eKtab
EN ع
خمائل الواحة - القطاف الثاني
Read free sample

خمائل الواحة - القطاف الثاني

by د. سمير العمري

Page 1

المقدّمة

الحمد لله الذي وهب النعم ومايز الهمم وأكرم من فضله وأتم، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للأمم الداعي لصون الذمم والخلق الحميد والكرم وبعد؛

فإني يشرفني أن أقدم لهذا الكتاب الأدبي القيم بالقطاف الثاني من سنابل وخمائل بما يحمل من نصوص أدبية واعية ومضامين إنسانية راقية وأداء أدبي جميل. في إصدار آخر جديد تقدمه رابطة الواحة الثقافية -هذه المرّة- بالتعاون مع الاتحاد العالمي للإبداع الفكري والأدبي، في إضافة مهمة للمكتبة الأدبية العربية وهدية للرعيل المؤسس لهذا الاتحاد من أفاضل ريادين تنادوا إليه ليكون جسدا ثقافيا مهما يرعى الإبداع والمبدعين عموما بشكل منصف ونزيه، ويقوم على خدمة الفكر العارف والأدب الهادف ، وأخذوا على عواتقهم العبء الكبير بما يلزمه من جهد وإيثار وتجاوز للفردية والأثرة وهوى النفس بتبني مشروع منظمة ثقافية عالمية غير ربحية ترتكز في عملها على القيم الإنسانية العليا وتمثل حركة مجتمع مدني غير عنصرية وغير ذات تبعية سياسية أو حزبية، تعمل على زيادة التفاهم والاحترام بين الثقافات الإنسانية المختلفة ودعم التعاون الثقافي إضافة إلى إثراء التجارب الإنسانية المختلفة بما يعني العمل لخير الإنسانية جمعاء دون طمع في كسب أو تحقيق لمصلحة ذاتية

إن هذا الكتاب هو ثمرة تعاون أول بين هذين الكيانين الثقافيين المهمين وسيتم العمل مستقبلا على تأكيد هذه الشراكة الثقافية أدبا وفكرا بكل ما من شأنه أن يخدم الأهداف والأعضاء ويحقق المأمول من نشر الوعي الثقافي فكرا وأدبا وترسيخ العلاقة بين المبدع والمتلقي بشكل فاعل ومؤثر. ويظل لرابطة الواحة الثقافية الدور السباق في خدمة الأدباء والمبدعين بشكل صادق ومتجرد، ورعاية الأدباء والموهوبين من أرباب الأدب ومحبيه وأهل الفكر ومرتاديه وهو دور لن تتأخر يوما في تحقيقه وترسيخه بوعي واستحقاق.

وعود على بدء فإن هذا الإصدار إنما يمثل شكرا إنسانيا وأدبيا لكل مبدع من الأدباء والمفكرين ممن بادر إلى هذه الهمة وكان عضو مؤسسا في هذا الاتحاد الذي يعد بالكثير ويراهن على كل صادق نبيل من أبناء الأمة، فالشكر والتقدير لكل نبيل كريم من هذه الثلة المباركة راجيا أن يتقبل الجميع هذه الهدية المميزة كأصدق تعبير عن الشكر والتقدير.

د. سمير العمري

رئيس رابطة الواحة الثقافية

السويد في 6 نوفمبر 2013 ميلادي

Page 2

الإهداء

إلى فرسان اللّغة الذين يمتطون أفراس المحافظة عليها،

ويروون أغراس الإبداع في ترب محبّتها

يهدي الاتّحاد العالمي للإبداع الفكري والأدبيّ

ورابطة اتّحاد الواحة الثّقافيّة هذا النّتاج

Page 3

استبدال

لم يعرفْ كيفَ خرجَ منَ السوقِ ينتَهِبُ الخُطواتِ نَهبًا مُتلفِّتًا ورَاءَهُ بَينَ الفَينةِ والفينةِ في جَزَعٍ كَبيرٍ. شَعرَ بِأنَّ عَرَبتَهُ المُزيَّنة َهَذهِ تَتَآمرُ عَليهِ بِثِقَلهَا الذِي يكادُ يَقطعُ أنفَاسَهُ ، وَبِصريرِ عَجَلاتِهَا الذي يَكادُ يَشِي بِهِ ، وَلِلمرَّةِ الأولى شَعرَ بِمَقتِهِ لَهَا فَتوقَّفَ عن دَفعِهَا وَجَمَعَ مَا عَليهَا منْ مُجوهراتٍ في صُرَّةٍ، ثُمَّ مدَّ يدَهُ إلى تلكَ يُخْرجُهَا من مَخبَئِهَا يَلفُّهَا بِثوبِهِ وَيحملُهَا بينَ يديهِ بِحِرصٍ وَعِشقٍ قَبلَ أنْ ينطلقَ رَاكِضًا لا يلوِي عَلى شَيءٍ. أَغلقَ بابَ غُرفَتِهِ المُتهالِكَةِ وَتهاوَى بِهَا إِلى أَرِيكتهِ القَديمةِ يُجاهدُ أَنفَاسَهُ المُتلاحقَةَ، يَنْظُرُ إِليهَا تَارَةً يَكادُ يَلتَهمُهَا، وَإِلى البَابِ أُخرى خَائفًا يترَقَّبُ.

أَخرجتْ اعْتِمَادٌ صُندوقَ المُجوهراتِ المُزَركشِ الذِي وَرِثتهُ عن جَدَّتِها الثَّريَّةِ

تبحثُ فيه عمَّا تَتَزيَّنُ بهِ في حَفلةِ عِيدِ مِيلادِهَا الذي اعتَادتْ أنْ تُقيمَهُ بَاذخًا وَتدعُو إليهِ الكثيرَ ممَّنْ يُشبِعوَن لَهَا شَهِيَّتَهَا لِلمَديحِ. صَاحتْ تُنادي الخَادمَةَ دونَ أنْ تلتفتَ عن المرآةِ تَسألُهَا عن رَأيِهَا في القِلادَةِ وَهِيَ تَتَحَسَّسُهَا عَلى جِيدِهَا بِبَعضِ امتعاضٍ. أدركتِ الخادمَةُ الماكِرةُ بِخُبْثِهَا المَوقِفَ فأَسمعتْ سَيدتَهَا مَا كَانتْ تُريدُ، ثُمَّ اقترَحتْ أَنْ تَخرجَ بِصُحبتِهَا إلى السوقِ فَتَسْتَبدِلَ بِهَا قِلادةً حَدِيثةً تَلِيقُ بِهَا وتُناسبُ عصرَهَا وَتُبعدُ عنهَا هذا الشُّعورَ بِالتَّبعِيَّةِ وَالاخْتِنَاقِ.

هدَأَتْ أنفاسُهُ قليلا وَشعرَ ببعضِ اطمئنانٍ فَمَدَّ يَدَهُ الوَاجفةِ نَحْوهَا لا يَكادُ يُصَدِّقُ أَنَّهَا هُنا أَمامَهُ ينظُرُ إليهَا. كَانَ جَمالُهَا أَخَّاذًا وَبريقُها يَسْحرُ الألبابَ. تَأَمَّلَ بِشغَفٍ كُلَّ تلكَ النفَائِسِ التِي تَزِيدُ ألقَ جُرْمِهَا الصَّقيلِ بَهَاءً وَهَيبةً. كانتْ من أجملِ مَا رأَى في حياتِهِ وَأثمنِ مَا مَلكتْ يدَاهُ، فَابتَسمَ لهَا أخيرًا وهوَ يتمنَّى في سرِّهِ أنْ تكونَ لهُ دونَ مُنازعٍ فَتُغيِّرَ حَيَاتَهُ كُلَّها ، وَتمسحُ عن كاهلِهِ كلَّ عَناءٍ عَاشهُ مُنذُ وَلَدتُهُ أُمُّهُ.

لم تُحِبَّ اعْتِمادُ يومًا جدَّتَهَا إِذْ رَأتهَا دَومًا مُتسَلِّطَةً لا تُراعِي اختِلافَ عَصْرِهَا وَلا اعترافَ عُذرِهَا. كَانتْ تَمقتُ صَرَامتَهَا وَجِدِّيتهَا في أنْ تُنْشِئَهَا نَشْأةً مُحافظةً على التقاليدِ وَالقيَمِ، فَتَكونَ امتدادًا طَبيعيًا لِلسلالَةِ وَلِلحَضَارَةِ التِي قَامتْ عَليهَا. وكَمْ كَانَ يُزعجُهَا انتقادُ جدَّتِهَا لِسطْحِيَّتِهَا وَعُزُوفِهَا عن كلِّ ما يُمثِّلُ قِيمةً أو مَا يحتاجُ جُهدًا. وَلَمْ تَجِدْ فِي نَفسهَا يَومًا قَبولا لِنُصحهَا القَاسِي حِينمَا كَانتْ تَنْهرُهَا كُلمَّا آثَرتْ المَدحَ عَلى الحَمْدِ وَالهَزْلَ عَلى الجدِّ بِأنَّ قيمةَ الإِنسانِ في مُحتوَى ذَاتِهِ لا في كَثيرِ مَالهِ أو عظِيمِ سُطوتِهِ أو رَخيصِ مَدحٍ يكيلُهُ مُغرِضٌ أو مُخاتِلٌ.

لمْ يكنْ أصعبُ على نفسِهَا من قرارِ جَدَّتِها تسريحَ الخادمَةِ التي ارتاحت لها بعد أن رَأتْ أَنَّهَا تُغوِيهَا بِالمَدحِ وَتُخَذِّلُها عَن كُلِّ نُصحٍ. ولمْ تجدْ مَخْرَجًا لهَا ممَّا هيَ فيهِ سُوى أنْ تَتَمنَّى لِجدَّتِها المَوتَ عَاجِلاً غَيرَ آجلٍ. وَمَاتتِ الجَدَّةُ، فَكَانَ أولَ مَا فعلتهُ اعتمادُ هُو أنْ أَعادَتِ الخَادمَةَ الأَثيرَةَ، ثُمَّ مَا لَبثتْ أَنِ استَجابَتْ لِمُقترحِهِا؛ فَبَاعتِ القَصرَ الجَميلَ القائِمَ عَلَى قِمَّةِ التَّلةِ المُشْرفَةِ عَلَى المَدِينةِ لأَحَدِ الغُرَبَاءِ والذِي حَوَّلهُ بِدَورِه لِمتحفٍ لِمقْتَنياتٍ دَخِيلةٍ؛ لِتنفِقَ المَالَ عَلى تَقَلُبِهَا المُستَمرِّ أَسفلَ الوادِي بَينَ الفَنَادِقِ وَالشَّاليهَاتِ وَعَلى حَفلاتِ الأُنسِ الصَّاخِبةِ.

لمْ تَشعرِ اعتمَادُ وَهيَ تَدخلُ السوقَ الذِي قَادَتهَا إِليهِ الخَادِمةُ بِالاخْتِناقِ الذي كانتْ تشعرُ به كلمَّا دخَلتْ ذلكَ المَعرضَ الفَاخِرَ الذِي اعتَادَتْ أنْ تَصْطَحِبَها إليهِ جَدَّتُها. كَانتْ تشعرُ هناكَ بِالتِّيهِ وَبِالضِّيقِ من ذَلِكَ الهُدُوءِ الرَّصِينِ وَالتعَامُلِ المُهيبِ وَالتناولِ الدقيقِ لكلِّ مَا يُعْرضُ فيهِ. كَانَ كُلُّ شَيءٍ هُناكَ لا يَروقُ لَهَا خُصُوصًا تلكَ الانتِقَاداتِ التي كانتْ تَسمَعُهَا كُلمَّا اختَارتْ ثَوبًا تُحِبُّ أَو حِليةً تُؤثِرُ.

أمْسكَ بالقِلادَةِ يُقلبُّهَا بينَ يديِهِ وَقَدْ أَذْهَلَتهُ بِثِقَلِها وَدِقَّةِ صُنْعِهَا. كَانتْ مِنَ الذَّهَبِ الخَالصِ زَيَّنتهَا فُصُوصٌ من عَقِيقٍ وزُمُرَّدٍ تَتَوَسَّطُهَا مَاسَةٌ كَبيرةٌ بِنَقشٍ فَريدٍ. لمْ يكُنْ لِيُصدِّقَ مَا يسمعُ مِن عَرْضِ اعتِمَادٍ - أَو مُودِي كَمَا تُحِبُّ أنْ تُنادَى - أَنْ تَستَبدِلَ بِهَا بَعْضَ قَلائِدَ ممَّا يَعرضُهَا عَلَى عَربَتِهِ. هَزَّ رَأسَهُ بِالمُوافقةِ كَالأبلهِ بَينَا هِي تَنتَقِي مِن بينِ تلكَ المَصُوغَاتِ الصِّينِيَّةِ من سَبَائِكَ ذَهَبٍ رديءٍ قَد زَيَّنتهَا قِطَعٌ مِنْ لُؤلُؤٍ مُصنَّعٍ ومزخْرفٍ بِألوانٍ بَرَّاقَةٍ. شَدَّهَا اخْتلافُ الشَّكْلِ وَبَريقُ القِشْرَةِ ، وَسَرَّهَا كَثيرًا أَنْ تَسمعَ منهُ بِأَنَّها مَنْ يُزيِّنُ الحُلِيَّ لا العَكْسِ، وَأنَّ جَمَالهَا كَبيرٌ وَذَوقَهَا رَاقٍ. وَبَينَ دَهْشتِهَا وَدَهشتِهِ قَدَّمَ لهَا قِرْطًا وَسِوَارَينِ كَهديَّةٍ إِضَافيَّةٍ قَبلَ أنْ ينطلقَ بِعَربَتِهِ فِرَارًا بِمَا غَنِمَ وَتنطَلقَ هِيَ خَلْفَ خَادِمَتِهَا سَعِيدَةً غَانِمَةً إلى حيثُ اخْتَارتْ أَنْ تَكُونَ.

Page 4

قِرشٌ بِقِرْشٍ

شَاخَ الليلُ حتَّى أَطلَقَتْ إِرْهَاصَاتُ فَجْرِهِ بَلابِلَ صَمتِهِ طُيَورًا تَسْعَى لأَرْزَاقِهَا مُسَبِّحَةً رَبَّهَا العَظِيمَ. وَكَانَ عَصْفُ رِيحٍ مُثقَلةٍ بِبَردٍ قَارِسٍ فِي مُنتَصَفِ كَانُونَ يُشِيبُ مَا تَبَقَّى مِن خصُلاتِهِ المُظْلمَةِ قَبلَ أَنْ يَرتَفِعَ صَوتُ أَذَانِ الفَجْرِ نَدِيًّا يُنَادِي إِلى خَيرِ العَمَلِ. كَانَ مُخْتَارٌ قَد سَبَقَ عَصَافِيرَ الفَجْرِ يَحُثُّ الخُطَى خَلفَ وَالدِهِ فِي الطَّريقِ المُحَاذي للسَّاحِلِ وَالذِي يَمُرُّ عَبرَ أَجَمٍ مِن نَخِيلٍ شَاهِقٍ. رَهْبَةُ الصَّمْتِ وَعَويلُ الرِّيحِ وَشِدَّةُ الظُّلْمَةِ تَرْسُمُ فِي خَيَالهِ بَعضَ خَوفٍ طُفُولِيٍّ أَذْكَتْهُ حَكَايَا جَدَّتِهِ إِذْ يَغْفُو في حضْنِهَا كُلَّ لَيلَةٍ ، وَتُحْجِمُ يَدُهُ مُجَدَّدًا أَنْ تَطْلُبَ يَدَ وَالِدِهِ الصَّارِمِ بَحْثًا عَن أَمانٍ.

كاَن َالبَحْرُ يَزْبدُ غَاضِبًا مِنْ لَطْمِ الرِّيحِ ،يَتَطَاوَلُ مَوجُهُ لِيَصفَعَ مَا يَخَالهُ خَصْمًا. وَكانَ بَعْضُ صَقِيعٍ يُدَثِّرُ الأَرضَ بِثَوبٍ قُطْنِيٍّ لامِعٍ امْتَدَّ حَتَّى غَطَّى قَارِبَهُم الصَّغِيرَ.

لَقَدْ بَدَأَ نَهَارٌ جَدِيدٌ فِي حَيَاةِ هَذَا الطِّفْلِ ذِي السَّنَوَاتِ العَشْرِ فَأَسْرَعَ إِلى تَطْبيقِ مَا تَعَلَّمَ بِخِفَّةٍ وَحِرْفَةٍ ، ثُمَّ جَلَسَ قبَالَةَ وَالِدِهِ يُزِيحُ مِثْلَهُ بِيَدَيهِ العَارِيَتَينِ أَكْوَامَ الثَّلْجِ لِيَصلَ لِلأسْمَاكِ المُجَمَّدَةِ يُلْقِمُهَا الشُّصُوصَ طُعْمًا لِصَيدٍ يُوَفِرُّ القُوتَ لِعَائِلَتهِ الكَبيرَةِ ، وَكُلَّما تَجَمَّدَتْ أَطْرَافُهُ حَدَّ الشَّللِ أَسْرَعَ يَغْمِسُهَا فِي مِيَاهِ البَحْرِ الباردة لِتَدْفَأَ فَتَسْتَعِيدَ حَرَكَتَهَا مِنْ جَدِيدٍ.

البَحرُ يَعْلُو وَيَهْبِطُ ، وَالرِّيحُ تَعْوِي وَتَصْفرُ ، وَالقَارِبُ الصَّغِيرُ يَكَادُ يَدْفَعُ ثَمنَ صِرَاعِهمَا يَصْطَفقُ بِقُوَّةٍ تَكادُ تَخلعُ قَلبَ الصَبيِّ وهُوَ يَنظُرُ فِي الأُفُقِ مُبتَهِلا للهِ أَنْ يَكُونَ حَظُّهُمْ هَذَا اليَومَ مِن الرِّزْقِ مُعِيلا. أَغْمَضَ عَينَيهِ يَستَعيدُ شَريطَ ذِكرَياتٍ مُتَبَاينةٍ ثُمَّ انْشَغَلَ يَدعُو اللهَ بِرِزْقِ العِيالِ حتَّى إِذَا صَفَا ذِهْنُهُ فِي تَأَمُّلٍ بَدَا كَحُلُمٍ لَمْ يَخْتَرْهُ ،رَأَى سَمَكةً تَعُومُ عَلَى السَّطْحِ تَتَّجِهُ إِلَيهِ فَيَمُدُّ يَدَهُ فَيَلْتَقِطُهَا. هَزَّ رَأْسَهُ يَضحَكُ مِنْ نَفسِهِ ؛ لا بُدَّ أَنَّ الحَاجَةَ الشَّدِيدَةَ لِلمَالِ وَنُدْرَةَ الصَّيدِ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرةِ هُمَا مَا رَسَمَا هَذَا فِي مُخَيِّلَتِهِ.

سَيطَرَ عَلَيهِ هَذَا الحِسُّ وَطَارَدَ خَاطِرَه صَيدُ خَيَالِهِ حتَّى فَتَحَ عَينَيهِ يَطْردُ بِنُورٍ بَعِيدٍ هَوَاجِسَهُ هَذِهِ فَلَمْ يُفلِحْ. اتَّخَذَ وَضْعًا يُمَكِّنُهُ مِن مُرَاقَبَةِ مَا تَسْمَحُ بِهِ الظُّلْمَةُ مِنْ سَطْحِ البَحْرِ دُونَ أَنْ يُفَرِّطَ في اسْتِرخَائهِ ثُمَّ انتَفَضَ فَجْأَةً صَائِحًا:

ـ تَوَقَّفْ يَا أَبِي ، هَذِهِ سَمَكَةٌ تَعُومُ إِلَينَا.

دُهِشَ أَبُوهُ حَتَّى لَقَدْ خَشِيَ عَلَيهِ منْ هَذَيَانِ رَهَقٍ ، فَابْتَسَمَ بِرِفْقٍ وَقَالَ:

ـ لَعَلَّنا نَصْطَادُ اليومَ سَمَكًا كَثِيرًا بِإذْنِ اللهِ. السَّمَكُ لا يَأتِي النَّاسَ يا بُنَيَّ ، وَالعَتْمَةُ هَذِهِ لا تَسْمَحُ بِرُؤيَةِ أَي شَيءٍ الآنَ. استَرِحْ رَيثَمَا نَصِلُ إِلى حَيْثُ نَبْدَأُ الصَّيدَ.

ـ وَلَكِنْ يَا أَبِي أَرَاهَا ، هَا هِي تٌقْبِلُ ، وَاللهِ أَرَاهَا هُنَاكَ.

هَالَ الأبُ نَبرُةَ ابْنِهِ الوَاثِقَةُ وَذهلَ حِينَ رَأَى إِذْ دَنَا تِلْك السّمَكَةَ تَتَّجِهُ نَحْوَ القَارِبِ فِي استِسْلامٍ. لَمْ تَكُنْ كَبِيرَةً وَلَكِنَّهَا كَانَتْ ثَقِيلةَ الوَقْعِ لِتبعَثَ الفَرْحَةَ وَالرَّهْبَةَ فِي آنٍ مَعًا وَهُوَ يُمْسِكُ بِهَا حَيَّةً طَازَجَةً مُردِّدًا:

ـ سُبْحَانَ اللهِ!

وَصَلا إِلى حَيْثُ بَدَأَ الصَّيدُ مَرَاسِمَهُ المَعهُودَةَ ، وَطَالَ انْتِظَارٌ دُونَ جَدْوَى. وفَجْأة إِذْ قَارَبَتِ النِّهَايةُ عَلَى غَرْزِ طَعْنَةِ إِحبَاطٍ تَزيدُ النَّصَبَ شُدَّ الخَيطُ بِقُوَّةٍ جَبَّارةٍ وَبَدَأَتْ الشُّصُوصُ تَنْطَلقُ مِن مَكَامِنِهَا كَرَصَاصَاتٍ سَرِيعَةِ الطَّلَقَاتِ.

صَرَخَ الأَبُ مُستَنْفِرًا:

ـ ارْتَدِدْ إِلى الخَلْفِ بِلا جَلَبَةٍ يَا مُختَارُ وَخُذْ حِذْرَكَ!

كَانَ مُخْتاَرٌ يَعْلَمُ مَا يَجِبُ عَلَيهِ فِعْلُهُ وَإِنْ أَرْبَكَهُ اخْتلافُ قُوَّةِ الشَّدِّ هَذِهِ المَرَّةِ فَكَانَ أَكْثَرَ حَذَرًا. سَاعَتَانِ مَرَّتَا كَدَهْرٍ وَالقَارِبُ يُجَرُّ إِلى حَيث شَاءَ ذَلكَ القِرْشُ الضَّخْمُ وَقَدْ فَاقَ حَجْمُهُ حَجْمَ قَارِبِهِمَا قَبْلَ أنْ تَخُورَ قِوَاهُ حَدًّا مَكَّنَهُمَا مِنْ شَدِّهِ لِلقَارِبِ. مَا إِنِ اقْتَرَبَ حَتَّى عَقَدَ الذُّهُولُ العَينَ وَاللِسَانَ حتَّى لَقَدْ عَجِزَا عَنْ رَفْعِهِ لِلقَارِبِ فَمَدَّدَاهُ إِلى جَانِبِهِ يَكَادُ أَنْ يَمِيدَ بِهِ.

Page 5

وَقَفَ جَمعٌ كَبيرٌ يَنْظُرُ بَعْضٌ بِفُضُولٍ وَبَعْضٌ بِحَسَدٍ وَهُمْ يَرَونَ القَارِبَ يَكَادُ يَغُوصُ يَحْسَبُونَهُ امْتَلأَ سَمَكًا. حتَّى إِذَا وَصَلا الشَّاطِئَ أَسْرَعَ بَعضُ الوَاقِفِينَ لِلمُسَاعَدَةِ إِذِ احْتَاجَ إِخْرَاجُ القِرْشِ لِلبَرِّ عَشْرَةَ رِجَالٍ. كَانَ المَشْهَدُ مَهُولا جَمَعَ القَومَ عَلَيهِ حَتَّى فَرَّقَهُمْ تَاجِرُ السَّمَكِ الكَبِيرُ فَنَظَرَ فِي الصَّيدِ ثُمَّ قَالَ بِلَهْجَةٍ حَاسِمَةٍ:

عَشْرُ لِيرَاتٍ فِي هَذِهِ السَّمَكَةِ ، وَلا أُرِيدُ هَذَا القِرْشَ فَلا طَلَبٌ عَلَيهِ.

تَجَرَّأَ أَحْدُ التُّجَارِ الصِّغَارِ بَعْدَ أَنْ مَضَى ذَاكَ فَقَالَ:

ـ أَشْتَرِيهِ بِقِرْشِ.

دَارَتْ الدُّنْيَا بِالصَّبِيِّ. أَبَعْدَ كُلِّ هَذَا العَنَاءِ وَالخَطَرِ ؟ رَحْمَتَكَ رَبِّي!

نَظَرَ فِي عَيْنَيِّ أَبِيهِ وَقَدْ تَعَلَّقَتَا بِالقِرْشِ وَتَعَلَّقَ فِيهمَا حُزْنٌ وَحَسْرَةٌ وَقَالَ بِسُخْرِيَةٍ مَرِيرَةٍ:

ـ حَسَنًا ، خُذْهُ بِقِرْشٍ!

ـ يَا أَبِي

ـ أصْمُتْ يَا مُخْتَارُ!

ـ يَا أَبِي ... هَذَا لَيسَ بِعَدْلٍ. دَعْنِي أَبِعْهُ فِي السُّوقِ قِطَعًا.

ـ لَنْ تُفْلِحَ يا بُنَيَّ فَلَحْمُهُ مِمَّا يُزهَدُ بِهِ ، وَهُمْ لَنْ يَسْمَحُوا لَكَ.

صَمَتَ لِسَانُ الصَبِيِّ وَتَحَدَّثَتْ عَينَاهُ بِكُلِّ مَا أَصَابَ القَلْبَ مِنْ قَهْرٍ وَأَسَى ، يَنْظُرُ إِلى التَّاجِرِ كَأَنَّهُ يُقَطِّعُ مِنْهُ لَحْمَهُ قَبلَ أَنْ يُقَطِّعَ لَحْمَ القِرشِ ذَاكَ. وَمَا إِنْ فَتَحَ التَّاجِرُ بَطْنَهُ حَتَّى جُنَّ جُنُونُ الصَبِيِّ يَصْرخُ بِأَبيهِ يَنظُرُ كِلاهُمَا بَينَ الذُّهُولِ وَالأُفُولِ لَكِنَّ أَبَاهُ نَهَرَهُ بِرِفْقٍ قَائِلا:

ـ لا يَا وَلَدِي ، لا يَتَرَاجَعُ الحُرُّ عَنْ البَيْعِ حَتَّى لَوْ وَجَدُوا فِي بَطْنِهِ كُلَّ هَذَا الخَيرِ ، هِيَ أَرْزَاقٌ يَا بُنَيِّ وَأَقْدَارٌ لا يَجِبُ فِيهَا أَنْ يَدْفَعَنَا السُّخْطُ إِلى أَنْ نَزِلَّ أَوْ أَنْ نَضِلَّ أَو أَنْ نَنْكثَ عَهْدًا أَو أَنْ نَخُونَ أَمَانَةً.

Page 6

بمعروف

أَشعَلَتِ الشَّمعَةَ المُعَطَّرَةَ العَاشِرَةَ أَمَامَهَا ثُمَّ انْثَنَتْ فِي رِقَّةٍ تُلَمْلِمُ أَطْرَافَ شَالِهَا المُخْمَلِيِّ عَلَى ثَوبِهَا الحَرِيرِيِّ ، وَأَسنَدَتْ خَدَّيهَا عَلى رَاحَتيهَا تَتَأَمَّلُ فِي صَمْتٍ تِلكَ الثُلُوج التِي تَهْطلُ بِرِفقٍ وَهُدوءٍ مِن خَلْفِ نَافِذَتِهَا ، تَتَرَقَّبُ بِشَوقٍ ظَاهِرٍ وَقَلَقٍ بَادٍ لا يَمْنَعُ بَسْمَةً هَادئَةً أَنْ تَسْكُنَ أَطْرَافَ شَفَتَيهَا. كَانَتْ قَدْ أَعْتَدَتْ لَهُ مُتَّكَأً عَلى أَرِيكَةٍ وَثِيرةٍ ، وَزَيَّنَتْ المَائِدةَ بِمَا يُحِبُّ مِن طَعَامٍ ، وَأَطْلَقَتْ مِن زَاوِيَةٍ بَعِيدَةٍ رَجْعَ مُوسِيقَى هَادِئَةٍ يَرُوقُ بِهَا. أَجَالَت النَّظَرَ مَرَّةً أُخْرَى لتَتَأكَّدَ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ عَلَى مَا يُرامُ ثُمَّ عَادَت تُسْنِدُ وَجْهَهَا عَلَى رَاحَتيهَا وَتَتَرَقَّبُ فِي هُدُوءٍ وُصُولَهُ.

عَشْرُ سَنَوَاتٍ مَرَّتْ مُنْذُ التَقَتْهُ ، وَمَا زَالَ هَذَا الوُدُّ يَكْبُرُ حَتَّى بَاتَ حُبًّا بَنَى لَهُمَا بَيتًا أَسَاسُهُ المَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ وَالاحْتِرَامُ المُتبَادَلُ. ابْتَسَمَتْ وَهِيَ تَسْتَعِيدُ ذِكْرَياتِ السِّنِين الدَّافِئَةَ وَالعِشْرَةِ الطَّيِّبَةِ وَالآمَالَ وَالآلامَ. قَدْ أَسْعَدَنِي هَذَا الرَّجُلُ وَوَفَّرَ لِي حَيَاةً أَحْبَبْتُهَا وَمَا مَسَّنِي بِسُوءٍ قَط حَتَّى وَإِنِ انْزَعَجَ أَو تَبَرَّمَ. هُوَ مَا انْفَكَّ مَعِي سَمْحًا كَرِيمًا وَلَسْتُ أَدْرِي لِمَ أَشْعُرُ بِهَذَا الفَرَاغِ فِي صَدْرِي وَهَذَا القَلَقِ يَعْتَرِينِي مُنْذُ شُهُورٍ.

التَفَتَتْ نَحْوَ صُورَتِهِمَا حَيثُ ابْتَسَامَتُهُ وَابْتِسَامَتُهَا وَمَدَّتْ يَدَهَا تَرْفَعُ الصُّورَةَ وَتُقَبِّلُ ابْتِسَامَتَهُ تِلكَ ، تُناجِيهِ بِبَعْضِ وَلَهٍ وَوَجْدٍ ثُمَّ تُعِيدُهَا إِلى مَكَانِهَا. لِمَ هَذَا الوَجْدُ يَجْتَاحُنِي؟؟ وَلِمَ أَشعُرُ بِهِ حَائِرًا وَأَرَاهُ وَجِيدًا تَهْرُبُ نَظَرَاتُهُ مِنِّي وَبَعْضُ دَمْعٍ حَبِيسٍ فِي عَيْنَيهِ يُفْصِحُ؟ لَيتَهُ يُصَارِحُنِي بِمَا يُؤْلِمُهُ فَأُهَدْهِدَ رُوحَهُ وَأُلَمْلِمُ شَتَاتَ مَشَاعِرِهِ. لَيتَهُ يُفْصِحُ لِي عَمَّا يُتْعِبُهُ فَلَيسَ ثَمَّةَ مَنْ يَهْتَمُّ لَهُ وَلِرَاحَتِهِ مِثْلِي!

انْتَبَهَتْ مِنْ خَيَالِهَا إِذْ وَصَلَ فَسَارَعَتْ وَهِيَ تَمْسَحُ بَقَايَا دُمُوعٍ بَرِيئَةٍ وَتَرْسِمُ بَسْمَةً كَبيرَةً تَسْتَقْبِلهُ بِهَا تُغَالِبُ وَجْدَهَا .قَبَّلَ جَبِينَهَا وَضَمَّهَا بِحُنُوٍّ ثُمَّ ابْتَسَمَ شَاكِرًا مَا يَرَى مِنْ حَفَاوَةِ اللِقَاءِ ونَسَائِمِ العِطْرِ فِي الأَجْوَاءِ. أَمْسَكَتْ يَدَهُ بِرِقَّةٍ بَعْدَ أَنْ تَنَاوَلا الطَّعَامَ تَتْبَعُهُ إِلى حَيثُ المُتَّكَأِ وَهِيَ تَهْمِسُ بِدَلالٍ:

- اشْتَقْتُ لَكَ يَا جُوزِيفُ.

- وَأَنَا أَكْثَرُ يَا مَارِيَّا.

جَلسَ وَجَلَسَتْ ، وَعاَد الصَّمْتُ يَسُودُ المَكَانَ ؛ عَيناهَا تَبحًثُ عَن عَينيهِ الهَارِبتينِ حَتَّى اصْطَادَتهُمَا بِنَظْرَةٍ وَدَمْعَةٍ. تَنَحْنَحَ مُرْتَبِكًا ثُمَّ قَالَ:

- هِيَ زَمِيلَتِي فِي العَمَلِ. لَسْتُ أَعْلَمُ كَيفَ تَسَلَّلَتْ إِلى قَلبِي الذِي يُحِبُّكِ حُبَّا جَمًّا. حَاوَلْتُ الهَرُوبَ وَحَاوَلَتْ فَلَمْ نُفْلِحْ. تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحِبُّكِ وَأُرِيدكِ وَلَكنَّنِي مُتَعَلِّقٌ بِهَا أَيضًا بِشَكلٍ يَستَولِي عَلَيَّ وَأَشعُرُ بِحُبِّهَا وَحَاجَتِي لَهَا. هِيَ لَيستْ أَجْمَلَ مِنْكِ وَلا أَرَقَّ وَلَكنْ بِينَنَا مِنَ الاهْتِمَامَاتِ والمُيُولِ مَا يَجْعَلُنِي لا أَسْتَطِيعُ إِلا أَنْ أُحِبَّهَا وَأُرِيدَهَا.

-أَنَا أُصَارِعُ مَشَاعِرِي هَذِهِ مُنذُ حِينٍ وَأَهْرُبُ مِنْ كُلِّ شِيءٍ إِلَيكِ ؛ أَنْتِ التِي لا مِثلكِ حُنُوًّا وَرِقَّةً وَوَفاَءَ ، وَلَكِنِّي أَفْشَلُ وَأَتَأَلَّمُ بَينَ رَغْبَتِي بِكِ وَرَغْبَتِي بِهَا. مَالَ عَلَيهَا - وَقَد خَذَلَتْهُ عَينُهُ - وَضَمَّهَا بِرِفْقٍ:

- سَامِحِيني حَبيبَتِي ، مَا قَصَدْتُ أَنْ أُؤْذِيَكِ بِشَيءٍ وَأَنْتِ مَنْ أَغْدَقَ عَلَيَّ بِحُبِّهِ وَاحْتَمَلَ مِنِّي نَزَقِي وَشَارَكَنِي الحَيَاةَ بِحُلوِهَا وَمُرِّهَا.

- لا تَعْتَذِرْ حَبِيبي! لا كُنْتُ وَلا كَانَ مَنْ يَضْطَرُّكَ لأَلَمٍ أَو اعتِذَارٍ!

غَالَبتْ تَمْسَحُ دُمُوعًا ثُمَّ أَرْدَفَتْ:

- أَنْتَ عِنْدِي كُلُّ هَذِهِ الحَياةِ وَمَا أَرَدْتُ يَومًا سِوَاكَ ، وَلَيتَ فِي القَانُونِ مَا يَسْمَحُ فَأَظَلُّ زَوْجَكَ مَا عِشْتُ ، وَتَكُونُ هِيَ لَكَ زَوجًا أحْتَرمُ وُجُودَهَا في حَيَاتِكَ ، لَكِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا مِمَّا لا يَسْمَحُ بِهِ قَانُونُ الدَّولَةِ وَلا حَتَّى الكنِيسَةُ ، وهَا بَاتَ عَلَيكَ أَنْ تَخْتَارَ بَينَنَا غَيرَ مُذَمَّمٍ ، وَإِنِّي لَولا أَنْ تَظُنَّ بِي غَضَبًا مِنْكَ أَو نُفُورًا عَنْكَ لَسَارَعْتُ أُفْسِحُ لَهَا المَكَانَ الذِي يَسْعَدُ بِهِ قَلْبُكَ وتهْنَأَ بِهِ نَفْسُكَ.

اتَّصَلَتْ بِهَا بَعْدَ أَيَّامٍ تُعَدِّدُ مَنَاقِبَ جُوزِيفَ وَتُوصِيهَا بِهِ خَيرًا وَتَتَمَنَّى لَهُمَا السَّعَادَةَ وَالسُّرُورِ وَتَسْتَأْذِنُهَا فِي أَنْ تَكُونَ صَدِيقَةً لَهُمَا تَطْمَئِنُ عَلَيهِمَا بَينَ الحَينِ وَالحِينِ.

أَغْلَقَتِ الهَاتِفَ وَالتَفَتتْ إِلَيهِ تُغَالبُ دَمْعةَ فِرَاقٍ بَابْتِسَامَةِ وُدٍّ وَقَالَتْ:

-أَتَمَنَّى لَكُمَا السَّعَادَةَ ، وَسَأَكُونُ لَكَ دَومًا حَيثُ وَضَعْتَنِي لا يَكُونُ مِنِّي إِلا مَا تُمْلِيهِ فُرُوضُ الحُبِّ الصَّادِقِ. هَلْ تَسْمَحُ لِي بِالاحْتِفَاظِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ ذِكْرَى عَهْدٍ مُحَبَّبٍ جَمِيلٍ؟

عَانَقَهَا وَقَبَّلَ رَأْسَهَا وَاخْتَلَطَتْ بَينَهُمَا دُمُوعُ الشَّوقِ وَالفِرَاقِ.

Page 7

لَمْلَمَ يُوسُفُ بَقَايَا أَورَاقِهِ بَعْدَ يَومٍ جَامِعِيٍّ طَوِيلٍ ، وَأَسْرَعَ يَلْبسُ مِعْطَفَهُ الثَّقِيلِ مُحَدِّقًا عَبْر النَّافِذَةِ يَنْظُرُ لِنَهَارٍ شُتْوِيٍّ تَكَادُ تَتَفَطَّرُ مِنْ بَرْدِهِ أَكْبَادُ الصُّخُورِ. كَانَ عَليهِ أَنْ يُسْرِعَ لإتْمَامِ بَعْضَ أَوْرَاقٍ عَلَى مَكْتَبِهِ فِي عَمَادَةِ الكُلِيَّةِ ثُمَّ يَنْطَلِقُ لِتَسجِيلِ بَرْنَامَجٍ مُهِمٍّ لإِحْدَى القَنَواتِ الفَضَائِيَّةِ.

- هَذَا مِلَفُّ طَالبٍ يَرْجُو فِيهِ إِعْفَاءَهُ مِن الرُّسُومِ الجَامِعِيَّةِ لِظَرفِهِ الصَّعْبِ ، وَهَذَا مِلَفٌّ جَهَّزْتُهُ لَكَ حَولَ دِرَاسَتِكَ "تَأثِيرُ الحَالَةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ عَلى مُسْتَوَى التَّحْصِيلِ". سَأُجَهِزُّ لَكَ الآنَ فِنْجَانًا مِن القَهْوَةِ وَأُحَضِّرُ لَكَ بَعْضَ أَورَاقٍ تَخُصُّ لِقَاءَكَ التِّلْفَازِي بَعْدَ قَلِيلٍ.

ابْتَسَمَ لَهَا مُمْتَنًّا ثُمَّ أنْهَمَكَ فِي إِنْهَاءِ المِلَفَّاتِ سَرِيعًا قَبلَ أَنْ يَدْهَمَهُ الوَقْتُ. هِيَ زَمِيلَتُهُ أَسْتَاذَةٌ تُشَارِكُهُ تَخَصُّصَهُ وَبَعْضَ مَسؤُولِيَاتٍ جَامِعِيَّةٍ أُخَرٍ ، لَكِنْ كَانَ لِلقَدَرِ مَسَارُهُ وَلِلقَلْبِ قَرَارُهُ فَقَدْ شَغَفَهَا حُبَّا بَدَمَاثَتِهِ وَوَقَارِهِ وَرُقِيِّ هِمَّتِهِ. وَمَا زَالتْ تُؤْثِرُهُ عَلَى نَفْسِهَا وَتَتَفَانَى فِي رِضَاهُ وَرِعَايَتِهِ بِرِفْقٍ وَصِدْقٍ حَتَّى وَجَدَ قَلْبَهُ يَنْسَاقُ إِلَيهَا بِلا تَكَلُّفٍ وَنَفْسَهُ تُنَازِعُهُ مَيلَهُ إِلَيها وحِرْصَهُ عَلَى زَوْجٍ يَودُّهَا وَيَسْعَى فِي سَعَادَتِهَا وَرِضَاهَا لا يَرُدُّه عَنْ ذَلِكَ مَا يَجِدُ مِنْهَا مَن كَدَرِ مُغَالِبٍ وَجَدَلِ مُجَاذِبٍ.

لَمْ يَنْسَ مَا كَانَ مِنْ كَدَرٍ أَثَارَتَهُ البَارِحَةَ فَاشْتَرَى طَاقَةَ وَرْدٍ أَنِيقَةٍ فِي طَرِيقِهِ لِلبَيتِ بَعْدَ لِقَاءٍ نَاجِحٍ. لَقَدْ أَحَبَّهَا وَتَوَدَّدَ لَهَا رَغْمَ زَواجِهِ التَّقْلِيدِي وَألْزَمَتْهُ أَخْلَاقُهُ أَنْ يَحْتَمِلَ مِنْهَا وَأَن يَجِدَ لَهَا العُذْرَ تلوَ العَذرِ ، وَاحْتَوَاهَا فَلَمْ يَضِقْ يَومًا ذَرْعًا بِمَا سَاءَهُ مِنْ نَزَقِهَا وَتَجَاهُلِهَا لِمَشاعِرِهِ بَلْ وَاسْتِخْفَافِهَا بِقَدْرِهِ الذِي يَوَقِّرُهُ الجَمِيعُ.

دَخَلَ البَيتَ بِابْتسَامَةٍ عَرِيضَةٍ يَبْحَثُ عَنْهَا حَتَّى وَجَدَهَا تَحْتَسِي القَهْوَةَ بِعُبُوسٍ ظَاهرٍ زَادَ فِي أَثَرِهِ شَعَرٌ لَمْ يُسَرَّحْ وَمَلابِسُ لَمْ تُهَنْدَمْ. جَلَسَ إِلَى جِوَارِهَا يَحْتَضِنُهَا فَدَفَعَتْهُ عَنْهَا. قَدَّمَ لَهَا طَاقَةَ الوَرْدِ مُبْتَسِمًا فَأَمْسَكَتَهَا تَنْظُرُ باسْتِخْفَافٍ وَقَالَتْ:

-أَهَذَا كُلُّ مَا قَدِرْتَ عَليهِ؟

- لا شَيءَ فِي الكَونُ أَثْمَنُ عِنْدِي مِن ابْتِسَامَتِكِ يَا مَرْيَمُ ، وَلَمْ يُسْعِفُنٍي وَقْتِي اليَومَ لأَكْثَرِ مِنْ هَذَا ، وَالوَرْدُ جَمِيلٌ عَاطِرٌ كَشَوقِي وَعِشْقِي.

- هَذَا مَا أَجِدُ مِنْكَ دَومًا ؛ كَلامًا رَقِيقًا تُخَاتِلنِي بِهِ ، وَحَدِيثًا عَنْ شِوقٍ وَعِشْقٍ لا أَجِدُهُ مِنْكَ ، وَوَرْدًا لا قِيمَةَ لَهُ تَظُنُّ أَنْ تَشْتَرِيَ بِهِ رِضَاي.

- هَلْ سَتَبْدَئِينَ مُجَدَّدًا؟ عَشْرُ سَنَواتٍ عِشْناهَا سَوِيَّةً لَمْ أحْرِمْكِ مِنْ شَيءٍ مَادِّيًّا كَانَ أَو مَعنَويَّا ، أَمْسَكْتُكِ بِمَعْرُوفٍ وَحَفِظْتُكِ فِي نَفْسِي ، وَاحْتَمَلتُ مِنْكِ الجَورَ حُكْمًا وَالكَدَرَ عاَدَةً وَالجُحُودَ استِزَادَةً ، وَحَرِصْتُ جَهْدِي لأَكُونَ لَكِ نِعْمَ الزَّوْجِ الحَافِظِ وَالشَّرِيكِ الحَانِي ، وَلَستُ ….

أَأَنَا مَنْ يَبْدَأُ أَمْ أَنْتَ؟؟ عَشْرُ سَنَواتٍ وَأَنَا أَحْتَمِلُ مَعِيشَتِي مَعَكَ وَمَا عُدْتُ أُطِيقُ هَذَا. أَنْتَ لا تُقَدِّرُ قِيمَة ما عِندِك أَمْ تُرَاكَ نَسِيتَ كَمْ تَقَدَّمَ لِي مَنْ هُمْ خَيرٌ مِنكَ ، وَكَانُوا قَادِرِينَ عَلَى أَنْ يُوَفِّرُوا لِي حَيَاةً أَفْضَل مِنْ حَيَاتِكَ المُقْرِفَةِ هَذِهِ. وَيحِي كَيفَ رَفَضْتُهُمْ وَقَبِلْتُ بِكَ! سَامَحَ اللهُ أَبِي.

- وَسَامَحَ اللهُ أُمِّي ، وَلَكِنِّي أُوَفِّرُ لَكَ حَيَاةً كَرِيمَةً وَأُسْرَةً مُحْتَرَمَةً وَأَحْفَظُكِ بِالمَعْرُوفِ.

حَاولَ أَن يَضُمَّهَا إِليهِ بِوُدٍّ فَدَفَعَتهُ عَنْهَا بِغِلْظَةٍ. صَمَتَ قَليلا يَبْتَلِعُ أَلَمَهُ ثُمَّ أَرْدَفَ:

- تَعْلَمِينَ يَا مَرْيَمُ أَنَّكِ مَنْ يَبَادرُ غَالبًا إِلَى الكَدَرِ وَالجَدَلِ والتَّأَفُّفِ ، وَمَا أَتَيتُكِ دَومًا إِلا بِوُدِّي وَوَرْدِي ، فَمَا الذِي لا يُرْضِيكِ فِي حَيَاةٍ يَحلُمُ بِهَا الكَثِيرُ؟ هَلْ قَصَّرْتُ بِحَقِّكِ يَومًا؟؟ هَلْ قَسَوتُ عَلَيكِ يَومًا؟؟ هَلْ ...؟

- لا أَعْلَمُ ، لا أَعْلَمُ! كُلُّ ما أَعْلَمُهُ أنَّكَ مُقَصِّرٌ مَعِي وَقَاسٍ في حُكْمِكَ عَلَيَّ.

- التَّقْصِيرُ وَالقَسْوَةُ مَعَانٍ تَخْتَلِفُ بِحَسْبِ وُجْهَاتِ النَّظَرِ وَمَآرِبِ النُّفُوسِ ، وَإِنَّمَا يَحْكُمُ فِيهِمَا التَّجَرُّدُ وَالصِّدْقُ مَع النَّفْسِ ، وَأَنَا أُحَاسِبُ نَفْسِي تَهذِيبًا كُلَّمَا تَجَاوَزَتْ فَمَا مِنْ أَحَدٍ بَلَغَ حَدَّ الكَمَالِ فَهَلْ بَلَغْتِ؟

- يَكْفِينِي جَمَالِي هَذَا وَكَانَ عَليكَ أَنْ تَكُونَ شَاكِرًا أَنِّي زَوجُكَ. مَنْ كَانَ سَيَقْبَلُ بِكَ إِلا حَمْقَاءُ مِثْلِي؟.

ابْتَسَمَ بِمَرَارَةٍ وَهُوَ يَنْظُرُ بِهُدُوءٍ إِلَى لِبَاسِهَا وَشَعَرِهَا وَعُبُوسِهَا. تَنَهَّدَ عَمِيقًا بِينَ حَيرَةٍ وَأَسٍف. كَانَ كَثِيرًا مَا يُرَاجِعُ أَمْرَهُ مَعَهَا مُنْذُ تَزَوَّجَهَا ؛ يَأْسَفُ مِنْ تَبَرُّمِهَا وَجُحُودِهَا وَيَتَأَلَّمُ مِنْ إِصْرَارِهَا عَلى أَنْ تَحْشُرَهُ فِي زَاوِيَةِ الاتِّهَامِ بِظُنُونَ لا تُوجَدُ إِلا فِي مُخَيِّلَتِهَا ، وَاليَومَ وَجَدَ نَفْسَهُ أَكْثَرَ إِلحَاحًا فِي أَنْ يوَاجِهَ حِيرَتَهُ وَتَرَدُّدَهُ وَأن يَرحَمَ نَفْسَهُ التِي لَطَالمَا آثَرَ عَلَيهَا ، وَقَرَّرَ.

- حَسَنًا يَا مَرْيَمُ ، فَهُنَاكَ مَنْ تَقْبَلُ بِي وَهِيَ رَاضِيَةٌ رَاغِبَةٌ فَخُورَةٌ ، وَلَعَلَّهُ قَد حَانَ الوَقْتُ لأَتَزَوَّجَ بِهَا.

-مَاذَا؟ هَا أَنْتَ تكْشِفُ عَن غَدْرِكَ وخِيانَتِكَ ، وَسَأَعَلِّمُكَ دَرْسًا لَنْ تَنْسَاهُ إِنْ لَمْ تَتَرَاجَعْ عَنْ قَرَارِكَ هَذَا وتَعْتَذِرْ لِي.

- كَلا لَنْ أَتَرَاجَعَ. وَأَنَا لم أَغْدُرْ وَلَمْ أخْدَعْ وَإِنَّ الذِي أَبَاحَكِ لِي هُوَ مَنْ أَبَاحَ غَيرَكِ. أَنَا لَنْ أَتَخَلَّى عَنْكِ ولَنْ أَهْضِمَ حَقَّكِ ، وَلَكِنِّي أُرِيدُهَا أَيضًا وَأَحْتَاجُهَا.

أَسْرَعَتْ إِلى صُورَتِهِمَا المُعَلَّقَةِ فِي زَاوِيَةٍ مُهْمَلَةٍ عَلَى الجِدَارِ وَنَزَعَتْهَا نَزْعًا ثُمَّ أَلْقَتْهَا عَلَى الأَرْضِ بِنَزَقٍ لِتُحَطِّمَهُ بِهَا إِلى شَظَايَا مِنْ هَشِيمٍ. أَمْسَكَتْ الهَاتِفَ وَهِيَ تُزْبِدُ بَحْثًا عَنْ أَرْقَامِ أَهْلِهَا:

- سَتَنْدَمُ ، وَسَتَدْفَعُ الثَّمَنَ غَالِيًا!

أَمْسَكَ الصَّحِيفَةَ وَهُوَ يَتَحَسَّسَ جُرْحًا فِي رَأْسِهِ وآخَرَ فِي قَلْبِه يَقْرَأُ بِحَسرَةٍ عُنْوَانًا رَئيسِيًا "أُسْتَاذٌ جَامِعِيٍّ يَتَعَرَّضَ لِهُجُومٍ هَمَجِيٍّ مِنْ قِبَلِ مَجْهُولِينَ" ، ثُمَّ التَفَتَ إِلى وَرَقَةٍ وَصَلَتْهُ صَبَاحًا مِنْ مُحَامِيهِمْ تُطَالِبُهُ بِالمُثُولِ أَمَام المَحْكَمَةِ لِدَفْعِ النَّفَقَةِ وَالمُقَاضَاةِ فِي طَلَبِ مُخَالَعَةٍ.

Page 8

د. سمير العمري

شاعر فلسطيني لاجيء ولد في غزة عام1964 ونشأ هناك حتى أكمل دراسته الثانوية قبل مغادرتها في بدايات شبابه لبناء مستقبله ومواصلة تعليمه حيث حصل على إجازته الجامعية كطبيب صيدلاني.

هاجر إلى السويد عام1998 وما زال يعيش هناك

كتب الشعر وهو دون السادسة عشرة، ونشرت له العديد من القصائد والمقالات الفكرية والاجتماعية في الصحف العربية

كتب القصة القصيرة مؤسسا لونا إبداعيا جديدا فيها يقدم النص على القص.

مؤسس رابطة الواحة الثقافية والاتحاد العالمي للإبداع الفكري والأدبي ملتقى النخبة للمفكرين والأدباء والشعراء.

Page 9

سَــــجِـيّـة

تَمَايَلتْ بِدَلالٍ عِندَ حَافَّةِ المَركِبِ، تُغازِلُهَا عَينَاهُ بَيْنمَا تَكْشِفُ عَضَلَةُ فَكِّهِ المُتَقَلِّصَةُ انزِعَاجًا مِن مُحَادِثَتِهِ عَلَى الطَّرَفِ الآخَرِ مِن خَطِّ الاتِّصَالِ الخَليويّ. اقتَرَبَت مِنهُ وَمَالَت بِرَأسِهَا عَلَى كَتِفِهِ تَتَأملُ البَحْرَ أمَامَهُمَا يَمْخُرُ عُبَابَهُ مَركِبُهُمَا الجَمِيلُ وَهُو يَقُولُ مُتَبَرِّمًا يُنْهِي المُكَالَمَةَ:

- أيُّ غَدَاءٍ؟ جَاؤُونِي بِشَطِيرةٍ مَا زَالَتْ أَمَامِي مُنْذُ سَاعَتَيْنِ، لَم أَجِدْ فُرْصَةً لِتَنَاولِهَا بَعْدُ ... قُلتُ لَكِ مَشْغُولٌ..مَشْغُول، أَأَترُكُ عَمَلِي لآتِيكِ؟

وَبِذَاتِ الدَّلالِ وَضَعَتْ فِي فِيهِ قِطْعَةً مِن حَبَّةِ الدُّرَّاقِ التَقَطَهَا وَأَطرَافَ أَنَامِلِهَا مُدَاعِبًا، لِيَغرَقَا فِي مَوْجَةٍ مِن الضَّحِكِ، نَسِيَ مَعَهَا تَشَنُّجَهُ مِنْ مُكَالَمَةٍ انْتَهَت، وَغَابَا فِي جَلْسَةٍ هَانِئَةٍ عَلَى حَافَّةِ المَركِبِ تَتَغَنّى بِشَقِّهِ المَاءَ ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، وَخَرِيرُهُ تَحتَهُ مُوسِيقَى تُرَافِقُ صَوْتَهُ يَرْسُمُ لَهَا جَنَّةً سَتَدخُلها بِزَوَاجِهِمَا.

رَفَعَتْ بِتَنْهِيدَةٍ وَلْهَى رَأسَهَا المُلْقَى عَلى ظَهْرِ المَقعَدِ عَائِدَةً لِلوَاقِعِ مِن ذِكرَيَاتٍ تَستَعِيدُهَا بِحَنِين، وَتَفَقَّدَتِ المَائِدَةَ أَمَامَهَا مَفْرُوشَةً بِمَا لَذّ، تَزِينُهُ بَاقَةُ وَرْدٍ وَشَمعَدَانٌ أَهدَاهُ إلَيْهَا قَبلَ زَوَاجِهِمَا، تَحَسَّسَتهُ بِأصَابِعَ مُرْتَعِشَةٍ انحَدَرَت عَلَى تَعَارِيجِهِ نَحْوَ هَاتِفِهَا الخَليَويّ، تَنَاوَلَتهُ تَتَأَمَّلُ صُورَتَهُ عَلَى الشَّاشَةِ الكَبِيرَةِ بِضَحكَتِهِ السَّاحِرَة، وتَتَذكّرُ يَومَ التَقَطَتْ لَهُ تِلكَ الصُّورَةَ عِندَمَا انفَجَرَ ضَاحِكًا لِشَكلِهَا فِي سُترَتِهِ الضَّخمَةِ الَّتِي خَلَعَهَا لِيَضَعَهَا عَلَى كَتِفَيهَا تُدفِئُهَا مِن نَسْمَةِ بَردٍ فِي رِحلَةٍ رَبِيعِيَّةٍ.

"اشتَقْتُ لِضَحْكَتِكَ الغَالِيَةِ حَبِيبِي" فَكَّرَت بِشَوقٍ وَضَغَطَت الأَرقَامَ تَطلُبُهُ فَجَاءَ الصَّوتُ الحَبِيبُ مُغَرِّدًا:

-حَيَاتِي

-تَأَخَّرتَ حَبِيبِي، أَعَدْتُ تَسخِينَ الطَّعَامِ مَرّتَين.

- سَامِحِينِي يَا غَالِيَة، مَشْغُولٌ.

- أَلَن تَأتِيَ لِتَنَاوِلِ الغَدَاءِ مَعِي؟

- مَشغُولٌ أُقْسِمُ، لَا أَستَطِيعُ حَتّى تَنَاوُلَ شَطِيرَةٍ، سَامِحِينِي.

مَسَحَت بِطَرَفِ إِصْبَعِهَا دَمْعَةً سَالَتْ عَلَى وَجْنَتِهَا بَينَمَا يَتَسَلَلُ لِأُذنِهَا عَبرَ سَمَّاعَةِ الهَاتِفِ صَوْتُ خَرِيرِ المَاءِ تَحتَ المَركِبِ.

Page 10

جَلْدُ طَيْفٍ

أَغرَقَهَا كَعادَتِهِ فِي مَوجِ عَواطِفَ لا قِبَلَ لِقَلبِهَا الطِّفلِ الغَافِلِ بِجَمَالِها، وَرَسَمَ لَهَا بِعَذْبِ حَرْفِهِ حَدَائِقَ نَرْجسٍ، بَدْرُهَا خَالِدٌ، وَنُجُومُهَا زُهْرٌ حَنيَّات، تُهَدهِدُهَا هَمْهَمَاتُ شَفَتَيْهِ عَلَى صَفْحَةِ قَلْبِهَا فَتَغْفُو عَلَى خُدُودِ الوَرْدِ، وَتُدَاعبُهَا هَسْهَسَاتُ نَبْضِهِ فِي أُذُن حَنِينِهَا، فَتَتَمَطَّى مَعَ غَزْلِ الشَّمسِ لِخُيوط ابْتسَامَةِ فَجْرٍ نَدِيَّةٍ عَلَى بَتَلاتِ السِّحْرِ المُتَفَتِّحَةِ أَجِنَّةً قَيْدَ اكْتِمَالٍ في ظِلالِ جَفْنَيْهِ، لِتَجِدَ ذِرَاعَيْهِ مَفتُوحَتَيْنِ عَلَى مِسَاحَةِ الدُّنيَا تَحْتَويَانِهَا فِي خَيْمَةِ صَدْرٍ لا يَهُونُ وَلا يَخُونُ، تَحْتَمِي فِيهِ مِنْ صَعْقِ بَرْقِ الشَّراراتِ المُكَهْرَبَةِ بَيْنَ صَبرِهَا وَقَسْوَةِ عُمْرِهَا، فَتَحظَى بِفُسْحَةٍ مِنْ طُمَأْنِينةٍ وَسَلامٍ، وَتُطْلِقُ العِنَانَ لِأحْلامِهَا بِوَفَاءِ دَيْنِهِ، تَهَبُهُ نَفْسَهَا عَجِينَةً تَتَثَنَّى بَينَ أَنَامِلِهِ وَتَتَمَايَلُ عَلَى أَلحَانِ أَمَلِهِ كَجِنِّيَةٍ طَالِعَةٍ مِنْ فَانُوسِ أُسطُورَةٍ ، تَقْرَأُ فِي قَلْبِهِ نَجْوَاهُ وَحَنِينَهُ، وَتَتَلَمَّسُ فِي نَبْضِهِ هَوَاهُ فَتَكُونُهُ، لا يُثْنِيهَا عَنِ التَّعَلُّقِ بِأَذْيَالِهِ قِطَّةً عَاشِقَةً غَيْرُ تَوْقِهِ لِلانْفرَادِ بِأَحزَانِهِ إِذْ لا يَجِدُهَا إِلَى جِوَارِهِ حِينَ يُرِيدُهَا فِي غَفْلَةٍ مِنْ مَشَاغِلِهِ.

تَنْزَوِي فِي رُكْنِ تَوْقهَا إِلَيْه مُسْلمَةً الرُّوحَ لأَجْنِحَةِ الخَيَالِ تَحْملُهَا إِلَى حَيثُ هُو، فِي جَوْقَةٍ مِن أَسْرابِ الفَرَاشِ تَعْزِفُ عَلَى أَوْتَارِ النَّسِيمِ لَحْنَ هَوًى تَمِيسُ عَلَى أَنِينِهِ مُسْتَكِينَةً لِإيقَاعٍ لا يَعِيهِ سِوَى قَلبِهَا، يَرِفُّ وَيَضْطَرِبُ كَعُصْفُورٍ صَغِيرٍ يَضِيقُ بِأَسْرِ القَفَصِ الَّذِي يَحْتَويِهِ، وَيَتَقَافَزُ نَحْوَ الشُّرُوقِ الآسِرِ فِي عَيْنَيْهِ إِنْ تُشْرِقَا بِابْتِسَامَةٍ.

عَبَثًا حَاوَلَتِ البُكَاءَ حِينَ أَجْبَرَهَا ضَبْحُ شَمسِ الحَقِيقَةِ عَلَى فَتْحِ عَينَي خَيَالِهَا لِترَى الوَجْهَ الآخَرَ لَلضِّياءِ، عَبَثًا حَاوَلَتِ الصُّرَاخَ لِيَسْمَعَهَا فِي تِيهِهِ، لكِنَّهَا اسْتَحَالَتْ تِمْثَالًا صَقِيعِيًا، تَحَجَّرَتْ عنْدَ طَرَفَيْ عَيْنَيهِ بِذُلّ الصَّمْتِ، مَاسَتَانِ بَرّاقَتَانِ تَعْكِسَانِ فِي البَسْمَةِ الجَوْفَاءِ فِيهِمَا لَوْنَ المَوْتِ، فَأَغْلَقَتْ أَبْوَابَ بَرْدِ شِتَائهَا دُونَ شَمْسِ صَيْفِهِ، وَأَسْلَمَتْ نَفْسَهَا لِأَسْيَافِ الظَّلامِ تُمَزِّقُ مَا بَقِيَ مِنْ كِيَانِهَا، لِتَسْتَجْدِيَ القَلْبَ نَزْفَهُ، تَجْدِلُ مِنْهُ سَوْطًا يَجْلِدُ طَيْفَهُ.