eKtab
EN ع
خريطتك في رحلة النجاح
Read free sample

خريطتك في رحلة النجاح

by جون ماكسويل

Page 1

تمهيد

يبدو لي أنَّ معظم الناس يكتفون بأن يدَعوا الحياة تُسيِّرُهم كما يحلو لها. غير أنَّ عددًا قليلًا جدًّا منهم يُقرِّرون ما سيجري لهم في الحياة. فلا يكفي مجرَّدُ البقاء على قيد الحياة! وجون ماكسويل، مِن مَعينِ خدمته المميَّزة والمُلهِمَة، يُطلِعنا على بعض التعاليم العمليَّة جدًّا والتي تُبيِّن لنا كيف نأخذ من الحياة أكثر من مجرَّد تركها تُسيِّرُنا.

لقد قضى جون ماكسويل في الخدمة مدَّةً طويلة تكفي لتعريفه أنَّ كثيرين يبحثون عن خريطة طريق تُيسِّر عليهم سلوك سبيل الحياة. ولنا في الصفحات التالية تبصُّراتُه العميقة والمفيدة.

تروي آن تايلِر في روايتها الناجحة ’’السائح مُصادَفةً‘‘، وقد حُوِّلت لاحقًا إلى فيلم سينمائيّ، قصَّةَ زوجين شابَّين قُتِل ابنُهما الوحيد. وكان لذلك بالطبع تأثير هائل في حياتهما، إذ صدَّع ذاك الحادث ما بينهما على نحوٍ مُتفاقِم حتَّى باتا أخيرًا على عتبة الطلاق رسميًّا. وحين يبلغ سخط الزوجة في الرواية أقصاه، تقول لزوجها: ’’لم يعُد أيُّ شيء يُحرِّك عاطفتك. فأنت إنَّما تنجرف في الحياة‘‘. فيصمت وقتًا طويلًا، ثُمَّ يُجيب بهدوء مُوجِّهًا الكلام إلى نفسه أكثرَ منه إلى زوجته: ’’إنَّني لا أنجرف، بل أتحمَّل!‘‘

وقد تبيَّن لجون ماكسويل، كما تبيَّن لي، أنَّ لكثيرٍ من الناس مثلَ هذا الشعور بشأن الحياة. وما ستجده في هذا الكتاب هو خريطة الطريق التي يُقدِّمها جون في سبيل ’’رحلة النجاح‘‘. فإنَّه- ويا لَلعجب!- يعرض بطريقةٍ واضحة ومُلهِمة خطوطَ عمليَّةِ عَيشِكَ أحلامَك. أوَتعلمُ أنَّني أعتقد اعتقادًا راسخًا أنَّ أعظم طاقة في العالم هي طاقة التفكير المبنيِّ على الإمكانيَّات؟ فإن كان حُلمك قد أتاك من عند الله، فما عليك إلَّا أن تُعمِل هذه الطاقة التي تعمل عجائب، وفي وسعك أن تبلغ هدفك الذي يبدو مُتعذِّر البلوغ حسب الظاهر! ويُعرِّفك جون ماكسويل كيف تفعل ذلك.

فأوَّلًا، تعثُر على حُلمك وقصدك وهدفك، ثُمَّ يتملَّكُك ذلك الحلم وتسعى إلى تحقيق أقصى إمكانيَّاتك. وفي سياق ذلك تمسُّ حياة آخرين بطريقةٍ إيجابيَّة وتجديديَّة، فيبدأ أُولئك الآخرون عندئذٍ يجدون طاقةَ حُلم ويحوزون خريطة رحلة ناجحة في الحياة.

ولي ملءُ الثقة بأنَّ هذا الكتاب، المُنبعِث من قلبِ راعٍ كبير وراءٍ قدير، سيُساعِدك على أن تنعطف في حياتك انعِطافةً تنشر أمامك . إنَّها انعِطافةٌ ستنقلك من الخيبة والهزيمة الوشيكة إلى الاستِبشار والانتصارات غير المتوقَّعة، ومن مستوى نجاحٍ إلى مستوًى آخر، بل أيضًا إلى مستويات من الإنجاز أعلى ممَّا حلمتَ به يومًا. فها هنا مبادئ الرِّحلة الناجحة، وهي مبادئُ رائعة! لذا اقرأها، وصدِّقها، وطبِّقها! إنَّها ستعمل إنْ أنت أعمَلتَها!

روبرت ﻫ. شُلَر

الكاتدرائيَّة البِلَّوريَّة

غاردن غروف، كاليفورنيا

Page 2

شكرٌ وعرفان

أودُّ أن أقول ‘‘شكرًا’’ من صميم القلب للأشخاص التالين...

زوجتي مرغريت التي تقترح عليَّ دائمًا اقتراحاتٍ قيِّمةً في ما يتعلَّق بكُتبي، وتُذكِّرني بتفاصيلَ مهمَّةٍ من شأنها أن تفوتني لولاها. فقد أحرزَتْ رحلتي النجاح لأنَّ مرغريت جزءٌ من حياتي.

ليندا إغَرز، مُعاوِنتي البارعة التي تعمل بلا كلل ولا ملل، دون تبجُّح ولا انتظار تقدير مِن أحد، إلَّا أنَّها بالفعل عضوٌ لا يُقدَّر بثمن في الفريق وجزءٌ مُتمِّم لكلِّ مشروع أخوضه.

ستيفاني وَتزِل التي تقرأ كلَّ كلمة من كلمات النصٍّ المبدئي بعينٍ ثاقبة، وتمدُّني دائمًا بالتبصُّر والخبرة التحريريَّة.

كاثي ويت التي راجَعتِ النصَّ المبدئيّ، وأسهمتْ في صياغة الكتاب التطبيقيِّ الخاصِّ بهذا الكتاب.

تشارلي وَتزِل الذي يتولَّى عنِّي شؤون البحث والكتابة. ولمَّا بدأنا معًا، كُنَّا راعيًا وعلمانيًّا. أمَّا الآن فنحن صديقان وزميلان. وهو مُتمِّمٌ نفيس لخدمتي ودعوتي، وقد رفعني إلى صعيدٍ أعلى.

Page 3

الفصل الأول
الرحلة أكثرُ إمتاعًا إنْ كنتَ تعرف وُجهتَها
بينما كنتُ أتصفَّح منذ بضع سنين مجلَّة ’’النجاح‘‘، وقعتُ على دراسةٍ أجرتها مؤسَّسة غالوپ حول ما يعتقده الناس بشأن إحراز النجاح. وقد راقني ذلك الأمر لأنَّني دأبتُ في الاهتمام بمساعدة الآخرين كي يصيروا ناجحين، وأردتُ أن أعرف ما توصَّلَت إليه تلك المؤسَّسة. فالقائمون بالدراسة صنَّفوا الأجوبة ضمن اثنتي عشرة خانة، ولكنَّ الجوابَ الذي حلَّ في الطليعة كان ’’الصحَّة الجيِّدة‘‘، حيثُ حدَّدها٨٥٪ من المُستطلَعين على أنَّها مرتبطة بالنجاح قبل أيِّ شيء آخر. لست أعرف رأيك، ولكنَّني أُقدِّر الصحَّة الجيِّدة حقًّا، ولا سيمَّا بعد إصابتي بنوبة قلبيَّة. ولكنْ لو كان لي صحَّةٌ جيِّدة فقط دون سواها، لستُ أدري إنْ كنتُ حينها سأعدُّ نفسي ’’ناجحًا‘‘.
لقد تبيَّن لي أنَّ الناس كثيرًا ما يَستصعِبون تعريف النجاح. فإذا كنتَ لا تدري ما هو النجاح، فكيف يتسنَّى لك أن تُحرِزه يومًا؟ لذلك أُريد أن أُساعِدك على تَبيُّنِ تعريفٍ للنجاح يُفيدك عمليًّا: النجاح هو رحلة.
وسأوضِّح ذلك مبتدئًا بقصَّة. منذ سنين قليلة، وقفتُ أمام الموظَّفين الأربعة والسبعين في المؤسَّسة التي أنشأتُها عام ١٩٨٥ لتعليم القيادة والتنميَّة الشخصيَّة إنجُوي، مستعدًّا أن أُبلِّغهم خبرًا علمتُ أنَّه سيكون مُبهِجًا لبعضهم ومُحبِطًا لغيرهم. فقد كنتُ أنوي إخبارَهم أنَّنا في غضون سنة واحدة سننقل الشركة من سان دييغو بكاليفورنيا إلى أتلانتا بجورجيا.
كنتُ أنا وصديقي دِك بيترسُن، رئيس إنجُوي حينذاك، عاكِفَين على التباحُث في إمكانيَّة نقل الشركة طوال ستة أشهُر. وقد بدأ الأمر كحديثٍ عَرَضيٍّ ابتدأناه بالتعبير ’’ماذا لو...‘‘، ثمَّ باشرنا إيلاءه مزيدًا من التفكير الجدِّيّ. فقدَّرنا الإيجابيَّات، وطلبنا من المدير الماليِّ لدينا أن يُجري بعض الحسابات. وتحدَّثنا عن الفُرَص التي سيُوفِّرها ذلك الانتقال، حتَّى قرَّرنا أخيرًا أنَّ انتقالنا إلى أتلانتا هو خطوةٌ صائبة من النواحي المهنيَّة والمنطقيَّة والاقتصاديَّة. وتبيَّن لنا أنَّه إنْ أردْنا أن نرتقيَ إلى مستوًى جديدٍ من نموِّنا وتنميتنا، لا كشركة فحسب بل كأفراد أيضًا، ينبغي لنا أن نُجريَ ذلك التغيير.
وقد كان ذلك قرارًا صعبًا جدًّا من عدَّة نواحٍ. فلم أتوقَّع يومًا أن أُغادِر سان دييغو، إذ شعرنا أنا وزوجتي منذ انتقالنا من إنديانا بأنَّنا استقررنا في ديارنا. وكانت تلك هي الديارَ الوحيدة التي عرفها حقًّا صغيرانا إليزابيث وجول ﭘﻮرتر. ولكنْ بمقدار ما راقتنا المعيشة في سان دييغو، رغبنا في بذل تضحية الانتقال حتَّى يتسنَّى لنا إحرازُ نجاحٍ أكبر.
إنَّما أقلقَنا على نحوٍ جدِّيٍّ وضعُ العاملين في فريق إنجُوي. فلم نكُن على يقين من جهة ردَّات أفعالهم المُنتظَرة، علمًا بأنَّ سان دييغو واحدةٌ من أجمل مدن البلاد، ومناخها ممتاز. كما أنَّ كثيرين من موظَّفينا كانوا من أهل سان دييغو، ولديهم أواصرُ كثيرة تدفعهم إلى المكوث فيها.
وبينما كنتُ أتأهَّب لمخاطبة الموظَّفين، دبَّت في القاعة حيويَّةٌ ذاتُ جَلَبة. فلم نكُن كلُّنا قدِ اجتمعنا اجتماعًا عامًّا طوال سنة تقريبًا، وأمكنني أن ألحظ الحماسة والترقُّب على وجوه الكثيرين منهم.
بدأتُ كلامي قائلًا: ’’يا جماعة، أرجو أن تُعيروني انتباهكم. لديَّ إعلانٌ هامٌّ أُعلِمكم به. في غضون سنة منذ الآن، سننقل إنجُوي إلى أتلانتا‘‘. ولاحت لي ردَّات أفعال شتَّى. فبعضُهم بدا مصدومًا. وبدا بعضُهم كمن لُكِم في معدته. واتَّسعت عينا جاين هانسِن، إحدى أفضل مندوبي خدمة الزبائن لدينا، وانفغَرَ فمُها، وظلَّت تُطلِق زفرة عدم تصديق كلَّ ثماني ثوانٍ أو عشرٍ من أوَّل دقيقة تكلَّمتُ فيها. أمَّا مُدَراؤنا فقد بدت عليهم أمارات الفَرَج، بعدما كانوا قد أبقَوا معرفتهم بالانتقال المُنتظَر طيَّ الكتمان طوال أسابيع.
وعلى مدى خمسين دقيقة، شرحنا لهم، أنا ودِك بيترسُن، كلَّ ما لدينا من أسبابٍ تدعو إلى الانتقال، وقدَّمنا لهم إحصاءاتٍ ومعلومات عن أتلانتا، وعرضنا لهم شريط ﭬﻴﺪيو من غرفة التجارة هناك. وقُلنا لهم إنًَّ أيَّ مَن يرغب في الذهاب إلى أتلانتا، رجُلًا كان أمِ امرأة، سيُعطى وظيفة عند وصوله إلى هناك. ثُمَّ قدَّمنا إليهم شخصين جاءا من أتلانتا جوًّا مُمثِّلَينِ لأفضل وكالة عقارات كي يُجيبا عن أسئلتهم.
 

Page 4

الرغبة في القيام بالرِّحلة

لم نكن على يقين بشأن أيَّة ردَّة فعل سنتلقَّاها من موظَّفينا. فقد كُنّا بصدَد انتقالٍ كبير سيُغيِّر حياتهم جذريًّا. وكم كانت دهشتنا بالغةً حين قال أكثرُ من ٩٠٪ من فريقنا إنَّهم يودُّون الانتقال إلى أتلانتا، أو على الأقلِّ سيُفكِّرون في الانتقال! لقد كانوا راغبين في القيام بالرِّحلة.

ودفعني ذلك إلى التفكير. لماذا كان كثيرون جدًّا منهم مستعدِّين لأن يُقتلَعوا من جذورهم، تاركين خلفَهم كلَّ ما كان مألوفًا عندهم، بما في ذلك الأقرباءُ والأصدقاء، لينتقلوا إلى مكانٍ بعيد عبرَ البَلَد؟ لقد استنتجتُ أنَّهم كانوا على استعداد للرحيل لأسباب أربعة:

١.لقد زوَّدناهم بصورة عن المكان الذي هم مزمِعون أن يذهبوا إليه.

إذ تحدَّثنا، أنا ودِك ووكيلا العقارات، إلى جماعتنا، زوَّدناهم بصورة عن مستقبلنا في أتلانتا: بيئة العمل المؤاتية، عدد الأشخاص الأكبر الذي سيتسنّى لنا الاتِّصال بهم، تحسين نوعيَّة حياتهم، الفرصة التي ستُتاح لشركتنا كي ترتقيَ إلى المستوى التالي. وكان في وسعهم أن يرَوا كامل الصُّورة، سواءٌ من حيث الفوائد التي سينالونها شخصيًّا أو تلك التي ستنالُها الشركة.

٢.لقد أجبناهم عن أسئلتهم.

إنَّ إمكانيَّة القيام برحلة قد تُسبِّب الشعور بعدم الأمان وتُثير أسئلة عديدة. فقد أراد مُوظَّفونا أن يعرفوا أين سنفتح مكاتبنا، وكيف هي مدارس أتلانتا، وما أحوالُ سوق الإسكان، وما أماكن الجذب الثقافيَّة والاستجماميَّة المتوافرة في المدينة، وكيف هو النظام الضريبيُّ في الولاية، وما إلى ذلك. وفي ذلك الاجتماع الأوَّل تمكَّنَّا من الإجابة عن جميع أسئلتهم تقريبًا.

٣.لقدِ اختبروا هم أنفسُهم النجاح الشخصيَّ في حياتهم.

كانت مؤسَّسة إنجُوي، كفريقٍ واحد، ماضيةً في اختبار النجاح تكرارًا، وكذلك كانت حالُ الأفراد أيضًا. فهُم كانوا مسؤولين عن نجاح الشركة، وفي الوقت عينه كانوا ينعمون بثمار ذلك النجاح. لقد كان لديهم حسٌّ في ما يتعلَّق بالتوجُّه والغاية، وكانوا ينمون شخصيًّا، وكانوا يُساعِدون الآخرين.

٤. هُم ما عادوا كما كانوا، وأرادوا الاستمرار في حيازة الشأن والقيمة.

قبل أُسبوعين من إعلاننا الانتقالَ المنتظَر، سمعتُ ﭘﺎتي نُل، إحدى موظَّفاتنا، تقول: ’’يروقني العمل في إنجُوي، حيث نُساعِد كثيرين جدًّا بفضل ما نعمله. ولا يسعُني أن أتصوَّر العمل في أيِّ مكان آخر!‘‘ فما إن يذوق المرءُ حلاوة النجاح؛ ويدرك أنَّ لمجهوداته أهمِّيَّتها، حتَّى يغدو ذلك أمرًا لا ينساه أبدًا، ولا يودُّ التخلِّيَ عنه البتَّة. كما أنَّ إحداثَ فرقٍ في حياة الآخرين يُغيِّر إطلالة المرء على الحياة وعلى الأولويَّات لديه.

لعلَّك تقول لنفسك: ’’عظيم! جيِّدٌ أنَّ جماعتكم رغبوا في الانتقال إلى ولاية جورجيا. ولكنْ ما علاقةُ ذلك بي؟ إنَّني لن أنضمَّ إليكم في هذه الرِّحلة إلى أتلانتا! فماذا بشأن تعريف النجاح؟‘‘

صحيحٌ أنَّك لن تنتقل إلى أتلانتا على الأرجح، ولكنَّك تعدُّ العدَّة للقيام برحلة، هي رحلة النجاح. وتلك الرحلة تنطوي على إمكانيَّة اضطرارك إلى قطع مسافةٍ طويلة، ربَّما كانت أطولَ ممّا حلمتَ به يومًا. ففي سبيل القيام بهذه الرحلة، لا بدَّ أن تحتاج إلى الأُمور التي احتاج إليها موظَّفونا في إنجُوي تمامًا: صورة عن المكان الذي ستذهب إليه، أجوبة عن أسئلتك بشأن النجاح، معرفة طبيعة النجاح، القدرة على التغيير والاستمرار في النَّماء.

ومُنيَتي أن أُزوِّدك بهذه الأُمور في هذا الكتاب. فأنا أُريد أن أُساعدك كي تكتشف خريطتك الشخصيَّة في رحلة النجاح، وأُعلِّمك ما معنى أن تقوم برحلة النجاح، وأُجيبَ عن كثيرٍ من أسئلتك، وأُجهِّزك بما ستحتاج إليه حتمًا لتغيير نفسك والاستمرار في النَّماء. وفي سياق ذلك، ستكتشف أنَّ النجاح مُتاح للجميع: لمُدبِّرة المنزل ولرجلِ/سيِّدةِ الأعمال، للطالب وللموُشِك على التقاعُد، للرياضيِّ ولخادم الكنيسة المحلِّيَّة، لعامل المصنع وللمتعهِّد.

Page 5

صورة النجاح التقليديَّة

إنَّ المشكلة التي تواجه مُعظَم الذين يريدون أن يكونوا ناجحين ليست أنَّهم غير قادرين على إحراز النجاح. فالعقَبة الرئيسة عندهم أنَّهم يُسيئُون فهم النجاح. وقد صدق قول مالتبي دي. بابكُك: ’’من أعمِّ الأغلاط وأكثرِها كلفةً حسبانُ النجاح حصيلةَ عبقريَّةٍ ما، سحرٍ ما، أمرٍ أو غيره من الأمور التي لا نمتلكها ‘‘.

ما تعريف النجاح؟ وما طبيعته؟ لدى مُعظم الناس فكرةٌ غامضة عمَّا يعنيه كونُ المرء ناجحًا، تبدو شبيهةً بما يلي:

ثروة بِل غايتس،
بنية أرنولد شوارتزينيغَر
(أو سِندي كراوفورد)،
ذكاء ألبرت آينشتاين،
قدرة مايكل جوردان الرياضيَّة،
مهارة دونالد تروﻣﭗ في الأعمال،
لباقة جاكلين كنيدي الاجتماعيَّة ورباطة جأشها،
خيال والت ديزني،
قلب الأُمِّ تيريزا.

يبدو ذلك مضحِكًا، ولكنَّه أقربُ إلى الحقيقة ممَّا نقبل بالإقرار به. فكثيرون منَّا يتصوَّرون النجاح كما لو كان الظُّهور بمظهر شخصٍ آخر لسنا إيَّاه... كما لا يمكننا أن نكون ثمانية أشخاصٍ آخرين! ثُمَّ الأهمُّ من ذلك أنَّه لا ينبغي لك أن ترغب في أن تكون أيًّا من أُولئك. فإن حاولتَ أن تصير تمامًا مثل واحدٍ منهم، واحدٍ فقط، فإنَّك لن تكون ناجحًا. ولو تأتَّى لك ذلك، لغدوتَ صورةً تقليديَّة سيِّئة للمُقلَّد، ولأسقطتَ كذلك إمكانيَّة صيرورتك الشخصَ المقصود لك أن تكونه.

Page 6

صورة النجاح الخاطئة

حتَّى لو تفاديتَ فخَّ التفكير بأنَّ النجاح يعني أن تكون مثل شخصٍ آخر، فقد تكون لديك بَعدُ صورةٌ خاطئة عن النجاح. وبصراحة، فإنَّ أغلبيَّة الناس يُسيئون فهم النجاح، إذ يُساوونه على نحوٍ خاطىءٍ بإنجازٍ من نوعٍ ما، أو ببلوغ مَقصِدٍ أو إحراز هدف. وإليك بعضًا من أعمِّ المفاهيم الخاطئة بشأن النجاح:

الغنى

ربَّما كان أعمَّ مفهوم خاطئ بشأن النجاح أنَّه وحيازةَ المال شيءٌ واحد. فكثيرون من الناس يعتقدون أنَّهم إن كدَّسوا الثروات يكونون ناجحين. غير أنَّ الغنى لا يؤتي الرِّضى ولا النجاح. مرَّةً سُئِل رجل الصناعة جون دي. روكِفلر، وهو رجلٌ غنيٌّ جدًّا حتَّى إنَّه تبرَّع في أثناء حياته بأكثر من ٣٥٠ مليون دولار، كم يُعوِزه من المال كي يكتفي، فكان جوابه: ’’مقدارٌ قليلٌ بعد!‘‘ وقد أكَّد الملك سُلَيمان قديمًا- ويُقال إنَّه كان أغنى رجُلٍ عاش على الأرض فضلًا عن كونه الأحكم- أنَّ ’’مَن يحبُّ الفضَّة (أي المال) لا يشبع من الفضَّة، ومن يحبُّ الثروة لا يشبع من دَخل‘‘ (الكتاب المقدَّس- سِفر الجامعة ٥: ١٠).

إنَّ الغنى وما يجلبه زائلان في أحسن الأحوال. مثلًا، في العام ١٩٢٣، اجتمعت حفنة من أغنى أغنياء العالَم في فُندق إدجوُتَر بيتش في شيكاغو بولاية إيلينوي، وكانوا مشاهيرَ زمانهم في مجال الثروة والنفوذ. وقد كان تحت تصرُّفهم في ذلك الزمان مالٌ يفوق إجماليَّ ما تحويه خزينة الولايات المتَّحدة. وهاك لائحةً بمَن كانوا حاضرين هناك، وماذا حلَّ أخيرًا بكلٍّ منهم.

تشارلز شواب- رئيس أكبر شركة فولاذ مستقلَّة- مات مُفلِسًا.
آرثر كَتِن- أكبر مُضاربي القمح- مات مُعوِزًا وهو خارج البلاد.
ريتشارد وِتني- رئيس بورصة نيويورك- مات بُعيدَ إطلاقه من السِّجن.
ألبرت فُول- عضو المجلس الاستشاريِّ لدى رئيس الولايات المتَّحدة- أُعفي من السجن ليُتاحَ له أن يموت في بيته.
جِس لِڤرمُور- ’’المُضارِب ‘‘الأكبر في وُول ستريت- قضى مُنتحِرًا.
لِيُون فرايزر- رئيس بنك الإنعاش الدُّوَليّ- قضى مُنتحِرًا.
إﻳﭭﺎن كُرويغَر- رئيس أكبر شركة مُحتَكِرة في العالم- قضى منتحرًا.
حتَّى المِليونير اليونانيُّ أريسطو أُوناسيس، وقدِ احتفظ بثروته ومات شيخًا طاعنًا في السنّ، أدرك أنَّ المال لا يماثل أبدًا النجاح. فقد أكَّد أنَّه ’’بعد بلوغك حدًّا معيَّنًا، يغدو المال عديم الأهمِّيَّة. فما يهمُّ هو النجاح‘‘.

شعورٌ خاصّ

ثمَّة مفهومٌ خاطئ شائع آخر يرى أنَّ الناس قد أحرزوا النجاح إذا شعروا بأنَّهم ناجحون أو سُعَداء. لكن قد تكون محاولة المرء أن يشعر بالنجاح أصعبَ بعدُ من محاولته أن يصير غنيًّا. خُذ مثلًا مطوِّر قطاع العقارات دونالد تروﻣﭗ، فإنَّه قال: ’’مقياس النجاح الحقيقيُّ هو مدى سعادتك. فلديَّ أصدقاء كُثُر لا يملكون كثيرًا من المال، ولكنَّهم أسعدُ منِّي بكثير، لذلك أقول إنَّهم ربَّما كانوا أنجح منِّي‘‘. فإنَّ تروﻣﭗ، الذي يعدُّه كثيرون ناجحًا، يعتقد أنَّ السعادة هي النجاح. ولعلَّ أصدقاءه السُّعَداء يحسبون أنَّه هو الرجُل الناجح. فهذا الحسبان يُبيِّن أنَّ كثيرين يُساوون النجاح بما لا يملكونه.

إنَّ نشدان السعادة المستمرَّ سببٌ جوهريٌّ لكون كثيرٍ من الناس بائسون. فإنْ جعلتَ السعادة هدفك، يكاد يكون من المؤكَّد أنَّ مصيرك سيكون الفشل. وستكون كمن يركب الأفعوانيَّة في مدينة الملاهي، إذ تَنقلِب من كونك ناجحًا إلى كونك فاشلًا مع كلِّ تغيُّر في المزاج. فالحياة غير يقينيَّة، والمشاعر ليست ثابتة. ولا يمكن التعويلُ ببساطةٍ على السعادة باعتبارها معيارًا للنجاح.

مُمتلكات مُحدَّدة ومُستحِقَّةٌ عناءها

عُد بذاكرتك إلى زمن حداثتك. فربَّما حدث مرَّةً أنَّك رغبتَ في الحصول على شيءٍ ما رغبةً شديدة، وخُيِّل إليك أنَّ امتلاكك لذلك الشيء سيُحدِث في حياتك فرقًا هامًّا. وبالنسبة إليَّ، كان ذلك الشيء هو درَّاجة خمريَّة فضِّيَّة من نوع شوِن. فلمَّا كنتُ في التاسعة من عمري، كان دارِجًا في حيِّنا أن نتسابق بدرَّاجاتنا. إذ كنّا نُجري سباقات قصيرة لنعرف مَنِ الأسرع؛ ونصنع مَدارِجَ من ألواح الخشب لنرى مَن يقفز أطولَ مسافة؛ ونُقيم في بعض أيَّام السبت سباقًا عبر شوارع البلدة نقطع فيه نصفَها ذهابًا وإيابًا. وقد كنّا نقضي وقتًا مُمتعًا جدًّا على درَّاجاتنا.

آنذاك كنتُ أركب درَّاجة مُستعمَلة سبق أنِ استهلكها أخي لاري، وكنتُ أُجاهِد بعناء لمُجاراة بعض الأولاد على درَّاجاتهم الأحدث. وقد تصوَّرتُ أنَّ ذلك سيكون سهلًا عليَّ إنْ حصلتُ على تلك الدرَّاجة الخلَّابة. إذ ذاك سأمتلك الدرَّاجة الأحدث والأسرع والأجمل دون جميع أصدقائي، فيُضطرُّون إلى طلب رضاي ويصيرون كخاتم في إصبعي.

وفي صبيحة عيد الميلاد تلك السنة، لمَّا نظرتُ إلى ما تحتَ شجرة الميلاد، رأيتُ درَّاجة أحلامي. آنذاك كانَتِ الدرَّاجات صُلبةً مثل الدبّابات. وكان لدرَّاجتي كلُّ ما يمكن أن يرغب فيه صبيٌّ من الإضافات: رفرفان واقيان من الوحل، أجزاء مَطليَّة بالكروم، جَرَسان، ومصابيح خاصَّة بالدراجات. وقد كان ذلك رائعًا إلى حين، إذ تعلَّقتُ بتلك الدرَّاجة وقضيتُ أوقاتًا طويلة على متنها. غير أنِّي سرعانَ ما اكتشفتُ أنَّها لم تؤتِني النجاح ولا الرِّضى الطويل الأمد اللَّذين رجوتُهما وتوقَّعتُهما.

وقد تكرَّرت تلك العمليَّة ذاتُها في حياتي. إذ تبيَّن لي أنَّ النجاح لم يوافِني حينَ صرتُ مُشارِكًا في فريق كُرة السلَّة المدرسيِّ في المرحلة الثانويَّة، ولا حينَ أصبحتُ رئيس الهيئة الطلَّابيَّة في الجامعة، ولا حينَ اشتريتُ منزلي الأوَّل. فالمُمتلكات، في أحسن الأحوال، علاجٌ وقتيّ. إذ لا يمكن إحرازُ النجاح ولا قياسُه بتلك الطريقة.

النفوذ

قال تشارلز مَك إلُروي مازحًا ذات مرَّة: ’’يُعتبر النفوذ في العادة علاجًا مُضادًّا للاكتئاب قصيرَ الأمد مُمتازًا‘‘. وفي هذا القول كثيرٌ من الحقّ، لأنَّ النُّفوذ غالبًا ما يُضفي مظاهرَ النجاح، ولكنْ حتَّى في ذلك الحين لا يكون الأمر إلَّا وقتيًّا.

ولعلّك سمعتَ بما قاله المؤرخ الإنكليزيُّ لُورد أكتون: ’’تميل السُّلطة إلى الإفساد، والسُّلطة المُطلقة تُفسِد إفسادًا مُطلقًا ‘‘. وقد أَرجَع أبراهام لنكولن صدى هذا المُعتقَد حين قال: ’’يستطيع جميع الرجال تقريبًا أن يتحمَّلوا الشدائد؛ ولكنْ إذا شئت أن تختبر خُلق رجُلٍ ما، فأعطِه سُلطة‘‘. فالنفوذ هو بالحقيقة امتحانٌ للأخلاق. ذلك أنَّ السُّلطة في يد شخصٍ مستقيم تشتمل على خيرٍ يعمُّ. أمَّا في يد طاغية، فإنَّها تُسبِّب دمارًا رهيبًا. إنَّما النفوذ، في حدِّ ذاته، ليس سلبيًّا ولا إيجابيًّا. ثُمَّ إنَّه ليس مصدر الأمان ولا النجاح. أضِفْ إلى ذلك أنَّ جميع الحُكّام المستبدِّين- حتَّى مَن كان مُحسِنًا منهم- لا بدَّ أن يفقدوا النفوذ أخيرًا.

الإنجاز

يُعاني كثيرون ما أُسمِّيه ’’مَرَض الغاية‘‘. فهم يعتقدون أنَّهم سيكونون ناجحين حينما استطاعوا بلوغ غايةٍ ما، كأنْ يفوزوا بمنصب، أو يُحرِزوا هدفًا، أو يُقيموا علاقةً بالشخص المناسب. وفي وقتٍ من الأوقات، كان لي نِظرةٌ مُماثِلة إلى النجاح. فقد عرَّفتُه بأنَّه التحقيقُ المُطَّرِد لهدفٍ هامٍّ سبق تحديدُه. ولكنْ بمرور الزمن، أدركتُ أنَّ هذا التعريف قصَّر عن بلوغ مرماه.

إنَّ مجرَّد بلوغ الغايات لا يضمن النجاح ولا الرِّضى. فتأمَّلْ ما جرى لمايكل جوردان.

لقد قرَّر منذ بضع سنين أن يتقاعد من لعبة كرة السلَّة، قائلًا إنَّه حقَّق جميع الأهداف التي أراد تحقيقها. ومن ثَمَّ مضى يلعب البايسبول في المُباريات الصُّغرى- إنَّما مدَّةً غير طويلة. فهو لم يستطَعِ الابتعاد عن لعبة كرة السلَّة. إذ إنَّ لعب اللعبة، أو الانخراط في قلب العمليَّة، كان بيت القصيد. فأنت ترى أنَّ النجاح ليس لائحة أهدافٍ تشطبها واحدًا بعد الآخر. إنَّه ليس بلوغَ غايةٍ من الغايات، بل هو رحلةُ حياة.

Page 7

صورة النجاح الصحيحة

فكيف تنطلق إذًا في رحلة النجاح؟ وماذا يعوِزك لإحراز النجاح؟ لا بدَّ لك من أمرين: صورة النجاح الصحيحة، والمبادئ السليمة للوصول إلى هناك.

ليست صورة النجاح واحدةً في نظر أيِّ شخصَين، لأنَّنا جميعًا خُلِقنا مختلفِين بوصفنا أفرادًا متفرِّدين. غير أنَّ العمليَّة هي نفسُها للجميع. فهي مؤسَّسة على مبادئ لا تتغيَّر. وبعد مرور خمس وعشرين سنة ويزيد على تعرُّفي بأشخاصٍ ناجحين و بعد دراستي للموضوع، توصَّلتُ إلى التعريف التالي بشأن النجاح:

النجاح هو...
أن تعرفَ مَقصِدَك في الحياة،
وأن ترتقيَ إلى أقصى إمكانيَّاتك،
وأن تزرع بذورًا تُفيد الآخرين.

يُمكِنك أن تُدرِك من هذا التعريف لماذا النجاحُ رحلةٌ بدلَ كونه مَقصِدًا. فبصرف النظر عن مقدار ما ستعيشه، أو عمَّا تُقرِّر أن تعمله في الحياة، فإنَّك لن تستنفد أبدًا قدرتك على الارتقاء إلى إمكانيَّاتك القُصوى، ولن تُعدَم البتَّة فُرَصًا لمساعدة الآخرين. إذ إنَّك حين تنظر إلى النجاح على أنَّه رحلة، لن تواجه أبدًا مشكلةَ محاولة ’’الوصول‘‘ إلى مَقصِد نهائيٍّ مُربِك. ولن تجد نفسك البتَّة في وضعٍ تكون فيه قد أحرزتَ هدفًا نهائيًّا لكي تكتشف فقط أنَّك ما تزال غيرَ راضٍ وتفتِّش عن شيءٍ آخر تقومُ به.

هذا، وتتمثَّل فائدةٌ أُخرى من فوائد التركيز على رحلة النجاح بدلًا من بلوغ مَقصِدٍ، أو تحقيق هدف، في حيازتك إمكانيَّة إحراز النجاح اليوم. فلحظةَ تنعطفُ نحو الاهتداء إلى مَقصِدك، والارتقاء إلى إمكانيَّاتك القُصوى، ومساعدة الآخرين، لحظتئذٍ يكون النجاح شيئًا تنعم به الآن، لا شيئًا ترجو على نحوٍ غامضٍ أن تبلغه ذات يوم.

وتاليًا، فلْنلقِ نظرةً على كلٍّ وجه من أوجُه النجاح هذه لتدركها إدراكًا أوفى:

معرفة مَقصِدك

لا يمكن أن يحلَّ أيُّ شيءٍ محلَّ معرفتك لمقصِدك. ويُذكَر أنَّ المليونير الصناعيَّ هنري جاي كايسر، مؤسِّس شركة كايسر للألومنيوم، وأيضًا مؤسَّسة كايسر للعناية الصِّحيَّة الدائمة، قال: ’’تتوافر البيِّنات الدامغة على أنَّك لا تستطيع أن تُحرِز أفضل إمكانيَّاتك ما لم تنصب هدفًا ما في الحياة‘‘. وبعبارةٍ أُخرى: إن كنتَ لا تحاول باجتهاد أن تكتشف مَقصِدك، يُرجَّح أن تقضيَ حياتك وأنت تقوم بالأُمور غير الصحيحة.

إنِّي أُومِن بأنَّ الله خلق كلَّ شخصٍ لغايةٍ معيَّنة. وحسْبما يقول العالِم النفسيُّ ڤِكتور فرانكل، فإنَّ ’’لكلِّ امرئٍ دعوتَه أو رسالتَه الخاصَّة في الحياة. وعلى كلِّ إنسان أن يُنفِّذ مهمَّة محدَّدة تتطلَّب الإتمام. ففي هذا المجال لا يمكن أن يحلَّ أحدٌ محلَّه؛ ولا يمكن كذلك أن تتكرَّر حياته. وهكذا، فإنَّ مهمَّة كلِّ شخصٍ فريدةٌ بمستوى فرصتِه الخاصَّة لتنفيذها‘‘. إنَّ لكلٍّ منّا غايةً خُلِق لأجلها. ومسؤوليَّتُنا- بل بهجتُنا الكُبرى- أن نُميِّزها.

وهاكَ بعضَ الأسئلة تطرحُها على نفسك كي تُعينَك على تمييز مَقصِدك:

عمَّ أبحث؟ لدينا جميعًا توقٌ شديد دفينٌ في قلوبنا، شيءٌ يتكلَّم إلى أعمق أفكارنا ومشاعرنا، شيءٌ يُضرِم نفوسنا ويُلهِمها. ومِن الناس مَن يشعرون شعورًا قويًّا بماهيَّة ذلك الشيء وهم بعدُ صغارُ السنّ، في حين يطوي آخرون نصفَ عُمرِهم حتَّى يكتشفوه. ولكنْ مهما كان الوضع، فهو هناك. إنَّما يُعوِزك أن تعثر عليه. (سأتحدَّث أكثر عن كيفيَّة تظهير الحلم الذي فيك، في الفصل التالي).

لماذا خُلِقتُ؟ كلٌّ منَّا يختلف عن الآخر. فلا أحد في الدُّنيا سوانا له تمامًا ما لنا من مواهب وقدرات وخلفيَّة ومستقبل. وهذا واحدٌ من الأسباب التي من أجلها تكون قد أخطأتَ خطًا فادحًا إذا حاولتَ أن تكون شخصًا آخر غيرَ ذاتك.

فكِّر في مزيجك الفريد من القُدرات، والموارد المُتوافِرة لديك، وتاريخك الشخصيّ، والفُرَص المُتاحة حواليك. فإن حدَّدت هذه العوامل موضوعيًّا، واكتشفتَ توق قلبك، تكون قد أنجزت الكثير بصدَد اكتشاف مَقصِدك في الحياة.

هل أثق بإمكانيَّاتي؟ لا يمكنك دائمًا أن تتصرَّف بطريقةٍ لا تنسجم مع نِظرتك إلى نفسك. فإن لم تكن تثق بأنَّ لديك إمكانيَّات، فلن تُحاوِل أبدًا أن تبلغها. وإن لم تكن راغبًا في السَّعي إلى بلوغ إمكانيَّاتك القُصوى، فلن تكون ناجحًا البتَّة.

فينبغي لك أن تعمل بنصيحة الرئيس ثيودور روزِﭬﻠﺖ، إذ قال: ’’قُم بعمل ما في وسعك، بما لديك، وحيثُ أنت‘‘. وإن فعلتَ ذلك وعيناك شاخصتان إلى مَقصِد حياتك، فماذا يُتوقَّع منك بَعد؟

متى أبدأ؟ بعض الناس يعيشون حياتهم يومًا بيوم، آذنين للآخرين بأن يُملوا عليهم ماذا يفعلون وكيف يفعلونه. وهم لا يحاولون أبدًا أن يكتشفوا غايتهم الحقيقيَّة التي لأجلها يعيشون. وآخرون يعرفون غايتهم، إلَّا أنَّهم لا يتصرَّفون أبدًا على أساسها. إنَّهم ينتظرون إلهامًا أو إذنًا أو دعوةً للمُباشرة. وعليه، فالجوابُ عنِ السؤال ’’متى أبدأ؟‘‘ هو الآن.

الارتقاء إلى أقصى إمكانيَّاتك

كان الروائيُّ ﻫ.جي. وِلز يعتقد أنَّ الثروة والشُّهرة والمنصب والنفوذ ليست معايير للنجاح على الإطلاق. فمعيارُ النجاح الوحيدُ هو النِّسبة بين ما كان ممكنًا أن نكونه وما قد صِرناه. وبعبارة أُخرى: إنَّ النجاح يأتي نتيجةً لارتقائنا إلى إمكانيَّاتنا القصوى.

قيل إنَّ إمكاننا هو عطيَّةُ الله لنا، وما نفعله به هو عطيَّتُنا له. ولكنْ في الوقت عينه، قد يكون إمكاننا هو موردَنا الأعظم غيرَ المُستغَلّ. وقد قال هنري فورد مُعلِّقًا: ’’ليس بين الأحياء إنسانٌ غيرُ قادر على القيام بأكثَر ممَّا يظنُّ أنَّه يقدر عليه‘‘.

إنَّ لدينا إمكانيَّات قُصوى غير محدودة تقريبًا، ومع ذلك تُحاوِل قلَّةٌ قليلةٌ جدًّا أن تبلغها. لماذا؟ والجواب هو أنَّنا نستطيع أن نفعل أيَّ شيء، ولكنَّنا لا نستطيع أن نفعل كلَّ شيء. وكثيرون يدَعون كلَّ إنسان حوالَيهم يُقرِّر أجندَتهم في الحياة. ونتيجةً لذلك، لا يُكرِّسون فعلًا أنفسهم البتَّة لإتمام مقاصدهم في الحياة. فيُصبح الواحدُ منهم ’’صاحبَ الصنائع السَّبع‘‘ بغير أن يُتقن أيَّة صنعة منها إلى التمام، بدل أن يكون صاحبَ صنائع قليلة، مُركِّزًا على واحدةٍ منها.

وإنْ صدقَ هذا الوصفُ فيك أكثرَ ممّا تودّ، يُحتمَل أن تكون على استعدادٍ للقيام ببضع خطوات في سبيلِ إحداث تغيير. وإليك هذه المبادئ الأربعة لِتضعَ قدمَيك على طريق الارتقاء إلى أقصى قدراتك:

١. ركِّز على الهدف الرئيس.

ما منِ امرأةٍ قطُّ بلَغتْ أقصى إمكانيَّاتها بتشتيت ذاتها في عشرين اتِّجاه. فبلوغُك إمكانيَّاتك القُصوى يقتضي التركيز. لذلك كان من المهمِّ جدًّا أن تكتشف مَقصِدك. وما إن تُقرِّر أين تُركِّز انتباهك، حتَّى ينبغي لك أن تُقرِّر عمَّا أنت مُستعدٌّ أن تتخلَّى كي تفعل ذلك. وهذا أمرٌ حيويٌّ وحاسم. فلا يمكن أن يحصل نجاح بغير تضحية، إذِ الأمران يسيران يدًا بيَد. وإن رغبتَ في إنجاز القليل، فضحِّ بالقليل. أمَّا إذا أردتَ أن تُنجِز عظائم، فكُن على استعداد للتضحية بالكثير.

٢. ركِّز على التنمية الدائمة.

مرَّةً سُئل دايڤد دي. غلاس، المديرُ التنفيذيُّ في مخازن وال- مارت عمَّن يُعجِبُه أكثرَ الكلّ. فكان جوابه: سام والتُن مؤسِّس وال- مارت. ثُمَّ أردف موضِّحًا: ’’لم يمرَّ في حياته قطُّ يومٌ واحد- منذ أن عرفتُه- لم يتقدَّم أو ينمِّ ذاته بطريقةٍ من الطُّرق‘‘.

إنَّ التزام التنمية الدائمة هو مفتاحُ بلوغِك أقصى إمكانيَّاتك وإحرازك النجاح. ويمكنك كلَّ يومٍ أن تصير أفضل قليلًا ممَّا كنتَ عليه بالأمس. وذلك يُقرِّبك خُطوةً واحدة من بلوغ أقصى إمكانك. ولَسوف تجد أيضًا أنَّ ما تحصل عليه نتيجةً لنُموِّك ليس على نحوٍ وثيقٍ مهمًّا بمقدارِ ما تصير إليه في أثناء مسيرتك.

٣. إنسَ الماضي.

علَّق صديقي جاك هايفورد، وهو قِسِّيسٌ في كنيسةٍ ﺑﭭﺎن نُوِيس في كاليفورنيا، قائلًا: ’’الماضي مسألةٌ ميتة، ولا نستطيع أن نكسب أيَّ زخمٍ في تحرُّكنا نحو الغد إن كنَّا نجرُّ الماضيَ وراءنا‘‘. ولكنَّ ذلك- واأسفاه!- هو ما يفعله كثيرون جدًّا؛ إذ يجرُّون الماضيَ خلفهم أينما ذهبوا. ونتيجةً لذلك، لا يُحرِزون أيَّ تقدُّم.

يروقُني موقف سايرُس كورتِس، صاحبِ صحيفة ساترداي إيـﭭﻨﻨﻎ ﭘﻮسْت، إذ علَّق في مكتبه لافتةً مكتوبًا عليها: ’’يوم أمسِ انتهى ليلة البارحة‘‘. وقد كانت تلك طريقتَهُ لتذكير نفسه ومُوظَّفيه بأنَّ الماضي مضى وانقضى، وأنَّ علينا أن ننظر إلى الأمام، لا إلى الوراء.

ربَّما تكون قد ارتكبتَ في حياتك أغلاطًا كثيرة، أو ربَّما كان لك ماضٍ صعبٌ على نحوٍ خاصٍّ وحافلٌ بالعقبات. فما عليك إلَّا أن تشقَّ طريقك وسطَ رُكام ماضيك، وتمضيَ إلى الأمام. ولا تسمح لماضيك أن يمنعك من بلوغ إمكانك الأقصى.

وإن أعوزك الإلهام، ففكِّر في أشخاصٍ آخرين قهروا عقباتٍ بَدَت لا تُذلَّل، مِثل بُوكَر تي واشنطُن مثلًا. فإنَّه وُلِد عبدًا، وحُرِم الإفادة من الموارد المُتوافِرة لمُجتمع البِيض، ولكنَّه لم يسمح لذلك قطُّ بأن يحُول دون مُواصلتهِ السَّعيَ لبلوغ إمكانيَّاته القُصوى. وقد أنشأ مؤسَّسة تُسكيجي ورابطةَ التجارةِ القوميَّةَ الخاصَّةَ بالسُّود. وهو القائل: ’’لقد تعلَّمتُ أنَّ النجاح يجب ألَّا يُقاسَ بالمركز الذي بلغه المرء في الحياة بقدر ما يقاسُ بالعقبات التي ذلَّلها في أثناء محاولته أن ينجح‘‘.

وفكِّر في هيلين كيلر، إذ فقدت بصرها وسمعها لمَّا كان عمرُها تسعة عشر شهرًا. فإنَّها قهرت إعاقتها الحادَّة، وتقدَّمت حتَّى تخرَّجت في كلِّيَّة رادكليف، وأصبحت مؤلِّفةً ومُحاضِرة مُميَّزة، ونصيرةَ المكفوفين.

وفكِّر في فرانكلن ديلانو روزِﭬﻠﺖ. ففي العام ١٩٢١، وهو في التاسعة والثلاثين من العمر، أُصيب بحالةِ شلل حادَّة خلَّفته عاجزًا ومُعانيًا ألمًا مُبرِّحًا. ولم يمشِ ثانيةً قطُّ بغير مساعدة. غير أنَّه لم يَدَع ذلك يوقفُه عن السَّعي إلى بلوغ أقصى ما لديه. وبعد ذلك بثماني سنين، أصبح حاكمَ ولاية نيويورك. ثُمَّ في ١٩٣٢، انُتخِب رئيسًا للولايات المتَّحدة الأميركيَّة.

ولا شكَّ في أنَّك تستطيع أن تُفكِّر في آخرين ممَّن قهروا المآسيَ أو أغلاطَ الماضي كي يسعَوا إلى بلوغ أقصى إمكانيَّاتهم. بل إنَّك قد تعرف شخصيًّا بعضًا ممَّن كافحوا وسط الشدائد حتَّى باتوا ناجحين. فَليُلهِموك! ومهما واجهتَ في الماضي، فإنَّ لديك الإمكانيَّة لقهره ودحره.

٤. ركِّز على المستقبل.

صرَّح يوغي بِرا، لاعبُ البايسبول الذي أحرز مكانته في قاعة مشاهير هذه الُّلعبة، بأنَّ ’’المستقبل لم يعُد كما كان عادةً‘‘. ولئن صحَّ هذا، فما زال المستقبل المكانَ الوحيد الذي لا بدَّ أن نمضيَ إليه. فإنَّ قدراتك الكامنة قائمة قُدَّامك- سواءٌ كنتَ في الثامنة من عُمرك أو في الثامنة عشرة، أو في الثامنة والأربعين أو في الثمانين. إذ لديك بعدُ فسحةٌ لتنمية ذاتك. ففي وسعك أن تصير غدًا أفضل ممَّا أنت عليه اليوم. وكما يقول المثل الإسبانيُّ فإنَّ’’مَن لا ينظر إلى الأمام يبقى وراء الآخرين‘‘.

زرعُ بذور تُفيد الآخرين

عندما تكون عارفًا مَقصِدَك في الحياة ومُرتقيًا إلى بلوغ إمكانيَّاتك القُصوى، تكون قد وضعت قدميك فعلًا على الطريق المؤدِّي إلى النجاح. ولكنَّ لرحلة النجاح جزءًا مُتمِّمًا مُهمًّا بَعد، ألا وهو مساعدةُ الآخرين. فبغير هذه الناحية، قد تكون الرِّحلة اختبارًا موحشًا وضحلًا.

لقد قِيل إنَّنا نكسب عيشنا بما نحصل عليه، ولكنَّنا نعيش حياتنا حقًّا بما نُعطيه. وقد عبَّر ألبرت ﺷﭭﺎيتزر، الطبيب واللاهوتيُّ والفيلسوف، عن ذلك تعبيرًا أقوى بَعد: ’’إنَّ غايةَ الحياة البشريَّة هي أن نخدم الآخرين ونعطف عليهم ونرغب في مساعدتهم‘‘. وبالنسبة إليه، أفضت به رحلةُ النجاح إلى أفريقيا، حيث خدم الآخرين سنينَ طويلة.

أمَّا بالنسبة إليك، فلن يعنيَ زرعُ بذورٍ تُفيد الآخرين أن تُسافِر إلى بلد آخر كي تخدم الفقراء، اللهمَّ إلَّا إذا كانت تلك هي الغاية التي وُلِدتَ لإتمامها. (وإن كانت كذلك حقًّا، فإنّك لن تشعر بالرِّضى إلَّا إذا كان ذلك ما أنت قائمٌ به فعلًا). ولكنْ إذا كنتَ مثل معظم الناس، فإنَّ مساعدة الآخرين شيءٌ يمكنك القيام به الآن وأنت في بلدك، سواءٌ عنى ذلك قضاءَ وقتٍ أطول مع عائلتك، أو تنميةَ موظَّفٍ ينمُّ عن إمكانٍ واعِد، أو مساعدة أهل الحيِّ أو المنطقة، أو تنحية رغباتك جانبًا في سبيل مصلحة فريقك في العمل. إنَّما المفتاحُ هو أن تهتديَ إلى مَقصِدك وتُساعِدَ الآخرين في أثناء سعيك إليه. وقد أصرَّ المُمثِّل الهزليُّ داني ثوماس على أنَّنا ’’جميعًا مولودون من أجل سببٍ ما، ولكنَّنا لا نكتشف جميعُنا ذلك السبب. فالنجاح في الحياة لا علاقة له أبدًا بما تكسبه في الحياة أو بما تُنجِزه لنفسك، إنَّما هو مرتبط بما تفعله لأجل الآخرين‘‘.

ولن تكون رحلة النجاح واحدةٍ في نظر الجميع، لأنَّ صورة النجاح تختلف في منظور كلِّ شخص. غير أنَّ المبادئ المعتَمَدة للقيام بالرِّحلة لا تتغيَّر. ومن المُمكِن العملُ بها في البيت، وفي المدرسة، وفي المكتب، وفي ملعب الكُرَة، وفي الكنيسة. وذلك هو ما يتناوله باقي هذا الكتاب: المبادئ التي يمكن أن تساعدك على معرفة مَقصِدك، والارتقاءِ إلى أقصى إمكانيَّاتك، وزرع بذورٍ تُفيد الآخرين. فلا يهمُّ أين أنت الآن، إذ تستطيع أن تتعلَّم هذه المفاهيم وتعملَ بها. إنَّ في وسعك أن تكون ناجحًا اليوم.

Page 8

رافِقني في الرِّحلة

فلْأُخبرْكَ الآن عن شخصٍ يُرافِقني حاليًّا في رحلة النجاح. إنَّه تشارلي وَتزِل، وهو يتولَّى عنِّي شؤون البحث والكتابة في ما يتعلَّق بكُتبي ومقالاتي. ولو سألتَه قبلَ بضع سنين عن مفهومه للنجاح، لقال على الأرجح: ’’النجاح هو الفوز بمهنةٍ تتمتَّع بها وتُتيح لك التقدُّم أعلى فأعلى، شاقًّا طريقك إلى قمَّة المؤسَّسة‘‘. فقد كان النجاح في نظره مَقصِدًا، مكانًا تبذل كلَّ جهدٍ كي تصل إليه، ولكنَّ بلوغه يتوقَّف على عدَّة عوامل خارجة عن نطاق سيطرتك: الظُّروف، سياسة الدائرة، الفُرَص، الحظّ. لقد كان مكانًا يرجو أن يبلغه ذات يوم، وإن كان أقلاّءُ جدًّا يبلغونه فعلًا. ما برح شارلي يعمل في معيَّتي على مدى ثماني سنين حتَّى الآن، إنَّما ويُخيَّل إليَّ أنَّه لم يكن مُتيقِّنًا بأنَّه سيبلغه فعلًا. لم تعُد تلك هي طريقةَ تفكيره في النجاح. فهو الآن ينظر إلى النجاح بصفته رحلة، ويعدُّ نفسه ناجحًا. وما انفكَّ يعمل لتحقيق الغاية التي يثق بأنَّ الله وهبه إيَّاها، ألا وهي مساعدة الآخرين على تنمية ذواتهم وبلوغ أقصى إمكانيَّاتهم، وهو يفعل ذلك من طريق الكتابة. إنَّه كلَّ يوم ينمو، ساعيًا إلى الإفادة من إمكانيَّاته القُصوى، مهنيًّا وشخصيًّا وروحيًّا. وعلى طول الطريق، لا يُساعِدني أنا وحدي، بل أيضًا جميعَ الذين يقرأون كُتبي ومقالاتي. فما عاد النجاحُ هدفًا مستقبليًّا بعيدًا جدًّا. بل بات واقعًا حاضرًا ملموسًا.

تُرى، ماذا تغيَّر بالنسبة إلى تشارلي؟ أوَّلُ أمرٍ هو موقفه من النجاح. فهو يقيسه بمعيار آخر ويسعى إليه بعمله اليوميّ. والثاني أنَّه اكتسب كثيرًا من الأدوات التي يحتاج إليها كي يكون ناجحًا، وتلك هي المبادئ التي يشتمل عليها هذا الكتاب. وبالنسبة إلى الكثيرين، ذلك هو كلُّ ما يلزمهم ليصيروا ناجحين. إنَّما الجزءُ الأصعب هو مُباشرةُ المسيرة. ولذلك أُريد أن أُساعدك. فقد كان لي امتيازُ تزويدِ تشارلي وكثيرين غيره بخريطة للرحلة. وهم قدِ اختبروا النجاح، ولا يستمتعون بالرِّحلة فقط، بل يصحبون غيرهم أيضًا.

فهلَّا تسمحُ لي بأن أُزوِّدك بخريطة الرحلة هذه، حتَّى تعرف أنت أيضًا ما يعنيه قيامُك برحلة النجاح. فلن تنظر أبدًا إلى النجاح ثانيةً بمنظارك المعهود، ولَسوف تتغيَّر حياتك إلى الأبد. ولا بدَّ أن تُوافِق على ما ورد في أحد الأعمدة الصحافيَّة بقلم وِت هُبز: ’’النجاح هو أن تستيقظ في الصباح، كائنًا مَن كنت، وأينما كنت، ومهما كنتَ كبيرًا في السنِّ أو صغيرًا، وأن تَثِبَ من على السرير، لأنَّ في الخارج شيئًا يروقُك أن تفعله، وأنت تؤمن به وتُتقِنه، شيئًا أكبر منك ولا تكادُ تُطيق انتظارًا حتَّى تنهمك فيه من جديدٍ اليوم‘‘.

هلُمَّ بنا نَنطلِق!

Page 9

الفصل الثاني
إلى أينَ يروقُني أن أذهب؟

عندما باشرتُ كتابة هذا الكتاب، خصَّصتُ بعض الوقت لمحادثة أكثر من عشرة أشخاص من الأصدقاء والأقرباء والزُّملاء لتبيُّن أفكارهم بشأن السَّفر. ومن الأسئلة التي طرحتُها عليهم أين يذهبون إذا أُتيح لهم أن يقوموا برحلةٍ إلى أيِّ مكان في العالم. وقد أعطَوني تشكيلةً متنوِّعة من الأجوبة.
فمثلًا، أرادت جاين هانسِن أن تعود إلى هايدلبرغ بألمانيا. إذ سبق أن أمضت ثلاث سنين في أنحاءٍ شتَّى مع زوجها براد، وقد أعجبها بشكلٍ خاصٍّ الشعبُ والمناظر الرائعة والطعام في هايدلبرغ وهي ما تزال تحتفظُ بذكرياتٍ طيِّبة عنها.
أمَّا ميريام ﻓﻴﻠﭙﺲ فقالت إنَّها تُريد الذَّهاب إلى أُستراليا لتستكشف الحياة البرِّيَّة وتُشاهِد بعض الحيوانات النادرة، وقد أرادت خصوصًا أن ترى حيوانات الكُوالا بأُمِّ العين. وتوم دَنمان أيضًا أراد الذَّهاب إلى أُستراليا، إنَّما كانت مُنيته الكبرى أن يزور دار الأُوﭘﺮا في سيدني ويحضر حفلةً هناك. وفي الواقع أنَّ توم مُغنٍّ مُبرِّز، لذا كان من الطبيعي خِيارُه السَّفر إلى هناك.
أمَّا تشارلي وَتزِل فقال إنَّه يريد الذَّهاب إلى إنكلترا ليُشاهِد الأماكن المرتبطة بالتاريخ والأدب اللذين درسهما في المدرسة: بُرج لندن، شارع فلِيت، موقع معركة هاستنغز، والرِّيف البُحَيريّ. ذلك أنَّ رؤية تلك الأماكن شخصيًّا من شأنها أن تُحييَ على نحوٍ نابضٍ كثيرًا من القِصَص البارزة التي قرأها.
أمَّا ﭘﺎتي نُل فقالت لي إنَّها تودُّ أن تذهب مرَّةً أُخرى بَعد إلى أفريقيا بصفة مُرسَلة. فإنَّها في شبابها أمضت شهرين ونصفًا من أغنى أيَّام حياتها في ساحل العاج خادمةً للناس هناك. وفي الحال انعطف قلبُها عليهم، وطالما حنَّت للرجوع إلى هناك منذ عودتها إلى الدِّيار.
لقد أمتعني التحدُّث معهم بشأن أحلامهم من جهة السَّفر. وقد أشرقَت عيونُهم وانتعش كلامُهم إذ تصوَّروا في أذهانهم الأمكنة التي سيُشاهِدونها والأنشطة التي سيقومون بها. وسألتُهم أيضًا سؤالًا آخر: لماذا لم يقوموا برحلة أحلامهم؟ فقال اثنانِ منهم إنَّهما لا يريدان أن يذهبا وحدهما وإنَّهما ينتظران ريثما يتيسَّر لهما رفيقُ سَفَر. وأفاد آخرون أنَّ وقتهم لا يتَّسع للسفر.
إنَّني تعلَّمتُ بالاختبار أنَّنا نُخصِّص وقتًا ونرصد مالًا للأشياء التي نعتبرها مهمَّة بقدرٍ أكبر. فجميع الذين يقومون برحلاتِ أحلامهم لا يملكون مَعينًا لا ينضب من المال والوقت. وهم يقومون بالرحلة لأنَّهم يُخطِّطون لها مسبَّقًا، وهم على استعداد لدفع أيِّ ثمن يستوجبه ذهابُهم.
فلْأسألْك الآن سؤالًا مُماثِلًا: إذا أُتيح لك الذهاب إلى أيِّ مكان، فإلى أين يروقك أن تذهب؟ ليس من حيثُ العُطَل الاستجماميَّة، بل في حياتك. وفي جوابك عن هذا السؤال كثيرٌ ممَّا يُحدِّد كونك ناجحًا أو فاشلًا. فأنت ترى أنَّنا جميعنا على سَفَر، عَلِمنا ذلك أم لم نعلَم. إذ إنَّنا نُسافِر حتمًا إلى أواخِر حياتنا. فالسؤال الحقيقيُّ لنا هو: أنختار مَقصِدًا ونتَّخذ مسلكًا لبلوغه، أم نَدعِ التيَّار يجرفنا ونترك للآخرين أن يرسموا أين سينتهي بنا المطاف؟ إنَّ الخيار بمُجمَله في أيدينا.
 

Page 10

ترحالٌ إلى لامكان

إذا كنتَ تُقيم في بلدةٍ ساحليَّة، فربَّما شاهدتَ إعلاناتٍ عن جولاتٍ ترحاليَّة، بل ربَّما شاركتَ في إحداها أيضًا. ذلك أنَّ الناس يصعدون إلى مَتن سفينةٍ جوَّابة، وعندما يُغادِرون رصيف الميناء لا يتوجَّهون نحو جزيرة خضراء، أو موقعٍ خلَّابٍ آخر، بل بالحريِّ ينطلقون إلى عُرض البحر ويُبحِرون في دوائرَ مدَّةَ يومَين. وفي تلك الأثناء يتناولون وجباتٍ شهيَّة، ويستلقون حول بِركةِ سباحة، ويستمتعون بالعُروض، ويُشارِكون في نشاطات تُقام على متن السفينة. وذلك شبيهٌ بالإقامة في فندقٍ أو مُنتجَع فاخر.

إنَّما مشكلة كثيرين من الناس أنَّ حياتهم تُشبِه إلى حدٍّ بعيد هذه الجولات التَّرحالية. فهُم يقومون برحلةٍ ليس لها مَقصِدٌ مُحدَّد، ولا مسلكٌ مرسوم. إنَّهم في وضعٍ مُعلَّق، وهم يشغلون وقتهم ناشدين المسرَّات، أو منهمكين في نشاطاتٍ لا تنطوي على فائدة دائمة لهم أو لغيرهم. وفي أثناء ذلك يُسافِرون في دوائر. ثُمَّ في آخِر المطاف لا ينتهون إلى حالٍ أفضلَ من حالهم لمّا ابتدأُوا. فإنَّ جولةً ترحاليَّة إلى لامكان قد تكون طريقة طريفة لِشَغل بضعة أيَّام من الاستجمام، ولكنَّها ليست طريقة صالحة لقضاء حياتك كلِّها.

وكما سبق أن ذكرتُ، فإنَّ النجاحَ رحلة. فأنت لا تغدو فجأةً ناجحًا حين تصل إلى مكانٍ مخصوص أو تُحرِز هدفًا منشودًا. إنَّما لا يعني ذلك أنَّ لك أن تُسافِر بغير أن تُحدِّد مَقصِدًا. فلا يمكنك أن تبلغ غايتك وترتقيَ نحو إمكانيَّاتك القُصوى إن لم تكُن تدري في أيِّ اتجاهٍ عليك أن تذهب. فينبغي لك أن تُحدِّد مَقصِدَك وتُبحِر نحوه. وبتعبير آخر، لا بدَّ لك من أن تكتشف حلمك.