eKtab
EN ع
كهوف هايدراهوداهوس
Read free sample

كهوف هايدراهوداهوس

by سليم بركات

Page 1
محاورةُ خارْتِيْمَاس وسُوْسينو
 
هل عثرتَ على النصف الآخر من حلمي، أيها الهوداهوس سوسينو؟، قال خارتيماس الأشقر العُرْف، وأصْدَرَ صهيلاً خافتاً من حنجرته ـ حنجرةِ الكائنِ المُخْتَلَسِ الشكل من نصفِ إنسانٍ ونصف حصان·
 
تنهَّد سوسينو· حرَّك في الهواءِ دوائرَ القلق الخصب كبذور اليقطين حول بِرَك المياه: لي ستة أيام أُغمضُ عينيَّ من الليل حتى الظهيرة، فلا يتجلَّى لخيال أعماقي صِورٌ مرئيةٌ أو إشاراتٌ ناطقة، ياخارتيماس· اختلطَ عليَّ وقتُ الطعام بين الغذاءِ والعشاء· أترى خاصرتيَّ؟ جلديَ لم يعد ملتمعاً· إنَّه هُزالُ الحيرة، وألقى نظرة، من مشارف باب الكهف الكبير، على العراء·
 
ماالذي يجري في أرض هايْدْرَا هُوْدَاهُوْسْ ياسوسينو؟ خمائرُ العافية غَدَتْ حامضةً· غدا خبزُ يقيننا حامضاً، قال خارتيماس، وهزَّ ذيلَهُ يطرد ذبابةً من ذبابات السرخس الصغيرة·
 
لم يعد مُحْتَملاً مايفعله الأمير ثِيوني مَنْ تظنُّه أوحى إليه شرارةَ الجحيم هذه؟ ليس في عِلْمِ تراب هايدراهوداهوس، ولا في عِلْمِ هوائها ـ هواءِ الكهوف الكبرى، سابقةٌ يتسلّى فيها ملِك أو أمير باستنطاق الناس عن أحلامهم، أيها الهوداهوس خارتيماس· البقاءُ يتقوَّضُ هنا، قال سوسينو· حَصَرَ الأفقَ المخيَّطَ بإبرة السهول في بصره· مسَّتِ اللوعةُ عينيه بأنفاسها المالحة فدمعتا: سأرحل بعائلتي عن هذه الأرض· سأُفني في قلبي حنينَ المكان
 
صَمَتَ الوجود الناطق· انحدرَ المخلوقان ذوا نصفي الإنسان ونصفي الحصان من المُرْتَفَع، الذي يكلِّله هيكلُ الكهف، إلى السهل· اختلطَ طيفاهما بأطياف الزُّرَّاع المجتهديْن في منطق الزَّرع، ومؤانسة الخُضَار النبيلة في حقولهم·
Page 2
ثيُوني ـ هَايْدْرَاهُوْدَاهُوْس
 
في صباحٍ لطيفِ الحنجرة، ذي غناءٍ خافت تتشرَّبه الأعمدةُ الجليلة في كهوف هايدراهوداهوس ـ أرضِ الصُّنَّاعِ السَّحرةِ للخناجر، والحدوات، خرج الأمير ثيوني من مخدعه الحجري مبتسماً إلى بهو كهفه· كان الخِوان الصخرُ، المستطيلُ ستاً وستين ذراعاً، على أتمِّ عُدَّته: فاكهةُ الظلِّ وفاكهة الشمس متجاورةً في الصِّحَاف· ورقُ الدَّلبوث، وأسواقُ الهَليون الفتية مقشرةً، وبعضُ أزهار القَرْعِ المنقوعة في خلِّ الدراق الفِجِّ، وهي مايستمرئُها ثيوني على الريق·
 
نهض خلصاءُ الأمير الجالسون· تهيَّأ الخدمُ وهم يطلقون صهيلاً محسوباً بقياس الدُّربة من حناجرهم، خافتةً لكنها صارمةُ النَّبر في علوم الخَدَم أَنْصَافِ الإنسان وأَنْصَاف الخَيل· جلس ثيوني وصدرُهُ إلى الخوان· جلس الخُلصاءُ ممدِّديْنَ قوائمَهم، كلٌّ بحسب مايريْحُه· هزُّوا أعرافَهم المتدليةَ فوق الجباه، قبل أن يقرِّب الخدمُ الصحون إلى متناول أيديهم، وقد انحنوا بقوائمهم الأمامية على الأرض الرخام، في الفسحات المتساوية بين جليسٍ وآخر· تحدَّث الأمير: رأيتُ نصفَ حلمٍ بهيجاً في ليلتي· سأنتظر قدوم الأميرة أنيكساميدا لتُتِمَّه لي· عندها النصفُ الآخر
 
لكل مخلوق في هايدراهوداهوس من يشاطره، من الأقربين إليه، نصفَ حلمه· لاأحد يحلم حلماً كاملاً· لكن لاأحد يروي لغير شريكه في مناصفة الحلم مايراه من تجلِّي منامه عليه بالصور مندرجةً في خصائص اللون، أوبلالون: منذ السنة السادسة من أَعمار المخلوقات هذه، ذوات أنصاف جذوع الإنسان الملتصقة بهياكل الخيول، يختار القرينُ قرينَه، بالتوافق النبيل لشروقِ الطِّباعِ على أعماقهما· ولم يحدث، قط، أنْ جرى إِخلالٌ بذلك التوافق، الشبيه بالميثاق، بين اثنين· إنه اختيار الإقامة النهائية في الحيِّز الذي يؤثِّثُه، برهافة المصادفة المُدّلَّلة، كلٌّ من الظلِّ والشكل·
 
هم، المخلوقات التي تتنادى بلقب الهوداهوس قبل لفظ الأسماء الخاصة بمَنْ يُنَادَون، يعرفون بالفطرة أن كل اثنين يتناصفان حُلماً واحداً· ولم يخرج أحد عن العُرف في كتمان حلمه لنفسه ولقرينه· لكنهم يتبادلون الإشارات، تلميحاً، للتدليل على أحوال الأحلام التي تشاطروها: هذان مرَّا بحقول ذهبٍ· ذانِ صَعَدا مَدَارجَ الغمام بحَدَواتٍ من معدنٍ ليس من معادن الحدوات· ذانِكَ خابا في إتمام شهوةٍ
 
إنه تخمينٌ لأحوال الأحلام بالفِراسة التي فيهم، أو بالقياس النفساني إلى أحوالهم بعد أحلامٍ أغوتْ خيالَ نومهم: الخيبةُ، اللذة، الكابوس، الرضا، النِّزاع والإضطراب، الإنحصارُ، العلاماتُ القلقةُ؛ كلُّ ذلك يترك في العيون، بعد اليقظة، أثراً من خطواته الخفية· بَيْدَ أنَّ التخمين يبقى تخميناً· أما الحلم المُتَناصَفُ فهو ـ بحقيقة صوره، وأطياف عناصره الضَّالة والمُسْترشِدة، المتكافئةِ وغير المتكافئة ـ رهيْنُ عِلْم المتشاركيْنَ فيه إلى الأبد·
 
ثيوني، أمير هايدراهوداهوس ذات الكهوف المُجْتَاحَة بالأعمدة المهيبة، خَرَق الموروثَ· فاجأ جُلساءَه الخُلَصاءَ ـ غضاريفَ الحقول المديدة، وأَُمناءَ خزائن المُؤَن والأسلحة ـ بالطلب إلى زوجته آنيكساميدا أن تسرد نصفَ حلمها على أسماعهم· صَهلَ الحاضرون· اهتز عرفُ الأنثى تحت خمارها النازل حتى ظهرها· اهتز ثدياها المحتجبان تحت شبكة الذهب المتدلية من عنقها على صدرها· التمع جسدُها الأبلقُ ذو الوبر الحرير كأهداب طائر النَّعام: أيها الهوداهوس الأميرُ، يازوجي الناطق بلسان الكهوف ذي الشِّعَب الثلاث، هل هي رؤيا أَمْلَتْ عليك كَشْفَ المستور من خصائصنا ـ نحن مخلوقاتِ الشكل الأنبل؟
Page 3
مامن رؤيا أَمْلَتْ عليَّ هذا الطلبَ، أيتها الهوداهوس الأميرة، يازوجتي الناطقة من بصرها ـ بصرِ الكهوف الأكثر كمالاً· لقد أمْليتُ رؤيايَ عليَّ وأمْلَيْتُ، ماأريدُ، على رؤيايَ· لاحلم يبقى مُلْكَ اثنين، وحدهما، في هذا المجلس، بعد اليوم، قال ثيوني ذو العباءة القصيرة، المنحدرة بمخملها الأصفر من كتفيه على ظهره ـ ظهرِ الجواد والآدميِّ المتصلين·
 
عَرِقتْ يدا أنيكساميدا· لطالما سَرَدتْ على زوجها النصفَ الذي تحلمه، ولطالما سردَ عليها زوجُها النصفَ الذي يحلمه· هذا إن حَلما، مثلهما مثل مخلوقات هايدراهوداهوس، وإن لم يحلما تواعدا أن يعتصرا، مايقدران على اعتصاره، بيَدِ النوم، من عناقيد الليل الناضجة، أبداً، في الفصول كلها· تعثَّر خيالُها بصوتها قليلاً، وتعثَّر صوتُها بحطام السرِّ الذي تناثر في المجلس: رأيتُك جريحاً بلا ألم· كنتَ تروي فكاهةً لكاهن الطواحين، الهوداهوس كيدرومي وهو يأكل قِثَّاءً· لقد ناديتَهُ، مرتين ـ بعد ذلك ـ باسم أُورْسِيْنْ، قالت الأميرة· حَمْحَمت حَمْحمةً خافتةً وهزَّت ذيلها الأسودَ، الملتمعَ الشَّعر من زيت زهرة عبَّاد الشمس·
 
غريب هذا، قال الأمير وهو يمضغ زهرةَ قَرْعٍ مخلَّلة· النصف الذي عندي بهيجٌ· كان كاهن الطواحين معي· نعم· لكنه يعدُّ على أصابع يديه الإمارات التي يريد أمراؤها الدخول، طوعاً، في شرعِ هايدراهوداهوس ـ شرع التسليم بتحنيط الموتى بدل حَرْقهم· الحَرْقُ يُكْثِر اقتحامَ الأرواح للأمكنة المحظورة: العقلِ· الهيكلِ الذي يتزوَّد فيه الأمراء برؤيا الكهوف المفقودة· مخادع النساء ابتسم: لانريد شركاءً في خلواتنا واستدار إلى زوجته: نصفُ حلمي بهيجٌ· لا· ربما ليس بهيجاً على نحو ما أريد· كنتُ أتمنى أن يسترسل أمراءُ التخوم الحجرية في عنادهم، وحَمْحَمَ بقوة، فتلمس الجالسون أطرافَ الخوان· منذ بلغتْ سلالتُنا الذُّروةَ في شؤون تدبير الحروب لم نعد نجد مَخْرَجاً من ذلك· الحروبُ تمرينٌ عقليٌّ لاستدراج النَّفْس إلى صُلْحٍ مع القَلَق· بين كل حرب وأخرى فسحةٌ لا تُعَوَّض ـ لأنها فسحة بين حرب وأخرى ـ من أجل ترتيب العقل نَفْسِه ترتيباً أشبه بأعمدة هايدراهوداهوس: إنها لاتسند سقوفَ كهوفنا فحسب، بل تسند الدورةَ المفقودة للنِّظام السماوي الثابت· بين حرب وأخرى تلزمنا فسحةٌ للتفكير في حرب جديدة، أكثر كمالاً· وهؤلاء الأمراء يعودون بي إلى الضجر، أيها الهوداهوس الخُلصاء حَمْحَمَ في خفوتٍ· حَمْحَم الجلساءُ ـ أهلُ البأس· أين أنِسْتوميس؟، سأل الأميرُ بالتفات من رأسه على جهاتِ الخوان· ماذا قلتِ أيتها الأميرة؟· كنتُ أنادي كاهن الطواحين باسم أورْسِيْن· أين أَنِسْتُوْمِيْسْ لتتدبَّر لي معنى هذا الاسم؟
Page 4
لوحُ أنِسْتُوميس
 
ككل مخلوقات الهوداهوس، كانت أَنِسْتُوْمِيْسْ تحمل خنجرين، بدورها، يتدليان من حزامين تحت إبطيها· سَلَّتِ الخنجرَ الأيمن بيدها اليسرى من الغمد الذهبيِّ، ونقَرَتْ بنصله الرهيف على حجرٍ في جدار الكهف مليءٍ بالرسوم: هذا النحت يحوجُهُ ترميم أيها الهوداهوس سِيْنُو، قالت لحامل المفاتيح، تابِعِهِا، في إدارة فِيْفْلافِيْدِيْ ـ مكتبةِ أرض هايدراهوداهوس·
 
العلوم المتوارثةُ، بتمام الخصائص المُسْتَنْسَخَةِ عن شرائع الليل وشرائع النهار، كانت في عهْدَة أنستوميس، مدوَّنةً منحوتاتٍ نافرةً، أو غائرةً، على ألواح يمكن نَقْلُها، وعلى جدران الكهف ذي الجوف المتعرِّجِ، المحمولِ السقف على ثمانمائة عمودٍ أخضر، كلُّ عمود يتوسط فسحةً قوسيَّة ذات طنافس للجلوس، ومقاعد متدرِّجة العلوِّ تواجه الجدران ليتأمَّلها الزائرون·
 
تصاويرُ أشكالٍ بلا نهاية غطَّتِ الحجرَ حتى السقوف: مخلوقاتُ يابسةٍ، ومخلوقاتُ مياهٍ· مخلوقاتُ هوداهوس، بعضُها كصور أهل المكان الأبعد والأقرب، وبعضُها من فرائد الخيال ـ مجنَّحٌ، أو ذو رؤوس طيورٍ، وماعزٍ، وجواميسَ، وأفاعٍ· الكَتَبَةُ يدوِّنون الصورَ الحروفَ على أوراق النبات، ويتولى النحَّاتون نَقْلَها إلى الحجر، بإشراف أنستوميس ذات القرن الفريد النابت في جبهتها؛ أنستوميس الناجية الوحيدة من فَصيلٍ من الهوادهوس ولدوا بقرون على جباههم· لم يتكاثروا أبعد من خمسة أجيال، ثم تسلَّمتْهم حُمى القرائن: أن يجدوا لكل شيء رديفاً: الكلمات· الحركات· العناصر الأربعة· الأفلاك· الأسماء· المخلوقات· أقرُّوا أنَّ أيَ وجودٍ، لحيٍّ أو جَمادٍ، لايكتمل إلاَّ بوجودٍ آخرَ يجعله مُضَاعَفاً· منطقٌ مَّا أقربُ، في التشبيه، إلى منطق الشيء ومعناه، لكنه لم يكن على ذلك النحو الصارم· كان يذهب أبعدَ في تدبير العلائق بين الشيء ومعناه، كالعَيْنِ والفَلَكِ، مثلاً؛ أو النوم وطير الطاووس؛ أو الحرب والرَّحم· ولمَّا عَلِقتْ بعض مسائل القرائن بشباك خيالهم، فما استطاعوا استخلاصَها ـ مثل الندم، والضرورة، وقياس القياس، والحقيقة، واللون ـ استفحل في أجسادهم مَهَقٌ ينتشر تدريجاً، كلَّما غطى عضواً جفَّ ذلك العضو· سموا المَهَق الغريبَ باسم حمى القرائن بقي اسمُ العِلَّة مدوَّناً في كهوف صيادلة هايدراهودهوس، فيما جفَّت أجسادُ الفصيل ذي القرون، فنُقلوا، محنَّطِيْنَ من فِعْلِ الداءِ، إلى أُخدود تَايِيْس، لتستقرَّ هياكلُهم هناك، وقوْفاً، إلى جوار هياكل الهوداهوس المحنَّطة بفعل الريحِ الجافةِ·
 
كانت أنستوميس في عامها الثاني حين عرفتْ أنها نَجَتْ من ملاك الحمَّى البيضاء· لم يَعْلَق طحينُ الجفاف، الذي هبَّ من مضيق القَلَق، بجلدها الفضيِّ· مصادفةٌ قادتْها إلى أطراف الهاوية، وراء محيط الكهوف، حيث الركام الحجري المتكوِّم من أنقاض أعمدةٍ،وألواحٍ، هي نفايةُ الترميم، الذي يقوم عليه صُنَّاعُ الزخرف وصنَّاعُ العِمارة بين أعمدة الكهوف وجدرانها، في هايدراهوداهوس· عثرت المخلوقة الفريدة، ذات القرن الأصفر في جبهتها، على بقية من لوحٍ مهشم، يحمل صورَ مخلوقاتٍ ـ سطورٍ من كتابةٍ غامضة· عادت بالهشيم إلى أبيها المتيبِّس نصفُه ـ نصفُ الجواد· تأمل الأبُ الحروفَ الصورَ بخاصيَّة فصيله، الذي مامِنْ مخلوق في عِرْقه نسيَ، قط، شيئاً سمع به، أو رآه، أو قرأه في صحائف الحجر· كلُّ كائنٍ منهم ذاكرةٌ لايَبْلى تفصيلٌ في خزانتها، لذلك عَهَد مَجْلسُ الصِّور وهيئةُ مجازات الأَشكال إليهم أمانةَ فيفلافيذي ـ مكتبةِ أرض هايدراهوداهوس، جيلاً بعد آخر، حتى وصولِ الخلافة إلى أنستوميس الهادئةِ كظلٍّ في زاية، كما سمُّوها·
 
صهلَ الأب صهيلاً خافتاً· وضع يديه على مقبضيْ خنجريه كعادة الهوداهوس في التأمُّل: ماهذه الأشكال، ياابنتي الهادئة؟
Page 5
جفَّ الأبُ مسترسلاً في سؤاله عن تلك الأشكال· حُمِلَ هيكلُه إلى أخدود تاييْس ـ أخدودِ ريحِ الجفاف القادمة من خليج الرمال· بقيت الإبنة وحدها في حيرتها· ثم صارت حيرتُها ـ قبل انتقالها إلى إدارة فيفلافيذي بشهر واحد ـ حيلةً من حِيَلِ المنطق· فالصور المنحوتة على بقايا اللوح الهشيم كانت تكراراً لشكل يجعل من معنى القرين سيرورةَ عبثٍ·هكذا خمَّنتْ أنستوميس· الأشكال، التي كانت تشبه بأنصافها الأمامية العلوية، من الرؤوس حتى البطون، أشكالَ الهوداهوس الأمامية، كانت تتصل ـ على نحوٍ مستقيم ـ بأفخاذ، وسيقان، وأقدام، لاغير· ما من اندماجٍ فيها بأعضاءِ جيادٍ· عراةٌ عليهم عباءات قصيرة تصل حتى أردافهم، وعلى رؤوسهم تيجانٌ رقيقة الأطواق· كانوا متشابهين بلا تمايز· كانوا استنساخاً لتجلٍّ من صورةٍ واحدةٍ على خيال نحَّاتها· وذلك، تحديداً، ماانتشل أنستوميس من الغرق، كمخلوقاتِ فصيلها الفريد، في الهاوية البيضاء لـ حُمى القرئن لقد انفكَّت عقدةُ تدبير العلاقة بين الشيء ومعناه: التكرارُ خاصيَّةُ عَزْلٍ للوسائط المفترضَة أن ندوِّخ عظامنا في استدراجها إلى ربط وجودٍ ماَّ بوجودٍ آخرَ يؤسِّسُه، ويضاعَفُه ليصير مُحْتَمَلاً· هذه الأشكال لاتروي حكايةً؛ لاتروي مأْثَرَةً؛ لاتأْمَلُ أن يستخلص النظرُ إليها مايوحي أنها كانت صَوْغاً كاملاً أو ناقصاً لحروفٍ، قالت أنستوميس بلسان المنطق فيها لعقل القلق فيها· تحدثت طويلاً ـ بصوتٍ عالٍ يشوبه انفلاتُ الصهيل من مخارج الحروف ـ إلى نفسها، في عبورها حقولَ الذُّرة، كلما عثرت على نُتَفٍ من بقية اللوح الغامض· سأسمِّيه الواقف على ساقين ككراكي السَّهل المُعشب· الواقفَ على ساقين· الواقفَ أبداً· أيستطيع أن يطوي أعضاءَه؟ من تخيَّل هذا الشكل المُعذَّبَ؟ إنه بلاقرينٍ صَهَلَت في لوعةٍ: ماالذي فعلتْهُ أُمَّتي ـ أُمَّةُ القَرْن النابت في الجبهة ـ بنفسها؟ انحدرَ المولودُ الأول منا من رحم أنثى هوداهوس عاديةٍ تصنع أقفاص الطواويس من قصبِ نهر تُوْمان الأزرق· تزوج المولودُ الذكر، بعد ثلاث سنين، أنثى هوداهوس عاديةً تجدِّل أذيالَ إناث الهوداهوس وتزيِّنها بسلاسل من وَدَعِ نهر تُوْمَانْ· جاء المولود الثاني من فصيلنا أنثى بقرنٍ تزوجت ذكراً من الهوداهوس يصنع حدواتٍ للخياطين، ومزيِّني أعمدة الكهوف ذوي العيون القرمزية· أنجبت الأنثى أنثىً بقرنٍ في جبهتها· انحسرتْ جاذبية اللغرابة من أعماق الهوداهوس وهم يرون تكرار رؤوسٍ نبتت على جباهها قرون كقرون الجِداء· انفكُّوا عن التزاوج بهم، فتزاوج وحيدو القرون بعضُهم من بعض، يورِّثُ المخلوقُ منهم نَسْلَهُ خنجريْه وذاكرتَهُ ـ ذاكرةَ الحِفظ بلانهاية تلمَّست أنستوميس مقبضَيْ خنجريها، وَصَهَلت صهيلاً خافتاً· ماالذي فعلتْهُ أُمتي الصغيرة بنفسها؟ ماالذي استدرجها إلى فخِّ البحث عن إيجاد قرينٍ لكل شيء؟· ألم يعبر خيالَ واحدٍ منها صورةُ شكلٍ يشبه شكلَ هذا الكائن الواقف على ساقين في مِزَقِ اللوح الغريب؟ مُذْ رأيتُ نحتَ هذا الكائن عرفتُ أنني نجوتُ من الحمى· آه، أبي، أيها المنتصبُ يابساً في مجرى الريح بأخدود تاييس، لماذا عاد بصرُكَ بلا صيدٍ من هذا اللوح؟
 
مسحتْ أنستوميس بطرف عباءتها الزرقاء القصيرة عينيها من برق الدمعة المتلصِّصة منهما على الوجود، حين عاد خيالُها بها إلى الممرات بين حقول الذُّرة تعبرُها عائدةً بمِزَقِ اللوح إلى خزانة البيت الحجرية· ولمَّا استقرت فيفلافيذي في عُهْدتها، استقرَّت بقايا اللوح، أيضاً في خزانة من خزائن الكهف منحوتةٍ في عمود بلانقوش، بين الأعمدة الثمانمائة الخضراء، لايفتح سينو بابَها الدائري لسواها؛ يفتحه في نضوج القمر على نار دورته الكاملة ـ دورةِ النُّور النَّحات، أيْ في الموعد الغامض، الذي يختلط نظامُ جسد أنستوميس، كأنثى، بنظام الدورة الفلكية، فتصيرُ متوجِّسةً، قلقةً، ممتلئةً برغبة في البكاء بلاسبب·
 
نقرتْ أنستوميس بنصل خنجرها على حجر في الكهف: أيها الهوداهوس سينو، هذه النقوش تتآكل· أريدُ مَن يرمِّمها· نحن قُرَّاءَ الصور لانثق إلا بعيوننا، قالت، وعادت فمسحت طَرْفَ عينها اليسرى بظاهر يدها الممسكة بالخنجر·
 
صهل سينو صهيلاً خافتاً: أرى رسولاً في باب الكهف يومىء إليَّ مشى إلى باب الكهف في تُؤَدةٍ، على حوافره الأربعة، المبطَّنة بأربع حدوات من معدن النحاس· غاب قليلاً، ثم عاد مسرعاً: يطلبكِ الهوداهوس الأميرُ أيتها الهوداهوس أنستوميس، مروِّضَةُ نظامِ الصور في فيفلافيذي
 
صهلتْ أنستوميس صهيلَ المُلَبِّي المتدرِّجَ في خفوتِ نبرته· أعادتْ خنجرها إلى الغمد الأيسر، وهي لمَّا تزل تشير بإصبعها إلى النقوش كي لاينسى سينو أمرَ الترميم·
Page 6
أُوْرسِيْنْ
 
ماالموتُ؟، أيتها الهوداهوس أنستوميس، قال الأمير ثيوني فور دخول حاكمة فيفلافيذي، ذات الحدوات الفضة السميكة، إلى المجلس الدائري، المؤثث بوسائد مستطيلة كبيرة من حول نافورة الماء، حيث انتقل الأمير والأعيان بعد إفطارهم·
 
أنت تجفلُها، يازوجي الهوداهوس الأمير· سؤال كهذا يتعيَّنُ نقشُهُ، بهدوءٍ، قالت الأميرةُ أنيكساميدا بتوبيخٍ خفيفٍ· حَمْحَمتْ·
 
الموتُ صاخبٌ، يازوجتي الهوداهوس أنيكساميدا، فلماذا لايكون سؤالي صاخباً؟، وتطلَّع إلى أنستوميس· ابتسم: تُشغِلُكِ الصورُ النبيلةُ ياحاكمة فيفلافيذي، وأنا يشغلني مايُشغِلُ الصورَ
 
تدحرجَ صوتٌ عابثٌ في أرجاء المجلس الدائري· وقف المهرِّج خَانْيِاسْ على قائمتيه الخلفيتين فَجَلجَلَ الجرسُ المتدلي من عنقه على صدره الأبيض في رقعة جلده البنيِّ: أنا أعرف الموت
 
أَجفلْتَنا، قال الأمير ساخطاً· أما من أحد، في هايدراهوداهوس، يخنق هذا المعتوهَ بيديه؟ أما من أحدٍ يذبحُه بحدوتِه لا بخنجره؟
 
بلى، قال المهرج· وسلَّ خنجريه اللذين ينتهيان بنصلين مكسوريْن: أنا سأقتل نفسي عشر مرات، من الآن وحتى تعود الإبتسامة إليك، ثم ركع على ركبتَيْ قائمتيه الأماميتين، وفتح ذراعيه على وسْعِمها: أنا ميت، أيها الهواداهوس الأمير· أتحاسبُ ميتاً؟ جفَّ جسدي، في وقت غابرٍ لم أعد أتذكَّره· جفَّ كثمرةٍ· انفلقتِ الثمرةُ الجافةُ فسقطتْ منها بزرةُ الحياة في غمامةٍ صغيرةٍ تائهة· نبتتِ البزرةُ من رطوبة الغمامة· ولدتُ تائهاً· أنا لستُ أنا· أنا ثغرةٌ في الوجود تركها الذي كنتَ ستحاسبه، أيها الهوداهوس الأمير· أتحاسب من هو ليسَ هو؟ سَنَّ الخنجريْن أحدَهما بالآخر كجزَّارٍ: الآن سأقول لك ماهو الموتُ، لأنني أعرفه
 
بحقِّ اللونِ ـ الإلهِ سأشويك، ذات يوم، ياخانياس، على نار هادئة من شَعْر أذيال الهوداهوس، بدءاً بذيل كاهن الطواحين كِيْدرُوْمي· ستكون طعامَ نبلائي وخاصَّتي، هؤلاء، لقمةً لقمةً، قال الأمير، فصدر صهيلٌ من أفواه الجالسين استنكاراً مستفظعيْنَ: ستقتلنا، أيها الهوداهوس الأمير، تمتموا بلسانٍ واحد·
 
ألم تشبعوا من أكل الطير؟ لانأكل من اللحم إلاَّ الطير· من أَلْهَمَ سلالةَ الهوداهوس هذا الإختزال؟، قال الأمير مُحَمْحِماً·
 
الشَّكلُ، قال كاهن الطواحين· أردفَ: لانأكل مايقف على أكثر من ساقيْن· لانأكل أشباهَنا
 
طعامُكَ الفراشاتُ، أيها الهوداهوس الكاهن· أعرف ذلك· كم جيلاً تريد أن تعاشر؟ أما تضجر؟ واحتدمَ قليلاً· مدَّ عنقَه ليرى الصفَّ الثاني من الجالسِيْنَ، أَبْعَدَ من الحلقة حول النافورة: أوْقِفي إرضاعَ ابنتك، أيتها الهوداهوس سَالُوْنيا، زوجةَ أخي أََكْسِيانُوس· كلما جلستِ هناك أرضعتِ ابنتكِ· أنحن مضجرون إلى هذا الحدِّ؟، قال، فأعادتِ الأنثى الجالسةُ قرب عمودٍ ثديَها إلى مكمنه تحت أطواق الخرز الكثيفة، النازلة من عنقها حتى أسفل ثدييها· حَمْحَمتْ حَمْحَمةً خافتةً فيها اعتذارٌ ما·
Page 7
ماالموووتُ؟، عاد الأمير يسائل أنستوميس الواقفة خلف حلقةِ الجُلساء·
 
لاأعرف، أيها الهوداهوس الأمير· لكنني أُخمِّن، بخيالِ النُّقصان، أنه خرابُ اللون قالت أنستوميس، ذات الشعر الأسود الطويل المجدول عشرين جديلة·
 
أمَّتُكِ عرفتِ الموتَ أسرعَ، كأنَّ الموتَ وُلدَ معها، قال الأمير، فضحك خانياس المهرِّج: إذا لم نولد لايولد الموتُ، ياأميري
 
الموتُ، الذي ولدَ معك، ياخانياس، سيمزِّق نَفْسَهُ لوعةً مما سأفعل بكَ، قال الأمير· مسَّ مقبضَيْ خنجريه الذهبييْن، محدِّقاً إلى أنستوميس: لماذا نأتي بمهرِّجيْنَ يثيرون فينا الرغبةَ في ذبحهم، لكننا لانذبحهم؟
 
دخلت المزيِّنتان سَافِيْنُوْسْ، وأُختُها رُوْسِيْنا، إلى الكهف ذي النقوش الباذخة على جدرانه ـ نقوشِ مخلوقات البحر المجنَّحة· تقدَّمتا بجلديهما النقيَّي البياض إلى السدَّة العالية درجتين لاغير، حيث جلس الأمير مستطلعاً خُلَصاءه، وأُمناءَ إدارة هايدراهوداهوس· صعدتا درجةً واحدةً وجلستا على بطنيهما قبالة وجه الأمير، الذي انحرفَ قليلاً ليواجههما، مديراً جنبَه الأيمن للأعيان الجالسين، بعدما أومأ إلى أنستوميس أن تجلس على الفُرُش المبسوطة على أرض الكهف الأعظم· أخرجتِ المزَيِّنتان أصباغَهما من صندوقين صغيرين، مكسوَّيْن برقائق النحاس الأحمر· مشطتا شَعْرَ الأمير المُسْدَل على أذنيه· مشطتا لحيته المدبَّبة القصيرة، ثم بدأتا في تزيين وجهه بتؤدةٍ في الحركة، ورقَّةٍ في اللمس·
 
الهوداهوس، أجمعوْن، دأبوا على التبرُّج: الذكور، والإناث· أما الأطفال فاكتفوا لهم بخطوط من اللون على ذقونهم· غير أن الأمير ثيوني اتَّخذَ لنفسه نوعين من زينة الوجه بالأصباغ: تبرُّجٌ خفيف داخل كهف مجلسه، بين الخُلصاءِ والأمناء والعائلة، وتبرُّجٌ ثقيلٌ أشبه بالقناع إذا خرج إلى كهوف الإدارات، أو الساحات، أو استعراضِ أمور رعيته في الأسواق، والحقول، وحلبات سباق الهوداهوس الشُّعراء يلقون أشعارَهم وهم يركضون إلى أن يستنفِدَ أحدُهم الهواءَ من رئتيه فيسقط صريعاً من الإرهاق، فيخسَرَ·
 
وجهُ الأمير بلا قناع من الأصباغ لم يألَفْهُ العامَّةُ· بقي من أسرار الكهف الأعظم ـ الكهف العقلِ كما اعتاد الحَرَسُ الأقوياءُ أن يتهامسوا بالإسم· ظلُّ فراشةٍ بلون الحديد كانت تغطي وجه الأمير، عادةً، إذا غادر الكهف· وقد أضافت المزَيِّنتان الأُختان خمسةَ أهدابٍ حمراء، فوق الجلد، تحت كل جفنٍ من الجفنين السفليين لعيني ثيوني· رفعتا المرآة ليرى الإضافةَ فابتسم راضياً· حَمْحَم خانياس فشرخ صمتَ المجلس: لقد حلمتُ حلماً كاملاً قال، فانفجرتِ القهقهات· كاهن الطواحين كيدرومي ظل صامتاً· لمس شاربيه المفرطيْنِ في طولهما، المفتوليْنِ، والمربوطينِ إلى أذنيه بخيطين من الحرير كقوسين، على جانبي وجهه الحليق اللحية· حَمْحَمَ خانياس ثانيةً، وأخرج من جعبة تتدلى من كتفه عَظْمةً رقيقةً: هذا ماتبقَّى من آخر هوداهوس أكلتُهُ في حلمي، وأنا ميت ارتفعتِ القهقهاتُ من جديد· تمتم الكاهن ممتعضاً: ماالخطوةُ التاليةُ بعد موتكَ، ياخانياس؟
 
أنا الهوداهوس خانياس، سأبدأ بالتعرُّف إلى موتي، قال المهرِّج·
 
صهل الأميرُ صهيلاً خافتاً: أريد أنا أيضاً أن أتعرف إلى موتِكَ· أهو مُضْجِرٌ إلى هذا الحدِّ؟
 
لم تتعرَّف إليه، بَعْدُ، أيها الهوداهوس الأمير، قال خانياس، فرد ثيوبي: هو مُضْجِرٌ، أو ضجران، ولاشيء آخر· مَنْ يأخذ المخلوقات على النحو ذاته، صامتيْنَ بعد عبوره، هو مُضْجرٌ، أو ضجران وهزَّ ذؤابةَ الشعر المتدلية على جبينه: أيتها الهوداهوس أنستوميس· طلبتُك لأعرف إن كان في علومك معنىً مَّا للفظة أورسين هي ليست من لغة أهل هايدراهوداهوس، أو جوارها· ربما هي اختلاطُ حروفٍ، قال·
 
أورسين··، تمتمت أنستوميس· كررت اللفظةَ أربع مرات· ليس في حقل ذاكرتي بزرةٌ ينبتُ منها معنىً لهذا اللفظ، أيها الهوداهوس الأمير· لكنني سأكرِّرهُ بلساني على عقلي حتى ينهشَّم· ربما استطعتُ إعادةَ جَمْعِ حُطام هذا اللفظ نَسَقاً من صورٍ وأغمضت عينيها الواسعتين لحظاتٍ· فتحتهما: نصفُ صورةٍ· مخلوقٌ بنصفٍ واحدٍ· هذا ما ينبتُ في حقل خيالي، أيها الهوداهوس الأمير حَمْحَمتْ حَمْحَمةً خافتةً: إنه مخلوقٌ بلا ذاكرة
 
كيف تميِّزين بين صورةِ كائنٍ بذاكرةٍ وآخر بلا ذاكرة، أيتها الهوداهوس أنستوميس؟، سألها الأمير وهو يمسك بيد المُزَيِّنة روسينا الرقيقة كظلِّ سنبلة·
Page 8
الكائنُ، الذي يتأمَّل كائناً آخر مثلَه ناقصَ الأعضاء، هو بلا ذاكرة· لديَّ رسومٌ في الكهف الثامن من مقاصير فيفلافيذي: طيور لا أجنحة لها· لا أذيال· متواجهةٌ صفوفاً يتأمل أحدُها الآخر على نحوٍ لا يُطاق، قالت أنستوميس· عبرتْ خيالَها ريحٌ قَلِقَةٌ إذْ تذكَّرتْ، فجاءةً، اللوحَ المُهَشَّمَ، الذي يحمل نَحْتَ الكائنات الواقفة، كلٌّ منها، على ساقيْن·
 
صهل خانياس: نحن الهوداهوس ذاكرةٌ فقدها كائنٌ ما فظلَّ بلا ذاكرة· إنه كائن يدور على نَفْسِه في ذاكرتنا نحن· لا نعثر عليه لأننا نفقد مكانَهُ في دورانه على نفسه، وهو لايعثر علينا لأنه موجود داخلَ ما يحاول العثور عليه قال، فأخرسَهُ الأمير: أريد مهرِّجاً ياخانياس· لم تعد لكَ ذاكرةُ مهرِّج
 
دخلت حمامة من كوةٍ في أعالي الكهف· حوَّمت قليلاً وحطتْ على ظهر الأمير: أعطِني بعض حبوب ممَّا في حقيبتِك، أيها الهوداهوس الكاهن، قال، فانتقلت حفنةٌ من بذور القمح، عبر الأيدي، حتى وصلت إلى يد المزيِّنة سافينوس· نثرتِ الأنثى النقيةُ البياض الحبوبَ قرب صدر الأمير· مشت حمامةُ الزَّاجل فوق ظهره، ثم قفزت فحطت على كتفه اليمنى، ثم نزلت لتنقر الحبوبَ· طوَّقها الأمير بيديه في رقَّةٍ فاستسلمتْ لهما· حَمَلها بيدٍ، وفكَّ بالأخرى الخيطَ الأزرقَ الذي شدَّ إلى ساقها ريشةً بيضاء صغيرة· شمَّ الريشةَ: هذه من صَدْرِ طير الألباتروس· إنها رسالةُ الميناء: لقد وصل الهوداهوس الملاحون بالمعادن من مناجم جُزر لُوْثان، قال، وأرخى يديه عن حمامة الزَّاجل، فواصلت نَقْر الحبوب·
 
نهض الأمير عن السدَّة الوثيرة· نهضت المزينتان، والحاضرون· تهيأ الحرسُ من حول صحن الكهف في خوذاتهم الحديد الشبيهة بأقنعة تصل حتى أنوفهم· اهتزت شواربُهم الكثيفةُ المفرطة في طولها، في وجوههم الحليقة اللحى· نزل الأميرُ الدرجتين· وقف برهةً: كل اثنين منكم سيسردان لي، منذ صباح الغد، حُلُماً، قال، فسقطت كلماتُه كرصاص مصهور فوق الرؤوس· صهلوا صهيلاً ملجوماً، مُمَزَّقاً، مذعوراً، مرتجفاً· نطق الكاهنُ:
 
ـ الحلمُ لونٌ· إن كشفناهُ أَهنَّاهُ، أيها الهوداهوس الأمير·
 
سأهيْنُ اللونَ، قال الأمير· اهتزتِ الأدراجُ التي تقف عليها الحقائقُ في خيال مخلوقات الهوداهوس: لايُقسِمونَ إلاَّ باللون· لا يتضرَّعون إلاَّ إلى الإله ـ اللون·
 
أنت، أيها الهوداهوس الكاهن، وتابعُك الوفيُّ الهوداهوس تِيْتُوْنا، ستكونان طليعةَ من يتشرَّفُ صباحي أن يصغي إلى حلمهما· سنعطيك لقبَ كاهن الصباح أيضاً، ياكاهن الطواحين، قال الأمير، فتبلبل لونُ الكاهن·
 
مشى الأمير يواكبُه المحاربون بخناجر على مقابضها نَقْشُ السنبلة والحوت· خرجوا من الكهف الأعظم إلى حدائق الصَّخر فتلقَّاهم الموسيقيون، تحت الشمس، بالمزامير والقياثر·