Page 1
الملخص بالعربية
يعّد جمال الدين الأفغاني (1838-1797) شخصية بارزة في الفكر الإسلامي في القرن التاسع عشر , وقد تحدث عن قضايا بارزة وساخنة في حياة الأمتين العربية والإسلامية , أبرزها : وحدة الأديان السماوي؛ إذ تقوم هذه الوحدة على تمام الإتفاق في الأصول والمبدئ في أصلها وغايتها , وان الإختلاف الحاصل حول الأديان السماوية هو اختلاف سياسي بشري لا يستند إلى الحقيقة الدينية التي مصدرها الخالق العظيم , ومن ثم يدعو المفكر إلى توحيد أهل الأديان السماوية كما اتحدت في أصولها ومبادئهاوأما القضية الثانية , فهي قضية الاجتهاد , فيدعو المفكر إلى عدم سد باب الاجتهاد , والانحياز إلى العقل والعلم في تأويل النصوص الدينية .
وأما القضية الثالثة, فهي النشاط السياسي من خلال اتباع أسلوب التصفية الجسدية لبعض حكام زمانه لتحقيق المصلحة العامة للشعب , ثم انشاؤه للصحف والجمعيات المختلفة والمشاركة فيها لنشر آرائه في الشرق, ومن هذه الجمعيات العروة الوثقى , وأما مشاركته فكانت بارزة في الماسونية.
وأما القضية الرابعة فدعوته إلى الجامعة الاسلامية من أجل وحدة المسلمن ووقوفهم امام المستعمر .
وأما القضية الخامسة فهي حديثه عن الاشتراكية وذمه لها , وقد حللت رسالته (الرد على الدهريين) وانتقاده للدهريين على مر العصور, ورأيه في نظرية النشوء والارتقاء .
وأما القضية السادسة والأخيرة فهي دعوته إلى الجنسية الإسلامية ليظهر لنا المفكر بأيدلوجيته الإسلامية , وانتسابه إلى الاسلام السياسي , وإن سادت حياته بعض التهم كدخوله في الماسونية.
تمهيد
إن الدافع الرئيس من البحث في فكر جمال الدين الأفغاني يكمن في طرح مفكرنا إلى قضايا وحدوية ودينية وسياسية لها واقع في الماضي والحاضر والمستقبل كذلك ،ولذا ارتأيت طرح هذه القضايا وتفسيرها معتمداً على المنهج العلمي في التحليل من خلال مؤلفات المفكر ،وأراء الباحثين حوله.وقد كنت قدمت رسالة ماجستير في الفلسفة في عام (1995) حول فكر الأفغاني من أجل الحصول على الشهادة غير منشورة بعنوان ( فهم جمال الدين الأفغاني للدين ودلالته على مذهبه وجنسيته) ،وطرحت بعض القضايا التي أتحدث عنها في مؤلفي هذا بإنتاج جديد ورأي حر ،ومن أبرز هذه القضايا :
وحدة الأديان السماوية
الاجتهاد
النشاط السياسي
دعوته إلى الجامعة الإسلامية
الاشتراكية :
- تفسير الأفغاني للدهرية
- رأيه في نظرية النشوء والارتقاء
جنسية الأفغاني من الناحية الاعتقادية.
وأسأل الله العلي القدير أن أكون قد وفقت من خلال هذا الجهد لكي أضع أمام القارئ المهتم بالفكر العربي والإسلامي أهم القضايا التي تهمهم في واقع الحياة .
Page 2
وحدة الأديان السماوية
يعد الدين مقوماً أساسياً ترتكز عليه دعوة الأفغاني السياسية ،وله في تفسيره نظرات شاسعة لا تصل به إلى حيز التعصب الذي حاربه في خاطراته ،وفي مقالاته في العروة الوثقى .ثم إن الدين،في نظره ،هو الأساس الذي يختلف فيه الناس على كوكبنا الأرضي .يقول الأفغاني:(ثم رجعت لأهل جرم الأرض ،وبحثت في أهم ما يختلفون فيه فوجدته (الدين) فأخذت الأديان الثلاثة ،وبحثت فيها بحثاً دقيقاً مجرداً عن كل تقليد ، منصرفاً عن كل تقييد،مطلقاً للعقل سراحه)(2:82)وبعد البحث والنظر ،وجد الأفغاني أن الأديان السماوية الثلاثة في أصلها على تمام الاتفاق في العبادات. يقول الأفغاني) هكذا ترى الأديان الثلاثة متفقة في الأمور التعبدية بلا أدنى تباين أو تخالف). (2:215)
وكذلك الحال بالنسبة إلى المعاملات، فالوصايا التي أوصى الله تعالى بها موسى ،عمل بها المسيح ،ولم ينقض منها شيئاً ،أما الديانة التي جاء بها محمد-صلى الله عليه وسلم-،فقد احتوت على تعاليم التوراة والإنجيل، وهذا يعني أن الإيمان بوحدة الأديان السماوية الثلاثة يكون في تطابقها على بعضها . يقول الأفغاني:( أما الرجل المؤمن ،فقد بحث ودقق ،وطبق كتب الأديان على بعضها،فلم يجد فيها أقل تباين ،بل وجدها متفقة في المقصد والغاية).(2:215)
وتنبثق وحدة الأديان السماوية التي آمن بها الأفغاني عن عقيدة واحدة ترجع إلى إله واحد أحد يعد ًمصدراً للأديان السماوية الثلاثة،وكأنه يقول لنا : إن الخير الموجود في أصل الأديان ،سببه الخير المنبثق عن الله الخالق العظيم ،فالله هو مثال الخير الذي لا يمكن أن يصدر عنه الشر،إذ (لا ترى في الأديان السماوية ما يخالف نفع المجموع البشري ،بل العكس،فإنها تحضه على أن يعمل الخير المطلق ،مع أخيه وقريبه،وتحظر عليه عمل الشر مع أي كان).(1:69)
وحينما يتكلم الأفغاني عن وحدة الأديان السماوية،في أمور عديدة، فإنه ينبه أهل الأديان الكبرى الثلاثة إلى المسارعة في سبيل الخير والتقدم عن طريق اتحادهم.( وعلى هذا لاح لي بارق أمر كبير ،أن يتحد أهل الأديان الثلاثة مثل ما اتحدت الأديان في جوهرها أصلها وغايتها ،وأنه بهذا الاتحاد يكون البشر قد خطا نحو السلام خطوة كبيرة في هذه الحياة القصيرة).(2:82)
أخلص مما تقدم إلى ما يلي:-
- إن حوار الأديان في الماضي والحاضر تحت ما يسمى بوحدة الأديان السماوية يجب أن يستند إلى حقيقة الدين المنزل في أصله من عند الله تعالى ،من خلال أصول ومبادئ الكتب السماوية التي دعت إلى عقيدة واحدة هي الإيمان بالله وبرسله جميعاً.
- أن القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الوحيد الذي تكفل الله بحفظه من خلال السند العلمي الموثوق بالتواتر،وهو معجز ،وأما الكتب السماوية الأخرى في أصلها وغايتها غير موجودة بالواقع .
بما أن الأديان السماوية في العقيدة والعبادات والمعاملات أصلها واحد،ومبادئها واحدة ،وهي تدعو إلى الخير والوحدة وإلى الإيمان بالرسالة الخاتمة إلى الناس جميعاً ،يتحتم هذا منطقياً على أتباع الديانات السماوية أتباع الإسلام عقيدة ومنهجاً .
وبعد أن بين الأفغاني حقيقة وحدة الأديان السماوية ،نظرياً ، انطلق ليخبر الناس في زمانه السبب الذي يحول دون اتحاد أهل الأديان السماوية الكبرى ، فيرى أنه مانع سياسي صنعه رؤساء الأديان الذين يتجرون بالدين.( ولكن، لما علمت أن دون اتحاد أهل الأديان ،تلك الهوات العميقة ،وأولئك المزاربة الذين جعلوا كل فرقة بمنزلة حانوت وكل طائفة كمنجم من مناجم الذهب والفضة ، ورأس مال تلك التجارات ،ما أحدثوه من الاختلافات الدينية ،والطائفية والمذهبية .... علمت أن أي رجل يجسر على مقاومة التفرقة ،ونبذ الاختلاف ، وإنارة أفكار الخلق ،بلزوم الأئتلاف ،رجوعاً إلى أصول الدين الحقة – فذلك الرجل- هو يكون عندهم قاطع أرزاق المتجرين في الدين).( 2:83)
Page 3
الاجتهاد في نظر الأفغاني
اهتم الأفغاني اهتماما كبيرا بإصلاح الأمة الإسلامية من الناحيتين السياسية والدينية , فرأى أن الظروف السياسية التي حلت بالعالم الإسلامي في القرن التاسع عشر كان سببها عدم فهم المسلمين لحقيقة دينهم , لذلك , اعتقد الأفغاني بأن إصلاح المسلمين لن يكون إلا بالجمع بين التجديدين الديني والدنيوي (10)ويقوم الجمع بين الدين والدنيا , في نظر الأفغاني , على تنبيه المسلمين على ضرورة الأخذ بالفكرة الدينية القائمة على فتح باب الاجتهاد التي أطلقها محمد بن عبد الوهاب في القرن الثامن عشر ، ويعتمد هذا الجمع على الأصول الثابتة في الدين , ومن ثم العقل , الذي يمكن بوساطتهما تمييز النصوص الدينية الصحيحة من الموضوعة , يقول عبد القادر المغربي –أحد مؤيدي الأفغاني : ((إن الأساس الذي بني عليه الإصلاح الديني هو : تمييز نصوص الدين والحرص على فهمها فهماً حراً مستنداً إلى قواعد اللغة العربية , وقوانين بلاغتها , ثم أخذ المعقول منها)). (45:11)
وقد بين الأفغاني الجهل الذي تفشى في أولئك الجامدين الذين يفسرون القرآن ولا ينتفعون من آياته , فيقول: ((وإذا نهض أحد لتفسير القرآن , فلا أراه إلا يهيم بباء البسملة ويغوص ! ولا يخرج من مخرج حرف صاد الصراط حتى يهوي هو ومن يقرأ هوة عدم الإنتفاع بما اشتمل عليه القرآن من المنافع الدنيوية والأخروية)). (160:2)
ومما يدل على نظرة الأفغاني إلى تحرير الفكر الديني من قيود التقليد والعمل على فتح باب الاجتهاد : أنه اذا ذكر في إحدى الجلسات قولاً للقاضي عياض , تعصب له بعض الناس , فقال الأفغاني : إن القاضي قال ما قاله على قدر ما وسعه عقله وتناوله فهمه وناسب زمانه – فهل لا يحق لغيره ان يقول ما هو أقرب للحق وأوجه, وأصح من قول القاضي عياض أو غيره من الأئمة؟ )). (177:2)
وقد رد الأفغاني على القائلين بإغلاق باب الإجتهاد بقوله : ((ما معنى: باب الإجتهاد مسدود؟وبأي نص سد باب الإجتهاد)).(177:2)
إذن, ينكر الأفغاني على المتعصبين قولهم بسد باب الاجتهاد لعدم وجود نص ديني يدعم قولهم , ثم يبين لهذا الفريق من الناس أن الأئمة المجتهدين السابقين لم يحيطوا بكل معاني القرآن ((وأولئك الفحول من الأئمة , ورجال الأمة اجتهدوا وأحسنوا, ولكن, لا يصح أن نعتقد أنهم أحاطوا بكل أسرار القرآن)) (178:2)
فالأفغاني يعتقد أن التنزيل الإلهي يشتمل في باطنه على كل الحقائق والمعاني , فلا ينبغي الوقوف عند الظاهر , وبالتالي, فإن مهمة الحكماء هي كشف هذا الباطن, وهذا يعني أنه لم يجعل للعقل حدوداً. (8)
والأفغاني يمجد العقل في أفكاره ومناظراته, ((فالحكم للعقل والعلم حتى ولو كانت حقائق العلم وأحكام العقل لا ترضي العامة الذين يساندون (رجال الدين) وتجار الديانات)).(139:9)
والأفغاني لم يكن منحازاً إلى العقل فقط في الحالات التي تتناقض فيها معطيات العقل والعلم , مع ما يؤمن به العامة ذوو الآفاق المظلمة, وإنما كان يتخذ هذا الموقف الثابت حتى عندما يحصل تناقض أو اختلاف بين الحقائق العلمية وظاهر الآيات في النصوص القرآنية , وهذا الموقف يبرز في لجوئه إلى التأويل. (9)
والتأويل, في نظره, يرتكز على عدم مخالفة النصوص القرآنية, وخصوصاً النص العام , أو ما يسمى بالنص الكلي لحقائق العلم , لكن, إذا تصادم النص القرأني مع حقيقة ثابتة من حقائق العلم , فعندئذ , يرى الأفغاني أن نؤوّل النص عن ظاهره من أجل اتفاقه مع العلم , إذ يقول: ((والقرآن يحب أن يُجلّ عن مخالفته للعلم الحقيقي , خصوصا في الكليات , فإذا لم نر في القرآن ما يوافق صريح العلم , والكليات, اكتفينا بما جاء فيه من الإشارة, ورجعنا إلى التأويل)).(161:2)
وقد ضرب الأفغاني بعض الأمثلة على توافق العلم مع النصوص القرآنية , أذكر منها ثلاثة, هي:
1-أثبت العلم أن شكل الأرض كروي , فهي ذات شكل بيضاوي إهليلجي, وتدور حول الشمس الثابتة التي تدور حول محورها , وهذا الإثبات يتوافق مع إشارة القرآن بقوله ((والأرض بعد ذلك دحاها)) , والدّحو يعني بلغة العرب الشكل البيضاوي. (161:2)
2-لو صرحت الآية القرآنية بالبرق، وما تفعله الكهربائية من الغرائب لأعرض عنه الناس وحسبوه كذبا .(162:2) إنما يريد أن يقوله الأفغاني هو : أن الناس في تلك الحقبة من الزمن؛ أي زمن نزول القرآن كانوا على عدم معرفة بالأسباب العلمية الناتجة عن حدوث ظاهرة كونية , فلم يكن باستطاعتهم أن يعرفوا أن البرق سببه اصطدام سحابتين كهربائيتين مع بعضهما , لذّلك لم يُعن القرآن إلا بالإشارة إليه.
3-وصل علماء الفلك بالبحث إلى أن الأرض والشمس كانتا كتلة واحدة ثم انفصلت الأرض عن الشمس, وهذه الحقيقة لا يوجد في القرآن ما يخالفها, بقوله ((كانتا رتقاً ففتقناهما))(165:2)
ولم يقف الأفغاني بعقله النافذ عند هذا الحد, بل تجاوزه الى نبوءته التي اقتحم الإنسان بها عالم الفضاء في سنة 1961م , ووصوله إلى القمر, وذلك عندما يتساءل قائلا: ((....وهل يبقى مستحيلا إيجاد مطية توصله (أي الإنسان) للقمر , أو الأجرام السماوية الأخرى؟ ... وما يدرينا بعد ذلك ما يأتيه الإنسان في مستقبل الزمان إذا هو ثابر على هذا السير لكشف السر بعد السر من مجموع أسرار الطبيعة التي ما وجدت إلا للإنسان , وما وجد الإنسان إلا لها)) (140.139:9)
Page 4
النشاط السياسي
أقسِّم هذا الموضوع إلى قسمين :القسم الأول : عمليات الاغتيال والتهييج والثورة.
القسم الآخر : إنشاء الأفغاني للصحف والأحزاب والجمعيات المختلفة.
وقبل أن أتناول هذين القسمين بالدراسة , أريد أن أبين أمرين يتعلقان بهما , وهما:
1-إيضاح السبب الذي أدى بالأفغاني إلى لجوئه أحياناً إلى إتباع أسلوب التصفية الجسدية, وهو بالحقيقة سبب سياسي , كما سيمر معنا.
2-الكشف عن خبرة جمال الدين الأفغاني في التنظيم السري, وأكثر ما يتضح هذا الأمر عند الكلام على جمعية العروة الوثقى.
أما بالنسبة إلى القضية الأولى , فقد شجع الأفغاني ميرزا رضا الكرماني على قتل شاه إيران .(14)
أما السبب الذي أدى بالأفغاني إلى اتباعه هذا الأسلوب فهو حرصه على الحقوق المدنية للشعب الإيراني , الذي كان الشاه يقف ضدها بسياسته الضارة بمصالح المسلمين , وانطلاقا من المصلحة العامة, اعتقد الأفغاني بأن الشاه ناصر الدين لا يصلح لحكم إيران بدليل تعاونه وتهادنه مع الانجليز (9)
وإضافة إلى ماسبق , اتفق الأفغاني مع محمد عبده على اغتيال الخديوي إسماعيل في أثناء مروره على كوبرى قصر النيل؛ لأن الأفغاني كان متفقا على برنامج للحكم مع الخديوي توفيق الذي نجح الأفغاني في ضمه إلى محفله الماسوني.
يقول محمد عبده : ((إنه من المؤكد أننا كنا نتكلم سرا في هذا الشأن)) , وهو يقصد بذلك خلع الخديوي إسماعيل حاكم مصر في ذلك الزمان , ثم يخبرنا عبده أن الأفغاني كان مصمما على قتل إسماعيل , وقد اقترح عليه أن ينفِّذ عملية الاغتيال , وكان موافقا الموافقة كلها على قتله, لكن هذا الأمر لم يتم بسبب عدم وجود من يقودهم إلى مثل هذه الحركة , ويقول عبده: ((ولو أننا عرفنا عرابي في ذلك الوقت , فربما كان في إمكاننا أن ننظم الحركة , لأن قتل إسماعيل في ذلك الوقت كان يعتبر من أحسن ما يمكننا عمله)).(124:9)
إنّ السبب الذي أدى بالأفغاني وتلميذه إلى التفكير باغتيال الخديوي إسماعيل, هو منع أوروبا من التدخل في الشؤون السياسية لمصر, ثم إن توفيق بن الخديوي إسماعيل كان مقتنعا بأفكار الأفغاني وآرائه في إصلاح مصر , وكان عازما على السعي في سبيل تحقيقها. لكن حينما تسلم مقاليد الحكم في مصر, لم تمضِ فترة زمنية قصيرة حتى ساءت العلاقة بينه وبين الأفغاني, وكان جوهر الخلاف بينهما هو تراجع الخديوي توفيق عن الأفكار الديمقراطية التي وعد بها الأفغاني من قبل , بحجة جهل الشعب المصري الذي لا يقدر على اختيار مجلس نواب يعمل لصالحهم, عندئذ, رد عليه الأفغاني قائلا: ((إن الشعب المصري , كسائر الشعوب , لا يخلو من وجود الخامل والجاهل بين أفراده , ولكنه غير محروم من وجود العاقل والعالم, فبالنظر الذي تنظرون به إلى الشعب المصري وأفراده ينظرون به لسموكم)).(124:9)
أما القسم الآخر الذي يتعلق بإنشاء الأفغاني للصحف والأحزاب والجمعيات المختلفة أو مشاركته بها ,فلقد شجع مفكرنا تلاميذه على إنشاء الصحف التي تخدم أغراضه الإصلاحية, وتنشر آرائه المستنيرة في البلاد الشرقية, ومن الأمثلة على ذلك أنه شجع أديب إسحق على أن ينشئ جريدة مصر بعد أن وضع له خطة يسير عليها, وكان يكتب بنفسه بعض مقالاتها, ولكنه لم يكن يظهر اسمه عليها, بل كان يوقع باسم مستعار هو (مظهر بن وضاح), ثم أوعز إليه بالانتقال إلى الإسكندرية, لينشئ صحيفة التجارة, ولكن, لأن الصحيفتين كانتا تتناولان بعض الموضوعات السياسية, لفتتا إليهما الأنظار, فأغلقهما رياض باشا.(4)
Page 5
ويعدّ الأفغاني أول من أدخل نظام الجمعيات السرية في العصر الحديث في مصر, فأسس الحزب الوطني الحر, الذي كان حزباً سرياً. ((لقد كانت في ذهن الأفغاني وهو يمارس في مصر نشاطه السياسي, ويقود تنظيم الحزب الوطني الحر السري ما صنعته كثير من الحركات السرية والفكرية الإسلامية, عندما جذبت إلى صفوفها بعض أمراء الأسر التي كانت تتولى الخلافة أو الإمارة)).(124.123:9)
إنني أرى سوء فهم في اعتقاد مصطفى فوزي أن أهداف جمعية العروة الوثقى السرية لم تكن لنشر الإسلام ومبادئه,ويظهر ذلك في عدم إدراكه لوظيفة رجل عالم الدين, هو أن وظيفته مقتصرة على تبليغ الدعوة الدينية إلى الناس, وهو بذلك يتناسى أن الأفغاني كان فكره منصبا نحو الظروف السياسية التي حلت بالعالمينْ العربي والإسلامي, الأمر الذي دعاه إلى إنشاء جمعيات منظمة هدفها الأول يتمثل في تحرير البلاد الشرقية من قبضة الإستعمار.
يقول د.محمد عمارة: ((أما ذلك التنظيم الذي تكوَّن, بقيادة الأفغاني, ليتصاعد بحركة المسلمين الوطنية من التنفس.... إلى الزفير.... إلى الصرخة التي تمزق مسامع من أصمه الطمع.... فهو تنظيم (جمعية العروة الوثقى), وهو تنظيم سري ثوري, قام ليواصل النظام ضد الاستعمار,والاستعمار الانجليزي بالذات, وخاصة في البلاد التي كان قد احتلها في الشرق يومئذ)).(129:9)
ويلاحظ أن د. محمد عمارة يقر بالعلاقة بين نشاط الأفغاني السري , والنشاط السري للفرق الإسلامية والباطنية, قائلاً: ((وهي خبرات نعتقد أن لها صلات وثيقة بتراث العرب والمسلمين في التنظيم السري منذ جمعيات : المعتزلة, وإخوان الصفا وخلان الوفاء, والقرامطة, والحشاشين, وحركات الشيعة المختلفة, والباطنية)).(129:9)
إنّ الخبرات التي شهدتها جمعية العروة الوثقى السرية كثيرة ومتنوعة, فمنها الخبرة في التنظيم, وقد عد التنظيم أن كل نشاط أو قول يصدر عن الأعضاء يجب ان يكون الهدف من ورائه كسب الأنصار الجدد للتنظيم, فتقول إحدى الرسائل التي أرسلتها قيادة التنظيم إلى العضو (س.س): ((..... فاستكثر من الإخوان ونقّهم من الخوّان ... وليكن القول تأسيسا لا تدريساً, ولا تكوّنَنّ كلمة إلا وغايتها عقد يبرم ورباط يحكم)).(130:9)
وعندما يدعو أي عضو من الأعضاء شخصاً جديداً إلى عضوية التنظيم, يجب عليه أن يعمل لذلك بطرق غير مباشرة, وهذا يعتمد على استعدادات الشخص الجديد وآرائه التي يحاول العضو الكشف عنها. وعندما يقترح العضو ترشيح اسم جديد, فان مبدأ القبول والرفض يكون من حق القيادة العليا التي تقود العمل, فتقول إحدى الرسائل الموجهة إلى العضو (س.س): ((فإن تيسر لك السبيل فتقدم لدعوته, وادْخُل عليه ابتداء من طريق لا يعرفه, وتلطف له في القول, وإن شئت أطلعه على شيء من مقالات العروة الوثقى, فان انتهيت إلى ما يعرف, وآنست منه الميل والرضا, فإما أن يكتب إليّ وإما أن يستعد إلى تلقي كتاب مني)).(131.130:9)
أما الأعضاء المطلوب ضمهم إلى التنظيم, فيجب أن يكونوا من ذوي المكانة العالية في طبقاتهم الاجتماعية؛ أي العناصر القيادية في مختلف المجالات, ((.... يكون معظم الاهتمام بضم الصالحين للأمر من ذوي المكانة, على اختلاف طبقاتهم)).(131:9)
إن النقطة الأخيرة التي أريد أن أبينها فيما يتصل بالنشاط الفكري السري للأفغاني هي النقطة التي تتعلق بدخوله في الماسونية, ثم بيان سبب هذا الدخول بالاعتماد على تناول الآراء التالية:
يرى د. علي شلش أن ما يؤكد انضمام الأفغاني الى الماسونية هو وجود صورة له يطلب فيها الالتحاق بأحد المحافل الماسونية في مصر, وتحت هذه الصورة, يوجد توقيع باسم جمال الدين الكابلي, وهذا نصه, ((يقول مدرس العلوم الفلسفية بمصر المحروسة جمال الدين الكابلي الذي مضى من عمره سبعٌ وثلاثون سنة, بأني أرجو من إخوان الصفاء, وأستدعي من خلان الوفاء,أعني أرباب المجمع المقدس الماسوني الذي هو عن الخلل والزلل مصون, أن يمنوا علي, ويتفضلوا إلي, بقبولي في ذلك المنتدى المفتخر)).(246:8)
ويؤكد د. محمود قاسم التحاق الأفغاني بالماسونية, وتقدمه فيها إلى أعلى الدرجات, إذ يقول: ((وقد انضم إلى الماسونية سنة 1878 م , وتقدم في مراتبها المختلفة تقدماً سريعاً, وجعل يقفز هذه المراتب قفزاً, نظراً لجودة استعداده, حتى أصبح من الرؤساء بعد وقت قصير)).(40:6)
إنني أرى سوء فهم في اعتقاد مصطفى فوزي أن أهداف جمعية العروة الوثقى السرية لم تكن لنشر الإسلام ومبادئه,ويظهر ذلك في عدم إدراكه لوظيفة رجل عالم الدين, هو أن وظيفته مقتصرة على تبليغ الدعوة الدينية إلى الناس, وهو بذلك يتناسى أن الأفغاني كان فكره منصبا نحو الظروف السياسية التي حلت بالعالمينْ العربي والإسلامي, الأمر الذي دعاه إلى إنشاء جمعيات منظمة هدفها الأول يتمثل في تحرير البلاد الشرقية من قبضة الإستعمار.
يقول د.محمد عمارة: ((أما ذلك التنظيم الذي تكوَّن, بقيادة الأفغاني, ليتصاعد بحركة المسلمين الوطنية من التنفس.... إلى الزفير.... إلى الصرخة التي تمزق مسامع من أصمه الطمع.... فهو تنظيم (جمعية العروة الوثقى), وهو تنظيم سري ثوري, قام ليواصل النظام ضد الاستعمار,والاستعمار الانجليزي بالذات, وخاصة في البلاد التي كان قد احتلها في الشرق يومئذ)).(129:9)
ويلاحظ أن د. محمد عمارة يقر بالعلاقة بين نشاط الأفغاني السري , والنشاط السري للفرق الإسلامية والباطنية, قائلاً: ((وهي خبرات نعتقد أن لها صلات وثيقة بتراث العرب والمسلمين في التنظيم السري منذ جمعيات : المعتزلة, وإخوان الصفا وخلان الوفاء, والقرامطة, والحشاشين, وحركات الشيعة المختلفة, والباطنية)).(129:9)
إنّ الخبرات التي شهدتها جمعية العروة الوثقى السرية كثيرة ومتنوعة, فمنها الخبرة في التنظيم, وقد عد التنظيم أن كل نشاط أو قول يصدر عن الأعضاء يجب ان يكون الهدف من ورائه كسب الأنصار الجدد للتنظيم, فتقول إحدى الرسائل التي أرسلتها قيادة التنظيم إلى العضو (س.س): ((..... فاستكثر من الإخوان ونقّهم من الخوّان ... وليكن القول تأسيسا لا تدريساً, ولا تكوّنَنّ كلمة إلا وغايتها عقد يبرم ورباط يحكم)).(130:9)
وعندما يدعو أي عضو من الأعضاء شخصاً جديداً إلى عضوية التنظيم, يجب عليه أن يعمل لذلك بطرق غير مباشرة, وهذا يعتمد على استعدادات الشخص الجديد وآرائه التي يحاول العضو الكشف عنها. وعندما يقترح العضو ترشيح اسم جديد, فان مبدأ القبول والرفض يكون من حق القيادة العليا التي تقود العمل, فتقول إحدى الرسائل الموجهة إلى العضو (س.س): ((فإن تيسر لك السبيل فتقدم لدعوته, وادْخُل عليه ابتداء من طريق لا يعرفه, وتلطف له في القول, وإن شئت أطلعه على شيء من مقالات العروة الوثقى, فان انتهيت إلى ما يعرف, وآنست منه الميل والرضا, فإما أن يكتب إليّ وإما أن يستعد إلى تلقي كتاب مني)).(131.130:9)
أما الأعضاء المطلوب ضمهم إلى التنظيم, فيجب أن يكونوا من ذوي المكانة العالية في طبقاتهم الاجتماعية؛ أي العناصر القيادية في مختلف المجالات, ((.... يكون معظم الاهتمام بضم الصالحين للأمر من ذوي المكانة, على اختلاف طبقاتهم)).(131:9)
إن النقطة الأخيرة التي أريد أن أبينها فيما يتصل بالنشاط الفكري السري للأفغاني هي النقطة التي تتعلق بدخوله في الماسونية, ثم بيان سبب هذا الدخول بالاعتماد على تناول الآراء التالية:
يرى د. علي شلش أن ما يؤكد انضمام الأفغاني الى الماسونية هو وجود صورة له يطلب فيها الالتحاق بأحد المحافل الماسونية في مصر, وتحت هذه الصورة, يوجد توقيع باسم جمال الدين الكابلي, وهذا نصه, ((يقول مدرس العلوم الفلسفية بمصر المحروسة جمال الدين الكابلي الذي مضى من عمره سبعٌ وثلاثون سنة, بأني أرجو من إخوان الصفاء, وأستدعي من خلان الوفاء,أعني أرباب المجمع المقدس الماسوني الذي هو عن الخلل والزلل مصون, أن يمنوا علي, ويتفضلوا إلي, بقبولي في ذلك المنتدى المفتخر)).(246:8)
ويؤكد د. محمود قاسم التحاق الأفغاني بالماسونية, وتقدمه فيها إلى أعلى الدرجات, إذ يقول: ((وقد انضم إلى الماسونية سنة 1878 م , وتقدم في مراتبها المختلفة تقدماً سريعاً, وجعل يقفز هذه المراتب قفزاً, نظراً لجودة استعداده, حتى أصبح من الرؤساء بعد وقت قصير)).(40:6)
Page 6
إن مسألة انضمامه إلى الماسونية واقعة لا شك فيها, ولكن السؤال المهم هو ما السبب الذي جعله يميل إلى المحافل الماسونية؟
في حقيقة الأمر, انقسم الدارسون لسيرة الأفغاني وفكريْه الديني والسياسي إلى فريقين , للإجابة عن هذا السؤال:
يرى الفريق الأول, وهو الفريق المستنير, أن السبب في التحاق الأفغاني بالمحافل الماسونية سياسي؛ أي توصيل آرائه السياسية التي تقوم على تحرير الشعوب من ظلم المستبدين في الشرق والغرب إلى نخبة المجتمع التي تضمهم هذه المحافل. ومن هؤلاء د. محمد عمارة , و د.محمد أمين. وقد فصّلا لنا العلاقة التي اتسمت بها شخصية الأفغاني بالماسونية على النحو التالي :
يسوّغ د.محمد عمارة موقف الأفغاني إزاء الماسونية, بـأن هذه الحركة كانت ذات سمعة حسنة في ذلك الوقت, وترفع شعارات الثورة الفرنسية (الحرية, الإخاء, المساواة), وتناضل ضد السلطة الدينية الرجعية, كما أنها تضم صفوة المجتمع بغض النظر عن الجنس أو الدين,كذلك , فإن مخاطر الحركة الصهيونية ضد العرب والمسلمين في العقد الثامن من القرن الماضي لم تكن قد ظهرت, وكان لدخول الأفغاني في الماسونية فائدة , وهي انه قد اكتشف الخيوط التي تربط قيادة المحفل الماسوني بالاستعمار , ومهادنتها للسلطة المستبدة, ثم يعزو د.عمارة سبب ترك الأفغاني للمحفل الماسوني البريطاني إلى أنه وجد الماسونيين لا يتدخلون في السياسة, ويستدل على ذلك بقول الأفغاني: ((كنت أنتظر أن أسمع وأرى في مصر كل غريبة وعجيبة, ولكن, ما كنت لأتخيل أن الجبن يمكنه أن يدخل بين اسطوانتي المحافل الماسونية)).(34:9)
ونظرا لأن الماسونيين في المحفل البريطاني لا يتدخلون في السياسة, عمل الأفغاني على إحداث انشقاق في الحركة الماسونية في مصر, وأسس محفلاً جديداً يكون تابعاً للمحفل الماسوني الفرنسي يضم خيرة الناس الذين كانوا أعضاءً في المحفل البريطاني. (9)
ويعلل د.أحمد أمين سبب دخول الأفغاني في المحفل البريطاني بقوله: ((ومن تمام برنامجه في هذا الباب أن انضم للمحفل الماسوني الاسكتلندي, لأنه يضم كثيرا من علية القوم, لعله بذلك يتمكن من إيصال أفكاره إليهم)). (73:4)
ويؤيد الشيخ عبد القادر العماري كلام د. محمد عمارة و د.أحمد أمين بنقتطين, هما:
1-عمل الأفغاني على الإفادة من المحافل الماسونية بقوله: ((والأفغاني حاول استغلال المحافل الماسونية للخدمة العامة)) , لكنه يخطئ عندما يدّعي أن حضور الأفغاني للمحافل الماسونية, وإلقاءه الخطب فيها لا يدل على أن الرجل كان ماسونياً.
2-ان الافغاني خدع بالماسونية, فانضم إليها, ولكن, عندما تبين له عدم اتفاقها مع مبادئها انسحب منها. (25.24:17)
إن كلامه هذا صحيح , ولكن, على أساس الفصل بين الحفل الماسوني التابع للمحفل الاسكتلندي الذي انشق عنه الأفغاني, والمحفل الماسوني الفرنسي الذي أسسه الأفغاني , والذي ضم نخبة المفكرين.
أما الفريق الثاني الذي يتصف بالجمود, فقد علل انضمام الأفغاني إلى الماسونية, بالرغبة في تحقيق غاية في نفسه هي القضاء على الدين أو الإسلام؛ لأنه يعتقد ان الماسونية تعمل على هدم الدين, أما آراؤه التي بنيت على تصورات دينية تقليدية نتيجة الفهم الخاطئ لحقيقة مذهب الأفغاني الديني , فإنني أجملها بما يأتي:
-يعتقد د. محمد حسين أنه كان من وراء الأفغاني قوة كبيرة هي الماسونية التي عملت على ترويج آرائه المنافية للأديان السماوية والإعتقادات الإسلامية الصحيحة.(14)
-يرى د. علي الوردي أن الأفغاني حاول تجنيد طلاب من الأزهر للدخول في الماسونية لنشر أفكاره, وقد يكون ذلك سبباً مباشراً في عداء الأزهر له, وحصول صدام شديد بينه وبين مشايخه, ومما يدل على ذلك قول مصطفى صبري عن محمد عبده: إن النهضة الإصلاحية المنسوبة لعبده, جوهرها أنه زعزع الأزهر عن جموده في الدين, وقد عمل على جذب بعض الأزهريين إلى اللادينيين عدة خطوات, ثم هو الذي أدخل الماسونية إلى الأزهر بوساطة شيخه جمال الدين الأفغاني.(13)
في حقيقة الأمر, انقسم الدارسون لسيرة الأفغاني وفكريْه الديني والسياسي إلى فريقين , للإجابة عن هذا السؤال:
يرى الفريق الأول, وهو الفريق المستنير, أن السبب في التحاق الأفغاني بالمحافل الماسونية سياسي؛ أي توصيل آرائه السياسية التي تقوم على تحرير الشعوب من ظلم المستبدين في الشرق والغرب إلى نخبة المجتمع التي تضمهم هذه المحافل. ومن هؤلاء د. محمد عمارة , و د.محمد أمين. وقد فصّلا لنا العلاقة التي اتسمت بها شخصية الأفغاني بالماسونية على النحو التالي :
يسوّغ د.محمد عمارة موقف الأفغاني إزاء الماسونية, بـأن هذه الحركة كانت ذات سمعة حسنة في ذلك الوقت, وترفع شعارات الثورة الفرنسية (الحرية, الإخاء, المساواة), وتناضل ضد السلطة الدينية الرجعية, كما أنها تضم صفوة المجتمع بغض النظر عن الجنس أو الدين,كذلك , فإن مخاطر الحركة الصهيونية ضد العرب والمسلمين في العقد الثامن من القرن الماضي لم تكن قد ظهرت, وكان لدخول الأفغاني في الماسونية فائدة , وهي انه قد اكتشف الخيوط التي تربط قيادة المحفل الماسوني بالاستعمار , ومهادنتها للسلطة المستبدة, ثم يعزو د.عمارة سبب ترك الأفغاني للمحفل الماسوني البريطاني إلى أنه وجد الماسونيين لا يتدخلون في السياسة, ويستدل على ذلك بقول الأفغاني: ((كنت أنتظر أن أسمع وأرى في مصر كل غريبة وعجيبة, ولكن, ما كنت لأتخيل أن الجبن يمكنه أن يدخل بين اسطوانتي المحافل الماسونية)).(34:9)
ونظرا لأن الماسونيين في المحفل البريطاني لا يتدخلون في السياسة, عمل الأفغاني على إحداث انشقاق في الحركة الماسونية في مصر, وأسس محفلاً جديداً يكون تابعاً للمحفل الماسوني الفرنسي يضم خيرة الناس الذين كانوا أعضاءً في المحفل البريطاني. (9)
ويعلل د.أحمد أمين سبب دخول الأفغاني في المحفل البريطاني بقوله: ((ومن تمام برنامجه في هذا الباب أن انضم للمحفل الماسوني الاسكتلندي, لأنه يضم كثيرا من علية القوم, لعله بذلك يتمكن من إيصال أفكاره إليهم)). (73:4)
ويؤيد الشيخ عبد القادر العماري كلام د. محمد عمارة و د.أحمد أمين بنقتطين, هما:
1-عمل الأفغاني على الإفادة من المحافل الماسونية بقوله: ((والأفغاني حاول استغلال المحافل الماسونية للخدمة العامة)) , لكنه يخطئ عندما يدّعي أن حضور الأفغاني للمحافل الماسونية, وإلقاءه الخطب فيها لا يدل على أن الرجل كان ماسونياً.
2-ان الافغاني خدع بالماسونية, فانضم إليها, ولكن, عندما تبين له عدم اتفاقها مع مبادئها انسحب منها. (25.24:17)
إن كلامه هذا صحيح , ولكن, على أساس الفصل بين الحفل الماسوني التابع للمحفل الاسكتلندي الذي انشق عنه الأفغاني, والمحفل الماسوني الفرنسي الذي أسسه الأفغاني , والذي ضم نخبة المفكرين.
أما الفريق الثاني الذي يتصف بالجمود, فقد علل انضمام الأفغاني إلى الماسونية, بالرغبة في تحقيق غاية في نفسه هي القضاء على الدين أو الإسلام؛ لأنه يعتقد ان الماسونية تعمل على هدم الدين, أما آراؤه التي بنيت على تصورات دينية تقليدية نتيجة الفهم الخاطئ لحقيقة مذهب الأفغاني الديني , فإنني أجملها بما يأتي:
-يعتقد د. محمد حسين أنه كان من وراء الأفغاني قوة كبيرة هي الماسونية التي عملت على ترويج آرائه المنافية للأديان السماوية والإعتقادات الإسلامية الصحيحة.(14)
-يرى د. علي الوردي أن الأفغاني حاول تجنيد طلاب من الأزهر للدخول في الماسونية لنشر أفكاره, وقد يكون ذلك سبباً مباشراً في عداء الأزهر له, وحصول صدام شديد بينه وبين مشايخه, ومما يدل على ذلك قول مصطفى صبري عن محمد عبده: إن النهضة الإصلاحية المنسوبة لعبده, جوهرها أنه زعزع الأزهر عن جموده في الدين, وقد عمل على جذب بعض الأزهريين إلى اللادينيين عدة خطوات, ثم هو الذي أدخل الماسونية إلى الأزهر بوساطة شيخه جمال الدين الأفغاني.(13)
Page 7
دعوته إلى الجامعة الإسلامية
من ينظر إلى هذا العنوان , فقد يظن للوهلة الأولى, أنه جاء اعتباطاً, أو دخيلاً على الفكرة ذاتها , ولكنْ, من يدرسه جيداً,فسيرى أنه يكشف لنا عن حقيقة التصور الديني لجمال الدين الأفغاني, و.إن كنت , بادئ ذي بدء, أعتقد أن الأفغاني قد دعا إلى جامعة إسلامية, فإنني رأيت من المناسب أن أتناول الاتجاهات التي اختلفت حول الجامعة التي كان يدعو إليها المفكر , وهذه الاتجاهات هي:1-الاتجاه الأول: يرى أنصاره أنه كان يدعو إلى جامعة إسلامية.
2-الاتجاه الثاني: يعتقد أتباعه أنه كان يسعى إلى إطار قومي.
3-الاتجاه الثالث: يؤمن أصحابه أنه. كان يعمل من أجل وحدة شرقية.
وتتباين هذه الاتجاهات فيما بينها تبايناً واضحاً بالاعتماد على كتابات الأفغاني التي تقوم على تقديم الدين على الجنسية تارة, أو تقديم الجنسية على الدين تارة أخرى, أو بالنظر إلى جوهر هذه الكتابات. لذلك, سأعرض هذه الاتجاهات مدعمة بالنصوص التي اعتمد عليها الدارسون , ثم أناقشها وأعلق عليها.
الاتجاه الأول
وهم مؤيدو الجامعة الإسلامية التي دعا إليها الأفغاني, وقبل الحديث عن هذا الاتجاه , أود في البداية أن ألقي الضوء على الوصف العام لتيار الجامعة الإسلامية, ثم أشير إشارة موجزة لتيارات الجامعة الإسلامية التي ارتبطت بالعصر الحديث .يرى د.محمد عمارة أن الأساس الذي قام عليه تيار الجامعة الإسلامية أن هناك نوعين من التحديات التي تواجه الشعوب الإسلامية هما:
1-التحديات الداخلية: كالتخلف الفكري والديني والسياسي والصراعات الإقليمية والقبلية القائمة بين شعوب الأوطان الإسلامية.
2-التحديات الخارجية: مثل المد الإستعماري والامبريالي الذي زحف من أوروبا على الشرق وخصوصاً في القرن التاسع عشر.(48:18).
أما تيارات الجامعة الإسلامية التي سبقت تيار الجامعة الإسلامية الذي نادى به الأفغاني, فيمكن إجمالها بالآتي :
1-الوهابية التي أسسها محمد بن عبد الوهاب وتُعَدّ أقدم تيار فكري وسياسي اندرج تحت شعار الجامعة الإسلامية في العصر الحديث,فقد كانت ترمي إلى تجديد شباب الإسلام والمسلمين, عن طريق طرح البدع والخرافات التي نتجت عن تصور السلطنة العثمانية لعقيدة المسلمين.
2-الحركة السنوسية التي أسسها في المغرب محمد بن علي السنوسي، وتمثل الامتداد الوهابي إلى بلاد الشمال الإفريقي , فهي بطابعها الصوفي الذي تميزت به عن الوهابية وقسماتها السلفية, كان تعمل تحت شعار الجامعة الإسلامية.
3-الحركة الاسماعيلية الحديثة التي كان من أبرز قادتها (آغاخان), عملت هي الأخرى تحت شعار الجامعة الإسلامية., وفي ذلك يقول: ((إن هناك جامعة إسلامية حقة صريحة ينضم إلى لوائها الحر كل مسلم مؤمن مخلص, أعني بذلك الرابطة الروحانية الوجدانية, والوحدة الجامعة بين أتباع صاحب الرسالة الإسلامية, فهذه الوحدة الإسلامية الروحانية يجب أن تتعهد فتنمو أبداً, لأنها عند أتباع النبي أس الحياة وجوهر النفس.)) (50.48:18)
وبالتالي , فإن دعوة الأفغاني إلى الجامعة الإسلامية ليست دعوة جديدة وانعزالية, وإنما هي , في واقع الأمر, امتداد للكفاح الإسلامي في تاريخ الجماعة المسلمة, وهي ترمي إلى نفس الغاية من الدعوات الإسلامية السابقة, والدليل على ذلك انها قامت على الإسلام في مضمونها.(19)
ويؤيد د.عبد الباسط محمد حسين أن دعوة الأفغاني إلى الجامعة الإسلامية كانت تطوراً طبيعياً للحركات الإصلاحية السابقة كالسنوسية والوهابية, لذلك, لا يمكن أن ينظر إليها مستقلة عن هذه الدعوات , وبناءً على ذلك , لا يعدّ الأفغاني صانعاًً للجامعة الإسلامية , بل منظماً لها.(20)
كما ان الأفغاني عاش في فترة زمنية كان العالم الإسلامي فيها متخلفاً, بالإضافة إلى هجمة شرسة من الاستعمار على بلاد المسلمين, الأمر الذي دعاه إلى التفكير في كيفية إنقاذ الأمة الإسلامية , فوجد الطريق إلى الجامعة الإسلامية هو طريق الحفاظ عليها.(17)
Page 8
أما كيفية بدء دعوة الأفغاني إلى الجامعة الإسلامية , فيجيبنا عن ذلك د.علي محافظة بقوله: ((فقد بدأ الدعوة إلى فكرة الجامعة الإسلامية منذ حجه إلى مكة عام 1857 م )) ,وقد وجدت هذه الدعوة قبولاً في نفوس الناس من مختلف الأقطار الإسلامية, بسبب تدخل الدول الأوروبية بالسياسة الخارجية العثمانية بحجة حماية المسيحيين , وعداؤها المتواصل للمسلمين.(11:21)
إن الأمر الذي يثير الاهتمام بأنصار الاتجاه الأول هو أنهم يختلفون في الوحدة إلى الجامعة الإسلامية , هل تقوم في دولة إسلامية واحدة, ويرأسها حاكم واحد؟ أم في عدة دول مستقلة يجمعها الدين؟
أما القائلون بدعوة الأفغاني إلى جامعة إسلامية ضمن دولة إسلامية واحدة, فمن هؤلاء جورجي زيدان الذي يقول : ((يؤخذ من مجمل أقواله, أن الغرض الذي كانت تصبو نحوه أعماله, والمحور الذي كانت تدور عليه آماله توحيد كلمة الإسلام, وجمع شتات المسلمين في سائر أقطار العالم في حوزة دولة إسلامية تحت ظل الخلافة العظمى)).(61:22)
وفي رأي د. أحمد أمين , أن غرض الأفغاني في حياته تمثل في إنهاض الدول الإسلامية من ضعفها, وتبصرة شعوبها بحقوقها, وربط هذه الدول كلها برباط واحد مع الخلافة في الآستانة.(4)
وأما القائلون بدعوته إلى جامعة إسلامية في عدة دول مستقلة يجمعها الدين, فمن هؤلاء محمد رشيد رضا الذي يقول: ((أما ما اشتهر عن السيد جمال الدين من كونه يريد بالجامعة الإسلامية أن يكون للمسلمين كلهم دولة واحدة , فلم أره في شيء من العروة الوثقى, ولا في غيرها مما كان يرويه عنه الأستاذ الإمام)).(306:10)
ومما يؤكد قول رضا ما جاء في رسالة الرد على الدهريين,من أنّ مقصد الأفغاني السياسي هو : النهوض بإحدى الدول الإسلامية, وجعلها قوية, حتى تلحق بها الدول الإسلامية الأخرى.(23)
كذلك يرى د. فهمي جدعان أن رضا كان على جانب كبير من الصواب عندما ذكر مقصد الأفغاني السياسي , وأن كلمة دولة جاءت نكرة,فقد يكون المقصود منها الدولة العثمانية أو إيران او مصر.(24)
ونجد ابن أخت الأفغاني يرى كذلك أن خاله دعا إلى جامعة إسلامية تتخذ شكل الحكومة الفيدرالية, في اتحاد أعلى يسمى المؤتمر الإسلامي الأعلى, وهذا المؤتمر يتشكل من علماء الدول الإسلامية وغيرها عند الاعتداء على أي دولة من الدول المتحدة, فيعلنون الجهاد ضد الدولة الأجنبية.(25)
وأعتقد أن الإتجاه الأول القائل بدعوة الأفغاني إلى جامعة إسلامية ضمن دولة إسلامية واحدة نظر الى الأمر اعتماداً على آمال الأفغاني التي كان يبينها في خياله من وحدة المسلمين في ظل الخلافة العثمانية, أما الإتجاه الثاني القائل بدعوة الأفغاني إلى جامعة إسلامية في دول عدة يجمعها الدين, فكانوا واقعيين عندما استندوا إلى قول الأفغاني: ((لا ألتمس بقولي هذا أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصاً واحداً, فإن هذا ربما كان عسيراً, ولكنني أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن, ووجهة وحدتهم الدين, وكل ذي ملك على ملكه, يسعى بجهده لحفظ الأخر ما استطاع, فإن حياته بحياته وبقاءه ببقائه. إلا أن هذا , يعد كونه أساساً لدينهم , تقضي به الضرورة وتتحكم به الحاجة في هذه الأوقات)).(75:9)
ثم إن الأفغاني عندما بايع السلطان العثماني عبد الحميد رجع عن بيعته, ووصفه بأنه ((سل في رئة الدولة)), زد على ذلك أنه حرّض على خلعه وخلع شاه ايران بقوله: ((إنّ خلعهما أهون من خلع النعلين)) .(45:9) وبالتالي, أدرك الأفغاني واقعياً أنه لا يستطيع أن يدعو إلى جامعة إسلامية معتمداً على دولة واحدة من الدول, بحيث تضم الدول كلها تحت لوائها لذلك, نبّه المسلمين على أنّ وجهة وحدتهم في دولهم المتعددة لا تكون إلا عن طريق دينهم وسلطان قرآنهم.
وسواءً أكانت فكرة الجامعة الإسلامية , في نظر الأفغاني , تقوم في دولة إسلامية واحدة أم في عدة دول يجمعها الدين, فإن الفارق بينهما تقديري , ليس كبيراً؛ لأنه اذا تحققت الوحدة القائمة على أساس ديني بين الدول المنفصلة فإنه يصاحبها, مع مرور الزمن, أن تتحقق وحدتها في دولة واحدة.
وأعتقد أن الفكرة الرئيسية من الجامعة الإسلامية التي اهتم بها الأفغاني هي أن يعمل المسلمون خصوصاً, والشرق عموماً على تقوية دولة واحدة في البداية, وتقوية الدول الأخرى , حتى تتمكن الشعوب من مقاومة المد الاستعماري الأوروبي على العالم الشرقي بوحدتهم وتعاونهم وتضامنهم .
أما السؤال الآخر الذي اعتنى به الدارسون فهو : ما الدلالات التي تعطيها فكرة الجامعة الإسلامية في نظر الأفغاني؟
يعتقد ساطع الحصري بأن الأفغاني حينما دعا إلى جامعة إسلامية , لم تكن هذه الدعوة قائمة على أساس الوحدة بين بلاد المسلمين, وإنما المقصود منها لا يتعدى حدود التعارف والتعاضد والاتفاق وتبادل السفراء. (26)
بيد أنني أرى خطأاعتقاده هذا لقصور نظرته بالوصف الذي أطلقه على فكرة الجامعة الإسلامية التي دعا إليه الأفغاني, لأن العامل الرئيس الذي اعتمد عليه الأفغاني في فكرته هذه هو الدين في المقام الأول.
وإذا رجعنا إلى البرت حوراني, نجد تفسيره لمعنى الجامعة الإسلامية التي دعا إليها الأفغاني أكثر عمقاً , إذ يقول: ((فعندما كان يتكلم عن الوحدة الإسلامية, لم يكن يعطي فقط التعاون بين الزعماء الدينيين والسياسيين, بل كان يعني أيضاً تضامن الأمة, والشعور بالمسؤولية)) ليس فقط تجاه المسلمين بعضهم ببعض , وإنما تجاه المجموع من أبناء الأمة, بغض النظر عن الاعتقادات الفردية أو المضامين القومية. لذلك, كان التضامن بمعنى التعصب , لا التعصب الأعمى, وإنما التعصب بمعنى القوة التي تحافظ على سلامة المجتمع ووحدته ووقوفه يداً واحدةً أمام الأعداء.(147:27)
أما د. محمد عمارة, فيقرر أن الأفغاني أراد من الجامعة الإسلامية التضامن بين الشعوب, لا الوحدة أو الاتحاد , ويستند بذلك إلى قول الأفغاني: ((ويظل كل ذي ملك على ملكه)).(76:9)
لكنني أرى خطأ تقريره هذا لأنه تناول قول الأفغاني جزئياً وليس كاملاً, فالقول الكامل له كنت قد ذكرته من قبل عند الاستدلال على الجامعة الإسلامية التي دعا إليها في عدة دول, بحيث يجمعها الدين.
إن الأمر الذي يثير الاهتمام بأنصار الاتجاه الأول هو أنهم يختلفون في الوحدة إلى الجامعة الإسلامية , هل تقوم في دولة إسلامية واحدة, ويرأسها حاكم واحد؟ أم في عدة دول مستقلة يجمعها الدين؟
أما القائلون بدعوة الأفغاني إلى جامعة إسلامية ضمن دولة إسلامية واحدة, فمن هؤلاء جورجي زيدان الذي يقول : ((يؤخذ من مجمل أقواله, أن الغرض الذي كانت تصبو نحوه أعماله, والمحور الذي كانت تدور عليه آماله توحيد كلمة الإسلام, وجمع شتات المسلمين في سائر أقطار العالم في حوزة دولة إسلامية تحت ظل الخلافة العظمى)).(61:22)
وفي رأي د. أحمد أمين , أن غرض الأفغاني في حياته تمثل في إنهاض الدول الإسلامية من ضعفها, وتبصرة شعوبها بحقوقها, وربط هذه الدول كلها برباط واحد مع الخلافة في الآستانة.(4)
وأما القائلون بدعوته إلى جامعة إسلامية في عدة دول مستقلة يجمعها الدين, فمن هؤلاء محمد رشيد رضا الذي يقول: ((أما ما اشتهر عن السيد جمال الدين من كونه يريد بالجامعة الإسلامية أن يكون للمسلمين كلهم دولة واحدة , فلم أره في شيء من العروة الوثقى, ولا في غيرها مما كان يرويه عنه الأستاذ الإمام)).(306:10)
ومما يؤكد قول رضا ما جاء في رسالة الرد على الدهريين,من أنّ مقصد الأفغاني السياسي هو : النهوض بإحدى الدول الإسلامية, وجعلها قوية, حتى تلحق بها الدول الإسلامية الأخرى.(23)
كذلك يرى د. فهمي جدعان أن رضا كان على جانب كبير من الصواب عندما ذكر مقصد الأفغاني السياسي , وأن كلمة دولة جاءت نكرة,فقد يكون المقصود منها الدولة العثمانية أو إيران او مصر.(24)
ونجد ابن أخت الأفغاني يرى كذلك أن خاله دعا إلى جامعة إسلامية تتخذ شكل الحكومة الفيدرالية, في اتحاد أعلى يسمى المؤتمر الإسلامي الأعلى, وهذا المؤتمر يتشكل من علماء الدول الإسلامية وغيرها عند الاعتداء على أي دولة من الدول المتحدة, فيعلنون الجهاد ضد الدولة الأجنبية.(25)
وأعتقد أن الإتجاه الأول القائل بدعوة الأفغاني إلى جامعة إسلامية ضمن دولة إسلامية واحدة نظر الى الأمر اعتماداً على آمال الأفغاني التي كان يبينها في خياله من وحدة المسلمين في ظل الخلافة العثمانية, أما الإتجاه الثاني القائل بدعوة الأفغاني إلى جامعة إسلامية في دول عدة يجمعها الدين, فكانوا واقعيين عندما استندوا إلى قول الأفغاني: ((لا ألتمس بقولي هذا أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصاً واحداً, فإن هذا ربما كان عسيراً, ولكنني أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن, ووجهة وحدتهم الدين, وكل ذي ملك على ملكه, يسعى بجهده لحفظ الأخر ما استطاع, فإن حياته بحياته وبقاءه ببقائه. إلا أن هذا , يعد كونه أساساً لدينهم , تقضي به الضرورة وتتحكم به الحاجة في هذه الأوقات)).(75:9)
ثم إن الأفغاني عندما بايع السلطان العثماني عبد الحميد رجع عن بيعته, ووصفه بأنه ((سل في رئة الدولة)), زد على ذلك أنه حرّض على خلعه وخلع شاه ايران بقوله: ((إنّ خلعهما أهون من خلع النعلين)) .(45:9) وبالتالي, أدرك الأفغاني واقعياً أنه لا يستطيع أن يدعو إلى جامعة إسلامية معتمداً على دولة واحدة من الدول, بحيث تضم الدول كلها تحت لوائها لذلك, نبّه المسلمين على أنّ وجهة وحدتهم في دولهم المتعددة لا تكون إلا عن طريق دينهم وسلطان قرآنهم.
وسواءً أكانت فكرة الجامعة الإسلامية , في نظر الأفغاني , تقوم في دولة إسلامية واحدة أم في عدة دول يجمعها الدين, فإن الفارق بينهما تقديري , ليس كبيراً؛ لأنه اذا تحققت الوحدة القائمة على أساس ديني بين الدول المنفصلة فإنه يصاحبها, مع مرور الزمن, أن تتحقق وحدتها في دولة واحدة.
وأعتقد أن الفكرة الرئيسية من الجامعة الإسلامية التي اهتم بها الأفغاني هي أن يعمل المسلمون خصوصاً, والشرق عموماً على تقوية دولة واحدة في البداية, وتقوية الدول الأخرى , حتى تتمكن الشعوب من مقاومة المد الاستعماري الأوروبي على العالم الشرقي بوحدتهم وتعاونهم وتضامنهم .
أما السؤال الآخر الذي اعتنى به الدارسون فهو : ما الدلالات التي تعطيها فكرة الجامعة الإسلامية في نظر الأفغاني؟
يعتقد ساطع الحصري بأن الأفغاني حينما دعا إلى جامعة إسلامية , لم تكن هذه الدعوة قائمة على أساس الوحدة بين بلاد المسلمين, وإنما المقصود منها لا يتعدى حدود التعارف والتعاضد والاتفاق وتبادل السفراء. (26)
بيد أنني أرى خطأاعتقاده هذا لقصور نظرته بالوصف الذي أطلقه على فكرة الجامعة الإسلامية التي دعا إليه الأفغاني, لأن العامل الرئيس الذي اعتمد عليه الأفغاني في فكرته هذه هو الدين في المقام الأول.
وإذا رجعنا إلى البرت حوراني, نجد تفسيره لمعنى الجامعة الإسلامية التي دعا إليها الأفغاني أكثر عمقاً , إذ يقول: ((فعندما كان يتكلم عن الوحدة الإسلامية, لم يكن يعطي فقط التعاون بين الزعماء الدينيين والسياسيين, بل كان يعني أيضاً تضامن الأمة, والشعور بالمسؤولية)) ليس فقط تجاه المسلمين بعضهم ببعض , وإنما تجاه المجموع من أبناء الأمة, بغض النظر عن الاعتقادات الفردية أو المضامين القومية. لذلك, كان التضامن بمعنى التعصب , لا التعصب الأعمى, وإنما التعصب بمعنى القوة التي تحافظ على سلامة المجتمع ووحدته ووقوفه يداً واحدةً أمام الأعداء.(147:27)
أما د. محمد عمارة, فيقرر أن الأفغاني أراد من الجامعة الإسلامية التضامن بين الشعوب, لا الوحدة أو الاتحاد , ويستند بذلك إلى قول الأفغاني: ((ويظل كل ذي ملك على ملكه)).(76:9)
لكنني أرى خطأ تقريره هذا لأنه تناول قول الأفغاني جزئياً وليس كاملاً, فالقول الكامل له كنت قد ذكرته من قبل عند الاستدلال على الجامعة الإسلامية التي دعا إليها في عدة دول, بحيث يجمعها الدين.
Page 9
الاتجاه الثاني
هو الاتجاه الذي يرى أصحابه أن دعوة الأفغاني انتهت, في نهاية المطاف, إلى رابطة قومية, ومن هؤلاء: ساطع الحصري و د.محمد عمارة, فالأول يؤكد أن فكر الأفغاني حيال هذه القضية قد مر في ثلاث مراحل , هي:1-تقديم وحدة العقيدة الدينية على الفكر القومي.
2-الاعتراف بالخصائص القومية إلى جانب العقيدة الدينية.
3-غلبة الخصائص القومية على وحدة الاعتقاد الديني.(233.218:26)
ويخالف د.محمد عمارة ساطع الحصري في هذه القضية, ويرى أن فكر الأفغاني مر بمرحلتين لا ثلاث, هما:
1-أن العلاقة بين وحدة العقيدة الدينية والخصائص القومية, في فكر الأفغاني , لم تكن واضحة وحاسمة, وأن النصوص التي قدمها لنا الأفغاني, في هذا المجال , تبدو متناقضة أو غير منسجمة مع بعضها.
2-نضوج الفكر القومي لدى الأفغاني,وهي المرحلة التي استقر عليها.(72:9)
ويستدل د.محمد عمارة على المرحلة الأولى بالأدلة التالية:
1-دعوة الأفغاني إلى وحدة العقيدة الإسلامية, والجامعة الإسلامية خلف الدولة العثمانية, من أجل صد الاستعمار عن العالم الإسلامي, وعندما تبين للأفغاني أن الخلافة العثمانية غير جديرة بوحدة المسلمين, أعاد النظر في موقفه هذا , ووصفها بخلافة هزيلة.فالعامل السياسي كان السبب في دعوة الأفغاني إلى الجامعة الإسلامية في بداية فكره.(72:9)
2-وجود كثير من عبارات الأفغاني التي تتحدث عن غناء الإسلام عن الجنسية (القومية) , وليس العداء لها, ومن هذه العبارات ((لا جنسية للمسلمين إلا في دينهم)) و ((واعتصموا بحبال الرابطة الدينية التي هي أحكم رابطة اجتمع عليها التركي بالعربي, والفارسي بالهندي, والمصري بالمغربي, وقامت لهم مقام الرابطة النسبية)) , وكذلك قول الأفغاني: ((علمنا وعلم العقلاء أجمعون أن المسلمين لا يعرفون لهم جنسية إلا في دينهم واعتقادهم)).(73.72:9)
3-النصوص الواردة في العروة الوثقى, ليست كلها للأفغاني؛ لأن هذه الجريدة كان يرأسها الأفغاني باسم تنظيم أممي يتخطى دائرة المسلمين أو دائرة المعتقد.(74:9)
4-تفسير التناقض على أساس التسلسل الزمني لمؤلفات الأفغاني؛ أي الانتقال من العروة الوثقى إلى الخاطرات على اعتبار أنه آخر مؤلفات الأفغاني الذي يمثل نصاً يقرن فيه رابطة الاعتقاد برابطة اللسان ويعدهما أقوى من روابط الجنسية, وقد فسر د.محمد عمارة لفظ الجنسية الذي استخدمه الأفغاني ليضاهي لفظ القومية مستدلاً على ذلك بقول الأفغاني: ((فإن رابطتهم الملية مع رابطة اللسان أقوى من روابط الجنسية)). (74:9)
ومعنى هذا النص في رأي د.عمارة أن الأفغاني حينما كان يتكلم في نصوص العروة الوثقى (النصوص التي جمعها د.عمارة , والتي أشرت إليها في نقطة رقم 2) على رابطة الاعتقاد, أضاف إلى هذه الرابطة في كتابه الخاطرات, رباط اللسان, أحد روابط الجنسية (القومية), وأهمها . وسنتعرف على روابط الجنسية (القومية) الأخرى عند الكلام عن المرحلة الثانية, وهي :نضوج الفكر القومي لدى الأفغاني كما بدت لِ د.عمارة , ثم أعالجها.
ويتابع د.عمارة تفسيره بوجود نص آخر يعترف فيه الأفغاني بالروابط القومية والروابط الاعتقادية , وأن في كل منها دعامة للملك والحمية, يقول الأفغاني: ((إن صاحب اللحمة في الأمة, وإن مرضت أخلاقه واعتلت صفاته, إلا أن ما أودعته الفطرة وثبت في الجبلة, لا يمكن محوه بالكلية, فإذا أساء في عمله مرة أزعجه من نفسه صائح الوشيجة الدينية أو الجنسية ، فيرجع إلى الإحسان مرة أخرى, وإن ما شد من علائق الدين أو الجنس لا يزال يجذبه آونة لمراعاتها والالتفاف إليها ويميله إلى المتصلين معه بتلك العلائق , وإن بعدوا)) .(74:9)
Page 10
فعند النظر في هذه الأدلة, أرى أن النقطة الحاسمة والرئيسية التي اتفق بشأنها مع د.عمارة هي أن الأفغاني عندما دعا إلى جامعة إسلامية,كان ذلك من أجل وقوف الشعوب المسلمة ضد الاستعمار الانجليزي, ولكنّ استناد د.عمارة إلى نصوص الأفغاني التي أوردها, والتي يجمع فيها بين دعوته إلى وحدة العقيدة الدينية, ودعوته إلى القومية في المرحلة الأولى من فكره, وإزالة التناقض القائم بين الدعوتين على أساس عدم الحسم والوضوح في فكر الأفغاني في هذه المرحلة, فإنني أقول : إن الجمع بين الرابطة الملية والإطار القومي في دعوة الأفغاني حاسمة وواضحة منذ بداية فكره, سواء أكانت في هذه المرحلة التي يتكلم عنها د.عمارة , أم في المرحلة الثانية التي سيتم معالجتها بعد أسطر, لذلك , لا يحتاج الأمر إلى إزالة التناقض القائم بين الدعوتين على أساس عدم الحسم والوضوح من قبل د.عمارة, لأنه, في الحقيقة, لا يوجد تناقض بينهما.
وأما قول د.عمارة الذي مفاده أن الأفغاني أعاد النظر في موقفه تجاه الجامعة الإسلامية خلف الدولة العثمانية؛ لأنه تبدى له أنها ضعيفة , فإن إعادة النظر والعدول لا يدلان على أن الأفغاني اتجه نحو وحدة تقوم على أساس قومي عربي, وإنما يدل على أن الأفغاني عدل عن الدولة العثمانية لأنه علم أن السلطان عبد الحميد غير جدير بأن يكون حاكماً على بلاد المسلمين, فقد أراد السلطان من الوحدة أن يضم الدول الإسلامية كلها تحت لوائه .
أما الأدلة الأخرى التي فسرها د.عمارة على أساس التسلسل الزمني لنصوص الأفغاني من العروة الوثقى إلى الخاطرات, فلا تدل على ان مفكرنا أراد أن يغير موقفه من الوحدة التي دعا إليها (الجامعة الإسلامية) إلى وحدة تقوم على أساس قومي عربي, وإنما تدل على بصيرته النافذة بالتحام رابطة الاعتقاد بالعلائق القومية.
والآن أعالج المرحلة الثانية التي يتكلم عليها د.عمارة, وهي نضوج الفكر القومي لدى الأفغاني, ويستدل على ذلك بالأمور التالية:
1-في الرد على آرنست رينان , يدافع الأفغاني عن الاتهام الذي وجهه الأول إلى العقلية العربية, بوصف العنصر العربي أبعد العقول عن الفلسفة, قائلاً: ((الكل يعلم أن الشعب العربي خرج من حال الهمجية التي كان عليها وأخذ يسير في مجال التقدم الذهني والعلمي, ويغذّ السير بسرعة لا تعادلها إلا سرعة فتوحاته السياسية, وقد تمكن في خلال قرون, من التكيف بالعلوم اليونانية والفارسية.(76:9)
2-التجربة التي صنعها الأفغاني في مصر في تسع سنوات (1871-1879) وتعلقه بأهلها ونضال شعبها وتكوينه الحزب الوطني الحر, كل هذه الظروف أدت إلى نضوج الفكر القومي لدى الأفغاني, ورفعه شعار (مصر للمصريين) , واعتبار مصر الدولة النموذج التي اهتم بها الأفغاني .(77:9)
3-تمييز الأفغاني بين الأصول القومية والأسس الروحية للإسلام, فالأصول القومية هي الأصول الجوهرية, وهي شيء آخر غير العقيدة والمذهب, ويستند بذلك د.عمارة إلى حديث الأفغاني عن وحدة الألمان عندما كانوا يختلفون في الدين المسيحي على نحو مشابه لاختلاف الإيرانيين مع الأفغانيين في مذاهب الديانة الإسلامية, فعندما رأوا أن هذا الاختلاف له أثر سلبي يتمثل في تمزيق الوحدة السياسية بينهم, أعادوا تفكيرهم , وراعوا الأصول الجوهرية بينهم المتمثلة في الوحدة الوطنية, وبذلك, قضوا على مواطن الضعف, وأصبحوا حكام أوروبا.(87:9)
4-بحث الأفغاني في المؤثرات التي عدّ القومية ثمرة لها , وهي: (اللسان والأخلاق والعوائد والإقليم), وهذه المؤثرات تنبع من الطبيعة والواقع والظروف المادية, وأما المؤثر الخامس, فهو (الدين) الذي يعده طارئاً,. يقول الأفغاني: ((أنه خليق بالإنسان , كما أنه نوع واحد, ألا يكون له غير هذه الكرة الأرضية وطناً, بمعنى أن وحدة النوع تقتضي وحدة المكان. فالإنسان طالما لا يمكنه أن يعيش في الماء فموطنه إذاً اليابسة, ونتيجة هذه المقدمة ألا يختص ببقعة دون الأخرى)). ثم يمضي الأفغاني ليقول: ((تحت هذه المؤثرات تحصل للأقوام ميزة, وتتأصل فيهم محبة البقاء على مألوفهم, والذود عنه, واعتبار من خالفه أنه ليس منهم, بل هو غيرهم بمعنى الغيرية المطلقة)) فالأفغاني ينتقل من النص الأول الذي يعود إلى دائرة النوع الإنساني إلى النص الثاني المحدود بدائرة الأمة التي ينتسب إليها (القومية).(88:9)
5-الملائمة بين فكرة الإسلام وفكرة العروبة, على أساس أن الأفغاني رأى الإسلام طريقاً للتعرب, واكتساب الهوية العربية, وخصائص الأمة العربية, وكذلك, دفع الجزية من جانب أهل الذمة الذين منحوا ولاءهم للإسلام دون الاعتقاد به, فكان ذلك طريقاً للتعرب, يقول الأفغاني: ((إن كل من دان بالإسلام, أو رضي بدفع الجزية,قد سارع عن طيب خاطر, وارتياح عظيم إلى التعرب..... فمصر, بينما هي هرقلية رومانية, ومقوقسها عامل لها فيها, أصبحت في قليل من الزمن إسلامية في الأغلبية, عربية بالصورة المطلقة في كافة مميزات العرب, وهكذا القول في سوريا والعراق))(90:9)
6-يلحظ د.عمارة أن الأفغاني قد دعا إلى إطار قومي, عند النظر في نصوصه التالية:
((كان اللسان العربي لغير المسلمين, ولم يزل, من أعز الجامعات وأكبر المفاخر))
((فهم أحكامه, والعمل بآدابه (أي الدين) , وذلك ما تم ولا يتم إلا باللسان, وهو أهم الأركان )).
((الأمة العربية هي (عرب) قبل كل دين ومذهب, وهذا الأمر من الوضوح والظهور للعيان ما لا تحتاج معه إلى دليل أو برهان )).(94:9)
7-الحادثة التي وقعت في متنزه الكاغدخانة بالآستانة بين الأفغاني والخديوي عباس حلمي الثاني, حيث اتفقا على إنشاء دولة عربية عباسية , مما يدل على أن الأفغاني كان يسعى إلى الدولة العربية القومية .(95:9)
8-كان اعتزاز الأفغاني بالعرب وحضارتهم أسبق من ظهور الإسلام , واعتناق العرب له.(99:9)
وأما قول د.عمارة الذي مفاده أن الأفغاني أعاد النظر في موقفه تجاه الجامعة الإسلامية خلف الدولة العثمانية؛ لأنه تبدى له أنها ضعيفة , فإن إعادة النظر والعدول لا يدلان على أن الأفغاني اتجه نحو وحدة تقوم على أساس قومي عربي, وإنما يدل على أن الأفغاني عدل عن الدولة العثمانية لأنه علم أن السلطان عبد الحميد غير جدير بأن يكون حاكماً على بلاد المسلمين, فقد أراد السلطان من الوحدة أن يضم الدول الإسلامية كلها تحت لوائه .
أما الأدلة الأخرى التي فسرها د.عمارة على أساس التسلسل الزمني لنصوص الأفغاني من العروة الوثقى إلى الخاطرات, فلا تدل على ان مفكرنا أراد أن يغير موقفه من الوحدة التي دعا إليها (الجامعة الإسلامية) إلى وحدة تقوم على أساس قومي عربي, وإنما تدل على بصيرته النافذة بالتحام رابطة الاعتقاد بالعلائق القومية.
والآن أعالج المرحلة الثانية التي يتكلم عليها د.عمارة, وهي نضوج الفكر القومي لدى الأفغاني, ويستدل على ذلك بالأمور التالية:
1-في الرد على آرنست رينان , يدافع الأفغاني عن الاتهام الذي وجهه الأول إلى العقلية العربية, بوصف العنصر العربي أبعد العقول عن الفلسفة, قائلاً: ((الكل يعلم أن الشعب العربي خرج من حال الهمجية التي كان عليها وأخذ يسير في مجال التقدم الذهني والعلمي, ويغذّ السير بسرعة لا تعادلها إلا سرعة فتوحاته السياسية, وقد تمكن في خلال قرون, من التكيف بالعلوم اليونانية والفارسية.(76:9)
2-التجربة التي صنعها الأفغاني في مصر في تسع سنوات (1871-1879) وتعلقه بأهلها ونضال شعبها وتكوينه الحزب الوطني الحر, كل هذه الظروف أدت إلى نضوج الفكر القومي لدى الأفغاني, ورفعه شعار (مصر للمصريين) , واعتبار مصر الدولة النموذج التي اهتم بها الأفغاني .(77:9)
3-تمييز الأفغاني بين الأصول القومية والأسس الروحية للإسلام, فالأصول القومية هي الأصول الجوهرية, وهي شيء آخر غير العقيدة والمذهب, ويستند بذلك د.عمارة إلى حديث الأفغاني عن وحدة الألمان عندما كانوا يختلفون في الدين المسيحي على نحو مشابه لاختلاف الإيرانيين مع الأفغانيين في مذاهب الديانة الإسلامية, فعندما رأوا أن هذا الاختلاف له أثر سلبي يتمثل في تمزيق الوحدة السياسية بينهم, أعادوا تفكيرهم , وراعوا الأصول الجوهرية بينهم المتمثلة في الوحدة الوطنية, وبذلك, قضوا على مواطن الضعف, وأصبحوا حكام أوروبا.(87:9)
4-بحث الأفغاني في المؤثرات التي عدّ القومية ثمرة لها , وهي: (اللسان والأخلاق والعوائد والإقليم), وهذه المؤثرات تنبع من الطبيعة والواقع والظروف المادية, وأما المؤثر الخامس, فهو (الدين) الذي يعده طارئاً,. يقول الأفغاني: ((أنه خليق بالإنسان , كما أنه نوع واحد, ألا يكون له غير هذه الكرة الأرضية وطناً, بمعنى أن وحدة النوع تقتضي وحدة المكان. فالإنسان طالما لا يمكنه أن يعيش في الماء فموطنه إذاً اليابسة, ونتيجة هذه المقدمة ألا يختص ببقعة دون الأخرى)). ثم يمضي الأفغاني ليقول: ((تحت هذه المؤثرات تحصل للأقوام ميزة, وتتأصل فيهم محبة البقاء على مألوفهم, والذود عنه, واعتبار من خالفه أنه ليس منهم, بل هو غيرهم بمعنى الغيرية المطلقة)) فالأفغاني ينتقل من النص الأول الذي يعود إلى دائرة النوع الإنساني إلى النص الثاني المحدود بدائرة الأمة التي ينتسب إليها (القومية).(88:9)
5-الملائمة بين فكرة الإسلام وفكرة العروبة, على أساس أن الأفغاني رأى الإسلام طريقاً للتعرب, واكتساب الهوية العربية, وخصائص الأمة العربية, وكذلك, دفع الجزية من جانب أهل الذمة الذين منحوا ولاءهم للإسلام دون الاعتقاد به, فكان ذلك طريقاً للتعرب, يقول الأفغاني: ((إن كل من دان بالإسلام, أو رضي بدفع الجزية,قد سارع عن طيب خاطر, وارتياح عظيم إلى التعرب..... فمصر, بينما هي هرقلية رومانية, ومقوقسها عامل لها فيها, أصبحت في قليل من الزمن إسلامية في الأغلبية, عربية بالصورة المطلقة في كافة مميزات العرب, وهكذا القول في سوريا والعراق))(90:9)
6-يلحظ د.عمارة أن الأفغاني قد دعا إلى إطار قومي, عند النظر في نصوصه التالية:
((كان اللسان العربي لغير المسلمين, ولم يزل, من أعز الجامعات وأكبر المفاخر))
((فهم أحكامه, والعمل بآدابه (أي الدين) , وذلك ما تم ولا يتم إلا باللسان, وهو أهم الأركان )).
((الأمة العربية هي (عرب) قبل كل دين ومذهب, وهذا الأمر من الوضوح والظهور للعيان ما لا تحتاج معه إلى دليل أو برهان )).(94:9)
7-الحادثة التي وقعت في متنزه الكاغدخانة بالآستانة بين الأفغاني والخديوي عباس حلمي الثاني, حيث اتفقا على إنشاء دولة عربية عباسية , مما يدل على أن الأفغاني كان يسعى إلى الدولة العربية القومية .(95:9)
8-كان اعتزاز الأفغاني بالعرب وحضارتهم أسبق من ظهور الإسلام , واعتناق العرب له.(99:9)