eKtab
EN ع
خرفان المولى
Read free sample

خرفان المولى

by ياسمينة خضرا

Page 1

1

تتخندق الشمس الآن خلف الجبل. تحاول بعض الخُصَل الدامية التشبث بالغيوم، دون جدوى. تنسلّ وتنطفئ في العتمة الزاحفة. تستعد القرية للاختفاء في أسفل الهضبة. خفتت الأصوات في الأزقة الملتوية. وَحدها مجموعة أطفال تواصل الاستحواذ على الزوايا، أكثر احتداماً من سرب زنابير.

يتأمل قادة هِلال سيجارته بذهن منشغل. يُحاول من حين لآخر قول شيء؛ مباشرة، يلوي عنقه بصلابة فيفلت منه تنهّد.

إلى جانبه ينتبه جعفر وهاب إلى أن يديه قد أصابهما الكشط من فرط ملامسة خيوط أحذيته. أسْند ظهره إلى جذع شجرة خروب، ترك بصره يتيه في الحقول، ثمّ، وبضجر ملحوظ، أغمض عينيه أملاً في التخلّص من الخراب المحيط به.

قال علال سيدهم مقترحاً:

- لماذا لا تأتي معي إلى سيدي بلعباس؟

- ماذا سأفعل هناك؟

- سأكلّم رئيسي. إنه شخص خدوم.

بادر جعفر إلى الابتسام.

- ليس لدي التعليم الكافي كي أنخرط في الشرطة.

- ليست هي الوحيدة.

- لا تتعب نفسك، فأنا لا أصْلح لشيء. ثمّ، لا أظن أنني قادر على العيش بعيداً عن هذه القرية المنحوسة.

وافقه قادة على ذلك بيأس:

- الحق معك. هذه القرية هي البلد الوحيد الذي نملكه، ووطننا الوحيد هو عائلتنا. علال شرطي. انسلخ عن جلده. لم يعد ينظر إلى الأشياء بعينيه، وإنما بعيونهم.

ردّ علال:

- أنت تقول أي كلام.

- إن أردت رأيي، أنت أشبه بالنساء المعاصرات. تعتقد أنك تتحرّر، ولكن الحقيقة أنك تغيّر طبيعتك. أنا أيضاً، كنت أظن أن هذا البلد العملاق لي. بعد سنتين من الدراسة المتعثرة، أدركت أنني أدور في حلقة مفرغة كما البُرغيّ المكسور. لذلك عدت إلى القرية. صَحيح أن لا شيء ذا قيمة يحدث في هذا القفار، ومع ذلك فعزاؤنا الوحيد أننا وسط أهلنا... لن يذهب جعفر إلى أي مكان. سيبقى هنا، وهنا سيلقى حتفه. سينتهي الأمر بهذا المطر اللعين إلى الرأفة بنا، وستوافق حقولنا على الانتعاش من جديد، سنجد المأكل والمشرب، وهو ما يجعلنا نستغني عن هذا البلد الخائن الذي يستبسل في جهلنا.

Page 2

طرد قادة هِلال ذبابة بفظاظة. تشنّجت قسمات فَكيه لحظة قبل أن يبدأ تحريكهما بوجه غاضب دوماً. إنه حفيد "قايَد" مُستبد، تربى على التقشف واحتقار الحكام الجدد الذين استولت شراهتهم على جزء غير يسير من إرثه. أُسقِط إلى صف "الدهماء"، فلم يسمح البتة للاختلاط بأن يزيد في إذلاله كل يوم أكثر، هو الذي كان يحلم منذ نعومة أظفاره بأن يعيد استرجاع كرامته وامتيازاته في بلد يتقهقر باستمرار. أتْعبه الصراع واستولى عليه اليأس، فرضي بوظيفة معلّم، ليجد نفسه يناضل مع الحركة الإسلامية السرية، بضغينة لا تنفك تتضخم مع مرور الأيام.

التفت نحو الشرطي بنظرة متقدة.

- أتظن نفسك قد نجحت يا علال؟ لم يتردّد آخرون قبلك في الادعاء بالنجاح أيضاً. ولكنهم عادوا خائبين يجرون مرارتهم عبر أزقة القرية، ولا أحد تعاطف معهم.

- كلام لا معنى له...

- أتظنّ ذلك؟ في البداية، نتقمص رَأْس بغلة، ونضع غمامة حول العينين، وننطلق غير آبهين لشيء. تراودنا فكرة واحدة ثابتة: الابتعاد عن هذه القفار. ولكننا نَعُود دوماً إلى نقطة الانطلاق. وهنا، يكون الوقت متأخراً لإصلاح ما تكسّر. إن عمّي النائب عرف مثل هذه الحالة. ظنَّ نفسه شخصية كبيرة. النتيجة: انتهى به المطاف إلى مخاطبة الأشجار داخل الغابة، لأن لا أحد رضي أن يستمع إليه... احذر يا جعفر. علال شرطي، لم تعد له مصداقية.

قال جعفر مُغمغماً، بهَيئة متأثرة:

- لم أعد أرضع إصبعي.

انتبه علال إلى أن غصنه قد تكسّر. مَسَح يديه النديتين على ركبتيه واكتفى بمراقبة زان القزم، الجاثم فوق غصن كما الطائر الكاسر، على الجهة الأخرى من الوادي.

ارتفعت رائحة الأشجار والدغل. في المنحدر، انكمشت القرية في دياجي الليل. اختفى الأطفال. أرسل حمار نهيقه المزعج عبر الحقول، فخنقه مباشرة نباح كلاب.

أشعل قادة سيجارة بطرف السابقة. لمْ يعد وجهه إلا لوحة لا تعبّر عن شيء، عصية الإمساك بها تماماً مثل عبوسه. قال جعفر:

- عندما أحاول إقامة جردة حساب لحياتي، أكتشف أنّها لا تستحق أدنى وقفة. سَبع وعشرون سنة من التوافه. الأيام أكثر فراغاً من الليالي. تستيقظ في الصباح لتنام في المساء، وقد بلّدتك الصور المكرّرة. ردود الأفعال دائماً هي نفسها، والتوافه نفسها...

قال علال لائماً:

- إنك لا تفعل شيئاً لتغيير وضعك.

ردّ جعفر بحسم، هو الذي اكتسب في القرية، مُنذ فترة طويلة، سمعة مناصر أقل جهداً...

- لا شيء يستحق أن نحرق أعصابنا من أجله. لو كان لدي الخيار، لأحببت أن أكون أسداً. نعم أسداً وليس ملكاً. للملك قلاقل كثيرة. أما الأسد فإنه حيوان مريح البال، قوّاد بعض الوقت، مع حريم وجمع من الأطفال، رائحة الطرائد وشعور لا نهائي باللاعقاب...

انتفض الشرطي:

- أتريد الصراحة؟ إن رَجلاً يحلم بأن يكون بهيمة لا يستحق أن يعيش. إذا أردت فعلاً أن تمنح معنى لحياتك التعيسة، تعلّم أولاً أن تقبل وضعك وتتحمّل تبعاته.

Page 3

ماذا يعني أن أقبل وَضْعي وأتحمّل تبعاته؟

غمغم قادة:

- أنْ لا تثق بشرطي.

ردّ علال بعصبية:

- طيّب. ابق هنا لتصيد الذباب، وانتظر رب العالمين كي يبعث إليك جبريل يهدهدك بجناحيه.

ارتفع صوت المؤذّن. سحق قادة سيجارته على صخرة بحركة آلية، نفض الغبار عن ثيابه وتدحرج عبر الدرب. سأله علال:

- سنلتقي بعد الصلاة؟

- ربّما.

- اللقاء عندي في البيت.

قام قادة بحركة مبهمة واختفى وراء الأشجار.

ارتفع الليل في الأفق، أشبه بعاصفة. بعد لحظات قليلة، سيبتلع القرية، الجبل، العالم بأسره. بعيداً، بدت المنازل المتناثرة كما أشجار "نوال". حاولت نسمة التخفيف من القيظ الضاغط على الغابة المتعبة. تُسمع طقطقاتها على الأغصان، وحشرجتها في عمق الحشائش. استأنفت كلاب القرية نباحها كي تعرف موضعها في الدجى الصاعد، والهضبة، بعد أن اكفهرت قليلاً، داهمها صرير الغابة.

قال علال مقترحاً:

- لدي قنينة خمر في المنزل.

حرّك جعفر رأسه. أطلق قهقهة، مُختصرة وعصبية. بعد تأمل طويل، صفّق بيديه فجأة.

- ما رأيك لو نذهب عند مامي العاهرة؟

- سيارتي معطلة.

- سنأخذ تاكسي.

- والعودة؟ لقد وعدت قادة بأنني سأنْتظره في البيت.

- قد لا يأتي.

- لا، سوف يأتي.

أمسك جعفر صديقه من المعصم مُتوسلاً:

- إن إجازتك على وشك الانتهاء. وأنت تعلم بأنني عاجز عن مواجهة عاهرة إن لم تكن حاضراً معي.

- ليس هذا المساء. ثمّ إن مامي لا تستقبل إلا بموعد سابق.

أرخى جعفر ضغطه. انتابه الضجر من جديد.

يقع منزل علال سيدهم عند مخرج القرية، مختبئاً داخل تين الصبار. إنه كوخ ذو واجهات خربة، وباب حديدي ثقيل وفناء مهمل يضيئه مصباح عمومي شحيح. يعيش علال مع أمّه، أرملة منسحبة، وأختيه اللتين ذبلتا منذ زمن بعيد.

استقر الصديقان في غرفة، أحدهما على مقعد مبطن، والآخر على طابوري. تجتهد ستائر ناحلة اللون للتقليل من قبح الجدران، فيما تجد لمبة عارية صعوبة في بث ضوئها عبر غائط الذباب الذي يغلفها. على طاولة سرير بسيطة، يوجد إطار به صورة علال، ببذلة أعوان الأمن، في وقفة عسكرية. ثبّت جعفر بصره لحظة على الصورة قبل أن يقلبها بحركة يد غريبة. انتبه الشرطي إلى تلك الحركة المريبة.

Page 4

- عندك منزل وأجرة شهرية ووظيفة قارة...

- متى تقرّر أن تتزوّج؟

قال علال:

- لنقل إن مَحْظيّة قلبي لم تصل بعد إلى السن المطلوبة.

- هل رست عينك على واحدة؟

- العينان معاً.

- هل هو سرّ؟

- ربّما...

نهض جعفر من الطابوري والتحق بالشرطي على المقعد.

- هل تفكر في بنت رئيس البلدية، أليس كذلك؟

- لا يمكن أن أخفي عنك شيئاً.

- سَوْف لن ترضى سارة بأن تضحّي برفاهيتها من أجل كوخ كهذا.

- ما أدراك؟

لم يكن جعفر متحمساً. كانت سارة عذراء غاشيمات المحبوبة. لا يوجد فتى واحد في القرية لا يحلم بالظفر بحبها. غمغم:

- سيكون لك حساد كثر.

- إنني أرى واحداً منهم.

- ليس لديك أدنى حظ.

- ماذا تعني بالحظ؟

لم يجب جعفر. نَظر إلى وجه الشرطي الجميل، وشاربه الكث حول ابتسامة مغرية، وعينيه الشفّافتين، القلقتين قليلاً. في السادسة والعشرين من عمره، لم يتمكن علال من التخلص من وجه الطفل الذي يلازمه وذاك الشيء الجميل الذي يجعل حضوره مريحاً وغيابه عصي الاحتمال.

- ما رأيك لو نفتح القنينة؟

بعد برهة، وجدهما قادة المعلم منهارَين ثملَين على المقعد. قال جعفر متلعثماً:

- هل سمعت آخر خبر؟ إن شرطينا يريد أن يسرق منا سارة.

قطّب المعلم حاجبيه. لم يقل شيئاً. اكتفى بالتمدّد على الحصير وبتثبيت بصره نحو السقف، ببريق غريب في عينيه.;

Page 5

2

يحكّ عيسى عصمان أنفه الضخم الذي يلتهم وجهه. تبرز عظام رقبته أكثر تحت نظرة رئيس البلدية الصارمة. خلف المصرف، أوقف القهوجي حركاته، عمامته متدلية، ينتظر بمعية زبائنه، أن يرى الصاعقة تسقط على هذا الحاجب الملعون الذي يمقته جميع أهل القرية.

لقد تعاون عيسى مع الإدارة الاستعمارية أثناء الحرب. كان حينئذٍ العربي الوحيد الذي يتردّد إلى قاعة مطعم العساكر الفرنسيين. صحيح أنه لم يكن واشياً، ولم يتعامل بفظاظة مع ذويه، ومع ذلك، كان يتبجّح بإظهار سمنته في وقت كان غيره يتجرع مرارة الجوع والمهانة. في نهاية الحرب، قام المجاهدون بتجريده من أملاكه واتّخذوا قرار شنقه في الساحة العمومية. كانت جثته ستتعفن على ضفة الوادي لولا تدخل سيدي صَعيم المحترم. في غاشيمات، تُعتبر الضغينة المورِّدة الوحيدة للذاكرة الجماعية. اليوم يدفع عيسى الثمن. ثيابه رَثة، تنبعث منها روائح كريهة، ونادراً ما يأكل حتى الشبع. حينما يمشي، يلامس الجدران كما انعكاسات الظل، خافض الرأس، مُنكمشاً على نفسه. في غاشيمات، حينما يصاب شخص باليأس إلى حدّ ملامسة الكفر، يذهب ليرى الخائن يجرجر قدميه من الخزي ليجد نفسه فجأة قد استعاد طعمه للحياة.

ارتعد رئيس البلدية من الغضب. بإصبع ضامر، دقّ على الطاولة كي يؤكد على تهديداته.

- يا عيسى الغبي، إذا لم تأتِ إليّ بالمفتاح بعد خمس دقائق، سأقلع جلد ظهرك بكلتا يديّ. بالأمس فقط، ضيّعت حقيبتي اليدوية، واليوم ستتعطّل شؤون البلدية بسبب طيشك...

ملّس عيسى طوق سترته البالية بحركة بائسة. صرخ رئيس البلدية:

- ماذا تنتظر؟

انتفض الشيخ أولاً، ثمّ تراجع إلى الخلف مرعوباً وبدأ يركض كما الممسوس. من الطاولة المجاورة، نطق صالح الإمام قائلاً:

- إنه شيخ هرم. لماذا لا تتخلص من خدماته؟ على كل حال، لم يكن يملك كل صفاء ذهنه حتى وهو شاب.

ردّ رئيس البلدية بانزعاج:

- ومن سيتكفل بمشترياتي ؟ لديّ أشغال كثيرة، لا يمكن أن أكون في الفرن والمطحنة في آن واحد.

- وظّف شخصاً آخر.

مطّ رئيس البلدية شفتيه في تكشيرة احتقار:

- يفضِّل الناس التحجّر عند قدم جذع شجرة عوضاً عن أن يقدموا خدمة نافعة من حين لآخر. انظر إليهم، يضيف مشيراً بتقزز إلى الفلاحين الجالسين حوله، إنّ أسمى طموحهم أن يُستبدلوا بالكراسي التي يجلسون عليها.

Page 6

احتمى الفلاحون بفناجينهم. حدّق رئيس البلدية إليهم قبل أن يقوم ويرمي أذيال بَرْنوسه على كتفيه ويزأر:

- ينبغي أن نُخرجهم يوماً من هنا بالبلدوزَر. إنهم أبطال في إنجاب الأطفال. أما أن يعيلوهم (يشير برأسه إلى السماء)، فإنهم يفوِّضون ذلك إلى ربّ العالمين ليقوم مقامهم. أتَعرف أيها الإمام المبجل لماذا تحتل الأشواك والأحجار حقولنا كل سنة أكثر؟...

حرّك الإمام رأسه متفهماً.

رفع رئيس البلدية ذراعَيه وتلفظ بلعنة قبل أن يبتعد غاضباً. بدأ القهوجي ينظف مصرفه. عادت الطاولات بسرعة إلى التأوّه تحت شراسة لاعبي الدومينو.

مسح تاج عُصمان يديه بمنديل معلق في الجيب الخلفي لسرواله وأغلق غطاء السيارة الأمامي. في تلك اللحظة، مرّ أبوه عيسى راكضاً بقرب المَرْأب، تتأجّج زاويتا فمه بالزبد. صرخ الابن:

- ماذا حدث ثانية؟

لم يجد عيسى الوقت للتوقف. حرّك يداً بحرج وأسرع باتجاه كوخه الواقع بطرف الزقاق.

نفخ تاج خديه وأطلق تنهداً.

في الجهة المقابلة من القارعة، مقابل المَرْأب، كان الحاج موريس منهكاً على كرسيه الخَيْزُراني، بوجهه القرمزي، ومروحة عريضة في اليد. في الثمانين من العمر، لا ينتظر الحاج موريس شيئاً من الحياة. لذلك يقضي جُلّ وقته في التدرّب على اختبارات البطالة اللذيذة. وحينما يُلام على إفراطه في الكسل، يردّ: "أتعرّب"، وهذا يكفي لتهدئة العقول. سابقاً، اشتغل موريس وكيل أعمال عند كْسافْيِي. كان مبادراً في عمله، بلا مشاكل، نزيهاً مع عماله الدائمين وعادلاً مع الموسميين. أثناء الحرب، وبعد التهديدات ورسائل التخويف وأمام تقتيل الحَرْكَة، جمع على عجل بعض الأشياء الخاصة وذهب إلى فرنسا، البلد الذي لم يعرفه سابقاً. ولكن جوّ مدينة ليون الكئيب أتعسه. وَجَد المدينة مرعبة، صاخبة، لا يلتقي الساكن جاره في الطابق نفسه إلا نادراً. اشتاق إلى شمس مسقط رأسه وإلى عفوية الفلاحين. لم يُطق صبراً، فلمّ شمله واستجمع شجاعته، وامتطى أول سفينة وعاد إلى غاشيمات حيث يحسن الرعاة الإنشاد بالناي أفضل من الشحارير، وحيث الحرارة الإنسانية لا نظير لها في أي مكان آخر. تطلبت إعادة الإدماج تنازلات ضخمة. اشتغل موريس بناءً وحارساً ليلياً ومعاوناً وأخيراً مدرّساً. تزوّج مسلمة لم تنجب له ذرية، ولكنها برعت في جعله ينسى ويتغاضى عن المسألة. حينما تعبت ردود أفعاله، استفاد من تقاعد وباشر في ترك نفسه تنساب على هوى إغفاءاته. مع تقدّم العمر، أصبح ثخيناً وعاقلاً، وقد تدرّب على ألطاف البطالة اللذيذة بكثير من الابتهاج.

- تعالَ اشرب كأس شاي معي يا تاج.

تفحّص الميكانيكي ساعته، ثمّ قرفص بقرب العجوز. حرّك الحاج موريس المروحة لينعش خديه المبللين.

- هل تشتغل مضختك جيداً؟

قال العجوز:

- إنها رائعة. كاد المُتهور سليمان أن يخرِّبها. ومع ذلك أُصِرّ على أن أدفع له مالاً. هل يَحسبني السامريّ السخيّ؟

حمل تاج حجراً، رازه بيده ثمّ أعاده إلى حفرته. تمايل صوته:

- لقد أعجبني تدخلك ذاك اليوم.

Page 7

قال العجوز:

- باه... إن الناس ليسوا شِرّيرين إلى هذا الحدّ. البؤس هو الشرّ الحقيقي. لم يظلم أبوك ولو ذبابة واحدة. أتَذكّر جيداً أنه كان يتدخل دائماً لإيجاد عملٍ ما لفلاح طُرد من عمله. وما أكثرهم في تلك الفترة. للأسَف الشديد، لا يميل الناس إلى استحضار إلا ما يناسبهم.

- كان عليّ أنْ أشكرك.

- ها قد فعلت. واعتبر المسألة منتهية.

رفع الحاج موريس عينيه وتابع تحليق زوج من العصافير. بعيداً، تستبسل غيوم رثّة للابتعاد عن قمة الجبل، دائماً بيضاء وغير مفيدة. على سفح الهضبة، يرعى قطيع غنم في التراب، فيما غَفا راعٍ شاب على صخرة، وقد أنهكه القيظ.

حطّ تاج كأسه عندما رأى أباه يصعد الزقاق بخطى سَريعة وهو يلوّح بمفتاح في يده.

- وجَدته... وجَدته...

مَرّ قُرب ابنه، لاهثاً، محموماً، جاحظ العينين من فرط فرح عبثي، ساطعاً كما الخلاص. أدار الحاج موريس رأسه اتقاءً للحرج. التحق تاج بورشته، نظّم أدواته وشغّل مخرطة في عمق المَرْأب. فجأة، عبّرت حركاته عن غضب أصمّ. باغته جعفر عند الظهر:

- قل لي أيها الميكانيكي، هل عَربتنا جاهزة؟

استدار تاج بخفة. خلف جعفر، وقف علال الشرطي وقادة المعلم فأشارا له بحركة يد.

- لقد صلّحتها.

سأل الشرطي.

- ما بِها ؟

- وجدت المفحّم متّسخاً.

- كم أدفع لك؟

- لا شيء. خدمة الأصدقاء عندي متعة.

أصرّ علال على دس ورقة نقدية داخل الجيب. انتهى الميكانيكي أخيراً إلى قبول الورقة. أمْسَك قادة من الذراع، أبعده خلسة عن الآخرين وأسرّ له:

- الشيخ عباس خرج من السجن هذا الصباح.

- إنني على علم... نحن ذاهبون إلى المدينة. هل تحتاج شيئاً؟

فكّر الميكانيكي:

- إذا ذهبت إلى المسجد الكبير، حاول أن تجلب لي الكتاب الذي حدّثتك عنه.

ارتفع هدير المحرّك. عبّر جعفر الجالس بقرب علال السائق عن سروره بصيحة خانقة. ارتمى قادة على المقعد الخلفي.

عند مخرج القرية، وقف جلول المجنون بثبات عندما رأى اقتراب سيارة البيجو ووضع يده على صدغه في تحية عسكرية. تسلقت السيارة مرتفعاً ثمّ تدحرجت عبر الطريق الترابي، مُخلّفةً وراءها وشاحاً واسعاً من الغبار. مرّت قرب منزل رئيس البلدية. كانت سارة جالسة في الحديقة برفقة أمها. التفت الأصدقاء الثلاثة دفعة واحدة نحو الفتاة، ولكن نظرتها اللازوردية اختارت أن تضيء نظرة الشرطي. ارتعدت فرائص الفتيان الثلاثة، كل من جهته، دون أن يجرؤ أحدهم على التفوه بكلمة من شأنها خيانة عمق تفكيرهم.;

Page 8

3

كان رمضان عِيش مسروراً. عاد ابنه عبّاس. تدفّق الناس على فِناء المنزل، مُحَمّلين بالهدايا. أَذِن لهم بعناقه، ورضي أحياناً أن يتركهم يقبلون رأسه. وقف أقرباؤه إلى جانبه، تلفّهم الكبرياء، يرفضون الإطالة مع السرور المزيّف لأولئك الذين أحجموا عن اقتسام حزنهم يوم جاء رجال الدرك لإيقاف ابنهم. لم ينس رمضان هو أيضاً. ولكن الناس كادوا يسجدون على قدميه فبعثوا في نفسه غروراً بحيث بدا متسامحاً معهم. لقد كلّف عيسى عصمان نحر سبعة كباش بقرونها الملتوية كما جنّد أمهر طباخات المنطقة كي ترسخ عودة ابنه في أذهان الناس إلى الأبد.

قال الإمام صالح وهو يضمّ رمضان بقوة إلى صدره:

- أين ابْننا العزيز؟ اشتقت إلى تحيته.

ردّ رمضان بتلك العجرفة التي لا يقدر عليها إلا أبطال يوم واحد:

- إنه يستريح في غرفته. لا ينبغي أن نزعجه.

انتقل رئيس البلدية شخصياً، مُحاطاً بحاشيته. تخلّى هذه المرة عن عاداته التي تجعله دوماً فوق الجميع ورضيَ بكل عفوية أن ينزع حذاءه قبل أن يلتحق بالأعيان في قاعة الاستقبال.

في الغرفة المجاورة، كانت الحاجة مبروكة تقوم مقام الضحية المستغفرة. تَجمّعت النساء حولها لمواساتها.

- اهدئي يا الحاجة، صار ابنك معك الآن.

ترتوي الأم من دموعها. تدفع بالحزن من حين لآخر إلى غاية الإغماء. كان وجهها مخطّطاً بنثار من خضاب للجفون، وشعرها الذي رفعته جيداً هذا الصباح تجاوز الخمار وانسدل على كتفيها المرتجفتين. قالت امرأة ثخينة لجمع النساء الملتصقات حول الأم الباكية:

- اتركوها تفرغ قلبها من المرارة التي كادت تقتلها.

تأثّر رمضان مباشرةً ببكاء زوجته الخائر وبشهادات التعاطف المتواصلة. كلّف أقرباءه الاهتمام بالوليمة واسْتَسمَح ضيوفه بضرورة الغياب لفترة وجيزة.

تعالت غمغمات بعض الحاضرين:

- خذ راحتك، أنت مسامح. نقدّر جيداً حالتك.

في الخارج، يعبر غراب السماء ناعقاً. ينزلق ظله على تموّج الأرض ويختفي داخل تين الصبار.

Page 9

الشيخ عَبّاس شاب في الخامسة والعشرين من عمره. لقد طبعت إقامته المتكررة في السجن وجهه بمسحة من الهيبة الروحية. كان يتربّع في عمق القاعة، جالساً على الوسائد كشيخ زاوِيَة، البصر بعيد والسبحة في اليد. يحيط به مُريدوه الذين يحضنون بصمت هذه الشخصية المهيبة التي لم تتمكّن سجون الطاغوت من ترويضها. في سن السابعة عشرة، كان يُلقي خُطباً في أشهر المساجد، مُلمّاً بعلم عظيم وبلاغةٍ تبهر أمهر الخطباء. يَعْرف أحسن من غيره الجمع بين الأحاديث النبوية الشريفة وبين أقوال الشعراء. حينما يهاجم المفسدين وأعوان السلطة، يُخيّل لسامعيه أن خطبه النارية ستَرجمهم في الحين. يُروى أنه تمكّن من هدي جميع الحثالة الذين يقبعون داخل السجون.

بالنسبة للناس البسطاء، إن الشيخ عباس علامة رَبّانية. إن لم يكن يحمل رسالة سماوية، فإنه ليس إلا أجْدر خادم لها. هذا ما كان يقوله الضيوف وهم يغرفون من قِصع الكُسْكُسي، بأذقانهم المبللة بالمرق والأسنان التي لا تزال تحتفظ بألياف اللحم.

لم يكن الشيخ عباس يأكل. يجلس على عرشه، مُستمسكاً بهيبته، ويتابع قطيعه وهو يرعى، في سكينة نادرة. سأل زان القزم بين لقمتين ابتلعهما بسرعة:

- هل عذّبوك؟

ردّ عملاق مُستنكراً، وهو يمزّق بيديه المسعورتين قطعة لحم:

- لا يُعذّب القديس. إن الشيخ عباس روح، لا تصل إليه يد ولا تمسك به سلسلة.

لاحظ القزم بأن فضوله أفقده قطعة لحم. مباشرة التفت نحو قصعة مجاورة.

تاج عصمان، ابن عيسى العار، لا يأكل هو أيضاً. مُنذ أن تمكن من إحراز مكانة بقرب الشيخ، قرّر التمسك بها بكل ما يملك من قوة. يتنافس الضيوف على الاقتراب من الشيخ. يعرف أن الكثيرين يلومونه في السرّ على هذا التدنيس. وإذا كان يحاول بقدر الإمكان أن يبدو صغيراً، فلكي يتخلص من النظرات المستاءة التي لا تنفك تتعاظم.

كلما تململ الشيخ جمد المحيطون به، مترقبين أمراً أو حركة. عباس لا يقول شيئاً. قام بعض الأصدقاء بأداء حركات مسلية محاولة منهم لإخراجه من وقاره بلا جدوى. ومع ذلك، وحسب طبيعة التصنّع وصاحبه، يحدث للشيخ أن يرفع بصره إلى مُسلٍ، فيسعد الجميع. قال علال الشرطي وهو يمسح يديه بمنديل:

- أتأسف لانسحابي من الوليمة مُبكراً. إنها نهاية عطلتي. سأعود إذاً باكراً.

التَزَم الشيخ دقيقة صمت، كما لو أنه لم يفهم، ثمّ قال بلطف:

- شكراً على مجيئك.

- وددت لو بقيت معكم وقتاً أطْوَل...

- لا أشكّ في هذا. كنت سعيداً برؤيتك. قبل أن تغادر، اسمَح لي بأن أقدم لك هدية.

Page 10

لم يكد الشيخ يصفق بيديه حتى ظهر إسماعيل، قريب عملاق، وأسْرع بإحضار علبة مغلفة بعناية داخل ورق برّاق. قال الشيخ شارحاً:

- هذا مُصحف، نُسْخة نادرة. أنجزها حرفي مشهور من مكّة المكرّمة.

تناول الشرطي الكتاب بحذر وعناية ثمّ قام من مكانه. أضاف الشيخ:

- علال سيدهم، لقد خطرت ببالي كثيراً في المدة الأخيرة. أنت رجل خير. أقدّر استقامتك.

حيّا علال الحاضرين وغادر القاعة، يلاحقه جعفر.

في الخارج، ابتلع الليل الجبل. الأزقة خالية إلا من بعض الكلاب الضالة المتسخة.

هنّأه جعفر قائلاً:

- لقد أعطى لك بركته. نادراً ما يخاطب عباس أبناء الحي بهذه الطريقة.

- لقد كنا دوماً نتبادل الاحترام والتقدير.

- كنت أعتقد أنك ستَعود يوم الثلاثاء.

- تلقيت أمراً بالالتحاق فوراً بمركز عملي. يبدو أن الأمر مستعجل.

- سأشتاق إليك.

- ابحث لنفسك عن شغل ما.

- من فضلك لا تطرح القضية من جديد.

توقف علال ليتفرّس في وجه صديقه.

- أيها المغفل. متى ستعقل؟ حاول أن تتخلص من سحنتك الكئيبة وعُد إلى قرب عائلة عِيش لأنهم سيظنون أنك لا تحترم ابنهم بما فيه الكفاية.

ابتعد الشرطي. بعد قليل، ابتلعت العتمة ظله. بقي جعفر لحظة يسترق السمع إلى صرير التربة المغبرة تحت قدمي صديقه قبل أن يعود مرغماً إلى منزل عائلة عِيش.

لم تكن سارة تسْمع صوت المؤذّن وسط زقزقة الطيور. تفتحت عيناها الكبيرتان وسط وجهها الجميل الناعس. فجأة تذكرت شيئاً ما، قفزت من على سريرها وركضت إلى النافذة. جالت ببصرها في الخارج دون أن تُزيل الستار. انتفض ديك في أعلى الخُمّ، العُرف مقدام. ينطلق صياحه بعيداً، يُحرِّك العتمة. في تلك اللحظة، توقفت سيارة علال القديمة على بعد أمتار من السياج. بحَركة يد مترددة، أزاحت سارة جزءاً من الستار كما لو أنها تزيح شيئاً مقدساً. يخفق قلبها بقوة تهدّد بإيقاظ كل من في الدار.

بدا لعلال أنه يرى ستار النافذة في الطابق الأول يتحرّك. لا يميّز خيال سارة ولكنه يعرف بأنها هناك كعادتها، فلم يُلح. في غاشيمات، يختفي المحبون، اتقاء للعين الحسود، وإعطاء الوقت للحب كي ينضج. وجّه إليها خلسة حَركة يد خفيفة ودفع بالسيارة في الدرب.

كان جلول المجنون مقرفصاً تحت زيتونة، يؤجّج ناراً ضعيفة. عند سماعه هدير السيارة، وقف وقرّب يده من صدغه. يؤدي جلول التحية العسكرية حتى في حالة مرور الشرطي بعيداً عنه.

عادت سارة إلى سريرها، أسندت ظَهرها إلى الوسادة وتركت أصابعها تفرك الإزار إلى حدّ تمزيقه.