Page 1
الحداثة العربية والسقوط في بئر التراث
نحن أمام واقع عربي شديد الالتباس والتعقيد. مظاهر حداثية ولا حداثة، محاولات لتجديد التراث وغربلته وترميمه، مصيرها الإخفاق أو الوقوع في أسر التلفيق فالعودة الدائرية إلى نقطة الانطلاق.
بهذه الحركة المقفلة تدور أزمة التراث العربي على محورها.
والتساؤل المعهود: كيف الخروج من شبكة العنكبوت؟ ما الذي يحمل المثقف العربي على تقبل قدره الأوديبي، ولا يجرؤ على كسر جرّة المحرمات فيشق للمجتمعات العربية ثغرة في حائط التاريخ، تسمح له بالرؤية وتدارك السقوط في بئر الموروث التي تنتظره فاغرة الشدقين؟
والتساؤل الآخر: لماذا تنتهي حملة التحديث، دائماً، بالفشل واللجوء إلى أساليب التسوية، وتوقيع معاهدات الهدنة من قبل طرف واحد ـ الطرف التنويري؟
الواقع أن المعسكر المحافظ مستمر في التحصن وراء جدار الموروث والمعتقد، حارساً دونكيشوتياً للقيم والفضائل والسّنن، محتكراً سائر حقوق التنقيب في منجم الفقه واللاهوت والتراث، منقضّاً على خصومه بما لديه من عدة التكفير والتحريم، وفي جيبه علوم الأوّلين والآخرين ومفاتيح الفردوس وجهنّم والأحكام الجاهزة التي بموجبها تحدد المصائر الفردية والجماعية، وتعرف أحوال الغيب والشهادة منذ تشكُّل النطفة حتى آخر الدهر، مروراً بأخبار القبر والوحشة التي ترافق الميت في كفنه.
مفاهيم متوارثة لا تحتاج إلى الاختيار والتمحيص، بل يمكن تناولها كالدواء، واكتسابها عبر حلقات التدريس، وفي الحوزات والمساجد، أو بالاستماع إلى المواعظ والخطب الدينية التي هي زاد الدنيا والآخرة.
جميع هذه المفاهيم ما زال لها مقام الصدارة والأولوية في حياة العربي، فتكبّل عقله، وتصادر كل وظائف جسده، وتلقي به بين يدي مؤسسة الفقهاء التي تسيطر على شؤون الروح والبدن. فما هي العقبات الأساسية التي أحبطت كل جهود التحديث في مجتمعاتنا العربية على مدى عهود متعاقبة؟
ومن يضع «خريطة الطريق» للخروج من المأزق الحضاري؟
ولماذا لم يزل حبل التحديث يلتف حول عنق المثقف العربي كحبل المشنقة؟ لماذا تتغلب سلطة النص على سلطة النقد؟ فيصبح اللجوء إلى التقية والمحاباة هو أقصر الطرق إلى النجاة، والهرب من مصائد العسس والأوصياء، والتحايل على المعنى؟
بطريقة حاسمة وأكثر دقة وتفصيلاً، هل التراث هو العقبة؟
أستطيع القول وجهاً لوجه: لقد كان ولا يزال «عُقدة النجّار» بالنسبة إلى الباحث العربي، حيث إن التراث، بقضّه وقضيضه، في نظر أهل التقديس والاتّباع والمحافظة، هو كلّ لا يتجزأ والتمسّك به تمسّك بدين السلف الصالح الذي هو المعبر الأوحد إلى الحقيقة والمعرفة.
وعليه، فإن أية قراءة مناقضة لقراءة السابقين هي ضلالة تفتح الأبواب على الفتنة، والخروج على الإجماع.
كما أنها قراءة مشكوك فيها يراد منها النيل من الدين وعتاده ومقوماته، الأمر الذي يستدعي تدخل الحرس القديم واستنفاره، بخلاياه المستيقظة والنائمة، لوقف الاعتداء على العقائد المتبعة، ولمنع المجددين من استكمال نهجهم الإصلاحي ـ النهضوي ـ التنويري. وقد تصل التهم إلى حد جعلهم من «الفئة الضالة» ومن أصحاب «البدع» والمفسدين في الأرض.
نحن أمام واقع عربي شديد الالتباس والتعقيد. مظاهر حداثية ولا حداثة، محاولات لتجديد التراث وغربلته وترميمه، مصيرها الإخفاق أو الوقوع في أسر التلفيق فالعودة الدائرية إلى نقطة الانطلاق.
بهذه الحركة المقفلة تدور أزمة التراث العربي على محورها.
والتساؤل المعهود: كيف الخروج من شبكة العنكبوت؟ ما الذي يحمل المثقف العربي على تقبل قدره الأوديبي، ولا يجرؤ على كسر جرّة المحرمات فيشق للمجتمعات العربية ثغرة في حائط التاريخ، تسمح له بالرؤية وتدارك السقوط في بئر الموروث التي تنتظره فاغرة الشدقين؟
والتساؤل الآخر: لماذا تنتهي حملة التحديث، دائماً، بالفشل واللجوء إلى أساليب التسوية، وتوقيع معاهدات الهدنة من قبل طرف واحد ـ الطرف التنويري؟
الواقع أن المعسكر المحافظ مستمر في التحصن وراء جدار الموروث والمعتقد، حارساً دونكيشوتياً للقيم والفضائل والسّنن، محتكراً سائر حقوق التنقيب في منجم الفقه واللاهوت والتراث، منقضّاً على خصومه بما لديه من عدة التكفير والتحريم، وفي جيبه علوم الأوّلين والآخرين ومفاتيح الفردوس وجهنّم والأحكام الجاهزة التي بموجبها تحدد المصائر الفردية والجماعية، وتعرف أحوال الغيب والشهادة منذ تشكُّل النطفة حتى آخر الدهر، مروراً بأخبار القبر والوحشة التي ترافق الميت في كفنه.
مفاهيم متوارثة لا تحتاج إلى الاختيار والتمحيص، بل يمكن تناولها كالدواء، واكتسابها عبر حلقات التدريس، وفي الحوزات والمساجد، أو بالاستماع إلى المواعظ والخطب الدينية التي هي زاد الدنيا والآخرة.
جميع هذه المفاهيم ما زال لها مقام الصدارة والأولوية في حياة العربي، فتكبّل عقله، وتصادر كل وظائف جسده، وتلقي به بين يدي مؤسسة الفقهاء التي تسيطر على شؤون الروح والبدن. فما هي العقبات الأساسية التي أحبطت كل جهود التحديث في مجتمعاتنا العربية على مدى عهود متعاقبة؟
ومن يضع «خريطة الطريق» للخروج من المأزق الحضاري؟
ولماذا لم يزل حبل التحديث يلتف حول عنق المثقف العربي كحبل المشنقة؟ لماذا تتغلب سلطة النص على سلطة النقد؟ فيصبح اللجوء إلى التقية والمحاباة هو أقصر الطرق إلى النجاة، والهرب من مصائد العسس والأوصياء، والتحايل على المعنى؟
بطريقة حاسمة وأكثر دقة وتفصيلاً، هل التراث هو العقبة؟
أستطيع القول وجهاً لوجه: لقد كان ولا يزال «عُقدة النجّار» بالنسبة إلى الباحث العربي، حيث إن التراث، بقضّه وقضيضه، في نظر أهل التقديس والاتّباع والمحافظة، هو كلّ لا يتجزأ والتمسّك به تمسّك بدين السلف الصالح الذي هو المعبر الأوحد إلى الحقيقة والمعرفة.
وعليه، فإن أية قراءة مناقضة لقراءة السابقين هي ضلالة تفتح الأبواب على الفتنة، والخروج على الإجماع.
كما أنها قراءة مشكوك فيها يراد منها النيل من الدين وعتاده ومقوماته، الأمر الذي يستدعي تدخل الحرس القديم واستنفاره، بخلاياه المستيقظة والنائمة، لوقف الاعتداء على العقائد المتبعة، ولمنع المجددين من استكمال نهجهم الإصلاحي ـ النهضوي ـ التنويري. وقد تصل التهم إلى حد جعلهم من «الفئة الضالة» ومن أصحاب «البدع» والمفسدين في الأرض.
Page 2
هذه العقلية الدوغمائية ما زالت، ويا للأسف، قادرة على الاضطلاع بدور التعطيل والإعاقة، مستمدة سلطتها المشروعة من تفويض بيئة ذات مراس إيديولوجي-ثقافي-اجتماعي شديد الصلابة في مواجهة عوامل التاريخ والتحول، ولا تنظر إلى الزمن كحركة دائمة وسيرورة، ولا تعترف بقوانين الصراع الفكري والتطور الحضاري.
بيئة، كهذه، كيف يمكنها استشراف المتغيرات وتحسّس ظواهر الاختلاف والتناقض وهي ما زالت حاضنة للحركات السلفية والأصولية، وأسيرة اعتقادها أنّ خلاصها هو في العودة إلى تجارب الأقدمين، لا في إنتاج تجاربها الخاصة؟
لنقل بصراحة تامة، إن التراث المعلب، وفقاً للمنظور النقدي، ليس سوى «طوطمية» مرحّلة من سياقها التاريخي، إلى واقعنا المعاصر المختلف جذرياً.
وهي حالة سلبية بكل المقاييس، نرفض التعاطي معها من منطلق تقديسي، ولا نعتبر الموروث صنماً يستحق الاحترام. وليس له أن يكون على شاكلة «العقار» الجاهز المصنّع في مختبرات السلف.
والتراث كذلك ليس كتلة تاريخية صلبة مستقلة في ذاتها، انفصلت عن السياق الزمني انفصال جبل عن سلسلة جبلية تحت تأثير عوامل جيولوجية داخلية.
وهو ليس مومياء خاصة بالمتاحف والمهتمين بعلم النوع البشري.
ولكن ما أسباب أزمة التحول في مجتمعاتنا العربية؟
منذ محطات المواجهة الأولى، كتب على العقل العربي أن يكابد أقسى أنواع البلاء. فمع انتصار الجبرية والمدرسة الأشعرية في السجال الذي كان قائماً بين خطين منطقيين مختلفين آنذاك، شرع العقل المنهزم المتمثل بالمنطق الجدلي في الانسحاب التدريجي نحو معاقله الأولى. واستمرّ في خطه التراجعي حتى لم يعد يُسمح له بمغادرة المعقل الذي لجأ إليه، تحت ضغط خطّ التزمّت والانغلاق.
ولعل اعتقاله من أطول فترات الاعتقال عبر التاريخ!
فإذا كان العقل المنسحب هو «العقل الاقتحامي»، فإن العقل المنتصر هو «العقل الغريزي» المعبِّر عن هيمنة المنطق السلفي الرجعي. وكان من نتائج تلك المواجهة انكفاء تيار «الجدل» ليقبع العرب طوال هذه العهود المتصلة تحت سيطرة تيار المحافظة والاجترار.
وكلما استشعر المحدثون ضرورة الخروج من سرداب التقليد، ودعوة العقل إلى ممارسة دوره من دون الخضوع لأي ضرب من ضروب الوصاية الفكرية أو الكهنوتية، أو لأي ضغط خارجي مما بات يعرف بالإرهاب الفكري، أو غير ذلك من أساليب الإكراه والتهديد والوعيد، انبرى الفريق المحافظ المستعير سلطته من «شرعية» التراث وقداسة الماضي و«أعلمية» السلف، لكمِّ أفواههم وإجبارهم على النكوص بأية وسيلة من الوسائل.
والحق أن نهج التقليد كان أقدر على الاستمرار والهيمنة. ولم تفلح محاولات الإصلاح المحدودة، في أواخر القرن التاسع عشر وفي بدايات القرن العشرين، في تحقيق أهدافها. فاضطر التيار التنويري إلى التراجع وإخلاء المواقع لجيش من المقلدين والمحافظين، إلى أن ارتفعت شعارات التطرف والدعوات السلفية ونظريات «الحاكمية» و«التكفير» و«الهجرة»، وصولاً إلى آخر المسيرات التي خرج فيها أصحابها ملوّحين بالرايات السود ومطالبين بعودة الخلافة.
ومن أخطر المحن التي تعرّض لها العقل العربي محنة الخصاء والتدجين المستمرة، ومحاصرته دينياً، وتحديد مناطق عمله وتحركه وعدم السماح له بتخطيها مهما كانت المبررات والأسباب الموجبة. والقضايا التي أُذن له بمقاربتها، ليس لها أن تتجاوز المخطط المسموح به، والشبيه بالمخطط التوجيهي الذي يُحدّد نطاق عمل الكسّارات والمقالع؛ بحيث إن أية مخالفة قانونية يرتكبها، تعرضه للعقوبات المشابهة التي تتحملها هذه الكسّارات والمقالع نفسها!
وهكذا أرغم العقل العربي، تحت وطأة الظرف التاريخي المسيطر وبحكم سلطة الأيديولوجيا الدينية وعدم تجويز الاختلاف، على حصر نشاطه العملي في إطار العلوم التي تبدأ من النصّ المكرّس وتنتهي عنده. فالكتاب كان هو مساحة التحرك ومعه السنَّة والأحاديث والتفاسير والشروح.
ولذا تحول العقل تبعاً لنظام التقنين الإجباري إلى عضو أثري غير منتج، يدور حول نفسه كالرحى.
وأقصى ما كان ينجزه، بعد مصادرة مهمته وإقفال أبواب الاجتهاد في وجهه، وبعد أن تحول إلى مولِّد كهربائي بديل، هو استعادة ما كان مكتشفاً ومعلوماً في أثناء فترة الاستعمال المحدودة الأولى والأخيرة.
وبضمور وظيفة العقل سُفِّهت الحكمة أيضاً، وانحصرت كل شؤون العربي بالشريعة وحدها، التي هي أساس المعرفة وميزانها ومبرر وجودها.
وفي غربته الطويلة، كان على العقل أن يتعوّد البطالة الفكرية، وأن يقطع كل خيط اتصال بالمسائل العلمية والمنطقية والمادية، ويتفرغ لوظيفة أزلية ليس له أن يتخطاها، وهي التنقيب عن ظواهر الإعجاز البياني ودلائله، وكل ما يتصل بعلوم القرآن من لغة وفقه وتفسير، وما إلى ذلك من أمور الوحي وأسباب التنزيل وعلم الحديث.
بيئة، كهذه، كيف يمكنها استشراف المتغيرات وتحسّس ظواهر الاختلاف والتناقض وهي ما زالت حاضنة للحركات السلفية والأصولية، وأسيرة اعتقادها أنّ خلاصها هو في العودة إلى تجارب الأقدمين، لا في إنتاج تجاربها الخاصة؟
لنقل بصراحة تامة، إن التراث المعلب، وفقاً للمنظور النقدي، ليس سوى «طوطمية» مرحّلة من سياقها التاريخي، إلى واقعنا المعاصر المختلف جذرياً.
وهي حالة سلبية بكل المقاييس، نرفض التعاطي معها من منطلق تقديسي، ولا نعتبر الموروث صنماً يستحق الاحترام. وليس له أن يكون على شاكلة «العقار» الجاهز المصنّع في مختبرات السلف.
والتراث كذلك ليس كتلة تاريخية صلبة مستقلة في ذاتها، انفصلت عن السياق الزمني انفصال جبل عن سلسلة جبلية تحت تأثير عوامل جيولوجية داخلية.
وهو ليس مومياء خاصة بالمتاحف والمهتمين بعلم النوع البشري.
ولكن ما أسباب أزمة التحول في مجتمعاتنا العربية؟
منذ محطات المواجهة الأولى، كتب على العقل العربي أن يكابد أقسى أنواع البلاء. فمع انتصار الجبرية والمدرسة الأشعرية في السجال الذي كان قائماً بين خطين منطقيين مختلفين آنذاك، شرع العقل المنهزم المتمثل بالمنطق الجدلي في الانسحاب التدريجي نحو معاقله الأولى. واستمرّ في خطه التراجعي حتى لم يعد يُسمح له بمغادرة المعقل الذي لجأ إليه، تحت ضغط خطّ التزمّت والانغلاق.
ولعل اعتقاله من أطول فترات الاعتقال عبر التاريخ!
فإذا كان العقل المنسحب هو «العقل الاقتحامي»، فإن العقل المنتصر هو «العقل الغريزي» المعبِّر عن هيمنة المنطق السلفي الرجعي. وكان من نتائج تلك المواجهة انكفاء تيار «الجدل» ليقبع العرب طوال هذه العهود المتصلة تحت سيطرة تيار المحافظة والاجترار.
وكلما استشعر المحدثون ضرورة الخروج من سرداب التقليد، ودعوة العقل إلى ممارسة دوره من دون الخضوع لأي ضرب من ضروب الوصاية الفكرية أو الكهنوتية، أو لأي ضغط خارجي مما بات يعرف بالإرهاب الفكري، أو غير ذلك من أساليب الإكراه والتهديد والوعيد، انبرى الفريق المحافظ المستعير سلطته من «شرعية» التراث وقداسة الماضي و«أعلمية» السلف، لكمِّ أفواههم وإجبارهم على النكوص بأية وسيلة من الوسائل.
والحق أن نهج التقليد كان أقدر على الاستمرار والهيمنة. ولم تفلح محاولات الإصلاح المحدودة، في أواخر القرن التاسع عشر وفي بدايات القرن العشرين، في تحقيق أهدافها. فاضطر التيار التنويري إلى التراجع وإخلاء المواقع لجيش من المقلدين والمحافظين، إلى أن ارتفعت شعارات التطرف والدعوات السلفية ونظريات «الحاكمية» و«التكفير» و«الهجرة»، وصولاً إلى آخر المسيرات التي خرج فيها أصحابها ملوّحين بالرايات السود ومطالبين بعودة الخلافة.
ومن أخطر المحن التي تعرّض لها العقل العربي محنة الخصاء والتدجين المستمرة، ومحاصرته دينياً، وتحديد مناطق عمله وتحركه وعدم السماح له بتخطيها مهما كانت المبررات والأسباب الموجبة. والقضايا التي أُذن له بمقاربتها، ليس لها أن تتجاوز المخطط المسموح به، والشبيه بالمخطط التوجيهي الذي يُحدّد نطاق عمل الكسّارات والمقالع؛ بحيث إن أية مخالفة قانونية يرتكبها، تعرضه للعقوبات المشابهة التي تتحملها هذه الكسّارات والمقالع نفسها!
وهكذا أرغم العقل العربي، تحت وطأة الظرف التاريخي المسيطر وبحكم سلطة الأيديولوجيا الدينية وعدم تجويز الاختلاف، على حصر نشاطه العملي في إطار العلوم التي تبدأ من النصّ المكرّس وتنتهي عنده. فالكتاب كان هو مساحة التحرك ومعه السنَّة والأحاديث والتفاسير والشروح.
ولذا تحول العقل تبعاً لنظام التقنين الإجباري إلى عضو أثري غير منتج، يدور حول نفسه كالرحى.
وأقصى ما كان ينجزه، بعد مصادرة مهمته وإقفال أبواب الاجتهاد في وجهه، وبعد أن تحول إلى مولِّد كهربائي بديل، هو استعادة ما كان مكتشفاً ومعلوماً في أثناء فترة الاستعمال المحدودة الأولى والأخيرة.
وبضمور وظيفة العقل سُفِّهت الحكمة أيضاً، وانحصرت كل شؤون العربي بالشريعة وحدها، التي هي أساس المعرفة وميزانها ومبرر وجودها.
وفي غربته الطويلة، كان على العقل أن يتعوّد البطالة الفكرية، وأن يقطع كل خيط اتصال بالمسائل العلمية والمنطقية والمادية، ويتفرغ لوظيفة أزلية ليس له أن يتخطاها، وهي التنقيب عن ظواهر الإعجاز البياني ودلائله، وكل ما يتصل بعلوم القرآن من لغة وفقه وتفسير، وما إلى ذلك من أمور الوحي وأسباب التنزيل وعلم الحديث.
Page 3
فأين هو مشروع النهضة؟
هذا السؤال التلقائي والبديهي سرعان ما يقفز قفزة السنجاب كلما التمعت شرارته في ذهن كل عربي، وكلما استحضر موقف «الأنتلجنسيا» العربية وعملياتها القيصرية لإنقاذ الجنين من رحم التراث.
مأساة هذه الكوكبة من الباحثين والمهتمين بحصر الإرث المعرفي ومحاولة بعثه وتجديد «صلاحيته»، أنها اعتمدت قاعدة التوفيق بدل الحسم وتحديد الخيار، فظلت كالخفاش المتدلي تتخبط بين قطبي القديم والحديث، علامة الخوف والتردد وفقدان الثقة بالنفس.
وما انتهت إليه في مباحثها وفي عمليات نبش التاريخ، هو التوافق على نهج التوأمة بين الموروث والحداثة، كصيغة وسطية تعكس أزمة الاختيار بين اتجاهين: إما النكوص والهجرة العكسية، وإما الانطلاق في اتجاه التحديث والمعاصرة والمشاركة في إنتاج المعرفة، والانفتاح على سائر قضايا العلم والتكنولوجيا التي هي من صناعات العقل واستراتيجيات البحث والتفكير والاختبار.
فالعرب اليوم أمام تحديات هائلة لا يمكن التعامل معها بالأدوات المعرفية التي استخدمها أعلام النهضة قبل قرن من الزمن تقريباً.
إن اللجوء إلى أساليب الترميم والترقيع قد باء بالفشل، وهذا هو قطعاً مصير أي موقف ازدواجي، حيث لا يمكن الاستمرار بذهنية التحليل والتحريم، ولا يجوز مواجهة العصر باتجاهاته المعرفية والتقنية وقدراته العلمية، ومرحلة ما بعد الحداثة، وما بعد التفكيك، بعقلية عهود الانحطاط وموت الثقافة والفكر.
وإزاء هذا المشهد التراجيدي لواقعنا العربي، وتناقض الخيارات، وعجز السلطات العربية عن بناء دولها الحديثة على معايير العدالة والمساواة والجدارة، ومع غياب مبدأ المواطنية كناظم سوسيولوجي وأسّ مجتمعي وازدهار العصبيات المذهبية والطائفية والإثنية... أراني أطرح شعار العلمنة الشاملة كمخرج من المأزق، وكحلّ جذري للمشكلة الطائفية التي ما زالت العائق الأساس أمام أي عملية إصلاح سياسي وإداري، والتي تسبّبت بالحروب الأهلية وغَذّت دوافع الانقسام، وأعطت الترخيص لكل طائفة بتعزيز ثقافتها الخاصة التي تبلورت في مؤسسات شبه انفصالية، كالجامعات والمعاهد والمدارس، وهي ذات خطر فادح يكمن في طبيعة المناهج التعليمية التي تعتمدها هذه المرافق التربوية. كما يظهر في الصيغ التي تحاول كل طائفة ترويجها لإبراز الخصوصية، وحقيقة «الأحلام/المشاريع» الفدرالية التي تدغدغ المخيّلة «الجمعية/القومية» للطوائف والجماعات والأقليات سواء في لبنان، أو في الأقطار العربية الأخرى.
إن مشروع العلمنة الذي نقدمه هنا كخيار، بعد أن طفح الكيل الطائفي خلافات وحروباً وانقسامات وصدامات عبثية لن تزداد على الرغم من ويلاتها وشرورها إلّا سوءاً، يقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة درءاً لكل عوامل التفرقة، وتأسيساً لدولة حديثة تُنهي مراحل الفوضى ودويلات الطوائف وأمرائها الذين ورثوا الإقطاع السياسي الذي كان سائداً في لبنان قبل الحرب الأهلية، ليستبدلوا النظام البائد بنظام إقطاعي أشدّ قبحاً وفساداً من سلفه مستغلين هذه المرة شعارات خادعة تدّعي «ولعاً» بالديموقراطية فيما هي تخفي «فطرة» دكتاتورية ونزعةً للتسلط والتفرد والاستئثار. ولعل العودة إلى التاريخ الأوروبي المعاصر تعطي لمحة ولو خاطفة عن الكوارث والأهوال التي شهدتها البلدان الأوروبية والغربية إبان عهود محاكم التفتيش وسيطرة الاكليروس والكنيسة المسيحية على شؤون الحكم فيها. وهي ظروف شديدة الشبه بالظروف التي تمر بها حالياً الأقطار العربية.
لذلك، فالعلمنة، هي الحل الأشمل للمعضلات المجتمعية التي يستحيل التخلص منها، إلا بإزالة مسبباتها الكامنة في هذه الطبيعة الاحتكارية لدى الأديان. حيث إن كلاً منها يجد في معتقده ورؤيته وتصوراته للخلاص، الطريق الوحيدة إلى الصواب. وحيث إن أتباع الأديان الأخرى هم «ضالون» وغير «مهتدين»، وليس هناك من سبيل للتلاقي. أما دعوتنا إلى العلمنة فليست حرباً على الأديان ومعتنقيها، بل هي دعوة تقوم على احترام المعتقد الشخصي، واعتباره قضية فردية لا جماعية...
كما أنها دعوة إلى إحلال القانون الوضعي محل القوانين المليّة، وجعل شخصية الدولة بديلاً من شخصية المذاهب والملل والطوائف.
فإن أي تأخير في تبني هذا الطرح الواقعي والملائم للمجتمعات المعاصرة، ليس إلا من قبيل التعنت ورفض الحلول العقلانية. كما أن ذلك بيان تحذيري لأن التاريخ لا يتوقف، وقد أهدرنا ـ كعرب ـ فرصاً كثيرة، لو كنا أحسنّا استغلالها لتجنبنا ويلات عظيمة حلّت بنا بسبب النزاعات الداخلية، وتحكّم الغرائز الطائفية، ويقظة الحساسيات الأقلوية أينما انفتحت ثغرة في خزّان الطوائف المترجرج.
إن الظروف المعقدة والمستعصية التي تواجهنا اليوم، تستدعي منا رفع مستوى الاستنفار للمراجعة النقدية والدرس والتعليل والاستقراء. فأين نحن من هذه المسائل؟
إنها لإشكالية مضاعفة، والتطلع إلى استعادة التجارب الماضية رهان خاسر، تعلقت به في منتصف القرن الماضي أفئدة العرب، فكانت الخيبة وانكسار الحلم القومي.
لقد كان الانجذاب السحري إلى شخصية المنقذ، أو البطل القومي، أو الفارس العنتري، أو المخلِّص المنتظر، مرتبطاً بطبيعة المرحلة تلك، ومؤسساً على رؤى الذاكرة الجمعية التي كان انبثاق الفقاقيع منها، دليلاً على بلوغ المشاعر العربية درجة الغليان والتبخر.
والعودة إلى أدبيات تلك الحقبة وتوهماتها واستطراداتها، تفسر لنا مآسي الحَمْل الكاذب، وأعراض المراهقة السياسية والفكرية. ونحن أمام هذا المدّ الهادر من المتغيرات، وانقلاب المعادلات الدولية، وسيطرة الإعلام المعولم عبر الأقمار الاصطناعية، والفضاء الإعلاني المفتوح، وإزاء تحكُّم القطب الأميركي الأوحد... يؤلمني أن نكون في حالة تجمّد تاريخي!
هذا السؤال التلقائي والبديهي سرعان ما يقفز قفزة السنجاب كلما التمعت شرارته في ذهن كل عربي، وكلما استحضر موقف «الأنتلجنسيا» العربية وعملياتها القيصرية لإنقاذ الجنين من رحم التراث.
مأساة هذه الكوكبة من الباحثين والمهتمين بحصر الإرث المعرفي ومحاولة بعثه وتجديد «صلاحيته»، أنها اعتمدت قاعدة التوفيق بدل الحسم وتحديد الخيار، فظلت كالخفاش المتدلي تتخبط بين قطبي القديم والحديث، علامة الخوف والتردد وفقدان الثقة بالنفس.
وما انتهت إليه في مباحثها وفي عمليات نبش التاريخ، هو التوافق على نهج التوأمة بين الموروث والحداثة، كصيغة وسطية تعكس أزمة الاختيار بين اتجاهين: إما النكوص والهجرة العكسية، وإما الانطلاق في اتجاه التحديث والمعاصرة والمشاركة في إنتاج المعرفة، والانفتاح على سائر قضايا العلم والتكنولوجيا التي هي من صناعات العقل واستراتيجيات البحث والتفكير والاختبار.
فالعرب اليوم أمام تحديات هائلة لا يمكن التعامل معها بالأدوات المعرفية التي استخدمها أعلام النهضة قبل قرن من الزمن تقريباً.
إن اللجوء إلى أساليب الترميم والترقيع قد باء بالفشل، وهذا هو قطعاً مصير أي موقف ازدواجي، حيث لا يمكن الاستمرار بذهنية التحليل والتحريم، ولا يجوز مواجهة العصر باتجاهاته المعرفية والتقنية وقدراته العلمية، ومرحلة ما بعد الحداثة، وما بعد التفكيك، بعقلية عهود الانحطاط وموت الثقافة والفكر.
وإزاء هذا المشهد التراجيدي لواقعنا العربي، وتناقض الخيارات، وعجز السلطات العربية عن بناء دولها الحديثة على معايير العدالة والمساواة والجدارة، ومع غياب مبدأ المواطنية كناظم سوسيولوجي وأسّ مجتمعي وازدهار العصبيات المذهبية والطائفية والإثنية... أراني أطرح شعار العلمنة الشاملة كمخرج من المأزق، وكحلّ جذري للمشكلة الطائفية التي ما زالت العائق الأساس أمام أي عملية إصلاح سياسي وإداري، والتي تسبّبت بالحروب الأهلية وغَذّت دوافع الانقسام، وأعطت الترخيص لكل طائفة بتعزيز ثقافتها الخاصة التي تبلورت في مؤسسات شبه انفصالية، كالجامعات والمعاهد والمدارس، وهي ذات خطر فادح يكمن في طبيعة المناهج التعليمية التي تعتمدها هذه المرافق التربوية. كما يظهر في الصيغ التي تحاول كل طائفة ترويجها لإبراز الخصوصية، وحقيقة «الأحلام/المشاريع» الفدرالية التي تدغدغ المخيّلة «الجمعية/القومية» للطوائف والجماعات والأقليات سواء في لبنان، أو في الأقطار العربية الأخرى.
إن مشروع العلمنة الذي نقدمه هنا كخيار، بعد أن طفح الكيل الطائفي خلافات وحروباً وانقسامات وصدامات عبثية لن تزداد على الرغم من ويلاتها وشرورها إلّا سوءاً، يقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة درءاً لكل عوامل التفرقة، وتأسيساً لدولة حديثة تُنهي مراحل الفوضى ودويلات الطوائف وأمرائها الذين ورثوا الإقطاع السياسي الذي كان سائداً في لبنان قبل الحرب الأهلية، ليستبدلوا النظام البائد بنظام إقطاعي أشدّ قبحاً وفساداً من سلفه مستغلين هذه المرة شعارات خادعة تدّعي «ولعاً» بالديموقراطية فيما هي تخفي «فطرة» دكتاتورية ونزعةً للتسلط والتفرد والاستئثار. ولعل العودة إلى التاريخ الأوروبي المعاصر تعطي لمحة ولو خاطفة عن الكوارث والأهوال التي شهدتها البلدان الأوروبية والغربية إبان عهود محاكم التفتيش وسيطرة الاكليروس والكنيسة المسيحية على شؤون الحكم فيها. وهي ظروف شديدة الشبه بالظروف التي تمر بها حالياً الأقطار العربية.
لذلك، فالعلمنة، هي الحل الأشمل للمعضلات المجتمعية التي يستحيل التخلص منها، إلا بإزالة مسبباتها الكامنة في هذه الطبيعة الاحتكارية لدى الأديان. حيث إن كلاً منها يجد في معتقده ورؤيته وتصوراته للخلاص، الطريق الوحيدة إلى الصواب. وحيث إن أتباع الأديان الأخرى هم «ضالون» وغير «مهتدين»، وليس هناك من سبيل للتلاقي. أما دعوتنا إلى العلمنة فليست حرباً على الأديان ومعتنقيها، بل هي دعوة تقوم على احترام المعتقد الشخصي، واعتباره قضية فردية لا جماعية...
كما أنها دعوة إلى إحلال القانون الوضعي محل القوانين المليّة، وجعل شخصية الدولة بديلاً من شخصية المذاهب والملل والطوائف.
فإن أي تأخير في تبني هذا الطرح الواقعي والملائم للمجتمعات المعاصرة، ليس إلا من قبيل التعنت ورفض الحلول العقلانية. كما أن ذلك بيان تحذيري لأن التاريخ لا يتوقف، وقد أهدرنا ـ كعرب ـ فرصاً كثيرة، لو كنا أحسنّا استغلالها لتجنبنا ويلات عظيمة حلّت بنا بسبب النزاعات الداخلية، وتحكّم الغرائز الطائفية، ويقظة الحساسيات الأقلوية أينما انفتحت ثغرة في خزّان الطوائف المترجرج.
إن الظروف المعقدة والمستعصية التي تواجهنا اليوم، تستدعي منا رفع مستوى الاستنفار للمراجعة النقدية والدرس والتعليل والاستقراء. فأين نحن من هذه المسائل؟
إنها لإشكالية مضاعفة، والتطلع إلى استعادة التجارب الماضية رهان خاسر، تعلقت به في منتصف القرن الماضي أفئدة العرب، فكانت الخيبة وانكسار الحلم القومي.
لقد كان الانجذاب السحري إلى شخصية المنقذ، أو البطل القومي، أو الفارس العنتري، أو المخلِّص المنتظر، مرتبطاً بطبيعة المرحلة تلك، ومؤسساً على رؤى الذاكرة الجمعية التي كان انبثاق الفقاقيع منها، دليلاً على بلوغ المشاعر العربية درجة الغليان والتبخر.
والعودة إلى أدبيات تلك الحقبة وتوهماتها واستطراداتها، تفسر لنا مآسي الحَمْل الكاذب، وأعراض المراهقة السياسية والفكرية. ونحن أمام هذا المدّ الهادر من المتغيرات، وانقلاب المعادلات الدولية، وسيطرة الإعلام المعولم عبر الأقمار الاصطناعية، والفضاء الإعلاني المفتوح، وإزاء تحكُّم القطب الأميركي الأوحد... يؤلمني أن نكون في حالة تجمّد تاريخي!
Page 4
يؤلمني أن تكون حواسنا معطلة، وأن نكون في عداد «أهل الكهف» لأن عقارب الساعة متوقفة، والسبات الطويل تحول إلى طبقة ترابية تغطي الزمن.
يؤلمني أن تكون أحزابنا العربية، في هذه اللحظة العولمية الحرجة، في حالة استرخاء وترهل ذهني وانسداد في الوريد الأيديولوجي!
والطامّة الكبرى هي أن هذه الأحزاب، ومعها تيارات سياسية ونقابات وسواها من أطر النضال والتعبئة ضد الأنظمة التوتاليتارية والرجعية، ما زالت رهينة شعارات مستهلكة، ورؤى تجاوزها الزمن فأصبحت عالة على المجتمعات العربية، وعلى الفكر السياسي المطالب بالتجدد والواقعية، والقدرة على الاستشراف، واختراق الحجب والآفاق.
والألم الأكبر هو أن نمد أيدينا إلى زاد تغير طعمه، وإلى ماء ملوث بأوجاعنا، ومستنزف من آبار النكسات والهزائم والمرارات! الألم أن تكون قراءتنا للواقع المتغير نسخة طبق الأصل عن قراءتنا للنص الديني حيث تختلط الواقعية بالغيبية، وتتداخل الحدود بين المعطى المادي والمعطى الميتافيزيقي.
وحيث يتبادل المثقف والفقيه الدور: الثاني «يديِّن» السياسة والفكر والمنطق، والأول يسيِّس الدين، فتختل المعايير وتفسد الأحكام والنظريات. فإلى أين نسير؟ وعن أي مجتمع نتحدث إذا لم يتحرر المواطن من أغلال الهويات المتناقضة! وإذا لم يُفرج عن العقل العربي المحجور عليه فكرياً وثقافياً منذ مئات السنين؟ وإذا كانت الديمقراطية هي الشرط الأول لإعتاق المجتمع، فكيف هي في الاختبار اليومي والعملي ممارسةً وثقافةَ حوار؟
هل الديمقراطية نُطفة مستأجرة يمكن استيداعها رحماً اصطناعية، أم هي طفل أنابيب، وطُعم ينقل من شجرة إلى شجرة؟
وهل هي شيء يمكن حمله على ظهر دبابة، أو إطلاقه بواسطة صاروخ عابر للقارات، أو عبر منشور سرّي يوزع تحت جنح الظلام؟
ما هي نسبة الديمقراطية في الدم العربي؟ وماذا يبقى منها في هذا الخليط من العلاقات الملتبسة، والعصبيات المذهبية والطائفية والعرقية؟
وأية نكهة ديمقراطية في هذا الكوكتيل الإقطاعي ـ القبلي ـ الديكتاتوري ـ المذهبي؟
أية ديمقراطية في مجتمع مزدوج الولاء، متضارب الأفكار والتطلعات والمصالح؟
مجتمع موصل جيد لأي احتكاك طائفي بلا حاجة إلى زناد، أو أي مسٍّ كهربائي.
مجتمع سهل الانقياد إلى أي حرب أهلية قريبة. عراك بسيط بالأيدي حول شكل القصيدة، أو تباين في الرأي بين مؤيد للوزن ومعارض له يمكن أن تمتد مضاعفاته إلى كل إنسان عربي، فتقع بين الطرفين حرب داحس والغبراء...
مجتمع مدجّج بهذه المتناقضات وغيرها، قولوا لنا ما فهمه للديمقراطية والحوار؟ وكيف يحدد علاقته بالآخر؟
وإذا ما وضعنا في الميزان كل العوائق التي تواجه العرب: من مخلفات اتفاق سايكس ـ بيكو حتى الرؤية الأميركية لإعادة تشكيل الواقع الجيوبوليتيكي للشرق الأوسط الكبير.
نسأل: أين مشروع الحداثة؟
ونعود لنذكِّر بأن الحداثة فعل تغيير. ومن أهم شروطه إعتاق العقل العربي الأسير والمدجن، وإسقاط كل الحدود أمامه، ورفع الوصاية عن التراث والمحرمات، والحوار مع الذات والآخر من منطلق البعد الإنساني للحضارة، وأنسنة التقنيات الحديثة لمواجهة النزعات العنصرية وثقافة التمييز والإرهاب والعنف التي تهدد المصير البشري على هذه الأرض.
يؤلمني أن تكون أحزابنا العربية، في هذه اللحظة العولمية الحرجة، في حالة استرخاء وترهل ذهني وانسداد في الوريد الأيديولوجي!
والطامّة الكبرى هي أن هذه الأحزاب، ومعها تيارات سياسية ونقابات وسواها من أطر النضال والتعبئة ضد الأنظمة التوتاليتارية والرجعية، ما زالت رهينة شعارات مستهلكة، ورؤى تجاوزها الزمن فأصبحت عالة على المجتمعات العربية، وعلى الفكر السياسي المطالب بالتجدد والواقعية، والقدرة على الاستشراف، واختراق الحجب والآفاق.
والألم الأكبر هو أن نمد أيدينا إلى زاد تغير طعمه، وإلى ماء ملوث بأوجاعنا، ومستنزف من آبار النكسات والهزائم والمرارات! الألم أن تكون قراءتنا للواقع المتغير نسخة طبق الأصل عن قراءتنا للنص الديني حيث تختلط الواقعية بالغيبية، وتتداخل الحدود بين المعطى المادي والمعطى الميتافيزيقي.
وحيث يتبادل المثقف والفقيه الدور: الثاني «يديِّن» السياسة والفكر والمنطق، والأول يسيِّس الدين، فتختل المعايير وتفسد الأحكام والنظريات. فإلى أين نسير؟ وعن أي مجتمع نتحدث إذا لم يتحرر المواطن من أغلال الهويات المتناقضة! وإذا لم يُفرج عن العقل العربي المحجور عليه فكرياً وثقافياً منذ مئات السنين؟ وإذا كانت الديمقراطية هي الشرط الأول لإعتاق المجتمع، فكيف هي في الاختبار اليومي والعملي ممارسةً وثقافةَ حوار؟
هل الديمقراطية نُطفة مستأجرة يمكن استيداعها رحماً اصطناعية، أم هي طفل أنابيب، وطُعم ينقل من شجرة إلى شجرة؟
وهل هي شيء يمكن حمله على ظهر دبابة، أو إطلاقه بواسطة صاروخ عابر للقارات، أو عبر منشور سرّي يوزع تحت جنح الظلام؟
ما هي نسبة الديمقراطية في الدم العربي؟ وماذا يبقى منها في هذا الخليط من العلاقات الملتبسة، والعصبيات المذهبية والطائفية والعرقية؟
وأية نكهة ديمقراطية في هذا الكوكتيل الإقطاعي ـ القبلي ـ الديكتاتوري ـ المذهبي؟
أية ديمقراطية في مجتمع مزدوج الولاء، متضارب الأفكار والتطلعات والمصالح؟
مجتمع موصل جيد لأي احتكاك طائفي بلا حاجة إلى زناد، أو أي مسٍّ كهربائي.
مجتمع سهل الانقياد إلى أي حرب أهلية قريبة. عراك بسيط بالأيدي حول شكل القصيدة، أو تباين في الرأي بين مؤيد للوزن ومعارض له يمكن أن تمتد مضاعفاته إلى كل إنسان عربي، فتقع بين الطرفين حرب داحس والغبراء...
مجتمع مدجّج بهذه المتناقضات وغيرها، قولوا لنا ما فهمه للديمقراطية والحوار؟ وكيف يحدد علاقته بالآخر؟
وإذا ما وضعنا في الميزان كل العوائق التي تواجه العرب: من مخلفات اتفاق سايكس ـ بيكو حتى الرؤية الأميركية لإعادة تشكيل الواقع الجيوبوليتيكي للشرق الأوسط الكبير.
نسأل: أين مشروع الحداثة؟
ونعود لنذكِّر بأن الحداثة فعل تغيير. ومن أهم شروطه إعتاق العقل العربي الأسير والمدجن، وإسقاط كل الحدود أمامه، ورفع الوصاية عن التراث والمحرمات، والحوار مع الذات والآخر من منطلق البعد الإنساني للحضارة، وأنسنة التقنيات الحديثة لمواجهة النزعات العنصرية وثقافة التمييز والإرهاب والعنف التي تهدد المصير البشري على هذه الأرض.
Page 5
الحلم محرّك التاريخ
أنا القروي يوم خرجت في طلب الرغيف، أرجو منه ما يعصمني من جوع، وما ينجيني من تعنيف شامت أو مبغض، ما كنت أخشى شيئاً قط إلا أن تكون الإِقامة أمراً مفروضاً علي بعيداً عن القرية.
ليس في هذا «التعصب» لقريتي، على ضآلتها، ما يشبه الحط من قدر المدينة، ولا هو استصغار مني لشأن المقيمين فيها.
إنما إيثار الريف لدي فطرة متأصلة، ونزوع إلى سكينة يتعذر الحصول عليها في المدن الصاخبة، مهما حرص المرء على تجنب الاختلاط، ومهما أبدى من زهد في علاقاته مع الناس.
كان الهاجس الذي لا يدعني أستقر على حال: كيف التكيف مع هذه المتناقضات كلها؟
هذا الهاجس لم أتخلص منه حتى الآن على الرغم من اجتياح الشيب رأسي، وتقلبي في غمار الحياة. ولعل ما يضاعف غمي أكثر هو إحساسي بأني جنيت على أولادي. فقد اتخذوني، على غرار ما يتخذ الأبناء آباءهم مثلاً. يكرهون ما أكره، ويحبون ما أحب.
وليس في ذلك ما يشكل أي خروج على أعراف المجتمع، كما أن تأثر الولد بأبيه ما هو إلا من سنن الخلق. لكن البعد «الجنائي» في ذلك، ناجم عن هذا التناقض في أساليب التربية. فمنا من استغرق في مادية هذا العصر، وحفز أفراد أسرته على حب الكسب، وأغراهم بأن يحسنوا التعامل مع وسائل التكنولوجيا، وإلا غلبتهم ظروف العيش فأصبحوا ضحايا الحداثة، بدل أن يكونوا من المستفيدين منها.
ومنا من لا يزال جزعاً من كل هذه التحولات الاجتماعية من حوله. وإذا به رافض لكل ما يرى من أنماط سلوك لم يعهدها في مجتمعه العربي من قبل، وممتنع عن الأخذ بما يناقض معتقده، وينافي عاداته، ومصر على مواجهة كل «بدع» العالم الرأسمالي وحده.
أما أكثرنا معاناة وكمداً، فأولئك الذين ما زالوا في ترددهم يقبعون. فلا هم تواقون إلى استكشاف عالم «الانترنت» تعصباً منهم حيناً، أو خوفاً من هذا «المجهول» الذي ينتظر الأمم حيناً آخر. ولا هم متحفزون للاطلاع على «الضمير التكنولوجي» خشية أن يجدوا أنفسهم، ذات يوم، عرضة لاطلاع التكنولوجيا على ضمائرهم وما تخفي الصدور.
ولا هم راضون أيضاً عما ملكت أيمانهم. يسلكون طريقاً ثم يهجرونها إلى أخرى قبل أن يصلوا إلى هدف، فتجاربهم في الحياة ما هي إلا نتاج هذا التردد والتحفظ والحذر.
إذ إنهم قلما يبلغون غاية، وقلما يواصلون نهجاً ليختبروا مدى صوابه أو خطئه.
ففي مثل هذه الحالة من التخبط التي تصيب المجتمع، ما هي طريقتك في تربية بنيك؟ كيف تنمي فيهم خصالاً مثل القناعة والتسامح ونكران الذات في مجتمع قد تبدلت كل ملامحه القديمة، وبدت عليه ملامح القلق والتبعية والاستلحاق؟
فقد أمست تلك القيم من مخلفات عصر بائد، تغلبت فيها مفاهيم الاستهلاك على سواها من مفاهيمنا الاجتماعية والخلقية والمسلكية، حتى بتنا منفيين من نظامنا القيمي عدا عن نفينا من موقعنا التاريخي والحضاري.
لذا أكاد أشك في «العودة» إلى جلودنا. كيف نعود إلى «قرية» لم يبق منها ما يدل على وجودها؟ أنظر إلى قريتي فلا أجد مكانها. وحيث أتوغل في البحث لا أجد إلا قبوراً متهالكة، صارت من معالم القرون الغابرة.
وما إن تعثر قدمي بحجر فوق قبر دارس حتى أقع في الحنين. كأن صدمة «النوستالجيا» هي وحدها ما يربطني بالوجود.
ماذا لو فاجأتني أمي تنهض من لحدها «المنسي» فلا تستطيع التعرف إلى وجهي؟ هل أقول لها ماذا فعل بنا السيد «الروبوت»؟
وهل أعتذر منذ الآن إلى أولادي عما اقترفت من شوق إلى عالم غير قادر على القيامة؟ لا أريد تحكيم السوط، ولا أريد هذا النكوص بديلاً من المواجهة. فمهما تعاظمت قدرة التكنولوجيا، فلن تنتصر أبداً على الإِرادة.
ولئن استطاعت طرد الفقراء من جنان الرأسمالية، إلا أنها لن تستطيع طرد الحلم. العودة إلى الذات مرتبطة بمدى وعي الإِنسان لرسالته، وبقدرته على تدجين الوحش التكنولوجي في داخله ونفخ روح الإِنسان فيه.
فالخروج من القرية كان خروجاً مجازياً، والبحث عن المدينة كان جزءاً من المعادلة، شرطاً للوصول. ولا خوف على «المهاجرين» إلا من الضياع.
من وقع في «غواية» المدينة نسي الهدف فتشظى مسعاه وقضى في «المنفى». ومن هنا ضرورة المعرفة، لأنها تقصِّر الطريق وتجنب العابرين كثيراً من الجهد والكبد. ولا تحسبن سقوط الأيديولوجيات موتاً للحلم. ففي هذا الانتصار الماحق الذي تدعيه الرأسمالية المستغلة نوع من المراوغة أو الخدعة البصرية.
وعلى المظلومين في الأرض أن يثقوا بأن الحلم البشري هو محرِّك التاريخ.
أنا القروي يوم خرجت في طلب الرغيف، أرجو منه ما يعصمني من جوع، وما ينجيني من تعنيف شامت أو مبغض، ما كنت أخشى شيئاً قط إلا أن تكون الإِقامة أمراً مفروضاً علي بعيداً عن القرية.
ليس في هذا «التعصب» لقريتي، على ضآلتها، ما يشبه الحط من قدر المدينة، ولا هو استصغار مني لشأن المقيمين فيها.
إنما إيثار الريف لدي فطرة متأصلة، ونزوع إلى سكينة يتعذر الحصول عليها في المدن الصاخبة، مهما حرص المرء على تجنب الاختلاط، ومهما أبدى من زهد في علاقاته مع الناس.
كان الهاجس الذي لا يدعني أستقر على حال: كيف التكيف مع هذه المتناقضات كلها؟
هذا الهاجس لم أتخلص منه حتى الآن على الرغم من اجتياح الشيب رأسي، وتقلبي في غمار الحياة. ولعل ما يضاعف غمي أكثر هو إحساسي بأني جنيت على أولادي. فقد اتخذوني، على غرار ما يتخذ الأبناء آباءهم مثلاً. يكرهون ما أكره، ويحبون ما أحب.
وليس في ذلك ما يشكل أي خروج على أعراف المجتمع، كما أن تأثر الولد بأبيه ما هو إلا من سنن الخلق. لكن البعد «الجنائي» في ذلك، ناجم عن هذا التناقض في أساليب التربية. فمنا من استغرق في مادية هذا العصر، وحفز أفراد أسرته على حب الكسب، وأغراهم بأن يحسنوا التعامل مع وسائل التكنولوجيا، وإلا غلبتهم ظروف العيش فأصبحوا ضحايا الحداثة، بدل أن يكونوا من المستفيدين منها.
ومنا من لا يزال جزعاً من كل هذه التحولات الاجتماعية من حوله. وإذا به رافض لكل ما يرى من أنماط سلوك لم يعهدها في مجتمعه العربي من قبل، وممتنع عن الأخذ بما يناقض معتقده، وينافي عاداته، ومصر على مواجهة كل «بدع» العالم الرأسمالي وحده.
أما أكثرنا معاناة وكمداً، فأولئك الذين ما زالوا في ترددهم يقبعون. فلا هم تواقون إلى استكشاف عالم «الانترنت» تعصباً منهم حيناً، أو خوفاً من هذا «المجهول» الذي ينتظر الأمم حيناً آخر. ولا هم متحفزون للاطلاع على «الضمير التكنولوجي» خشية أن يجدوا أنفسهم، ذات يوم، عرضة لاطلاع التكنولوجيا على ضمائرهم وما تخفي الصدور.
ولا هم راضون أيضاً عما ملكت أيمانهم. يسلكون طريقاً ثم يهجرونها إلى أخرى قبل أن يصلوا إلى هدف، فتجاربهم في الحياة ما هي إلا نتاج هذا التردد والتحفظ والحذر.
إذ إنهم قلما يبلغون غاية، وقلما يواصلون نهجاً ليختبروا مدى صوابه أو خطئه.
ففي مثل هذه الحالة من التخبط التي تصيب المجتمع، ما هي طريقتك في تربية بنيك؟ كيف تنمي فيهم خصالاً مثل القناعة والتسامح ونكران الذات في مجتمع قد تبدلت كل ملامحه القديمة، وبدت عليه ملامح القلق والتبعية والاستلحاق؟
فقد أمست تلك القيم من مخلفات عصر بائد، تغلبت فيها مفاهيم الاستهلاك على سواها من مفاهيمنا الاجتماعية والخلقية والمسلكية، حتى بتنا منفيين من نظامنا القيمي عدا عن نفينا من موقعنا التاريخي والحضاري.
لذا أكاد أشك في «العودة» إلى جلودنا. كيف نعود إلى «قرية» لم يبق منها ما يدل على وجودها؟ أنظر إلى قريتي فلا أجد مكانها. وحيث أتوغل في البحث لا أجد إلا قبوراً متهالكة، صارت من معالم القرون الغابرة.
وما إن تعثر قدمي بحجر فوق قبر دارس حتى أقع في الحنين. كأن صدمة «النوستالجيا» هي وحدها ما يربطني بالوجود.
ماذا لو فاجأتني أمي تنهض من لحدها «المنسي» فلا تستطيع التعرف إلى وجهي؟ هل أقول لها ماذا فعل بنا السيد «الروبوت»؟
وهل أعتذر منذ الآن إلى أولادي عما اقترفت من شوق إلى عالم غير قادر على القيامة؟ لا أريد تحكيم السوط، ولا أريد هذا النكوص بديلاً من المواجهة. فمهما تعاظمت قدرة التكنولوجيا، فلن تنتصر أبداً على الإِرادة.
ولئن استطاعت طرد الفقراء من جنان الرأسمالية، إلا أنها لن تستطيع طرد الحلم. العودة إلى الذات مرتبطة بمدى وعي الإِنسان لرسالته، وبقدرته على تدجين الوحش التكنولوجي في داخله ونفخ روح الإِنسان فيه.
فالخروج من القرية كان خروجاً مجازياً، والبحث عن المدينة كان جزءاً من المعادلة، شرطاً للوصول. ولا خوف على «المهاجرين» إلا من الضياع.
من وقع في «غواية» المدينة نسي الهدف فتشظى مسعاه وقضى في «المنفى». ومن هنا ضرورة المعرفة، لأنها تقصِّر الطريق وتجنب العابرين كثيراً من الجهد والكبد. ولا تحسبن سقوط الأيديولوجيات موتاً للحلم. ففي هذا الانتصار الماحق الذي تدعيه الرأسمالية المستغلة نوع من المراوغة أو الخدعة البصرية.
وعلى المظلومين في الأرض أن يثقوا بأن الحلم البشري هو محرِّك التاريخ.
Page 6
الخيط المقطوع
كنا نهبط إلى بيروت، من قرانا البعيدة، بقمصان غير مكوية.. وأمشاط مكسرة الأسنان، لا نستعملها إلا للتمييز بين مفرق الشعر ومفرق الحياة.
نستعمل الوقت الضائع بين الفقر والفقر.. ثم ننتشر على طريق بيروت مثل عسكر من النمل.
ولا نأبه «لبثور الشباب» في وجناتنا. لهذه الخدوش المملوءة قيحاً في سيقاننا المكشوفة لكل احتمالات «التيه».
سيقان اقتلعت من وحول القرى، لتغرق في طين آخر، أو تنجو بما تبقى لدينا من ثمالات الروح!
ولم نكن نأبه لشواربنا النابتة مثل وبر الصبّار.
لا نهتم بالجيوب المثقوبة، التي «تشرشر» منها أوجاع القرى.
لأننا في سباق مع الشمس: هي تذهب غرباً، ونحن نذهب شمالاً.
نحس بتخلفنا عن موعد «البوسطة».. فنهرع إليها بلا وعي.
ننسى أقدامنا في الحقول المفطومة. ننسى بعض جراحاتنا العالقة بأشواك القندول.
ثم نركب «البوسطة» بنعال رثّة. نبذل مجهوداً مضاعفاً في تلميعها بخرقة نبللها بلعابنا الذي سرعان ما يجفّ على مشارف بيروت.
وجوارب لما تعد تحتفظ بأي لون محدد.. تداركنا الحاجة إليها في اللحظات الأخيرة، قبل الصعود إلى المقاعد.
وذقون كنا نحلقها بشفرات مثلومة.. فتبقى آثار الحلاقة شاهدة على طريقة الحراثة في الوجوه «البور»!
هكذا كنا نستعد للخروج من قرانا المضغوطة بـ«أسيد» المعاناة مثل قناني البيبسي.. ثم نهوي إلى بيروت التي بدت منتخفة البطن بنا كبطن الضفدعة!
ننتظر «زمُّور البوسطة» على المفارق. على تقاطع الطرق ــــ طرق الغربة، ونندس بين الركاب المكدسين بعضاً فوق بعض.. بلا أي نظام.
كنا نتشبه بفراخ الحجل. نقلدها تماماً كسلوكها في أثناء حالة الطوارىء.
كل منا كان يحتفظ بوشمه الخاص على زنده ــــ وشم «المكان» الذي يتحدر منه. وهدفنا، جميعاً، بيروت.
لقد كان للمجازفة مبررها.
أقدمنا عليها من أجل الحصول على رغيف (الكماج).
جلُّ طموحنا كان يختصر بالحصول على الرغيف المختلف.. لأنه من صنع بيروت المتفرنجة.
كل ما كانت تروِّجه بيروت، كان يثير انتباهنا. يوقظ شهيتنا إلى «المحظور»، إلى ما لم نكن قد تذوقناه بعد.
ثم أدركتنا الحرب. أربكتنا. وغابت عن أنظارنا «البوسطة».
انقطع بنا خيط القرى.
من يصل هذا الخيط من جديد؟
من يصل قلوبنا، نحن المضيَّعين عن القرى، بالخيط... بالخيط المقطوع؟.
كنا نهبط إلى بيروت، من قرانا البعيدة، بقمصان غير مكوية.. وأمشاط مكسرة الأسنان، لا نستعملها إلا للتمييز بين مفرق الشعر ومفرق الحياة.
نستعمل الوقت الضائع بين الفقر والفقر.. ثم ننتشر على طريق بيروت مثل عسكر من النمل.
ولا نأبه «لبثور الشباب» في وجناتنا. لهذه الخدوش المملوءة قيحاً في سيقاننا المكشوفة لكل احتمالات «التيه».
سيقان اقتلعت من وحول القرى، لتغرق في طين آخر، أو تنجو بما تبقى لدينا من ثمالات الروح!
ولم نكن نأبه لشواربنا النابتة مثل وبر الصبّار.
لا نهتم بالجيوب المثقوبة، التي «تشرشر» منها أوجاع القرى.
لأننا في سباق مع الشمس: هي تذهب غرباً، ونحن نذهب شمالاً.
نحس بتخلفنا عن موعد «البوسطة».. فنهرع إليها بلا وعي.
ننسى أقدامنا في الحقول المفطومة. ننسى بعض جراحاتنا العالقة بأشواك القندول.
ثم نركب «البوسطة» بنعال رثّة. نبذل مجهوداً مضاعفاً في تلميعها بخرقة نبللها بلعابنا الذي سرعان ما يجفّ على مشارف بيروت.
وجوارب لما تعد تحتفظ بأي لون محدد.. تداركنا الحاجة إليها في اللحظات الأخيرة، قبل الصعود إلى المقاعد.
وذقون كنا نحلقها بشفرات مثلومة.. فتبقى آثار الحلاقة شاهدة على طريقة الحراثة في الوجوه «البور»!
هكذا كنا نستعد للخروج من قرانا المضغوطة بـ«أسيد» المعاناة مثل قناني البيبسي.. ثم نهوي إلى بيروت التي بدت منتخفة البطن بنا كبطن الضفدعة!
ننتظر «زمُّور البوسطة» على المفارق. على تقاطع الطرق ــــ طرق الغربة، ونندس بين الركاب المكدسين بعضاً فوق بعض.. بلا أي نظام.
كنا نتشبه بفراخ الحجل. نقلدها تماماً كسلوكها في أثناء حالة الطوارىء.
كل منا كان يحتفظ بوشمه الخاص على زنده ــــ وشم «المكان» الذي يتحدر منه. وهدفنا، جميعاً، بيروت.
لقد كان للمجازفة مبررها.
أقدمنا عليها من أجل الحصول على رغيف (الكماج).
جلُّ طموحنا كان يختصر بالحصول على الرغيف المختلف.. لأنه من صنع بيروت المتفرنجة.
كل ما كانت تروِّجه بيروت، كان يثير انتباهنا. يوقظ شهيتنا إلى «المحظور»، إلى ما لم نكن قد تذوقناه بعد.
ثم أدركتنا الحرب. أربكتنا. وغابت عن أنظارنا «البوسطة».
انقطع بنا خيط القرى.
من يصل هذا الخيط من جديد؟
من يصل قلوبنا، نحن المضيَّعين عن القرى، بالخيط... بالخيط المقطوع؟.
Page 7
طيور العطلة
ماذا لو قررتَ هكذا بشيء من التحدي والمكابرة، أن تضع كل هذه الأزمات المكدسة بعضها فوق بعض خلف ظهرك؟
قد يقال إنك جبان. أو ربما متخاذل إذا ما قدَّر بعض صحبك ظروفك التي بلغت أقصى مستوى من الرداءة.
بل سيقال حتماً، وعليك أن تكون على بيِّنة من ذلك، إن هذا التصرف هو دليل على إفلاسك وتراجعك، وساعتئذ لا بد من أن تحلَّ عليك لعنة المجتمع.
فكِّر في الأمر ملياً قبل اتخاذ مثل هذا القرار «الأرعن». وراجع حساباتك جيداً لأن هذه الخطوة قد تقودك إلى المنزلق الذي تخشاه، بل المنزلق الذي لـم تزل أنت تُحذّر الآخرين من الوقوع فيه.
إياك أن تسقط في شرك ينصب لك غافلاً، أو متغافلاً، أو غير آبه لكل العواقب. أم أنك تظن أن التخلص من الهم لا يكلِّف من الجهد إلا رميه في سلة المهملات؟
لعل مرامك هو الاستمتاع بلحظة عابرة من السكينة في عالم مصطخب، بات ضحية هذه الثورات المتعاقبة في الصناعة، والتكنولوجيا، والمعلومات، والكومبيوتر، والإِعلام الذي يعتمد على «معطيات» الجسد الجنسية؟
أعرف يا صاحبي أن حجتك قوية، وأن رأيك مستخلص من خبرات طويلة. وأعرف فوق ذلك، أن تنميط الحياة ضاعف الإحساس بالغربة والتمزق. ومع ذلك أصر على انتزاع هذه الومضة الزمنية من وقت مؤمَّم، على قدر ما تسمح به الومضات.
في الأسبوع يوم للعطلة الرسمية، فلماذا لا يكون التخلي عن هموم الحياة جزءاً من هذه العطلة؟
ها نحن نتجادل، وربما ضيعنا كل هذا الوقت المتبقي لدينا سدىً من دون الاتفاق على شيء.
هكذا ترحل الأنهار في بلادنا دائماً. نختلف على الماء، ولا يستطيع العطش مهما تفاقم أن يوحّدنا. آن الأوان لكي نغير المعادلة، ونبني على العطش الواحد وحدة الهدف.
قل لي هل لا يزال يراودك هاجس التخفف من كل صلاتك بهذا التاريخ، الذي كان يوماً شهيداً معك، ويوماً شاهداً عليك؟
تتشابه بعض العصور، ولكن مادية هذا العصر تحديداً قد أصبحت معياراً للعلاقات بين البشر، وشرطاً للدخول فيه والاعتراف بك كائناً عضوياً ليس وطنه كله، على الرغم من غناه الجغرافي، إلا مكاناً للإِقامة الجبرية.
جابي الكهرباء سيفاجئك غداً على الأرجح ليستوفي قيمة الفاتورة، ولا مناص لزوجتك من الذهاب كل صباح إلى البقَّال أو الجزار. فمن أين تستمد كل هذه القدرة على الاحتمال؟
ستجد أخيراً أن الجلد هو المتراس الباقي في الحياة. قد احتججت ولا تزال تحتج باستمرار على هذا النظام العالمي، الذي يستبيح حقوق الأمم الرازحة تحت أعباء المديونية، ويستغل ظروفها الاقتصادية المتردية، وكل أزماتها السياسية والاجتماعية ليعيد الزمن إلى الوراء، ويستعيد دور النخّاسين في عصور الرِّق والاستعمار.
لقد اخترع «نوبل» البارود لا للتدمير ولا للقتل، فلماذا أصبح أداة هدم لما بناه الإِنسان عبر مساره الحضاري كله؟
لماذا يتحول «البيت الأبيض» الأميركي إلى غرفة عمليات عسكرية ضد الشعوب الفقيرة، التي امتص الذئب الإمبريالي كل شريان لها ينبض بالدم أو النفط أو الثورة حتى القطرة الأخيرة؟
لماذا ينقلب العشق العربي إلى مرض يقضي على صاحبه؟ بل من أين كل هذا العشق الذي تجلى دفعة واحدة في سلوك العرب العاربة تجاه «الصديق» شيمون بيريز؟
لماذا تخوض عنه معركته المزدوجة: معركة الانتخابات ومعركة «السلام»؟ ولماذا تجعل من زعيم «الليكود» بنيامين نتنياهو عدوها الحصري في «أورشليم»؟
لماذا اكتشف معمر القذافي، بعد ثلاثين عاماً في سُدّة الحكم، أن الصابون أفضل من الشامبو المصنوع من مادة البيض الرخيصة جداً؟
قد يكون ذلك ضرباً من الحكمة. وإذا كان الأمر كذلك، فمتى يهبط طائر الحكمة على رأس العربي الملهم فيكتشف أسرار مفاعل «ديمونا»، ويأتينا من صحراء النقب بالخبر اليقين؟
ثمة حدس لا يزال يؤرقني، وهو أن قنابل «إسرائيل» الذرية ليست سوى قنابل من بيض، وإلا لما كان كل هذا التردد في إلقائها على رؤوسنا حتى الآن!
هموم... هموم... تحوم فوق رأسي كطير أبابيل... وها أنا بحركة لا إرادية ألوِّح بقبضتي في الفضاء لأذبَّ عني جحافل الطيور!
ماذا لو قررتَ هكذا بشيء من التحدي والمكابرة، أن تضع كل هذه الأزمات المكدسة بعضها فوق بعض خلف ظهرك؟
قد يقال إنك جبان. أو ربما متخاذل إذا ما قدَّر بعض صحبك ظروفك التي بلغت أقصى مستوى من الرداءة.
بل سيقال حتماً، وعليك أن تكون على بيِّنة من ذلك، إن هذا التصرف هو دليل على إفلاسك وتراجعك، وساعتئذ لا بد من أن تحلَّ عليك لعنة المجتمع.
فكِّر في الأمر ملياً قبل اتخاذ مثل هذا القرار «الأرعن». وراجع حساباتك جيداً لأن هذه الخطوة قد تقودك إلى المنزلق الذي تخشاه، بل المنزلق الذي لـم تزل أنت تُحذّر الآخرين من الوقوع فيه.
إياك أن تسقط في شرك ينصب لك غافلاً، أو متغافلاً، أو غير آبه لكل العواقب. أم أنك تظن أن التخلص من الهم لا يكلِّف من الجهد إلا رميه في سلة المهملات؟
لعل مرامك هو الاستمتاع بلحظة عابرة من السكينة في عالم مصطخب، بات ضحية هذه الثورات المتعاقبة في الصناعة، والتكنولوجيا، والمعلومات، والكومبيوتر، والإِعلام الذي يعتمد على «معطيات» الجسد الجنسية؟
أعرف يا صاحبي أن حجتك قوية، وأن رأيك مستخلص من خبرات طويلة. وأعرف فوق ذلك، أن تنميط الحياة ضاعف الإحساس بالغربة والتمزق. ومع ذلك أصر على انتزاع هذه الومضة الزمنية من وقت مؤمَّم، على قدر ما تسمح به الومضات.
في الأسبوع يوم للعطلة الرسمية، فلماذا لا يكون التخلي عن هموم الحياة جزءاً من هذه العطلة؟
ها نحن نتجادل، وربما ضيعنا كل هذا الوقت المتبقي لدينا سدىً من دون الاتفاق على شيء.
هكذا ترحل الأنهار في بلادنا دائماً. نختلف على الماء، ولا يستطيع العطش مهما تفاقم أن يوحّدنا. آن الأوان لكي نغير المعادلة، ونبني على العطش الواحد وحدة الهدف.
قل لي هل لا يزال يراودك هاجس التخفف من كل صلاتك بهذا التاريخ، الذي كان يوماً شهيداً معك، ويوماً شاهداً عليك؟
تتشابه بعض العصور، ولكن مادية هذا العصر تحديداً قد أصبحت معياراً للعلاقات بين البشر، وشرطاً للدخول فيه والاعتراف بك كائناً عضوياً ليس وطنه كله، على الرغم من غناه الجغرافي، إلا مكاناً للإِقامة الجبرية.
جابي الكهرباء سيفاجئك غداً على الأرجح ليستوفي قيمة الفاتورة، ولا مناص لزوجتك من الذهاب كل صباح إلى البقَّال أو الجزار. فمن أين تستمد كل هذه القدرة على الاحتمال؟
ستجد أخيراً أن الجلد هو المتراس الباقي في الحياة. قد احتججت ولا تزال تحتج باستمرار على هذا النظام العالمي، الذي يستبيح حقوق الأمم الرازحة تحت أعباء المديونية، ويستغل ظروفها الاقتصادية المتردية، وكل أزماتها السياسية والاجتماعية ليعيد الزمن إلى الوراء، ويستعيد دور النخّاسين في عصور الرِّق والاستعمار.
لقد اخترع «نوبل» البارود لا للتدمير ولا للقتل، فلماذا أصبح أداة هدم لما بناه الإِنسان عبر مساره الحضاري كله؟
لماذا يتحول «البيت الأبيض» الأميركي إلى غرفة عمليات عسكرية ضد الشعوب الفقيرة، التي امتص الذئب الإمبريالي كل شريان لها ينبض بالدم أو النفط أو الثورة حتى القطرة الأخيرة؟
لماذا ينقلب العشق العربي إلى مرض يقضي على صاحبه؟ بل من أين كل هذا العشق الذي تجلى دفعة واحدة في سلوك العرب العاربة تجاه «الصديق» شيمون بيريز؟
لماذا تخوض عنه معركته المزدوجة: معركة الانتخابات ومعركة «السلام»؟ ولماذا تجعل من زعيم «الليكود» بنيامين نتنياهو عدوها الحصري في «أورشليم»؟
لماذا اكتشف معمر القذافي، بعد ثلاثين عاماً في سُدّة الحكم، أن الصابون أفضل من الشامبو المصنوع من مادة البيض الرخيصة جداً؟
قد يكون ذلك ضرباً من الحكمة. وإذا كان الأمر كذلك، فمتى يهبط طائر الحكمة على رأس العربي الملهم فيكتشف أسرار مفاعل «ديمونا»، ويأتينا من صحراء النقب بالخبر اليقين؟
ثمة حدس لا يزال يؤرقني، وهو أن قنابل «إسرائيل» الذرية ليست سوى قنابل من بيض، وإلا لما كان كل هذا التردد في إلقائها على رؤوسنا حتى الآن!
هموم... هموم... تحوم فوق رأسي كطير أبابيل... وها أنا بحركة لا إرادية ألوِّح بقبضتي في الفضاء لأذبَّ عني جحافل الطيور!
Page 8
أنا... الوزير
مع حشرجات الليل الأخيرة، جاءني رسول بنبأ سقط على رأسي كدلو ماء يتلظى، من حيث إنني كنت أحسبه ضرباً من اللامعقول، أي حلماً طوباوياً في زمن الواقعية السياسية المحدثة.
وخلاصة النبأ أن احضر حالاً.. لقد عُيّنتَ وزيراً.
أمسكت زوجتي بطرف الخيط، كأنها تمسك بالقنبلة من الصاعق، ثم راحت تحثني على اهتبال الفرصة، وهي تتفرس في معالم المفاجأة على وجهي: كن رابط الجأش، ولا تتردد طويلاً في قبول المنصب.
هي ضربة الحظ التي لا تتكرر.. فمتى كنت تحلم بأن تتأبط حقيبة وزارية؟
وقد سعت إليك صاغرة، بدل أن تسعى أنت إليها، تسكعاً على أبواب لا ينكشف ما وراءها إلا لمن يملك مفتاح السر. والمفتاح من صنع «حدَّادي» السياسة!
افتح أذنيك جيداً، وفكر في ما أقوله لك.
طبق العسل بين يديك الآن، وما عليك إلا أن تُعمل به لسانك. حذار أن يفوتك من العسل السياسي ولو قطرة واحدة!
والصحافة.. ماذا أفعل بها؟
هي مهنتي الأثيرة التي شغفت بها منذ حداثة سني، ولا أستطيع أن أعدل بها مهنة أخرى. فأنا مقتنع أن «الصحافي» باق، أما «السياسي» فزائل بمجرد تغير العهد الذي حمله إلى السلطة، وانحسار الضوء السياسي عن الموقع الذي يتبوأه.
كيف أوازن بينهما، وأنا منجذب بطبعي إلى الأصل، ولا أحتفظ للسياسة وتقلباتها بذرة من مودة؟
هوّني الأمر قليلاً يا امرأة.
فكم يلزمني من «اكسسوار» لأصبح وزيراً!
نعلي بالية. لقد استهلكتها من شدة المشي، شبه حافٍ، من مستديرة السفارة الكويتية حتى مكاتب المجلة في حارة حريك. ولا أملك من ربطات العنق إلا ربطة الضائقة المادية ـــ النفسية التي تلتفُّ حول عنقي وأعناق الناس المجردين مثلي من كل «الرتب» السياسية!
أفاقت والدتي، وهي في المنزل المجاور، على الضوضاء في منزل ابنها «الوزير».
لقد شمّت رائحة انقلاب غير معهود. ساورها ظن. خُيِّل إليها أن عراكاً حامي الوطيس، قد نشب بين كنتها ومعالي «الوزير» فارتابت في الأمر، وهرعت لفض خلاف قبل أن يستفحل.
لكنها صادفت أمراً مختلفاً، انشرح له صدرها بعد غيظ، فراحت تزغرد ابتهاجاً. تنبه الحي كله إلى أن حدثاً غير عادي يقلق الجيران.. صاحت الديكة أيضاً، ونهق حمار من جوع.
عليك بالفراسة في قراءة المستقبل. فالمهمات المقبلة جسيمة، والنهار على وشك الانبلاج.
لا تقعدك عقدة الفقر عن اقتحام المصاعب. دع أيام الفقر والعوز والتقتير كلها وراءك. باب النعيم السياسي قد انفتح لك. فاغتنمه حتى لا تندم ساعة تنقلب الموازين، وتربدّ الوجوه. فالسياسي اللبناني مهما بلغ شأواً في التجارب، وتقلب التحالفات، لا يعلم ما يخبئه له «الغيب» حتى ولو كان من المنجّمين!
وما زالت امرأتي مسترسلة في نصائحها: ينبغي أن تشتري دزينة من البذلات الضرورية على الفور، قبل الظهور على شاشة التلفزيون، أو في المؤتمرات الصحافية. ولأن الزوجة بيت الأسرار، فاتخذني مديرة لمكتبك لكي يتسنى لي تصريف الأعمال، ثم إنك لن تجد أحداً أكثر مني أمانة، وحرصاً على شؤون البيت و«الوزارة».
لقد أسديت لك النصح، فاحترز. فالدهر دولاب لا يستقر على حال، والحظ لا يوافي دائماً إلا من أرضعته أمه لبن المعجزات.
النجدة.. النجدة.
هلمّي يا امرأة، إني أحس بأن رأسي قد انفلق فلقتين. ماذا بي؟ دم! دم! د..مد.. م!
قم.. الساعة السابعة الآن، فمتى تصل إلى بيروت؟
مع حشرجات الليل الأخيرة، جاءني رسول بنبأ سقط على رأسي كدلو ماء يتلظى، من حيث إنني كنت أحسبه ضرباً من اللامعقول، أي حلماً طوباوياً في زمن الواقعية السياسية المحدثة.
وخلاصة النبأ أن احضر حالاً.. لقد عُيّنتَ وزيراً.
أمسكت زوجتي بطرف الخيط، كأنها تمسك بالقنبلة من الصاعق، ثم راحت تحثني على اهتبال الفرصة، وهي تتفرس في معالم المفاجأة على وجهي: كن رابط الجأش، ولا تتردد طويلاً في قبول المنصب.
هي ضربة الحظ التي لا تتكرر.. فمتى كنت تحلم بأن تتأبط حقيبة وزارية؟
وقد سعت إليك صاغرة، بدل أن تسعى أنت إليها، تسكعاً على أبواب لا ينكشف ما وراءها إلا لمن يملك مفتاح السر. والمفتاح من صنع «حدَّادي» السياسة!
افتح أذنيك جيداً، وفكر في ما أقوله لك.
طبق العسل بين يديك الآن، وما عليك إلا أن تُعمل به لسانك. حذار أن يفوتك من العسل السياسي ولو قطرة واحدة!
والصحافة.. ماذا أفعل بها؟
هي مهنتي الأثيرة التي شغفت بها منذ حداثة سني، ولا أستطيع أن أعدل بها مهنة أخرى. فأنا مقتنع أن «الصحافي» باق، أما «السياسي» فزائل بمجرد تغير العهد الذي حمله إلى السلطة، وانحسار الضوء السياسي عن الموقع الذي يتبوأه.
كيف أوازن بينهما، وأنا منجذب بطبعي إلى الأصل، ولا أحتفظ للسياسة وتقلباتها بذرة من مودة؟
هوّني الأمر قليلاً يا امرأة.
فكم يلزمني من «اكسسوار» لأصبح وزيراً!
نعلي بالية. لقد استهلكتها من شدة المشي، شبه حافٍ، من مستديرة السفارة الكويتية حتى مكاتب المجلة في حارة حريك. ولا أملك من ربطات العنق إلا ربطة الضائقة المادية ـــ النفسية التي تلتفُّ حول عنقي وأعناق الناس المجردين مثلي من كل «الرتب» السياسية!
أفاقت والدتي، وهي في المنزل المجاور، على الضوضاء في منزل ابنها «الوزير».
لقد شمّت رائحة انقلاب غير معهود. ساورها ظن. خُيِّل إليها أن عراكاً حامي الوطيس، قد نشب بين كنتها ومعالي «الوزير» فارتابت في الأمر، وهرعت لفض خلاف قبل أن يستفحل.
لكنها صادفت أمراً مختلفاً، انشرح له صدرها بعد غيظ، فراحت تزغرد ابتهاجاً. تنبه الحي كله إلى أن حدثاً غير عادي يقلق الجيران.. صاحت الديكة أيضاً، ونهق حمار من جوع.
عليك بالفراسة في قراءة المستقبل. فالمهمات المقبلة جسيمة، والنهار على وشك الانبلاج.
لا تقعدك عقدة الفقر عن اقتحام المصاعب. دع أيام الفقر والعوز والتقتير كلها وراءك. باب النعيم السياسي قد انفتح لك. فاغتنمه حتى لا تندم ساعة تنقلب الموازين، وتربدّ الوجوه. فالسياسي اللبناني مهما بلغ شأواً في التجارب، وتقلب التحالفات، لا يعلم ما يخبئه له «الغيب» حتى ولو كان من المنجّمين!
وما زالت امرأتي مسترسلة في نصائحها: ينبغي أن تشتري دزينة من البذلات الضرورية على الفور، قبل الظهور على شاشة التلفزيون، أو في المؤتمرات الصحافية. ولأن الزوجة بيت الأسرار، فاتخذني مديرة لمكتبك لكي يتسنى لي تصريف الأعمال، ثم إنك لن تجد أحداً أكثر مني أمانة، وحرصاً على شؤون البيت و«الوزارة».
لقد أسديت لك النصح، فاحترز. فالدهر دولاب لا يستقر على حال، والحظ لا يوافي دائماً إلا من أرضعته أمه لبن المعجزات.
النجدة.. النجدة.
هلمّي يا امرأة، إني أحس بأن رأسي قد انفلق فلقتين. ماذا بي؟ دم! دم! د..مد.. م!
قم.. الساعة السابعة الآن، فمتى تصل إلى بيروت؟
Page 9
رثائية المقعد المفقود
حشرتني إحدى المناسبات في موقف حرج، كم كنت أتحاشى الوقوع فيه مراراً.
الحذر جزء من طباعي، فأنا امرؤ لا أستطيع التلون، ولا أرغب في التنكر مهما كانت الذرائع.
صراحتي أفقدتني كثيراً من الأصحاب، وأقصت عني حتى من تربطني بهم وشائج القربى.
و «الأعراف» الاجتماعية من أكثر الأمور تنافراً مع مزاجي وجبلتي وقناعاتي.
لماذا كل هذه المقدمات؟
دخلت النادي الحسيني في إحدى القرى المجاورة مع الداخلين قاصداً، مجازفة مني، أحد المقاعد الأمامية مع يقيني أنها محجوزة لذوي الوجوه «المرموقة» في المجتمع.
فقد اعتدنا التأقلم مع التصنيف «الطبقي» الذي جرى عليه الناس من دون أي نقاش، أو اعتراض في كثير من الأحيان. حتى بات بموجب هذا التصنيف البغيض فرز الناس أمراً مستساغاً، لا يدعو إلى المقت، ولا يسبب أي شعور «بالثورة» على هذا الوضع.
وهكذا اخترت في تلك المناسبة مكاناً غير مناسب، متوجساً أن يأتي من يضطرني إلى «الجلاء» عن مقعدي إلى الصف التالي، فسحاً في المجال لذي مقام سياسي واجتماعي أكثر مني شهرة وألقاً، و«أثقل» جاهاً ونفوذاً.
إنها ساعة شؤم خالفت فيها خياري الاستراتيجي، الذي ألجأ إليه كلما أوقعتني المناسبات الاجتماعية في حبائلها، فأستقر في مكاني غير خائف على مقعد لا يمكنني التشبث به، أو الحفاظ عليه ما دمت أقل «قدراً» من أصحاب المال والأرزاق والمناصب.
ففي مثل هذه المناسبات ذات الطابع الاجتماعي ــــ السياسي لا يبقى الاعتبار إلا لمن هم من كبار القوم بالنسبة إلى الناس، وهو اعتبار ممجوج يستند إلى المعيار المادي فقط.
فالأكثر نعمة وثراء هو المفضل الذي تُخلى له الصفوف الأولى، في حين لا يبقى للمعوز الشاغر الجيب إلا الانزواء في أقصى ركن من القاعة.
وما ينطبق على هذا المعوز، ينطبق أيضاً على المثقف حيث إنهما من «طينة» واحدة.. فالفقر سيد «العيوب» ومبدد الجيوب!
والوضع الطبقي صار هو الميزان ومقياس الحكم على جميع الناس. فصاحب المال هو الذي يتصدر المجالس، ويفتي في شؤون الحياة المختلفة، أما الناس فمصغون. يطرقون «تبجيلاً» له وامتداحاً لخصاله و«مكرماته» ويتنحون له بطريقة تصل أحياناً إلى حد الضعة.
أما من خلت جيبه وساء طالعه وخبت ملامح وجهه، فهو أشقى الناس.. لا يقام له عن مقعد، ولا يبش له منافق كالبقرة الضاحكة!
لقد جالت في ذهني هذه الأحاديث كلها، وأنا جالس في مكاني والهواجس لا تدعني أنعم باستقرار، ولا أخلد إلى أمن أو طمأنينة، ما إن أطفىء سعيراً في صدري، حتى يندلع مثله في أقل من لمح الطرف.
وما كنت أخشاه في الواقع قد أصابني، وكأنه لم يكن إلا ليذكرني بــــ«عبثية» المكان الذي يرتبط به المعدم ـــ المثقف في كل حين في عالم كسيح كعالمنا الثالث.
فقبل أن «يسخن» مقعدي، إذ بأحدهم يقبل نحوي عابساً مكفهراً، ليطلب إليّ إخلاء المقعد، حالاً، لداخل جديد يبدو من مظهره «الارستقراطي» أنه من أهل النعمة.. من الذين ثقلت جيوبهم، وتضخمت حساباتهم المصرفية، وفاضت مقتنياتهم من الأثاث الفاخر، وكثرت عقاراتهم، وأصبح كلامهم «السطحي» أمثالاً تتناقلها الألسن، وتهفو إليها الأسماع.
لم أستبدل مقعدي بمقعد آخر، بل اكتفيت بإلقاء نظرة «أخيرة» على «المكان المفقود» متأسفاً على حال ذلك الصف الذي كان قبل قليل في المقدمة، فإذا به يتقهقر صفين أو ثلاثة، ليحتل مكانه صف آخر من أصحاب السلطة والمقامات الرفيعة.
حشرتني إحدى المناسبات في موقف حرج، كم كنت أتحاشى الوقوع فيه مراراً.
الحذر جزء من طباعي، فأنا امرؤ لا أستطيع التلون، ولا أرغب في التنكر مهما كانت الذرائع.
صراحتي أفقدتني كثيراً من الأصحاب، وأقصت عني حتى من تربطني بهم وشائج القربى.
و «الأعراف» الاجتماعية من أكثر الأمور تنافراً مع مزاجي وجبلتي وقناعاتي.
لماذا كل هذه المقدمات؟
دخلت النادي الحسيني في إحدى القرى المجاورة مع الداخلين قاصداً، مجازفة مني، أحد المقاعد الأمامية مع يقيني أنها محجوزة لذوي الوجوه «المرموقة» في المجتمع.
فقد اعتدنا التأقلم مع التصنيف «الطبقي» الذي جرى عليه الناس من دون أي نقاش، أو اعتراض في كثير من الأحيان. حتى بات بموجب هذا التصنيف البغيض فرز الناس أمراً مستساغاً، لا يدعو إلى المقت، ولا يسبب أي شعور «بالثورة» على هذا الوضع.
وهكذا اخترت في تلك المناسبة مكاناً غير مناسب، متوجساً أن يأتي من يضطرني إلى «الجلاء» عن مقعدي إلى الصف التالي، فسحاً في المجال لذي مقام سياسي واجتماعي أكثر مني شهرة وألقاً، و«أثقل» جاهاً ونفوذاً.
إنها ساعة شؤم خالفت فيها خياري الاستراتيجي، الذي ألجأ إليه كلما أوقعتني المناسبات الاجتماعية في حبائلها، فأستقر في مكاني غير خائف على مقعد لا يمكنني التشبث به، أو الحفاظ عليه ما دمت أقل «قدراً» من أصحاب المال والأرزاق والمناصب.
ففي مثل هذه المناسبات ذات الطابع الاجتماعي ــــ السياسي لا يبقى الاعتبار إلا لمن هم من كبار القوم بالنسبة إلى الناس، وهو اعتبار ممجوج يستند إلى المعيار المادي فقط.
فالأكثر نعمة وثراء هو المفضل الذي تُخلى له الصفوف الأولى، في حين لا يبقى للمعوز الشاغر الجيب إلا الانزواء في أقصى ركن من القاعة.
وما ينطبق على هذا المعوز، ينطبق أيضاً على المثقف حيث إنهما من «طينة» واحدة.. فالفقر سيد «العيوب» ومبدد الجيوب!
والوضع الطبقي صار هو الميزان ومقياس الحكم على جميع الناس. فصاحب المال هو الذي يتصدر المجالس، ويفتي في شؤون الحياة المختلفة، أما الناس فمصغون. يطرقون «تبجيلاً» له وامتداحاً لخصاله و«مكرماته» ويتنحون له بطريقة تصل أحياناً إلى حد الضعة.
أما من خلت جيبه وساء طالعه وخبت ملامح وجهه، فهو أشقى الناس.. لا يقام له عن مقعد، ولا يبش له منافق كالبقرة الضاحكة!
لقد جالت في ذهني هذه الأحاديث كلها، وأنا جالس في مكاني والهواجس لا تدعني أنعم باستقرار، ولا أخلد إلى أمن أو طمأنينة، ما إن أطفىء سعيراً في صدري، حتى يندلع مثله في أقل من لمح الطرف.
وما كنت أخشاه في الواقع قد أصابني، وكأنه لم يكن إلا ليذكرني بــــ«عبثية» المكان الذي يرتبط به المعدم ـــ المثقف في كل حين في عالم كسيح كعالمنا الثالث.
فقبل أن «يسخن» مقعدي، إذ بأحدهم يقبل نحوي عابساً مكفهراً، ليطلب إليّ إخلاء المقعد، حالاً، لداخل جديد يبدو من مظهره «الارستقراطي» أنه من أهل النعمة.. من الذين ثقلت جيوبهم، وتضخمت حساباتهم المصرفية، وفاضت مقتنياتهم من الأثاث الفاخر، وكثرت عقاراتهم، وأصبح كلامهم «السطحي» أمثالاً تتناقلها الألسن، وتهفو إليها الأسماع.
لم أستبدل مقعدي بمقعد آخر، بل اكتفيت بإلقاء نظرة «أخيرة» على «المكان المفقود» متأسفاً على حال ذلك الصف الذي كان قبل قليل في المقدمة، فإذا به يتقهقر صفين أو ثلاثة، ليحتل مكانه صف آخر من أصحاب السلطة والمقامات الرفيعة.
Page 10
مريض وزارة.. الصحة
للمرة الأولى في حياتي ــــ وأنا الآن فوق قمّة الأربعين ــــ أسلم يدي لممرضة، لكي تعلق بها أنبوب المصل.
تجربة جديدة تضاف إلى كشكول التجارب.
بعد نصف ساعة، تقريباً، من الاستلقاء على سرير المرضى في المستشفى، بدأ يتسرب إلى داخلي إحساس شحيح بالراحة.
كانت النوبات المتتالية التي ألمت بي، فجأة، قد أفقدتني الصواب، ولم أخطىء في تشخيص الداء.
إذ إنني استنتجت، من خلال هذه النوبات المتسارعة نفسها، بأنني مصاب «بالبحصة».
وهي من الحالات التي يكثر وجودها الآن بين الناس. غير أنني لم أكن أتوقع أن تكون (بحصتي) السيئة الذكر، كبيرة بهذا الحجم.
وقد قدَّر الطبيب أنها تعادل في حجمها حبة الفاصولياء. وعلى الرغم من هذا الوصف لم أتأثر كثيراً، فكل واحد منا مستودع (بحص).
لكن ما استغربته، بكل جوارحي، هو تعليل الطبيب لهذه (البحصة).
أنا لم أقتنع بتفسيره (العلمي المجرد) لها.
فكل رواسب الفساد السياسي والاجتماعي والخلقي، هي من مكوّنات هذه (البحصة) ذات المركب الكيميائي العجيب!
والسيناريو الميلودرامي لم ينته بعد.
سأنتقل بكم، مرة أخرى، إلى بداية المشهد الأول. فقد أخبرتكم بأنني كنت مضطجعاً على السرير في أحد مستشفيات الجنوب. قطرات المصل كانت تتساقط، ببطء ملحوظ، في النربيش المتصل بشريان اليد.
ينسدل الحجاب الحاجز ثانية. وما هي إلا لحظات حتى ينقشع غبار الصمت وتدبّ في أوصالي قشعريرة (مسرحية) من تأثير المصل.
تغيم عيناي المصوبتان إلى كيس المصل، والنربيش يتضخم شيئاً فشيئاً.. يتخذ شكل النهر.
تذكرت مقولة أبي أن التراب بحاجة دائمة إلى ري. وانتهى المشهد السينمائي نهاية غير منطقية.
وفي المقلب الآخر، يطير الحمام عن رأس الدكتور وتبدأ نوبة الأسئلة في وقت واحد مع نوبة (البحصة):
هل العملية الجراحية على حسابك الخاص، أم على حساب الضمان؟
سؤالك معقد يا دكتور.. فأنا لست (مضموناً)، ولا أتمتع بحساب خاص، لا في مصرف، ولا في جيب. دبر الأمر على نفقة الوزارة. وانصرف الدكتور إلى سواي. وانصرفت أنا إلى همي.. الصحي!
واكفهر جو المستشفى كله مع دخول الطبيب المسؤول من قبل وزارة الصحة.. الخاصة (جداً) بوجهه المكفهر!
والمناخ شديد التأثر بأي تقلب في حركة (المسؤولين) أو بأي تقلب في درجات الزعل.. الرسمي!
وقد انتابني الخوف، حقاً، من الاستمرار في هذه المغامرة. وبينما أنا أتخبط في حبائل القلق، إذ بالمسرح ينقلب رأساً على عقب.
شكراً للظروف.. الناضجة. شكراً لهذه (الصدفة) التي حصلت صدفة. فقلبت كل الحسابات على ظهرها كالصراصير.
حتى الدكتور المناوب لم يتمكن من الحفاظ على توازنه، فانقلب ــــ هو كذلك ــــ بطناً على ظهر.
ثم ظهراً على بطن.
وقد استفقت، أخيراً، وابن سينا ـــ الطبيب المشهور ـــ يمسك بي من رجليَّ على شكل سبعة، تقديراً لرمز النصر، وهو يصيح بي بكل وعيه التاريخي:
بقّ البحصة!.. بقّ البحصة!..
وسرعان ما نفضت عني غبار المستشفى، عائداً إلى هذه الصفحة، وقد كفاني الله شرّ العلاج على نفقة وزارة الصحة، أو وزارة دفن الأحياء!
للمرة الأولى في حياتي ــــ وأنا الآن فوق قمّة الأربعين ــــ أسلم يدي لممرضة، لكي تعلق بها أنبوب المصل.
تجربة جديدة تضاف إلى كشكول التجارب.
بعد نصف ساعة، تقريباً، من الاستلقاء على سرير المرضى في المستشفى، بدأ يتسرب إلى داخلي إحساس شحيح بالراحة.
كانت النوبات المتتالية التي ألمت بي، فجأة، قد أفقدتني الصواب، ولم أخطىء في تشخيص الداء.
إذ إنني استنتجت، من خلال هذه النوبات المتسارعة نفسها، بأنني مصاب «بالبحصة».
وهي من الحالات التي يكثر وجودها الآن بين الناس. غير أنني لم أكن أتوقع أن تكون (بحصتي) السيئة الذكر، كبيرة بهذا الحجم.
وقد قدَّر الطبيب أنها تعادل في حجمها حبة الفاصولياء. وعلى الرغم من هذا الوصف لم أتأثر كثيراً، فكل واحد منا مستودع (بحص).
لكن ما استغربته، بكل جوارحي، هو تعليل الطبيب لهذه (البحصة).
أنا لم أقتنع بتفسيره (العلمي المجرد) لها.
فكل رواسب الفساد السياسي والاجتماعي والخلقي، هي من مكوّنات هذه (البحصة) ذات المركب الكيميائي العجيب!
والسيناريو الميلودرامي لم ينته بعد.
سأنتقل بكم، مرة أخرى، إلى بداية المشهد الأول. فقد أخبرتكم بأنني كنت مضطجعاً على السرير في أحد مستشفيات الجنوب. قطرات المصل كانت تتساقط، ببطء ملحوظ، في النربيش المتصل بشريان اليد.
ينسدل الحجاب الحاجز ثانية. وما هي إلا لحظات حتى ينقشع غبار الصمت وتدبّ في أوصالي قشعريرة (مسرحية) من تأثير المصل.
تغيم عيناي المصوبتان إلى كيس المصل، والنربيش يتضخم شيئاً فشيئاً.. يتخذ شكل النهر.
تذكرت مقولة أبي أن التراب بحاجة دائمة إلى ري. وانتهى المشهد السينمائي نهاية غير منطقية.
وفي المقلب الآخر، يطير الحمام عن رأس الدكتور وتبدأ نوبة الأسئلة في وقت واحد مع نوبة (البحصة):
هل العملية الجراحية على حسابك الخاص، أم على حساب الضمان؟
سؤالك معقد يا دكتور.. فأنا لست (مضموناً)، ولا أتمتع بحساب خاص، لا في مصرف، ولا في جيب. دبر الأمر على نفقة الوزارة. وانصرف الدكتور إلى سواي. وانصرفت أنا إلى همي.. الصحي!
واكفهر جو المستشفى كله مع دخول الطبيب المسؤول من قبل وزارة الصحة.. الخاصة (جداً) بوجهه المكفهر!
والمناخ شديد التأثر بأي تقلب في حركة (المسؤولين) أو بأي تقلب في درجات الزعل.. الرسمي!
وقد انتابني الخوف، حقاً، من الاستمرار في هذه المغامرة. وبينما أنا أتخبط في حبائل القلق، إذ بالمسرح ينقلب رأساً على عقب.
شكراً للظروف.. الناضجة. شكراً لهذه (الصدفة) التي حصلت صدفة. فقلبت كل الحسابات على ظهرها كالصراصير.
حتى الدكتور المناوب لم يتمكن من الحفاظ على توازنه، فانقلب ــــ هو كذلك ــــ بطناً على ظهر.
ثم ظهراً على بطن.
وقد استفقت، أخيراً، وابن سينا ـــ الطبيب المشهور ـــ يمسك بي من رجليَّ على شكل سبعة، تقديراً لرمز النصر، وهو يصيح بي بكل وعيه التاريخي:
بقّ البحصة!.. بقّ البحصة!..
وسرعان ما نفضت عني غبار المستشفى، عائداً إلى هذه الصفحة، وقد كفاني الله شرّ العلاج على نفقة وزارة الصحة، أو وزارة دفن الأحياء!