eKtab
EN ع
خندق النار
Read free sample

خندق النار

by أنيسة الزياني

Page 1
الكلب وحوض الزهور
 
حفرنا في المنزل حوضاً صغيراً لزرع بعض الزهور الجميلة التي يعتقد أخي بأنه لا بد من وجودها في كل منزل، وحين أصبح الحوض جاهزاً للزراعة بدأنا بغرس بعض شتلات الزهور، تمضي الأيام وفي كل صباح نتجمع حول النبتات الصغيرة التي بدأت تنمو ببطء، ولم يخطر ببالنا أن هناك من يرقب بحزن شديد فرحنا بنمو هذه النباتات·
 
بعد فترة ليست بقصيرة بدأت بعض براعم الزهور بالتفتح وكأنها ترينا حقيقتها الجميلة التي أخفتها عنا طويلاً، إنها زهور ملونة جميلة تفوح منها عند الصباح والمساء رائحة لا يمكن نسيانها، إننا لا نستطيع قطفها خوفاً من فقدان الغصن الجمال الذي أضفته عليه هذه الأزهار·
 
ذات صباح سمعنا أخي يتحسر، وعند اقترابنا منه لمعرفة السبب تبين لنا أن هناك من اقتلع الغصن بأزهاره وبراعمه من الأرض، بعد حين اتضح لنا أن كلبنا الصغير هو الذي قام بهذا العمل، لسنا نعلم لماذا، المهم أنه استطاع اقتلاع الغصن الذي استرعى انتباهنا واهتمامنا كله، لقد كان ينظر إلينا من بعيد وكأنه لم يقم بهذا العمل إلا للهو فقط، لم نعاقبه على عمله بل عاودنا زراعة الحوض مرة أخرى، ووضعنا البذور في الأرض، وانتظرنا نموها بصبر شديد غير ناسين شجرة اللوز التي بدأت تنمو بسرعة، إلا أننا تظاهرنا بعدم اهتمامنا بها وهذا ما لاحظه الكلب الصغير حيث لم يبال بها وبنموها السريع، ولم يحاول اقتلاعها كما فعل مع الزهور من قبل·
 
وحين نمت البذور وقبل بدء تفتح براعمها، عاد الكلب للهوه المصطنع فبدأ يحفر الأرض بأرجله وأخذ يقتلع الأغصان، ويخرج بعض البذور التي لم تنبت بعد··· حسناً لم نعاقبه·· ترى ما السبب؟ إنه رغم استطاعته الانتصار في كل مرة إلا أن انتصارنا نحن كان أكبر، حيث بدأت شجرة اللوز تطرح ثمارها، وامتلأت أغصانها بحبات اللوز الصغيرة، وأصبحت الشجرة تظلل جزءاً كبيراً من المنزل، ولم تعد بنا حاجة للجزء الباقي من الحوض، فبدأنا بردمه مكتفين بالجزء الصغير الذي استطاعت شجرة اللوز أن تثبت نفسها فيه، وفي الليل نجلس تحت الشجرة نتسامر بالأحاديث والكلب يجلس بالقرب منا هادئاً يرنو ببصره إلى أعلى الشجرة، إنه لن يستطيع اقتلاعها مهما فعل فقد أصبحت قوية راسخة·
Page 2
الحلم الصغير
 
لي أخ صغير في العاشرة من عمره، وكان مولعاً كغيره من الصبيان بالطيور والحمام··· فأحضر ذات يوم مجموعة من الطيور الصغيرة، ووضعها في قفص خشبي قديم اشتراه من مصروفه اليومي بمبلغ زهيد···· وبدأ يوليها اهتمامه وعنايته··· فهو يغير لها الماء في كل يوم، ويضع طعامها في أوان فخارية جميلة، وانتظرها حتى تضع بيضها ويفقس فيزداد عددها·· انتظر طويلاً لكن دون فائدة، اقترحنا عليه إطلاق سراحها رغم تعودنا على وجودها وسماع تغريدها في كل يوم، والغريب أن أخي سمع كلامنا فأطلق سراحها إذ لم تعد منها فائدة خاصة بعد إحضاره لذكورها كي يهيّئ الجو الذي تصور أنه الحل الوحيد لوضع البيض·
 
بعد شهر دخل علينا أخي حاملاً في يده كيساً مثقوباً وفي داخله زوج من طيور الكنار··· وضعهما في قفص كبير صنعه خصيصاً لهما وجمَّله بالأغصان وكل ما يُشعر الطير بأنه ليس سجيناً، واستمر في العناية بها كما فعل من قبل لكن جميع محاولاته باءت بالفشل··· فالكنار لم تضع بيضها·
 
نصحناه مرة أخرى بإحضار مجموعة أخرى من الكنار علَّ وجودها يساعد على خلق الجو الملائم لوضع البيض··· لم تمض فترة طويلة حتى امتلأت الأعشاش بالبيض الذي فقس عن أفراخ صغيرة، فرحنا جميعاً لفرح أخي وسروره لأنه نجح في تحقيق حلمه الصغير·
 
مرَّت أسابيع قليلة قبل أن يخوض الصغار تجربة الطيران داخل القفص والتغريد طوال اليوم فأضفت على البيت جمالاً لم يخطر ببال أحد منا··· ولكن وجود الرفاق وتوافر الماء والطعام لم يكن كافياً لاستمرار حياة الكنار ففي صباح كل يوم نجد بعضها مُلقى على الأرض لا حراك فيه، اعتقد أخي أن قط الجيران أو أحد الفئران استطاع قتلها بدخوله القفص·· ولكن ما الفائدة من قتلِها وتركِها دون محاولة أكلها·· كان هذا ما يثير تساؤل أخي الصغير·
 
رفعت رأسه إلى أعلى بكل حنان فإذا بالدموع تطفر من عينيه، حاولت تسليته ومداعبته لكي تعود إليه ابتسامته العذبة فلم أفلح، لقد كان مصمماً على معرفة السبب الذي عرفناه بينما لم يعرفه هو، فما كان مني إلا أن أخبرته بأن ما أحاط به الطيور من عناية واهتمام إنما أنساها حياتها التي عاشتها حرة طليقة نسياناً مؤقتاً وليس دائماً·· إن كل محاولاته ستبوء بالفشل إذ لا بد لكل طير أن يفيق يوماً ما ليرى الحقيقة التي يعيشها···
 
اعتقدت أنه لن يفهم كلامي لصغر سنه، لكني فوجئت في صباح اليوم التالي بأخي الصغير واقفاً أمام القفص··· فاتحاً بابه على مصراعيه لمساعدة الكنار على الخروج منه، توقعت أن تهرب الطيور بعيداً عن المنزل·· غير أنها حطَّت على أغصان الشجرة الموجودة في بيتنا وراحت تشدو بأصواتها الجميلة·
Page 3
زهور صفراء
 
كان يمر منذ سنوات طويلة أمام بيتنا في الصباح الباكر، وحين يصل تراه دائماً رافعاً رأسه إلى أعلى، وحين يتجاوز البيت يبدأ في إنزاله، واستمر على هذا الحال في الصباح حين خروجه لعمله والمساء لدى عودته إلى منزله، وظللت أرقبه حين يمر بالمنزل، أريد معرفة سبب رفعه وإنزاله رأسه أثناء مروره خاصة أنه ليس في المكان شيء يلفت النظر·· إلا إذا كانت تلك الشجرة العادية ذات الأوراق الخضراء والبذور الكثيرة، غير أنها لم تلفت نظري مرة واحدة فشكلها عادي جداً كباقي الشجر·
 
وذات يوم عزمت على الخروج من البيت والتوجه نحو الشجرة لأعرف ما الغريب فيها والذي يشد انتباه هذا الرجل، فوجدتني كلما دنوت من الشجرة تأتيني رائحة جميلة طيبة، ولمحت بها أزهاراً صغيرة ناعمة لونها أصفر لكن لا أستطيع الإمساك بها لأنها ما تلبث أن تتفتت في يدي·
 
عدت إلى البيت وبقيت في مكاني الدائم أنتظر مجيء الرجـل·· هاهو يأتي لكنه محني الرأس هذه المرة، يبدو وكأنه يفكر ويراجع قراراً في نفسه، إنه يقترب من الشجرة، يرفع ناظريه لها ثم يتلفت حوله، لم يرَ أحداً من أهل الحي فمدَّ يده نحو إحدى الأزهار وقطفها لكنها تفتتت، حاول مرة أخرى وأخرى وفي كل مرة تتفتت الزهرة في يده، وقف فترة قصيرة يفكر ثم رفع يده ليس باتجاه الزهور الصفراء بل اتجهت لقطف الأكياس المعلقة بجوار الزهرة، وها هو يجمع منها كمية كبيرة تكفي ليزرعها في منزله، بعدها ألقى نظرة أخيرة على الشجرة وابتعد بسرعة وكأنه ارتكب إثماً عظيماً في حقها، بعد هذا اليوم لم أعد أرى الرجل، وإنما أجد نفسي دائماً متجهة نحو الشجرة لأرى أزهارها الصفراء، وأشم رائحتها الطيبة التي أستطيع تمييزها بين آلاف الزهور·
 
وفي إحدى المرات وأثناء وقوفي قرب الشجرة، رأيت أناساً قادمين نحوي وبأيديهم فؤوس تلمع، إنهم يريدون قطع الشجرة···· يريدون اقتلاعها لأنها تعترض الشارع الذي سيتم رصفه حديثاً، بسرعة وجدتني أجمع البذور رغم الدموع التي كانت تملأ مآقي، وركضت مهرولة إلى البيت فقد انتابني شعور غريب بأنهم قد يعترضون طريقي ويأخذون البذور من يدي، تواريت خلف الباب وأخذت أرقبهم ودموعي تتناثر مع تساقط الأزهار والبذور··· والشجرة أخيراً·
 
بعد أيام·· قمت بزرع البذور والعناية بها، وظللت طويلاً أرقب خروجها من التربة··· وحلَّ اليوم الذي أنتظره، فقد كبرت البذور ونمت وأصبحت شجرة كبيرة ممتلئة بالأزهار الصفراء والبذور المعلقة، وامتلأ البيت بتلك الرائحة الطيبة، وتذكرت الرجل وتمنيت لو أنه استطاع بالبذور زرع شجرة في منزله كشجرتي·
Page 4
زائر المساء
 
إنها الليلة الأولى التي أجلس فيها وأنا مرتاحة البال··· لا أتوقع وجوده في غرفتي·· لقد كان شكله مقززاً ·· لونه أسمر يميل إلى البني·· يحمل فوق عاتقه جناحين شفافين··· له شاربان طويلان جداً، ولن أطيل في وصفه كي لا يأخذك الخيال بعيداً·
 
أمسكت بأحد الكتب لإكمال قراءتي فمرَّت بخاطري أحداث الليلة السابقة··· الليلة التي استطعنا فيها القضاء عليه·· لم تكن تحلو له زيارتنا إلا عندما يحل الظلام، فيبدأ في دورانه وطيرانه في أنحاء الغرفة·· ليس هذا فقط ·· فهو يحرص على أن ينفث رائحته النفاذة في كل مكان تدب فيه أرجله·· لا يترك أحداً في المنزل إلا وضايقه·· خاصة أمي التي ما إن تراه حتى ترفع ثيابها وتغادر الغرفة راكضة مولولة، أما أخي الصغير فيجري ضاحكاً يريد الإمساك به·
 
في تلك الليلة أعددنا أنفسنا لاستقباله·· هو ذا يخرج رأسه الصغير من مكمنه ليتأكد من أن أصحاب الدار في غفلة عنه·· لم يتحرك أحد منا في تلك اللحظة·· الجميع أظهر انشغاله وعدم انتباهه فاطمأن وأخرج جسمه ببطء شديد، وبدأ سيره سالكاً دربه المعتاد··· نافثاً رائحته الكريهة على كل ما يصادفه في طريقه··· انتظرناه حتى ابتعد عن مكمنه·· ثم تحلّقنا حوله··· تلفت حائراً ··· باحثاً عن منفذ يفر منه ·· حاول الطيران فبادره أخي برش المبيد··· سقط على الأرض مبلولاً ·· حاول النهوض فلم يستطع، ظل يدور في مكانه وحول نفسه كالمخمور، في تلك اللحظة لم يجرؤ أحدنا على إغماض عينيه فيفوته مايحدث، عاود أخي رشه مرة أخرى فانقلب على ظهره وظل يحرك أرجله ويدور محاولاً الوقوف عليها فلم ينجح، كنا نتحادث بالنظرات في حين علَت وجوهنا ابتسامات انتصارنا الساحق···· لقد توقف عن الدوران وتصلبت أرجله··· انفضضنا عنه وتحلقنا حول أخي الصغير نداعبه ونضاحكه·
Page 5
الرهان
 
لي صديقة دائمة الحديث في المجالس النسائية عن منزلها الفخم··· فرشه الوثير··· نظافته رغم اتساعه وغرفه الكثيرة، لم أصدق ما كانت تدَّعيه إذ لا يمكن لأيِّ بيت أن يكون مثلما تقول، حاولت إقناعي فلم أقتنع ··· ألحَّت عليَّ للقيام بزيارتها في يوم حددته لي فلم أقبل·· إذ من الممكن أن تنظف منزلها وترتبه في هذا اليوم لتثبت لي صحة كلامها وتكسب الرهان الذي اقترحته الجالسات معنا··· وهو خمسون ديناراً·
 
اتفقت معها على أن تكون دعوتها لي مفتوحة وغير مقيدة بموعد، وبعد انقضاء شهر على اتفاقنا عزمت على زيارتها في المساء··· وعند الساعة الخامسة والنصف طرقت الباب ··· عفواً··· أقصد ضغطت جرس البوابة الكبيرة للحديقة الممتدة حتى باب المنزل الرئيسي··· فجاءني صوت إفرنجي رخيم يسائلني من أكون، ذكرت اسمي·· فإذا بالبوابة تنفتح على مصراعيها ببطء شديد ·· سرت على قدمي عشر دقائق حتى وصلت باب المنزل··· تحيط بي حديقة·· بل حدائق غنَّاء توزعت في أنحائها مصاطب بأشكال عجيبة غريبة··· وأحاطت بها الأشجار الظليلة والأزهار العبقة المزروعة في جداول تجري المياه فيها دون توقف·
 
اعتليت الدرجات الخمس الرخامية لأصل الباب ··· وكلِّي ثقة بالخسارة ··· استقبلتني بحرارة وأدخلتني المنزل ··· ماذا أقول ؟؟؟ إنه قصر من تلك القصور التي أقرأ عنها في الكتب والقصص ولم يُقدَّر لقدمي أن تطأها حتى في الأحلام·
 
حين دخلت اكتشفت تقصيرها في وصفه، وأنها أبخسته حقه كثيراً، مشيت بمحاذاتها نعبر الصالات المتعددة المفروشة بألوان مختلفة ومتناسقة في آن واحد··· لقد تمَّ تصميمه وتأثيثه بأسلوب راقٍ ومنظم فلم تقع عيناي المتربصتان على ممرات سرية أو ثغرات صغيرة تشجع الحشرات على التجمع والتكاثر فيها كما في بيوتنا نحن الفقراء، حيث تجد في كل ركن منفذاً واسعاً لنوع خاص من الحشرات·· صراصير··· نمل·· خنافس، استغرقت مشاهدتي السريعة للقصر ثلاثين دقيقة··· أدخلتني بعدها حجرة لفخامتها ظننت أني لا أستطيع وضع يدي على أيِّ شيء فيها خوفاً من حدوث ضرر لها·· لم تواتني الشجاعة للجلوس فظللت واقفة رغم تعبي··· تركتني بمفردي ريثما تجري بعض المكالمات الهاتفية المهمة···
 
دقائق مرَّت على خروجها بعدها انطلقت قدماي وعيناي تفتشان عن ذرَّة غبار عالقة فوق الأثاث الوثير أو خيوط بيت عنكبوت مهجور خلف الصور واللوحات الثمينة··· ولكن باءت محاولاتي بالفشل··· الفشل الذريع ···· استندت على الحائط الناعم الملمس ونظري موجه للسجادة الإيرانية الفاخرة التي تغطي الأرضية··· أفكر في تحدِّيِّ الأخرق وخسارتي للرهان فشدَّ انتباهي جزء منها مرتفع قليلاً···· ربما تحتاج شدًّا قليلاً لتستوي مع الأرض ··· تقدمت خطوات ثلاث وانحنيت لسحبها··· فإذا بالجزء المرتفع يتحرك ببطء ··· ترددت كثيراً قبل رفع السجادة الإيرانية الفاخرة لأرى ما تحتها ··· إنه فأر صغير منكمش على نفسه ··· حاول الفرار فلم أعطه الفرصة للهرب··· ناديت صديقتي لتأتي بسرعة··· حضرت ووقفت بجانبي وأنا جالسة على ركبتي محاصرة الفأر بعدد من المخدات ··· بدا عليها الخوف من الفأر والدهشة من وجود هذا الكائن الصغير في المنزل الفخم···· طلبت منها مناداة أحد الخدم الكثر للتخلص من الفأر وإبعاده فلم تتحرك، وطلبت مني رفع الحصار عن الفأر وإفساح الطريق أمامه للهرب، حاولت تغيير رأيها لكنها رفضت، استجبت لها فهي صاحبة القصر··· ورفعت حصاري عنه فركض متنططاً فوق المخدات والأثاث إلى أن اختفى ····· لقد كانت تخشى اتساخ الأرضية بدم الفأر·
Page 6
الرصيف
 
واقفة على الرصيف ·· وحيدة ·· تحمل بيدها حقيبة سوداء، تنظر بين الفينة والأخرى إلى ساعتها، كلما لمحت شخصاً قادماً ركَّزت عليه نظراتها لعله هو، إنها تنتظره منذ ساعات··· ولم تبالِ بالشباب الذين كانوا يقفون بالقرب منها، ويرسلون نكاتهم وضحكاتهم العالية نحوها طمعاً في ابتسامة أو نظرة منها·
 
تلمح شخصاً قادماً من بعيد··· أرادت النظر إليه لكن هناك من دعاها إلى الالتفات والسهو عمن تبحث عنه، إنه رجل طاعن في السن·· أسمر·· شعره أشعث·· يرتدي ثوباً قصيراً ويضع قدميه في نعل ممزق، يدنو منها فتظنه متسولاً·· تُدخل يدها في حقيبتها لتخرج له نقوداً، لكنه وصل وحيَّاها·· لقد فاحت من فمه رائحة تعرفها جيداً وتكرهها جداً··· إنها الخمرة التي أضاعت أسرتها وهدَّت الذي كان في يوم ما قوياً··· والدها·
 
أرادت الابتعاد عنه فلم تستطع إذ مدَّ إليها ذراعيه وأمسك بيدها··· سحبتها بسرعة ·· حاولت صفعه لكن الحياء غالبها··· إنه في سن والدها فكيف ترفع يدها عليه، لم تقوَ على الصراخ فربما تجمع الشباب الذين يتحينون الفرصة للاقتراب منها وقد يسيئون إلى الرجل المسن ليُظهروا قوتهم أمامها فينالون إعجابها·
 
ليس لها من مفر سوى الالتجاء إلى المحل الذي يقع خلفها·· دفعت الباب بإحدى يديها ودخلت حيث لفحها الهواء البارد المنعش، لم تمض ثوان على دخولها حتى سمعت ضحكة عالية تأتيها من رجل متوسط العمر·· نظيف يبدو عليه سمت الغنى، حيَّاها وأخذ يحدثها عن الرجل الذي هربت منه، فأخبرته بأنه كان مخموراً، لم يبدُ عليه الاستغراب، ولمح في عينيها تساؤلات كثيرة، فأخبرها أن الرجل مخمور دائماً، لا يكاد يحس بما حوله فهو في شرود وضياع مستمر··· لا همَّ له سوى جمع النقود لشراء ما يحتاجه من الخمر، كان الرجل أثناء حديثه يقترب منها رويداً رويداً وهي في غفلة عنه··· كانت تنظر إلى الشارع لعلها تلمحه قادماً···· لكنه يقترب منها··· فإذا بها تشم تلك الرائحة، إنها تفوح منه وكأنما هو مغتسل بها·· يحاول لمسها·· لم تُبدِ حراكاً وأخذت تصرخ طالبة من ينقذها، لكن ما من أحد·· فكل من تجمعوا حولها كانوا مخمورين مثله·
 
اندفعت من بين الجميع، فتحت الباب بقوة··· وهم واقفون·· ينظرون إليها ويضحكون بأصوات عالية، تندفع من المحل إلى الرصيف·· تحملق في الوجوه التي تقابلها···· إنه ليس بينهم··· تجري والطريق أمامها طويــل ولا بد له من نهاية·· عندها ستجد من انتظرته وبحثت عنه في كل الوجوه·· واقفاً·· ليأخذها بين ذراعيه ويسيران معاً لإكمال الطريق··
Page 7
خندق النار
 
إن الخندق موجود منذ زمن طويل جداً، والنار فيه لا تخمد··· دائمة الاشتعال ··· لم يحاول أحد إطفاءها، وكان يجلس بجوارها شيخ كبير السن له لحية بيضاء طويلة، ويحمل في يده ناياً من الخيزران، ينفخ فيه أنغاماً رغم إيقاعاتها الحزينة إلا أنها تثير المشاعر، وجلوسه يستمر منذ الصباح حتى ساعة الغروب، بعدها يرحل ماشياً على قدميه ليعود في الصباح التالي·
 
وكانا يقفان هي وهو منذ الطفولة يده في يدها··· يتأملان الخندق والنار المشتعلة فيه، ويرقبان العجوز الجالس بجوارها، ويستمعان إلى أنغام الناي دون أن يتكلما··· فقط يكتفيان بالنظر لبعضهما البعض، وقد لاحظ الشيخ مجيئهما المستمر لهذا الخندق، وتركهما للأطفال واللعب، ورغم ذلك لم يحاول التحدث معهما·
 
تمضي الأيام والحال كما هو دونما تغيير، إلى أن يأتي اليوم الذي كان ينتظره منذ زمن بعيد·· منذ جلوسه عند خندق النار، إن الطفلين يقتربان منه وهو مستمر في نفخ نايه··· كاتماً فرحته باقترابهما منه··· مخفياً دمعة في عينيه، لكنهما يفهمان من نظرته بأنه يريد منهما الجلوس، يجلسان جنباً إلى جنب أمام الشيخ ينتظران انتهاءه من العزف، حين وضع نايه، أخذ يحملق فيهما·· تحمل شفتاه ابتسامة جميلة، بعثت الاطمئنان لقلبيهما الصغيرين، سألاه عن قصة خندق النار، لم يمانع في سرد الحكاية، فهو منذ زمن طويل ينتظر أن يحكيها فيقول ···: قديماً أتت جماعة من السحرة إلى هذه القريةالصغيرة، وأرادت ممارسة السحر والاستقرار فيها، إلا أن محاولاتها باءت بالفشل، فعزمت على الرحيل، وقبل أن ترحل حفرت هذا الخندق، وأضرمت فيه النيران لتكون أبدية لا تنطفىء إلا بموت من يحاول العبور منها إلى الناحية الأخرى، ويتابع سرد الحكاية بأن هناك من حاول العبور ولكن الخوف من الاحتراق كان يمنعهم، وهو جالس منذ طفولته ينتظر انطفاءه ليعبر إلى الجهة الأخرى، انتهى من سرد حكايته عند الغروب، نهض بعدها الطفلان ولم يعد يراهما·····
 
تمر أيام وشهور، وتصبح سنيناً طويلة، يكبر خلالها الأطفال ··· وتنمو الأشجار وتطرح ثمارها، والشمس في شروقها وغروبها الأبديين، والعجوز لا يزال مع نايه يجلس أمام خندق النار ينتظر انطفاءه ليقوم برحلته···· إذ يشاهد أهل القرية فتى وفتاة يقفان أمام خندق النار متشابكي الأيدي، يلتفتان ناحية القرية، ويلمحان من بعيد الشيخ العجوز قادماً ليجلس في مكانه المعتاد، يبدآن السير نحو الخندق في محاولة لعبوره، ولكنهما يسقطان داخل الخندق ويحترقان بناره···· بينما الشيخ يقف في مكانه، ويعزف على الناي ألحانه الحزينة بانتظار خمود النار·
Page 8
الشجرة
 
عمته دائمة التحذير له بألا يلمس الشتلة التي زرعتها منذ أيام قليلة في حديقة منزلها الكبير، ولخوفها الشديد على الشتلة المزروعة وحذرها منه أمرته بالجلوس في غرفته الصغيرة المطلة على الحديقة، لا يغادرها إلا بإذن منها فهو يضايقها بكثرة أسئلته التي تربكها في أغلب الأحيان، وكان يتساءل حين يطل من نافذته على الحديقة المليئة بالحشائش الخضراء المغطاة بالغبار والأتربة، والنباتات الشوكية الجافة، والأزهار البرية الرقيقة المختبئة بين هذه الحشائش، ما الذي تجنيه عمته من زرع نباتات لا فائدة منها···؟ تنمو الشتلة وهو مستمر في تساؤلاته وافتراضاته بأن عمته قد تكون زرعت هذه المرة شيئاً يرجع عليها بالفائدة·
 
كبرت الشتلة وصارت شجرة كبيرة جداً وضخمة، وبدأت تتفرع منها أغصان طويلة ملتوية ومتشابكة امتدت حتى نافذة غرفته، وكان فرحاً لأنها ستحمي الأزهار الصغيرة من رياح الشتاء وأمطاره، إضافة إلى ثمرها الذي لا بد وأن يكون لذيذاً، انتظر وبصبر شديد ظهور الثمر ولكن لا شيء ···· فقط أكياس صفراء تتدلى في نهاية الأغصان اعتقد أنها الثمر فأمسك بواحد منها وفتحه بفرح··· ماذا وجد·· حبات صغيرة جافة أخذت تتناثر حوله، أمسك كيساً آخر وآخر حتى أحاطت به دائرة من الحبوب الجافة عديمة الفائدة·
 
دخلت عمته ووجدته حزيناً باكياً، أمرته بالكف عن البكاء فلم يبالِ، استمر في البكاء واندفع بسرعة من الغرفة تاركاً عمته وحدها، نزل السلالم وذهب إلى المخزن فأخذ منشاره الذي لم يستعمله منذ زمن طويل وجرى به نحو الحديقة، ووضعه على جذع الشجرة من الأسفل وأخذ يحركه··· توقف المنشار عن القطع لكن الفتى وضع كل طاقته لتحريكه فتحقق له ما أراد······ لقد صار المنشار وكأنه جديد يقطع بأضراسه جذع الشجرة فيما يتصبب العرق من جسم الفتى ووجهه، وابتسامته تتسع كلما اقترب من نهاية الجذع····· والعمة واقفة عند النافذة تنظر حزينة إلى شجرتها التي بدأت تتمايل إيذاناً بالسقوط، ولحزنها وامتلاء عينيها بالدموع لم تلاحظ ثوبها الذي علق في الغصن وأخذ يسحبها معه أثناء سقوط الشجرة، والفتى لا يسمع صراخها فقد طغى صوت المنشار على كل شيء·
Page 9
سنوات عشر
 
ها هي ذي بعد الأربعين عاماً···· ما زالت تنعم برقتها وأحاسيسها، وبريق عينيها السوداوين اللتين تنطقان بكل ما هو ساحر وخلاب·· نعم جميلة هي حتى الآن، لم تأتِ التجاعيد بعد على أية بقعة من جسدها البض·· لا ولم تمسه، فهي تهتم بنفسها لأجله ومنذ آخر محادثة بينهما·· علَّه يعود إليها بكل شوقه وحبه لها·
 
إنها ما تزال تنتظره رغم مضي سنوات عشر كانت خالية إلا منه، وعينيه وابتسامته، كم تشتهي رؤيته، وتشتاق لنبرة صوته، وتحن لاستنشاق رائحته الطيبة التي طالما اصطبغ بها جسدها، شعرها وملابسها··· أجل ما زالت تلك الرائحة تملأ أنفها لا تبارحه مهما استنشقت من عطور·
 
سنوات عشر وُلدت وماتت وهي على حالها التي عليها الآن·· لم يجدّ جديد، بل هي في انتظار تهنئة منه بميلاد سنة جديدة تتلقاها عبر الهاتف، بعدها تعود المياه إلى مجاريها·· تنساب في جداولها عذبة نقية، كم ستكون رائعة تلك اللحظة حين الساعة الثانية عشرة تدق تصاحبها دقات الهاتف··· ترفع السماعة وتصغي ثم تتحدث لتقول له إنها تحبه، تحتاجه، تعشقه، وتتنازل عن كبريائها من أجله·
 
تستفيق من أحلامها، إنها العاشرة مساءً، تتجه إلى الحمام·· تفتح الباب وتغطس في ماء دافــئ معطر·· تحيطها فقاعات الصابون تضاحكها وتلامسها فتنفخها لتطير من حولها فتزيد من سحرها وجاذبيتها·
 
تنهض لتلتف بفوطتها الوردية وتخطو نحو خزانة ملابسها فتختاره دون الجميع، لونه أسود كلون عينيها وشعرها·· ترتديه مع ميلاد كل سنة ثم تخلعه، إنه يعشق اللون الأسود حين ترتديه وتنسدل فوقه خصلات شعرها الفاحم، تخرجه وتلقيه فوق السرير، تنظر إلى نفسها في المرآة··· كم هي رائعة·· إنها تزداد جمالاً وأنوثة مع مطلع كل عام يمر عليها والأخريات يزددن تجاعيد وترهلاً، إنها روحها الطاهرة، طيبتها، وتمسكها بالأمل، هذه المرة متفائلة هي فلن يكون عامها الجديد كالأعوام السابقة·
 
تمسك المشط تسوي شعرها لترسله وراءها شلالاً تتقاطر منه حبات ماء لامعة··· إنه لم يجف بعد··· ماذا تفعل··؟ تنظر إلى الساعة إن الوقت يمر بسرعة، تسرع تتناول ثوبها من فوق السرير وتضعه على جسدها، تغلق السحاب وتضبطه عليها، ما زال شعرها رطباً··· فلتتركه·· إنه يحبه رطباً·· مبللاً، تتلفت حولها باحثة عنها، أين زجاجة الطيب··؟ ها هي·· تمسكها بحنان وتدهن شعرها، رقبتها، كتفيها، تنتشي بتلك الرائحة فتنسى نفسها··· تسقط الزجاجة ويتبعثر طيبها، تنتبه فتنحني لتجمع الزجاج المتناثر وتترك الرائحة تنتشر في الغرفة لتختلط بالبخور فتزيد دفئها في تلك الليلة الباردة·
 
تقف أمام المرآة مرة أخرى·· تضع أحمر شفاه يعشق لونه حين تصطبغ به شفتاها، أما وجهها فلن يحتاج إلى تلك الرتوش التي تضعها غيرها من النساء، تدير ظهرها للمرآة وتتجه إلى غرفة الجلوس وتجلس بجانب الهاتف تنظر إليه بلهفة وتحتضنه بيديها الحانيتين وتنتظر، تتأمل أرقامه·· ما زالت تذكر رقم هاتفه، وهل باستطاعتها نسيانه، حاولت مراراً··· تنسى الأرقام كلها إلا هو·· باق في ذاكرتها وملتصق بسبابتها التي أدارته مرات عديدة·
 
الثانية عشرة···· تدق وتدق وتدق، تتسارع نبضات قلبها، تتوقف الدقات وقلبها ما زال يخفق، لم يتصل··· لم يرن الهاتف ليهنئها بالعام الجديد، لكنها تسمع رنات أخرى، إنه جرس الباب، تنهض متثاقلة محبطة، تمسك المقبض·· تديره·· محطمة هي، تفتحه ببطء، إنه يقف أمامها···· باقة ورد بنفسجية في يده··· عشق كبير يملأ عينيه وشوق عظيم تحمله شفتاه، ترتمي على كتفيه وتبكي، إنها تبكي صبراً وأملاً صاحباها سنوات عشراً·
Page 10
عيناهــا
 
غربة ووحشة داخل نفسه يحسها منذ أعوام، أحقاً غادرته··· نعم لقد هجرته وطردته من قلبها، ليس من قلبها وحسب بل عقلها معه، إنه لم يرها منذ ذلك اليوم بعد سؤالها له··:
 
- هل حبك لي عبث ولهو كما الأخريات؟
 
فأجابها بارتباك:
 
- لا ······إنني مشغول الآن بالضيوف فاعذريني·
 
غادرت يملأ عينيها الجميلتين تصميم لم يعهده من قبل، لكنه اعتبر الأمر بسيطاً، سيمر مرَّ سحاب الصيف لا يترك أثره على الأرض، فهو من وجدت فيه كل أحبتها الذين فقدتهم منذ زمن بعيد، لقد اختطفها من أحزانها وأنساها آلامها، أحبته بكل جوارحها وأغمضت عينيها وصدَّت قلبها عن كل من تقدموا لها·
 
كيف استطاع خيانتها عشرات المرات، ولِم كذب عليها مئات المرات، إنه حقاً يحبها، هي من بحث عنها وتمناها منذ صباه الأول، لماذا تركها تضيع من بين يديه، وهو الذي بحث عنها طويلاً والتقاها متأخراً فقبلت به، بادلته المشاعر ولم تأبه لأحد أبداً، كانت لا ترى غيره، وها هو الآن بعدها وحيد، يرنو بناظره إلى الأفق البعيد عبر البحر الذي يمتد أمامه ويفصلها عنه··· رابض منزلها هناك على الشاطئ حيث الرمال الناعمة والحصى متناثرة هنا وهناك، ربما تكون جالسة الآن فوق الرمال، تعبث أناملها الرقيقة بالحصى المتناثر حولها··· فتمسك إحداها وتلقيها في البحر ثم تليها بأخرى وثالثة فهي تحب رؤية المياه متطايرة في الفضاء·
 
يحادث البحر···· صديقها منذ الطفولة، كيف يستعيدها··؟ ماذا يفعل؟ إن الحياة بدونها لا طعم لها ولا رونق، إنه يحبها··· يعشقها بجنون، هذا ما باح به للبحر، كم يتمنى لو كان رجلاً معها، رجلاً بصدقه وإخلاصه وليس بكلامه····
 
تشرف الشمس على المغيب ويتساءل هل ينتهي يومه كما الشمس حزيناً كئيباً ليِليه يوم جديد بحزنه وآلامه·· لا·· لا·· سيذهب إليها ويسترجعها، سيكون لها مخلصاً، رجلاً كما أرادته دائماً·
 
يا لعظمة لقائهما الجديد، ينهض من مكانه مسرعاً، يمتطي قارباً راسياً عند الشاطىء الساكن، يمسك الدفة متوجهاً نحو شاطئها هناك، يلفحه نسيم البحر الرطب فيهيج في نفسه الشوق لمرآها وعينيها الساحرتين، لابد وأن الحزن زادهما جمالاً، تشرق أساريره وهو يدنو··· إنها هي·· تجلس فوق رمالها··· تمسك بحصاها وتلقي به في البحر فيتناثر قطرات تتساقط دموعاً، لماذا يراها دموعاً يا ترى ··؟
 
يرسو القارب عند الشاطئ، ينحدر منه مهرولاً نحوها، لا تمنعه الرمال التي تنغرس فيها قدماه، يقترب منها يدفعه حب عظيم وندم على ما فات، إليها يمد يديه، لكنها لا تحرك ساكناً، تتلفت حولها جزعة خائفة تائهة صارخة من ··· من القادم ···؟ تمد يديها متخبطة الفراغ الممتد أمامها ···· تتساقط الدموع من عينيه بصمت، إنها لا تراه·· عيناها لا تبصرانه·· نادماً باكياً يرتمي عند قدميها، حينها تصمت، إنه هو، تمد يدها تتحسس رأسه بحنان افتقده أعواماً طويلة فتطمئن نفسه وتهدأ·