفهم القضايا الاجتماعية والتعامل معها وارتباطها بالسلوك السياسي العام.

أول ما سنطرحه هو قضية التعددية ببعديها المفهومي والعملي المرتبط بالسلوك السياسي المرافق وتأثيره في مجرى الأحداث. أهمية هذا الموضوع نابعة من طبيعته المؤشكلة وتعدد التعريفات أو التحديدات المنسوبة إليه. إنه المفهوم الأكثر استعمالاً وحضوراً خاصة في الآونة الأخيرة. تكاد لا تخلو أي قضية مهما كانت طبيعتها من ذكر أو استناد أو تطرق إلى هذا المفهوم. طبيعته التشاركية مرتبطة بطبيعته العملية وكثرة الاستخدام، مما يجعله مادة للمناقشة والحوار والاختلاف وحتى للصراع. إن الأهمية المفترضة لموضوع بحجم التعددية تكمن فعلياً بأهميته الناتجة من طبيعته القائمة على التنوع الجامع ضمن التركيبة الواحدة بغض النظر عن طبيعة هذه التركيبة سواء الاجتماعية أم السياسية أم حتى الدينية أم الإثنية... إن التنوع هو بكل بساطة مصدر غنى مجتمعي وفكري مرتبط بتعدد المصادر المعرفية أو الإبداعية أو حتى بتنوع القراءات للموضوع الواحد. على هذا الأساس يجب ان تتم عملية النظر إلى هذا الموضوع، أي من زاوية الإكثار من الآراء لإغناء الفكرة أو فهمها أو تبيان مكنوناتها. للأسف لم يتم التعاطي على هذا الأساس وإنما وبكل بساطة وخبث في الوقت نفسه، اعُتبرت التعددية هي الوسيلة الناجعة لبث الفرقة والاختلاف واظهارها كمادة حقيقية بأيدي السلطات السياسية لبسط سيادتها من خلال التفرقة. إنه فعلاً منطق مقلوب ولكن للأسف موجود وبقوة.

إن النتيجة الطبيعية المتأتية عن هذا السلوك لا تقل قتامة أو غموضا. لقد انتجت، وكما قلنا، واقعا مقلوبا غامضا لا بل خطيرا. ترجمته كانت بسرعة الانقلاب الذي حصل في المفاهيم والقيم على غير صعيد وعلى أكثر من مستوى ومسارعة الكثير إلى تبني هذا الواقع المقلوب بأبعاده واستهدافاته وسلوكياته. كانت ترجمته من خلال إعادة طرح قضايا اعتُقد أنها منتهية المناقشة ومحسومة التعريف والفهم والممارسة. لم تكن قضية الهوية والانتماء الوطني إلّا من تلك القضايا المستغرب اثارتها في الوقت الراهن وعلى هذا النحو المفاجئ والغريب. غرابة الموضوع مرتبطة بالظرف الزماني أولاً وبالمستجدات ثانيا وبالواقع السياسي الطاغي ثالثاً. إن الذي استجد ما بعد فترة الانهيارات وسيادة منطق "العالم الحر"، المرتبط بإشاعة الديمقراطية وحقوق الإنسان، وسيطرة منطق العولمة والانفتاح والحوار وقبول الآخر والسلام وإلى ما هنالك من امور تدخل في هذا القبيل، يدعو إلى الريبة والاستغراب. كيف تعادُ في زمن الانفتاح وزمن التشكيلات السياسية الناتجة عن توحيد دول عديدة في منظومة اقتصادية وقانونية واقتصادية وامنية وغيرها، وفي المنظومة نفسها مناقشة مثل تلك القضايا. من المتعارف عليه منذ عهد العقد الاجتماعي الذي اعقب الثورة الفرنسية عام 1789 أن مثل تلك الأمور قد وُضعت جانباً. السؤال الآن لماذا اثارتها مجدداً ولأي هدف ولمصلحة من؟

إن الجواب المطلوب لن يكون متاحاً إلّا من خلال دراسة ومناقشة أسباب طرحه الحقيقية وارتباطها بالمستجدات السياسية الناشئة والمعيشة حالياً في العالم. إن الأسباب الموجبة لطرح السؤال لا تبتعد كثيراً عما ستعطيه الإجابات المفترضة. لن تبقى المشكلة في نوعي الأجوبة، المعلن منها وغير المعلن، أو لنقل الرسمي المرتبط بالجهة السياسية وغير الرسمي المرتبط بتحليل الأحداث وكيفية ادارتها ونوعية الخطاب السياسي وحقيقة استهدافاته وأخيراً النتائج المترتبة على ذلك. لسنا أمام معضلة كبيرة أو مستعصية، إننا وبكل بساطة أمام واقع مهزوز مرتبط باهتزاز الكثير من المفاهيم والقيم. واقع تفرض طبيعته إعادة فهم ومناقشة القضايا المحيطة به بدءاً بقضية ومشكلة الديمقراطية في المجتمعات التعددية وما يرافقها من امور تدخل في النطاق المعرفي والسلوكي نفسه وارتباطاته السياسية الناتجة عن استخدام اللغة الخشبية نفسها في مقاربة القضايا والمستجدات. إن استخدام الخطاب نفسه من الطبقات السياسية الحاكمة ببعديها الطبقي والطائفي أو المتواطئ معها امر يدعو إلى الريبة كثيراً نظرا إلى التناقض الواضح والمفضوح ما بين القول والفعل وفي الفعل نفسه ولكن بمناسبات واماكن مختلفة.
Page 4
استناداً إلى ذلك تصبح قضية المكان والزمان قضية اساسية ومعيارية في تحديد الواقع السياسي وارتباطه بتكوين المكان العام. إن فكرة تحديد وتكوين المكان العام هي المدخل الضروري لتحديد "الرأي العام" وعلى ذلك، تصبح قضية فهم المستجدات المعيشة قضية معرفية واضحة تأخذ الوقائع، تحللها وتكشف ابعادها وتفضح مكنونانها. إذن هي عملية "ترابطية" من حيث الشكل والمضمون وعلى هذا الأساس ستتم معالجة الثالوث السابق الذكر من خلال كشف الترابط الموجود بين مكوناته المختلفة وارتباطها بتطور الأحداث والمستجدات التي تعصف حالياً، ليس بالمفاهيم والسلوك فقط وإنما أيضاً، وللأسف بالقيم الإنسانية التي أضحت نسبية فهمها مدخلاً للتطاول عليها بحجج وأساليب وخطاب وسلوك سياسي واجتماعي وأخلاقي مجحف كثيراً.

إننا وبكل تأكيد نعيش في عصر طغت عليه اعتبارات مغايرة كثيراً عن السابق، هذه المستجدات ليست نتيجة للتطور التكنولوجي الحالي فقط، وإنما هي امتداد لسياسات غريبة بعض الشئ ومريبة كثيراً تمارسها الرأسمالية المعولمة بنسختها الحالية: إننا في عصر سيطرة الرأسمالية الأكثر تطرفا، أقله حتى اليوم. رأسمالية منتجة لكل ما هو موضع شك وريبة وتطرف: إنها تنتج الحروب أكثر من السلام، تنتج النفايات على أنواعها أكثر مما تنتج الحبوب والغذاء على انواعه، تنتج الكثير من ثاني اوكسيد الكربون والاحتباس الحراري أكثر من إنتاجها للمساحات الخضراء والجهد لرتق طبقة الأوزون، تنتج الفقر والجهل والأمية وقلة الماء كما تنتج بغزارة وكرم الأسلحة ومستلزماتها. ها هو الواقع المعيش حالياً بصعوبته ومشاكله وازماته. وعلى ذلك الواقع وعلى تلك الأرضية مطلوب العمل على كشفه وتعريته وفضحه وإنتاج بديله. انها مهمة صعبة بدون شك ولكن ليست مستحيلة.

إن استحالة الربط ما بين العصفور والسمكة في بداية طرح الإشكالية كانت الحافز لشرح المنطق التفكيكي لفهم المعضلات التي تواجهنا، لقد كانت شكلاً من أشكال الاستحالة لدى المتدربين في البداية. بعد التدرج في عملية التفكيك المعرفي المرتبط بتحليل البيئة الموجودة حول كل كائن على حدة ومن ثم ربط القضايا بعضها ببعض، جعل القضية تنحو منحى آخر نحو الحل والفهم واستنباط النتيجة والحلول المطلوبة. بدون شك، لقد احدثت صدمة ايجابية لدى المتدربين واكسبتهم مهارات وتقنيات جديدة هم بحاجة إليها في عملهم اللاحق مع الأطفال.

إننا في مرحلة التفكيك وبناء الاشكالية ولم نكن أقل دهشة واضطرابا أمام ما يواجه العالم حالياً من ازمات مرتبطة بنظام سياسي حاكم ومتحكم، من المتدربين. لكن وفي الوقت نفسه، لن نكون أقل جرأة وشجاعة في المواجهة لكشف الواقع وإنتاج البديل. والمشترك بيننا هو المشاركة في تحمل المسؤولية أمام الأجيال القادمة والبشرية جمعاء بمقدراتها الطبيعية والبشرية والمناخية والاجتماعية. إنه تحدٍّ؟ نعم هو وبكل تأكيد هو كذلك. إنه مهمة نضالية؟ نعم بدون شك وبامتياز. إذن، ربطنا ما بين الواقعتين، وبدأنا المهمة وما علينا إلّا الاستمرار لننتج البديل الإنساني الأكثر وضوحا وعدالة وصدقاً.

إن الترابط المكاني ما بين الجبل والبحر يُعتبر بعيداً من حيث المسافة المرتبطة بالجغرافيا والتضاريس، ومع ذلك في عملية الربط التي تمت أصبحت تلك المسافة مرتبطة بالوظيفة المفترضة أو المطلوبة لكل من "المكانين" وعلى ذلك أصبحت قضية البعد المكاني تفصيلاً بسيطاً وليس جوهرياً. إن ما نتحدث عنه هو في الاتجاه نفسه، فلا فرق، عند مناقشة قضايا التعددية أو الهوية أو الانتماء وغيرها من القضايا، أن يكون المكان في العراق أو لبنان أو باكستان أو اميركا اللاتينية... أو باريس أو لندن أو برلين أو كوبنهاجن أو واشنطن وغيرها من العواصم الغربية. هنا عامل المكان لن يقاس بالمنطقة أو بالبقعة الجغرافية أو بالقارة وإنما حتماً وبكل تأكيد بالسياسات المتبعة في تلك البلدان، مما يجعل مقاربة ومناقشة مثل تلك القضايا في البلدان الغربية اعقد وأكثر خطورة ومدعاة للدهشة. لم الاستغراب؟ لا تقاس القضايا بالغنى أو "التحضر" المزعوم وإنما بأمور أخرى سنحاول مناقشتها وكشفها لاحقاً.
Page 5
الموضوع الأول

التعددية وإشكالية الاستخدام
1- التحديد الأكاديمي

التعددية من حيث المبدأ والتعريف هي: "...موضوع وقضية محددة بذاتها ولكن باستعمالات متنوعة ومتعددة..." (7)، إنها بكل بساطة عملية وجود أو تحديد لعدة انواع أو مفاهيم من الثقافات أو المناهج أو السلوكيات المرتبطة بالأديان أو الاثنيات أو العقائد أو غيرها في مجتمع أو "اي مكوّن" واحد، كالدولة مثلاً، أو أي آخر تتوافر فيه شروط الاجتماع الإنساني. هذا التعريف ارتبط بحكم الواقع والاستخدام بعدة مفاهيم وسلوكيات أخرى ، تشبهه أو حتى تناقضه وبذلك، بدلاً من أن تجعله واضحاً صريحاً، زادته غموضاً وإرباكاً. لعل أهم تعريف أو مقاربة لهذا المفهوم كانت فيما يختص بفكرة "الحوار الثقافي" كمدخل لفهم مسألة التعددية التي شغلت الجو الثقافي والفكري المهتم في الفترة الماضية والقريبة، وعلى ذلك برز التعريف الأوروبي مثلاً (8) لمسألة الحوار الثقافي أو المتعدد الثقافات "... كعملية تبادل أفكار قيّمة ومهمة ومنفتحة بين افراد ومجموعات حول معتقداتهم وارثهم وتجاربهم الاثنية والثقافية والدينية واللغوية المتنوعة..." (9).

من ناحية أخرى، يمكن للتعددية أن تكون مجموعة سلوكيات أو سياسات اختيارية أو تطوعية تهدف إلى ملامسة مستويات وامور أخرى تدخل في عملية تكوين وتحديد المكان العام. بهذا المعنى يمكن لها أن تكوّن أو تشكّل "حالة أخرى" أو فهماً جديداً أو معيناً تضمن لها (اي للتعددية) بعض التحديدات، كأن تجعلها مثلاً منطلقا أو حالة أو وضعية:

- ضد التمييز والفصل العنصريين، من خلال ضبط وتأمين وتشجيع أي شكل من أشكال التكامل أو من النظم القادرة على ايجاد الأرضية أو القانون أو الشكل المناسب لعقد اجتماعي يتساوى فيه الجميع من مختلف المنطلقات والخلفيات الثقافية والدينية والاثنية وغيرها.

- كيانية، من خلال التمسك بالهوية الخاصة لكل مكوّن من المكونات مع تأمين شروط احترامها ضمن مجموعة متنوعة يصبح معها الاحترام المتبادل للهوية الكيانية لكل عنصر من عناصرها شرطا لوجودها واستمرارها.

- جماعية، من خلال تأمين الحصانة الأخلاقية والثقافية والاجتماعية لكل مجموعة، ولكن ضمن الإطار العام الجامع والمكوّن للحياة المشتركة والجماعية.

هذا بالمعنى المباشر وكما قلنا الأكاديمي وليس بأي معنى آخر. بالمقابل، للتعددية عدة مصادر أخرى لتكوينها وتشكيلها خاصة في الجانب المرتبط بالمكان والوظيفة والسلوك والظروف المحددة لنشوئها وتطورها ومن ابرز تلك العوامل (10):

- سوق العمل مع ما يرافقها من امور مرتبطة بنوعية العمل ومكانه ومستوى الدخل والمستوى الاجتماعي. هي بدون شك امور تدخل في تركيب الحياة الاجتماعية من خلال التشارك بالعمل ونوعيته وأيضاً بالمداخيل المادية. بدوره، هذا التشارك يؤدي إلى تكوين وعي جماعي مشترك ما بين العناصر المكونة والأمور المرتبطة به. يمكن لهذا الوعي أن يتطور إلى وعي سياسي ويمكن أن يبقى ضمن اطاره البسيط أي مجموعة اشخاص يجمعهم عمل واحد في مكان واحد ومستوى معيشة متشابه يؤدي إلى تكوين حالة مجتمعية متشابهة. أهمية هذا الجانب أيضاً تكمن في مواجهة التحديات والمشاكل التي تعترض المكونات الأساسية له وما تستوجبه من وحدة حال وتضامن في المواجهة وايجاد الحلول وممارسات عملية في اتجاهات متنوعة ومتعددة.

- المأسسة، وهي مرتبطة بالعمل المؤسساتي على اختلافه وميادينه مثل التشابه في نوعية الوظائف العامة أو الخاصة وذلك ارتباطا ليس بالنوعية فقط وإنما أيضاً بمستواها ونوعية الخدمات التي تقدمها وبتبادل المصالح التي يمكنها تأمينها. هذا التشابه يمكنه أيضاً أن يؤسس شراكة معينة غالبا ما تكون قائمة على تبادل المنافع التي ستؤدي حكماً إلى نشوء شراكة أو تشابه في الرأي أو الموقف أو أقله التماهي مع موقف رسمي في أي مستوى كان. كما يرتبط بتغير مفهوم الحكم من خلال تعديل أو تغيير دور الدولة الوطنية ومهامها في الزمن الحالي أي زمن العولمة. كما لا يمكننا اغفال دور الانتخابات على اختلاف مستوياتها وما تمثله كعملية تغيير في البنى المؤسساتية وما تفرضه من تحالفات أو تكتلات لخدمة فكرة أو مشروع أو غيره.

- الأعمال والحياة اليومية أو الأمور التي تدخل في اطار اللغة والمعرفة والعرق والدين والعادات والتقاليد... والتي تشكل في مجموعها انماط الحياة "المجتمعية" أو الاجتماعية مع مستلزماتها كافة المرتبطة بالعمل والسلوك اليومي أو السلوك العام المرتبط بالوعي الجماعي العام.

- الأفكار والمعتقدات وهي الشكل الأعلى لتكوين التعددية، وهي مرتبطة حكماً بالموقف السياسي والعقائدي على مستوى القضايا والمعتقدات. هذا الشكل يمكن أن يكون ذا طبيعة طبقية ويمكن أن يكون سياسياً مرتبطاً بأمور ومشاريع قصيرة أو طويلة الأمد. أهميته تكمن بأنه يجسد ويوضّح عملية التنوع السياسي ودورها واهدافها.
Page 6
مقاربة هذه القضايا ومناقشتها تقوداننا إلى مكان آخر مرتبط بطبيعة نشوء الاختلاف في الأمور الذي يؤدي إلى نشوء التعددية على اختلاف مستوياتها وأشكالها. طبيعة هذه الأمور مرتبطة بعوامل تدخل في صلب المراحل والمستويات التي ذكرناها سابقاً. إن التركيز على الطبيعة الخلافية بين تلك القضايا لا يعني، وليس أبداً شكلاً من أشكال نفي الآخر أو شكلاً من أشكال الغائه. فذلك بكل بساطة عملية تكوينية لأفكار واساليب وانماط تحدد طبيعة الوحدة الاجتماعية وطبيعة عملها وسلوكها. على ذلك يمكننا تحديد المستويات أو الشروط التالية لنشوء فكرة التعدد من خلال:

- الاختلاف القائم بين المدينة والريف مع ما يرافق ذلك من تداخل وتباعد في الوظيفة والتربية والسلوك والعادات والتقاليد والقيم المرتبطة بموروثات ثقافية واجتماعية وطبيعة عمل ومستوى معيشة وفرص عمل ومشاكل اجتماعية وغيرها. وهذا يؤدي فعلاً إلى نشوء نوعين من العلاقات الاجتماعية أو نوعين من المجتمعات اللذين يمكن أن يكونا متناقضين في كثير من الأمور التي تدخل في صلب تكوين عناصر كل منهما. وعليه تصبح مقومات كل مجتمع خاضعة لاعتبارات خاصة بها وهذا ما يمكن تسميته اكاديميا المجتمع الريفي (المرتبط بالريف) والمجتمع المدني (نسبة إلى المدينة).

- الاختلاف بين المحلي والاقليمي، وهو مرتبط بالطبيعة الديمغرافية للسكان مع ما يرافقه من ارتباطات ذات طابع ثقافي وموروثات تاريخية ومجتمعية. هذا الاختلاف يدخل في اطار الخاصية المجتمعية لكل دولة على حدة أو لمجموعة دول متقاربة ولكن من دون المنطلقات نفسها وهذا موجود بكثرة في كل مناطق العالم (11).

- الاختلاف المرتبط بالوجود القاري (من قارة) والسياسي، وهذا يعني التجمعات الكبرى التي حاولت ايجاد، أو تعمل على ايجاد الأرضية المشتركة لمشروع سياسي تتقاطع عليه مصالحها وعلى أساسه تحاول مقاربة القضايا الأخرى وتحدد نمط العلاقات ذات الصلة، كالمجتمع المرتبط بمفهوم الأمة أو بمفهوم الاتحاد (12).

- الاختلاف الديني والفلسفي، هذا واضح وجلي لا يستوجب الكثير من الشرح والتحليل والتحديد. وهو خلاف مرتبط بشروط وأشكال الصراع التاريخي المرتبط بالأديان والعقائد والأفكار واسباب وجودها وآليات عملها.

- الاختلاف السياسي بشقيه الأيديولوجي المرتبط بمصالح طبقية وعقائدية وتحرر وطني، والسياسي المرتبط بلعبة النظم ومصالحها وهذا ما يميز الكثير من انواع الحروب أو الاختلافات الدائرة والقائمة حول العالم حالياً.

هذه المقاربات، مستقاة من مصادر تناولت القضية كقضية بحث اكاديمي مجرد إلى حد بعيد. ما نحاول نقاشه وعرضه هو بحث القضية نفسها ولكن من خلال ممارسات وسلوكيات مرتبطة بالوضع والواقع السياسي والاجتماعي الموجود حالياً في العالم. هذه المقاربات لا تخص مكانا معينا أو مفهوما بعينه بل هي مفتوحة المكان والزمان. تناولناها كقضية اشكالية حالية وعلى هذا الأساس حاولنا المناقشة. لقد تم الاعتماد على قضايا حسية وشواهد عملية مرتبطة بحالة النقاش السياسي والفكري الدائر حالياً حول العالم وخاصة في اوروبا حول امور جوهرية كقضية الهوية الوطنية أو الانتماء أو حوار الثقافات وغيرها. لذلك وجب التنويه بتلك المقاربات وان ناقشت واقعا اوروبيا حالياً، لكنها بحكم الأمور المثارة، تنطبق على كل الدول والمناطق وتنطبق أيضاً على سلوك النظام السياسي المتحكم اليوم في العالم. إذن هي قضية عامة ولكن تناقش من خلال نماذج مختلفة في مناطق متنوعة ومتباعدة ولذلك نطمح لأن تكون موضوعية.
Page 7
2- التحديد والتحديات بحكم الواقع

لا يوجد في القاموس السياسي إذن تعريف للتعددية نستطيع البناء عليه أو المقارنة به لكي نحلل أو نطابق أو نفهم أو حتى نناقش هذا المفهوم-المؤشكل، ليس في التعريف وإنما وبكل تأكيد في سوء الاستخدام وحسن الاستغلال. من هنا تقتضي مناقشة هذا الموضوع توخي بعض الأمور ومقاربتها ارتباطا بالتحولات الجارية حول العالم خاصة بما هو متعلق بالنقاش السياسي-الفكري الدائر حالياً تحت هذا المسمى (13). إن مقاربة هذا الموضوع لا بد لها من أن تأخذ حيزاً كبيراً من مساحات النقاشات الفكرية المنتشرة والمتواصلة حول العالم، في المنتديات الفكرية والسياسية والاجتماعية، لتكاد تُصبح هذه المقاربة أو هذا الموضوع اساسا لأكثرية القضايا أو المشاكل أو حتى التوترات الحاصلة وعلى أكثر من صعيد. إن القضايا المرتبطة بهذا "المفهوم-المؤشكل" (أي التعددية) تُشكل في ذاتها التحدي الأساسي أمام الفكر الإنساني المعاصر واستكمالاً السلوك السياسي المرافق واللاحق. لا يجوز التعاطي معه بخفة أو افتعال أو حتى مغالاة، كثيراً ما تأخذ شكل الاستخدام المشتبه والمشّوه. ضرورة التعاطي معه موضوعياً حقيقة وضرورة تفرضهما وقائع الحياة المعيشة وطبيعة القضايا المطروحة. من هنا ما سنحاول اثارته ومناقشته هو بعضٌ من تلك المنطلقات التي وجدناها "مُؤسسة" لنقاش موضوعي بعيداً عن الغرائز والعصبيات والمصالح الضيقة والمرحلية وسوء الاستخدام والاستغلال.

إذن بالعودة إلى التعريف أو التحديد: لا يمكننا في مثل هذه القضايا الانطلاق من ثابت في هذا المجال، لكن يمكننا بالمقابل طرح بعض الاتجاهات التي يمكنها أن تشكل تحديداً أولياً لمفهوم عام لقضية "التعددية" ببعديها "المفهومي" و"السلوكي" المرتبطين بالممارسة السياسية والاجتماعية:

- بعضهم من يعتبرها (أي التعددية) تنوع فكرياً أو ثقافياً أو دينياً أو اجتماعياً أو جميعها في الوقت نفسه.

- بعضهم يعتبرها عملية تواصلية وتشاركية بين مكونات مختلفة في اطار جامع من حيث المكان والزمان.

- بعضهم يفترض أن طبيعة الحياة الإنسانية وتنوع الأمكنة والجماعات يفرضان هذا النمط من التعاطي مما يجعلها حالة اجتماعية.

- آخرون ينظرون إليها من زاوية المجتمعات التي تتخطى في تركيبتها الاختلاف الموجود بين مكوناتها. وآخرون يجدونها في البناء على الاختلاف بين مكونات متعددة وقبوله في سبيل انشاء حياة اجتماعية في مجتمع ما بكل مندرجاته القائمة على انماط متعددة من أشكال الحياة المتنوعة واستهدافاتها.

الإكثار من التعريفات في النهاية ما هو إلّا تعبير عن وجهات نظر بعضها متناقض والآخر مترابط ولكن الجامع بينهما هو تنوعها وتعددها وميادين "تمظهرها" وما نقصد هنا هو المجتمع. ما يهمنا هو التأكيد على التنوع وعلى المكان لأن ذلك يسهل إلى حد ما طبيعة النقاش وطريقته. الثابت في النقاش أنه لا يمكننا أو لا يجب، وتحت أي ظرف أو مُسمى، مقاربة تلك القضية من زاوية منطق "النفي" أو "الرفض" أو "الإنكار" لأن في ذلك ابتعادا عن الفكرة الأصلية لموضوعنا، كما أنه يفقدها الموضوعية والسهولة والوضوح.
Page 8
لقد اضحت فكرة التعددية وخاصة في الفترة الأخيرة موضوعا يوميا يفرض نفسه بقوة على المسرح السياسي والاجتماعي والفكري والثقافي وذلك لكثرة ما استُخدم أو استُقدم أو استُغل في مجرى الصراعات الدائرة، في السياسة أو الحروب. إن كثرة استخدامه لم تكن نابعة من طبيعته الغنية أو الاستفادة من تلك الطبيعة في سبيل اقامة مجتمعات متعددة ومتفاعلة، ولم تكن من أجل اظهار هذا التنوع كغنى ونعمة يمكن الاستفادة منهما في حل المشاكل والقضايا الموجودة حول العالم التي يتقاتل الناس من أجلها، كما لم يكن من اجل التبادل الفكري والثقافي والمجتمعي. لقد كان وبكل بساطة لأجل استقدامه واستخدامه كعدة عمل ومشروع سياسي في مواجهة آخر، لقد استُقدم في سبيل تفضيل فكرة على أخرى أو ثقافة على أخرى أو مشروع سياسي على آخر، لقد استُقدم في صراعات "حضاراتهم" المزعومة (للدلالة على المنطق الفكري الذي ساد نهايات القرن العشرين والمرتبط بسياسات المحافظين الجدد في الدوائر الغربية) التي هي في الحقيقة والواقع صراعاتهم السياسية الفعلية والحقيقية للسيطرة على الشعوب ونهب الثروات. لقد استُقدم في خدمة "فكر يميني" مرتبط بمصالح رؤوس الأموال وكبار مافيات تجار الأسلحة والأبيض والأسود وغير ذلك من منتجات فكرهم المهووس بالسيطرة والسيادة. لقد استقدموه لتشويه الآخر بغض النظر عن طبيعته الدينية أو السياسية أو الفكرية أو الاجتماعية، فإن لم يكن معهم ومع مشروعهم فهو إذن ممن تجب محاربته بحجة تخلفه أو إرهابه أو عدم اندماجه. إنها قبل كل شئ قضية سياسية مرتبطة بمصالح كبيرة وخطيرة وآفات فكرية تجتاح العالم أو تحاول، عالم ما بعد الحداثة المنظمة التي أرست قيماً ومفاهيم إنسانية، عالم ما بعد انهيار تلك القيم والمفاهيم، عالم عولمتهم المجسدة بالحروب والنهب المنظم والانتهاك المتواصل لأبسط حقوق الإنسان والطبيعة على السواء (14).

من هنا نستطيع فهم خطورة الواقع السياسي وتأثيراته الاجتماعية عند مناقشة أو في كيفية مناقشة هذا الموضوع. لقد انعكست مجموعة القضايا المثارة حول مواضيع تخص التعددية بشكل كبير وخطير على مجرى الكثير من الاحداث واستوجبت الكثير من الكلام والنقاش والسلوك والتوتر وسوء الفهم والتعصب والتطرف وغير ذلك. لقد استولدت مناقشة تلك القضايا الكثير من السلوكيات المرتبطة بنمط الحياة الاجتماعية لبلدان كانت فيما مضى بمنأى عن الكثير من مثل تلك القضايا. لقد وجدت نفسها اليوم في عين العاصفة المتأتية من رحم تلك النقاشات، إن لم يكن من طبيعتها فمن كيفية استخدامها أو استغلالها (15). لقد اثرت بشكل كبير في العديد من القضايا والأمور والمفاهيم التي تشكل أساس النظام السياسي والاجتماعي. لقد اثرت وبشكل كبير أيضاً في تطور الحياة الاجتماعية التي تشهد في هذه الأوقات بعض الردات "الرجعية" في مقارباتها لبعض البديهيات السابقة. إن خطورة الواقع السياسي-الاجتماعي المستجد تتجلى وبشكل واضح في النتائج التي ترتبت وستترتب على مثل هذه النقاشات التي سنتوقف عند قضيتين أساسيتين فيها:

- القضية الأولى، الخوف على الهوية: إن طرح فكرة أو موضوع التعددية من زاوية الانتماء والهوية الوطنية، (هي قضية سنعود إليها لاحقا) ، يجعل القضية أكثر تعقيداً وأكثر حساسية واسهل استغلالا: من الممكن استخدام أو استغلال المسألة كما لو انها نفي للآخر، وهذا بكل تأكيد يستوجب استخدام أو التمسك بذهنية فئوية أو الاحتماء بانتماء قصد الحماية أو المحافظة على "كيانية" كشكل مرتبط بوجود خائف من تهديد داهم أو قادم أو حتى من احتمال قدومه، أو أكثر من ذلك من وهم مثل ذلك الاحتمال (16). كما يمكن استخدام هذا الموضوع من زاوية السيطرة على الآخر وهذا يقود إلى النتيجة نفسها أي التعلق بشكل الانتماء مخافة سيطرة الآخر أو السيطرة على الآخر وهنا لا فرق فالنتيجة واحدة. إن مقاربة تلك الفكرة من زاوية قضية الخوف على الهوية وبالاتجاهين يجعل منها قضية اساسية في مجرى وشكل تطور النقاش المرافق والنتائج التي ستترتب على ذلك. إن خطورة الموضوع تكمن في سرعة استخدامه وسوء استغلاله، فاستثارة الغرائز المرتبطة بسوء الفهم تؤدي دائماً إلى اماكن خطيرة، البقاء فيها خطير والعودة منها صعبة والاستثمار فيها مجدٍ لمن يتمتع بعقلية "المتعالي" بفكره والمتباهي بأصله والذي هو وبكل وضوح وتأكيد من اصحاب الرأي الواحد والعنصر الواحد والسلوك السياسي الواحد والرافض للآخر. من هنا نفهم أو يمكننا فهم دقة وخطورة طرح مثل هذه القضايا في ظل ظروف سياسية متأزمة، في ظل مراحل ما انتقالية وهذا ما يفسر على نحو جلي كثرة طرح القضايا المتعلقة بالتعددية وامتداداتها في العقدين السابقين وهذا بالتأكيد يدعونا إلى التنبه إلى الخطورة المتأتية من نتائج هذا الطرح وهذا الموضوع. وعليه تصبح قضية الخوف على الهوية قضية خلافية بدل أن تكون وفاقية كما أنها بدل ان تكون عامل وحدة تصبح عامل تفرقة واحتراب ولكن هذه المرة بمنطلقات مختلفة.

- القضية الثانية، المشاكل المرتبطة بالثقافة والاجتماع: ارتباطاً بالسابق واستكمالاً له تصبح النقاشات في تلك القضايا بجوهرها خلافية، أي تمهد لإنتاج وقائع وسلوكيات مغايرة تُرخي بظلالها على مجمل القضايا والأحداث المرافقة مما يجعل مسألة الهوية والخوف عليها قضية تستوجب أو تستتبع أموراً أخرى، منها ما هو مرتبط بها ارتباطاً مباشراً ومنها ما هو مرتبط بنمط ونوعية السلوك المستجد، ويضعها في موقع صعب وحتى مشتبه ومشوه بحكم النتائج المترتبة على ذلك. إن التمسك بالهوية أي بالمعنى الضيق لها يفترض التمسك بموجباتها من سلوكيات ثقافية أو عادات أو لغة أو حتى انتماء ديني واثني. وعليه تصبح مقاربة الآخر مرتبطة بمدى القرب أو البعد أو التناقض أو الالتقاء وليس من موقعه المستقل. هذه المقاربة تجعل الآخر يطمح ويسعى إلى السيطرة التي توجب من "الآخر" الآخر سلوكا يحمي نفسه وهويته الوطنية والثقافية. بذلك تصبح القضية قضية بقاء قائمة ومُؤسسة على رفض الآخر لا بل على منطق نفي الآخر وفي الاتجاهين. هذه المقاربة لا يمكنها التوقف عند هذا الحد بل ستتعداه إلى البعد الاجتماعي المرتبط بموروثات وعادات وتقاليد. هذا البعد يخضع للمعايير السابقة نفسها، فتصبح قضية التمسك والتشدد في الموروثات شكلاً من أشكال اثبات الهوية بأوجهها وجوانبها كافة واي تراخ هو مرفوض ومستنكر لأنه سيصبح فعل خيانة وتنازل، مما سيفسح في المجال لسيطرة الآخر واشغاله حيزي الزمان والمكان مع كل ما يترتب على ذلك من امور وخطاب وسلوك. هذه الوقائع ستفرض إذن طابعها ومنطقها على التطور اللاحق للأمور وانعكاساتها الاجتماعية وهذا وبكل تأكيد لن يؤدي إلّا إلى مزيد من التوتر الاجتماعي المرتبط بصراع "هويات" مزعومة وسلوك نهايته هي حتماً مشروع سياسي يستفيد منه الأكثر "ظلامية" وتطرفا في خطابه وفكره ونهجه وسلوكه.

إذن وبالإجمال تصبح قضية الخوف على الهوية أو قضية المشاكل الناتجة عنها وخاصة المرتبطة بالسلوك الاجتماعي هي المحددة لبوصلة الحياة السياسية. هذا التحديد سيفرض وبكل تأكيد منطقه ونهجه على التطور اللاحق في المجتمعات. إن فقدان عامل الثقة المتبادلة بين المكونات هو وبكل تأكيد مشكلة بنيوية في تكوين الحياة الناظمة للمجموعة بكل اتجاهاتها ومكنوناتها وماهيتها، وسيؤثر حكماً، وحتماً في الطبيعة المؤلفة للنمط الاجتماعي مما سيفرض سلوكيات ومظاهر تعبير تختلف من حيث الشكل والمضمون والنتيجة عما سبقها وبذلك يتكوّن ما يمكن أن نسميه "الرأي العام" الذي هو، من حيث الطبيعة والوجود والوظيفة، نتيجة منطقية للسلوك المُتبع والمُعتمد وعلى ذلك تتشكل القضايا السياسية والاجتماعية، وعلى اساسها يتكوّن المشروع السياسي الذي يُعتمد في طريقة الحكم أو الوصول إلى الحكم مع ما يستلزمه من سلوكيات وممارسات ضرورية.
Page 9
3- مظاهر التعبير

استناداً إلى ما تقدم ولكي لا نقع في فخ التعميم والاقتصار على البحث النظري سنحاول مقاربة قضية التعبير عن نمطية التعددية أو التعاطي معها من خلال نماذج وامثلة افتراضية بطريقة الطرح وإنما واقعية من حيث الواقع المعيش والممارسة اليومية. يمر عالمنا اليوم في مرحلة رمادية من الفصل بين القضايا، لم تصل بعد إلى مرحلة الانفصام وإنما في الطريق إليها. مرحلة "تناقض" بالمقاربات بين "ما نريد" وبين ما "هو موجود" لتصبح معه قضية الربط بينهما قضية أساسية ومطلوبة لنقاش الحالة العامة المسيطرة. لقد اختل العالم في نهايات القرن الماضي وهذه قضية واضحة لا لبس فيها. لقد ازداد اختلاله في بدايات القرن الحالي وهذه قضية أيضاً واضحة ولكن مستمرة، وهنا المشكلة؟ إذن منطق الاختلال يتطور ويتفاقم، اي، بمعنى آخر، نحن سائرون إلى مزيد منه وهنا الخطر!

لقد احدثت نظم العولمة الحاكمة وبكل تأكيد هذا الاختلال وهي المسؤولة عنه، وعليها تحمل النتائج والتبعات. لكن السؤال المفصلي هنا: هل هي، أي النظم، من تتحمل التبعات اليوم؟ بكل تأكيد إن الجواب بالنفي سيكون هو الصحيح وعلى ذلك سنحاول ابراز بعض القضايا والأمثلة والنماذج، ليس لمناقشتها وإنما لمجرد التوضيح والمعرفة والبناء عليها. هي إذن قضية اختلال ولكن للأسف لم تقف عند حد السلوك السياسي ولا الاقتصادي المعمول بهما حالياً، وإنما تعداه إلى القيم والمفاهيم الإنسانية التي تميز بها منطق وفكر وسلوك من اسّس فكرة العدالة الاجتماعية والدولة الديمقراطية دولة القانون والرعاية، ولمن اطلق مفاهيم المساواة والحرية والحياة السعيدة والشعوب الحرة.... مفاهيم كانت أساس الحياة الاجتماعية ومواضيع وقضايا تطويرها فيما بعد، قضايا لطالما ناضل من أجلها كثيرون حتى أصبحت من المسلمات البديهية في تكوين الفكر السياسي والاجتماعي على اختلاف اتجاهاته. في عصر ما بعد تلك القيم سنحاول إعادة الاعتبار، أقله لمحاولة نقاشها، لعلنا في ذلك نستعيد بعضا منها أو من التاريخ المقتول عذراً من احفاد الأنوار ووارثيهم.

إن التدرج في طرح القضايا المرتبطة بحجم قضية كقضية التعددية يحمل في طياته بعدين أساسيين: بُعداً مرتبطاً بالطبيعة العامة لهذا المفهوم والآخر مرتبط بالسلوك المرافق أو اللاحق. على ذلك نرى اليوم أن من الضروري جداً الوقوف عند بعض السلوكيات البسيطة المرافقة لثقافة "عالم العولمة المتقدمة" (17) لتبيان مدى تأثر الرأي العام أو لنقل بكل بساطة رأي الشارع البسيط من مواطنين عاديين يذهبون إلى اعمالهم ويعودون إلى منازلهم دون كثرة ضجيج، غير الذي يصادفهم في تنقلاتهم واماكن عملهم. إن مبلغ هذا التأثر قد وصل إلى مراحل متقدمة في تكوين الوعي الإنساني من خلال كثرة الضخ الإعلامي-السياسي المشتبه والمشوه حول قضايا كبرى، أو كانت كذلك. مبلغ تأثيرات تلك الآلة المكونة للرأي والوعي العام وصلت إلى مرحلة السيطرة على اتجاهات التفكير والسلوك المرتبط بها حتى أصبحنا نسمع صداها في الشارع بكل بساطة وأحياناً بتبنٍّ غير معروف الأسباب أو الغايات. إن حالة اللامبالاة المسيطرة حالياً عند أكثرية "رأي عام" يُفترض أن يُشكل أو يُحدد شكل السلطة السياسية الحاكمة أصبحت تنذر بخطر كبير ليس على ضياع القيم فقط وإنما الخوف من تلاشي فرصة إعادة احيائها.

عند هذا الحد يجب التوقف للتفكير في مخرج من هذا المأزق التاريخي وفق المعايير كافة، والعمل من خلال إعادة الاعتبار إلى فكرة تكوين الوعي العام المرتبط بوضوح بالقضايا المطروحة بأهدافها واستهدافاتها دون الوقوع في اخطاء التعقيد أو المواربة أو الغموض. إن الكثير من القضايا المطروحة اليوم على بساط النقاش والبحث والتفكير ما هي إلّا قضايا كانت محسومة في أكثريتها حتى الأمس القريب من خلال موازين قوى كانت قائمة واختلت. لذا يجب ان ينصبّ العمل الآن على إعادة تشكيل موازين القوى تلك مع ارجحية لمن يقف اليوم في صف المعترضين على السياسات القائمة. ما سنحاوله الآن هو التوقف عند بعض مظاهر وامثلة يمكنها ان تشكل بداية نقاش حقيقي إذا كانت النية موجودة:

- المثال الأول: إن من يراجع التاريخ على نحو استعراضي واكاديمي لا بد له أن يلمس كثرة التحولات التي جرت واثرت بشكل موضوعي في مجرى كثير من الأحداث المرتبطة، اما بتطور طبيعي يعود إلى الحاجة وإما بآخر "اصطناعي" يعود إلى تقلب السيطرة على البلدان والشعوب. على أن الثابت هو الحاجة والتغيير والمتحرك هو التناوب على السيطرة ولكن مع اسبقية أو افضلية اوروبية وهذا جلي ولن ندخل في نقاش الأسباب. إذن التاريخ البعيد والقريب يشهد للسيطرة الأوروبية على مسرح الأحداث أو لنقل على صناعتها. من هنا يمكننا فهم مدى انتشار الثقافة واللغة الأوروبيتين بتنوعاتهما في نواحي الأرض والمعمورة قاطبة. ان هذا الانتشار على مساحة التاريخ والجغرافيا والسياسة والثقافة والعلوم وغيرها قد اعطى البعد الأوروبي آفاقا كبيرة وسيطرة طويلة ودائمة وهذا ما انعكس وبشكل كبير على مكانة الفرد الأوروبي سواء في تعاطيه مع الآخر أم في تفاعله مع القضايا المرتبطة بحياة الإنسانية. إن تطور وتبدل آليات وأشكال السيطرة الأوروبية لم يمنع من نمو وظهور وانتشار بعض الجوانب العنصرية أو الاستعلائية لدى الأوروبيين رغم محاولاتهم الدائمة لتغليب عامل المساعدة والمساهمة في التطوير على ما عداه، أقله في الخطاب السياسي. لن نذهب كثيراً في التاريخ وإنما سنأخذ منه القريب أي القرن السابق والحالي لتبيان اثر تلك السياسات والممارسات.
Page 10
لم يحاذر الأوروبيون (هنا نقصد السلطات الحاكمة وليس الشعوب) مغبة اللعب على وتر تناقضات الشعوب وخاصة في بعديها الثقافي المرتبط بالدين والاثنية، والسياسي والاجتماعي المرتبط بنمط الحكم السياسي المراد دعمه لتثبيت مصالحهم وتحقيقها. من هنا، إن الامبرطوريات التي لا تغيب عنها الشمس هي التعبير الأصدق عن حجم الانتشار والسيطرة على الدول والشعوب وعلى ذلك يمكننا محاكمة النيات والأفعال. إن امتلاك العنصر الأوروبي لقيم العدالة والحرية والمساواة التي نادت بها ثورات بلادهم لم تساهم في بناء مستعمراتهم وتربيتها على هذه القيم، كما أن امتلاك العنصر الأوروبي لنمط الصناعات الكبرى التي انتجتها ثوراتهم الصناعية لم تجد طريقها إلى الشعوب والبلدان الخاضعة لهم على الرغم من توافر العوامل المساعدة كافة على ذلك. إن هذين المثلين هما فقط للتذكير وليسا للمحاكمة أو النقد. من هنا نفهم كيف أن الخطاب السياسي الأوروبي فيما سبق كان يعتمد على التناقض ما بين الشعار والممارسة في سلوكه السياسي. على هذا الأساس كانوا يُشعرون مواطنيهم بتفوقهم الكبير على ما عداهم من أمم وشعوب والدليل على ذلك السيطرة المحققة في العالم، واللغات المنتشرة التي أضحت لغات بلدان عديدة. هذه الوضعية وإن شكلت عاملاً أساسياً في تغليب نمط أو نوع من انماط الخطاب السياسي "الشوفيني" إلّا انها انعكست وبشكل كبير على نظرة المواطن الأوروبي البسيط إلى العديد من الأمور وهذا أمر طبيعي بأن يتأثر ويحس بالفخر لانتمائه إلى هذا المكوّن الثقافي والاجتماعي ولربما الديني. لقد تولدت عندهم وبشكل كبير فكرة الاعتزاز بانتمائهم وعلى هذا الأساس كانت نظرتهم إلى مجمل القضايا والأمور.

لقد استفاق الأوروبيون اليوم على واقع مغاير لما تعودوه أو لما كان سائدا فيما مضى. لقد استفاقوا على شعوب وسيطرة وثقافة ووضعية وهيمنة مغايرة لكل ما كانوا متعودينه: السيطرة ليست لهم، والهيمنة كذلك، هناك صعودٌ مدوٍّ لغيرهم وخاصة من دول وشعوب كانت حتى الزمن القريب جزءاً من ممتلكاتهم أو لنقل من نفوذهم (18). هذا الواقع وبدون ادنى شك دفع الأمور إلى مكان أكثر اضطرابا وضبابية، إذ كيف يجب التعاطي وعلى أي أساس سيتم التفاعل؟ اسئلة كانت برسم اصحاب السياسة واصحاب الفكر واستكمالاً الشارع البسيط الذي لطالما تعود فكرة الأفضل والأكثر تطورا أي فكرة الحاكم. اسئلة كثيرة واجوبة مضطربة كانت السمة الأبرز للواقع السياسي والفكري والثقافي والاجتماعي.

- المثال الثاني: أثناء تجوالك في العديد من البلدان أو المدن أو أي تجمع سكاني (19) وعند سؤالك أي مواطن تصادفه عن الوسائل والأشياء التي يستخدمها ويستعملها في حياته اليومية، يجيب وبكل فخر- مرتبط بكثرة استخدامه للأشياء التي تُصنع في الخارج: إن هاتفي المحمول من السويد وسيارتي من اليابان وحاسوبي من الصين وسترتي من الهند وأتناول دائماً طعاماً مشرقياً أو مغربياً إلى ما هنالك من أمور. وإذا استتبعت سؤالك باستمزاج رأي الشخص نفسه عن شعوب تلك البلدان، يجيبك وبكل تأكيد نحن الأفضل أو الأكثر تطورا أي يعود إلى المنطلق المرتبط بكينونته ونظرته إلى الآخر. يمكنك ان ترى وتلمس هذا الأمر عند السواد الأعظم من المواطنين في أكثرية البلدان. لن ندخل هنا في كثير من التحليل وإنما نستعرض هذه الواقعة فقط لنرى مدى سطحية مقاربة بعض الأمور الكبيرة في بعض الأحيان. نحن إذن أمام عارض مرضيّ يتشكل فور السؤال الذي يطال الهوية أو الانتماء فتصبح القضية قضية وجود واثبات وجود بغض النظر عن الكيفية أو عن الواقع. إن ما تعانيه اليوم الشعوب والثقافات على اختلاف اتجاهاتها ومنطلقاتها هو التخمة من كثرة استخدام "الأنا" في غير موضعها والمرتبطة بالتعصب الأعمى الناتج عن فهم خاطئ للواقع من جهة ولكثرة استخدام الخطاب المتعصب والعنصري من جهة أخرى.

إن ما تعانيه الشعوب الأوروبية خصوصاً والغربية عموماً مثلاً وبكل تأكيد هو الافراط الزائد في الخطاب "اليميني" المرتبط باثبات الذات "الأنوية" المرتبطة بالتاريخ أو الرافضة لمنطق التاريخ المتغير والمتطور بتطور الوقائع وتبدل الظروف والمعطيات، ولذلك، إذا سألت المواطن الأوروبي عن الملبس والهاتف والسيارة والطعام مثلاً فستجد الأجوبة السابقة الذكر نفسها وإذا سألته عن أهم المشاكل التي تعانيها القارة العجوز وضع العامل أو السبب الأجنبي في مقدمتها. من هنا نرى ان ازدواجية المعايير في مقاربة القضايا هي الأساس الذي تحاكم به الأمور والقضايا، فلا التنوع في مصادر الإنتاج ولا التنوع في مصادر الترفيه، وهما بالمناسبة تجهد معظم الحكومات الأوروبية في استخدامهما كأولويات لشعوبها، يمكنهما أن يخففا من شدة اللهجة العنصرية تجاه الآخر الأجنبي سواء في الخطاب السياسي أم السلوك الاجتماعي. نحن هنا أمام انفصام حقيقي في مقاربة الأمور، فبقدر ما يشكل الأجنبي عامل مساعدة فلا بأس به شرط ان يبقى خارج المنظومة الحياتية المباشرة أو المجتمعية أو حتى الثقافية. إن طفو الخطاب الوجودي (نسبة إلى الوجود المباشر على اختلاف جوانبه المرتبط بالحياة اليومية) يشكل اليوم المكان الذي يستطيع أو يعتقد المواطن أو المسؤول أنه افضل واضمن طريقة للمحافظة على وجود مهدد من آخر دون النظر إلى طبيعة ودور هذا الآخر في دورة الحياة الاجتماعية والاقتصادية وحتى الفكرية. من هنا نرى أن مقاربة الكثير من الأمور لا تخضع لمعايير واحدة وثابتة وإنما مرتبطة بسلوك ما، يضمر أكثر مما يفصح عن اهدافه الحقيقية، خطاب سياسي آخذ بالكثير من الانحياز أو الابتعاد عن مفاهيم وقيم لطالما اعتُبرت ثوابت في القاموس السياسي الأوروبي (20).

- المثال الثالث: إن الألعاب الأولمبية هي الأكثر شعبية في العالم، وهي التجمع الأهم على مستوى العالم للرياضة سواء من حيث المشاركة أم من حيث الألعاب والمسابقات أم من حيث الصيت والسمعة. إن وجود هذه الألعاب ارتبط بامتداد تاريخي إلى العصور اليونانية القديمة بحيث ان الاحتفاظ ببعض طقوسها ما يزال قائما حتى يومنا هذا كجبل الأولمب أو الشعلة الأولمبية أو طريقة ايصالها. نحن هنا لسنا في دراسة أو استعراض تاريخي لهذا الحدث ولكن للتدليل فقط على اهميتها الجامعة والموحدة للشعوب من ناحية الرياضة أو من نواحٍ أخرى مرتبطة بالاعداد والحضور والنفقات... للتذكير فقط: إن هذه الألعاب بصيغتها الحالية أي باعتبارها حدثا عالميا دوريا قد مضى عليه أكثر من قرن من الزمن (1896) وما يزال يحافظ على دوريته كل اربع سنوات مرة وفي بلدان مختلفة (21).

هذا الحدث يشكل الفرصة للكثير من الدول والرياضيين لإثبات وجودهم على الساحة الدولية، فلا فرق بين الدول سواء أكانت من دول العالم الثالث أم الأول أم من افريقيا أم اوروبا أم آسيا...اي لا تفرقة وتصنيف لا حسب الدول ولا حسب المستوى أو اللون أو الاثنية أو العرق أو الدين. يتساوى الجميع في حق المشاركة وحق المنافسة وحق الربح وحق التتويج إلى آخره. ما نريد قوله في هذا الموضوع بسيط جداً بمعناه وكبير بمدلولاته: دون ادنى شك، في المعايير السابقة الذكر، إن هذا الحدث يمكنه أن يشكل مكانا ملائما وجيدا لإيجاد منافسة حقيقية وجدية بين رياضيين من بلدان وشعوب مختلفة في الكثير من القضايا والأمور والحيثيات. إنه يمنح جميع الدول - وهذا امر جيد- على الحقوق والواجبات نفسها ويجعل فرص الفوز أو المنافسة متاحة لكل المشاركين. فلا ضير في المنافسة مثلاً بين رياضي من الكونغو أو انغولا أو اليمن أو نيبال وآخر من فرنسا أو اميركا أو اليابان ولا ضير إن ربح احدهم وخسر الآخر، يصعد منصة التتويج بطلا مع نشيد بلاده الوطني وعلمها وسط تصفيق وتشجيع الجمهور ووسائل الإعلام المختلفة والمتنوعة.