eKtab
EN ع
خطاب أدب الرحلات في القرن الرابع الهجري
Read free sample

خطاب أدب الرحلات في القرن الرابع الهجري

by نهلة الشقران

Page 1

مقدمة

نشأت الرحلاتُ وتعدَّدت أشكالها، وحفظت جانباً عظيماً من الأدب والعلوم المختلفة كالجغرافيا والتاريخ، وصوَّرت واقعَ كلِّ رحالة. خاطب الرحَّالةُ ذاته قبل أن يخاطب غيره، ووصف موصوفه بدرجةٍ تُماثل تأثيره في نفسه، فشاهَدَ وعايَنَ وصوَّر، في خطاب ذي خصائص مضمونيَّة فنيَّة، وقوالب تعبيرية بنائيَّة تُعَدُّ معايير تحكمُ خطابَ أدب الرحلات.

تميَّز خطابُ أدب الرحلات في القرن الرابع الهجري بطرائقه الوصفية الخاصة، فوصف الأمكنة، وخلق منها مشابهات وجدانية تجعله لا يرى المكان الجغرافيَّ، وإنما يحرِّره من أيِّ سلطة، ليبدو مزدوجاً بين الواقع والتخيُّل، فتصبح له صورة جديدة، لا تُرى إلَّا في منظوره الخاص.

عُرف هذا الخطابُ باختياراته على المستويين، المعجميِّ واللُّغويِّ، فنقل موصوفه واستحضره، كي يسدَّ به شقوقَ متاعب الرحلة، بصبغة خاصَّة يستشعرها متلقِّيه ويردُّها إليه، إذ تمثِّل آليَّاته في خطابه الوصفي، فنظر إلى العالم الخارجي وفق رؤيته الخاصَّة أولاً، ثم محدّدات الواقع ثانياً.

جاء اهتمامي بأدب الرحلات، انطلاقاً من أُطروحتي في الماجستير «رحلة ابن جبير، دراسة تركيبيَّة وصفيَّة»، بإشراف الأستاذ الدكتور سمير استيتية، في جامعة اليرموك، 2006. فوجدتُ في خطاب أدب الرحلات مادة وفيرة للبحث، وفي طرائقه الوصفيَّة ما يوحي ببراعة الواصف ودقَّته، فعمدتُ إلى دراسة خطاب أدب الرحلات في القرن الرابع الهجري، وخصَّصتُ دراستي حول خمس رحلات تُعَدُّ الأشهَر، لأستخلص منها خطاباً موحَّداً شاعَ وتكرَّر، وبرزت سماته العامة، وأصحابها: الهمداني، الاصطخري، ابن فضلان، المسعودي، المقدسي.

عُنيت دراستي بالآليَّات التعبيريَّة في خطاب أدب الرحلات في القرن الرابع الهجري، التي يصف بها موصوفه، باعتماد الأساليب اللغويَّة الأكثر تكراراً في الرحلات الخمس المدروسة، لعرض رؤى الرحَّالة وتطلعاته، جرَّاء تصوير المكان وأهله.. استند تحليلي لخطاب الرحلات إلى الواقع الخارجي للموصوف، والواقع النفسي للرحَّالة، فربطتُ بينهما وفق أُسُس نظرية الخطاب.

وظَّفَ خطابُ أدب الرحلات اختياراته اللغوية، لإيصال ما يريد من رضا وقبول للمكان، أو استياء ورفض له، فجاءت مكرَّرة في الرحلة الواحدة، وفي الرحلات المدروسة كلِّها.. برز التكرار سواء أكان في اللفظ أم في المعنى، واتَّخذ إطاراً عامَّاً يحدِّد هذا الخطاب، ويصبغه بصبغةٍ لغويَّة تجعله ميدانَ دراسةٍ لم تُطرق من قبل، بشكلٍ مخصوصٍ، إذ انصبَّ جُلُّ اهتمام الدراسات السابقة على فائدة الرحلات من النواحي التاريخيَّة، والجغرافيَّة، والدينيَّة، والسياسيَّة، والإنسانيَّة، ولم تدرس دراسات لغويَّة خاصَّة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: «تاريخ الأدب الجغرافي العربي» لكراتشكوفسكي (1957)، و«أدب الرحلة عند العرب في المشرق» لعلي محسن عيسى مال الله (1978)، و«الرحلة والرحَّالة المسلمون» لأحمد رمضان أحمد (1980)، و«الرحلة عين الجغرافية المبصرة» لصلاح الدين الشامي (1982).

أمَّا خطةُ هذا الكتاب، فاعتمدت فيها ما اقتضته ضرورةُ المنهج وطبيعةُ الموضوع، فجاء في ثلاثة فصول هي:

الفصل الأول: الرحلات في القرن الرابع الهجري.

الفصل الثاني: أبنية الخطاب في أدب الرحلات

الفصل الثالث: آليَّات الخطاب في أدب الرحلات.

Page 2

الفصل الأول
الرحلات في القرن الرابع الهجري
دواعي الرحلة

عاش العربُ في بيئة صحراوية، تحنو عليهم حيناً، وتقسو عليهم أحياناً، فتضطرهم إلى الترحال والتنقُّل المستمر، فأوجد هذا الأمر في أنفسهم ميلاً إلى البحث الدائم بأشكاله المختلفة، كالبحث عن الكلأ، والمرعى، والأهل، واللغة، والمال، وغير ذلك. فَألِفوا الترحالَ واعتادوه، وأصبح بذلك استقراراً لهم ومنهجَ حياة.
عرف العربُ، إثر ذلك، الطُّرقَ البرية والبحرية في مناطقَ متعدِّدة، فسهَّل عليهم الأمر الاشتغال بالتجارة كرحلة قريش وغيرها من القبائل في الجزيرة العربية، صيفاً وشتاء، إلى بلاد الشام واليمن، وكان لهذا النشاط التجاري أثره النفسي، علاوةً على أثره المادي، ويتجلَّى هذا الأثر في مسلكيْن مهمَّيْن هما:
-    الاطِّلاع على ثقافات الآخرين، وعلاقاتهم الإنسانية، ووصفها، ومقارنتها، وانتقادها.
- رسم مخطَّط عمراني في مخيلة المتنقِّل لما شاهد أثناء تنقُّله، سواء أقصد ذلك أم لا.
ومن الطبيعي أن ينعكس الأثر النفسي-بمسلكيه- على المجتمع العربي كلِّه شغفاً بنقل التأثُّر بالبلدان وأهلها من جهة، والاعتداد بالثقافات الجديدة التي حصل عليها المتنقِّل من جهة أخرى.
أصبح المتنقِّلُ مُحمَّلاً بالأخبار والمعلومات الوفيرة في مجالات متعدَّدة، منها الطريف والغريب، ومنها التاريخي والجغرافي، ومنها «المتوحِّش والشَّاذ عن قوانين الطبيعة، فأخذ يصبح تدريجياً مدارَ تأمُّل أعمق ومقارنة بين الشعوب»( ). من هذا التصوُّر بدأ التوجُّه إلى الرحلات، والنظر إليها شيئاً مستقلاً له طابعه الخاص.
ظهرت، إذن، ملامحُ الرحلات، بغضِّ النظر عن أهدافها، وعَظُم شأنُ العربي المتنقِّل، واتَّصل بالعالم من حوله إثر التوسُّع السياسي، وانتشار العرب في مناطق بعيدة، فكان لهذا
التوسُّع «أثر بالغ في السياحة، واتِّخاذها وسيلةً للدراسة والوقوف على ما في تلك المناطق من عجائب وغرائب»( )، ومما لا شكَّ فيه أن التوسُّعَ السِّياسي تأثَّر بمجيء الإسلام وانتشاره في مختلف بقاع العالم.
ظهر الفكرُ الإسلامي، وأثَّر بالرحلة، فكان داعياً قوياً من دواعيها، وأسهمت الفتوحات الإسلاميَّة في انتشارها مع انتشار رقعة الدولة الإسلاميَّة، فخرج العربُ من جزيرتهم وطافوا بأركان العالم الوسيط، في آسيا وإفريقيا، واتَّسعت آفاقُ تنقُّلاتهم، وكَثُرت مشاهداتهم، فأدَّى ذلك إلى تنمية الفطرة العربية على التنقُّل، وتبلور هذا الحسُّ متَّخذاً نسقاً خاصاً، وأصبح طريقاً يُحتذى حذوها، يضيف إليه كلُّ متَّبعٍ له معلماً حتى تكتمل صورته.
نشأت الرحلاتُ وتعدَّدت أشكالها في ظلِّ «الأمن والطمأنينة في ديار المسلمين، وفرض النظام في ربوعها، وإشاعة هيبة الدولة في ما وراء هذه الديار، في أنحاء واسعة من جزيرة العرب»( )، فكان هذا أهم دعم تطلبه الرحلة، دون النظر إليها، إن كانت هادفة أم هاجسة تُسيِّرها نزعة ذاتية خاصة.
بناءً على ما سبق، سنُجمل تأثير الفكر الإسلامي في نشوء الرحلات في العوامل الآتية:
أولاً: اهتمَّ الإسلام بالعلم، وحثَّ على طلبه( )، إذْ بعدما توسَّعت الدولة الإسلامية بشكل سريع، وتعدَّدت أقاليمُها المناخية والتضاريسية، اتجه المسلمون، إثر ذلك، يطلبون علوم الدين والدنيا مهما بَعُدت المسافات.
فما وجدوا أنفسهم إلَّا وجهاً لوجهٍ أمام الرحلة، فلم يُسجِّلوا العلم في مدوَّناتهم وحسب، بل سجَّلوا أيضاً سيرَ طرقهم، وما واجهوه من طبيعة وطبائع، وحفظت الذاكرة المكان، وما يتعلَّق به قبل العلم المبتغى.

Page 3

ثانياً: اتجه المسلمون لتأدية فريضة الحج من شتى بقاع العالم، فوصفوا طرق الحجاز ومسالكها ومخاطرها( )، وأكثروا من وصف المقدَّسات الإسلاميَّة.. والحقيقة أن الأراضي المقدسة حظيت باهتمام الجغرافيين أكثر من غيرها( )، نظراً لتعلُّقها الديني والروحي بشخص الرحَّالة.
ثالثاً: حثَّ الإسلام على السياحة لأسباب متعددة، مثل التأمُّل في المخلوقات، والاتِّعاظ من آثار الأمم البائدة، والتعرُّف على المظاهر الكونيَّة المختلفة. ولم يشجِّع الإسلامُ على السِّياحةِ فحسب، بل سهَّل على المسافرين العبادات، كالصوم والصلاة ( )، فجعلهم يقبلون على الأمر بيُسرٍ وسهولة.
رابعاً: أصبح للرحلة بعد نشوء الإسلام ضرورة سياسية وعسكرية، فاتِّساع أطرافها وامتدادها، من حدود الصين شرقاً إلى شواطئ المحيط الأطلسي غرباً، أوجب على ذوي الأمر احتياجَهم للرحَّالة، ومن اعتاد السفر، وألِفَ الطُّرقَ من أجل معرفة أخبار الأقاليم الخاضعة لهم على وجه السرعة؛ «لذلك عنيت الدولة بنظام البريد، فمهَّدت الطُّرقَ له، وشيَّدت المحطَّات، وأقامت على الطُّرقِ معالمَ تبيِّن المسافات»( )، حيث تتصدَّى لنقل الرسائل، وتوصل التعليمات بين أرجاء الدولة وخارجها.
وسعت إلى تأمين استقرار وسلامة الحياة( )، فاتخذت الرحلات وسيلةً من وسائلها في ذلك بالاطِّلاع على الدول المحيطة من جهة، وبالتنقُّل المتواصل بين أطراف الدولة الواحدة لدرء الخطر وإحباطه من جهةٍ أخرى.
خامساً: أضاف الإسلامُ إلى قائمة الرحلات المتنوَّعة ما يُسمَّى برحلة السفارة، وهي
«رحلة المسؤولية والتكليف، ووضع التعليمات موضع التنفيذ أكثر من أيِّ شيء آخر، لمصلحة عامة مشروعة لحساب الإسلام والمسلمين، تعمل بموجب التكليف من ولي الأمر»( )، لنقل مبادئ الإسلام، وتعليم فرائضه من داخل الجزيرة العربية إلى خارجها( ).
نشأ هذا الصنف من الرحلات بأوامر رجال الحكم في الدول الإسلامية في العصور الوسطى للمفاوضة بين أقطارهم وأقطار أخرى أجنبية في مسائل تجارية أو حربية أو لإبرام معاهدات صُلح( ).
سادساً: عرفت الدولة الإسلامية النظام والإدارة وتشكيل الحكومة، وكان لها مدنيَّتها الخاصة، فلم تعد الصحراءُ هاجسَها الأول، بل أمسكت بزمام الانفتاح على العالم من حولها، والسعي وراء كلِّ ما هو جديد، فوظَّفت الرحلة في خدمة مبتغاها.. و«لأن الرحلةَ في البرِّ أو البحر بعيدة المدى، وتكلفتها عالية، والعائد منها ثمين، فلقد تحمَّلت الدولة وبعض أصحاب المصلحة مسؤوليات تمويل الرحلة، في مقابل تكليفها بأداء المهمَّة أو المهام المنوطة بها»( )، فازداد عدد الرحلات وكَثُر المرتحلون، بل ربما توجَّهوا على شكل فرق متخصِّصة من أصحاب الخبرة.
وأخيراً، مهَّد الإسلام طريق الرحلة، وأمَّن احتياجاته، ابتداءً من رحلات الفتوحات الإسلامية، وانتهاءً برحلات العصر الحديث التي سارت على نهج سابقيها، ووجدت به معيناً لا ينضب، فكان الداعي الأول لنشوء الرحلة.
أما الداعي الثاني للرحلة فيتمثَّل في نشوء علم الجغرافيا، والاهتمام به، فهل كانت الرحلة حسَّاً فطريّاً تفجَّر في الإنسان بإبصار الجغرافيا، أم أن علم الجغرافيا نشأ نتيجة الحسِّ الفطريِّ الذي أيقظته الرحلة؟
نعم، يبدو أن الرحلة وراء نشوء علم الجغرافيا، فحقَّقت هدفاً كبيراً من أهداف حركة الحياة على الأرض، فإن قَصُرت مسافاتها أو طالت جنى الإنسان ثمراتها وانتفع بها، ونقلت له ما شاء وما لم يشأ، وصوَّرت له أحداثاً ربما كان من الصعب عليه تخيُّلها، وجعلته يبصـرُ الكونَ من جديد بعين ترى الطبيعة رؤية متفحِّص، وترى الإنسانيَّة رؤية ناقد، وترى التاريخ رؤية مفكر.
كانت الملامح الجغرافية من الأسس المهمة التي قام عليها أدب الرحلة، لهذا وصف الرحَّالون المدن، والطرق، والأنهار، والبحار، والجبال، والمناخ، والطبيعة، وما إلى ذلك. في الوقت الذي نشأت فيه كتب جغرافية متخصِّصة، تسير وفق منهج علمي وطريق شبه موحَّد، يبعدها قليلاً عن الرحلة، ويجعلها ضمن مسلك جغرافي بحت.
رسم عالم الجغرافيا المكان وصوَّره أحسن التصاوير، وظهر علم الخرائط وسيلة مساندة له في هذا الأمر، أمَّا الرحَّالة فأعاد رسم جغرافية المكان بطابع ذاتي. فللجغرافي غايته العلمية في كشف الكون، وللرحَّالة غايات ذاتيَّة تحكمه، تجعله جغرافياً حيناً، وأديباً حيناً، وإنساناً أحياناً كثيرة.
الإنسان الذي وُلد راحلاً-كما يرى « شوقي ضيف»( )- أحبَّ الأرض، وأعطاها كي تعطيه، وشُغل بها وبخباياها، ليوظِّف حسَّه الفطري في التنقُّل، وحدسه الجغرافي الفطري في انتخاب الموطن واختياره.
إذن، فرحلة العربي الأولى من أجل التعايش انبعثت من تفحُّص جغرافي للمكان، وطاوعته، ومن ثمَّ عرفت اختيار الموطن الأنسب( ) في بيئة الجزيرة العربية الصحراوية. في الوقت نفسه كان لعلم الجغرافيا شأن خاص في الرحلة، فاصطحبته في طرقها المختلفة براً وبحراً، وفي تعدُّد المناخات التي عايشها، واستأنست به، وأوكلت إليه مهمة المعاينة والرؤية الفاحصة.
انتفعت الرحلة بالجغرافيا، ووجدت المعرفة الجغرافية وراء الرحلة معيناً زاخراً تتزوَّد منه( )، فطاف الجغرافيون بالعالم الإسلامي وغيره، وقيَّدوا مشاهداتهم، وما يقع تحت أبصارهم، واعتمدوا الرحلة في جمع معلوماتهم الجغرافية لحرصهم وأمانتهم، ووصفوا المسالك والممالك، ميدانياً، دون الاكتفاء بالنقل والرواية عن الآخرين إلَّا في مواضع قليلة، وظهرت طلائع المؤلفات الجغرافية في صدر الإسلام إثر التوسُّع السريع للدولة الإسلامية( )، وتعدُّد أقاليمها.
ظهر الإنتاج الشخصي في التأليف الجغرافي وتفرَّعت اتجاهاته الوصفيَّة والاجتماعيَّة والفلكيَّة والإقليميَّة، «وأصبحت المعرفة الجغرافيَّة في خدمة متطلبات الدولة الإسلاميَّة الكبرى، عسكرياً وإدارياً واقتصادياً»( ).
وفي القرن الرابع الهجري يظهر نضوج الفكر الجغرافي، ويبدو ذلك في رحلات هذا القرن وتميُّزها عن غيرها، إذ بلغ عدد الرحَّالة في هذا القرن ما لم يبلغه في غيره، «فأُتيح للمسلمين أن يحوزوا قصب السبق في ميدان الرحلات، والاكتشاف، والدراسات الجغرافية، وأفادت أوروبا مما كان عند المسلمين من علم بأجزاء العالم المعروفة في القرون الوسطى»( ).
و«ابتداءً من القرن الرابع الهجري تعدَّدت هذه الأسفار الاستكشافية، وازداد أفق الجغرافيين الوصفيين اتِّساعاً، كما ازدادت معلوماتهم دقَّة ووضوحاً»( )، فاهتم الجغرافيون بأقاليم العالم الإسلامي، ووصفوها في كتبهم، وظهرت خرائط «أطلس الإسلام» عند كلٍّ من: البلخي والاصطخري وابن حوقل والمقدسي، وسُميِّت بذلك لأنها تغطِّي أقاليم العالم الإسلامي بسلسلة من الخرائط التي تتماشى مع التقسيم الجغرافي الذي ابتدعه هؤلاء، مخالفين بذلك التقسيمات السابقة، فمَثَّل «أطلس الإسلام» قمَّة علم المصوّرات عند العرب( )،
وتعدَّدت مناهج وصف الرحلات إثر ذلك، لاتِّضاح تكامل الأنماط في المصنفات الجغرافية.
في هذا القرن اهتمَّ الجغرافيون المسلمون بوصف ما شاهدوه، فأدخلوا تقليداً جغرافياً جديداً في الكتابة الجغرافيَّة، وهو استخدام الخريطة مع المتن، لتوضيح التفصيلات الواردة فيه( )، وتظهر هذه المرحلة في كتب المسالك والممالك لابن حوقل والبلخي والاصطخري، فهم جغرافيون وصفيُّون أو رحَّالة علميُّون كما يرى شاكر خصباك( )، حقَّقت الرحلة لهم أشكالاً من التعامل والتعايش والاختلاط بالناس، علاوة على التفاصيل الجغرافيَّة الدقيقة. ويرى علي الدفَّاع أن هذه الرحلات أسفار للمعاينة الميدانيَّة( )، فهي دراسة علميَّة ميدانيَّة بطابع لغويٍّ أدبي.
«سار الجغرافيون المسلمون خطوات عظيمة، إلى حدِّ أنَّ مؤلفاتهم عُنِيَتْ بالجانب الثقافي، والأمور الاجتماعيَّة، ويبدو واضحاً فيها تقرير خطوط العرض والطول لأماكن عديدة، فضلاً عن تلك المادة الوفيرة في مسالك السير والطرق»( ).
مع ذلك لا يفترض أن يكون كلُّ جغرافيٍّ رحَّالةً، وأن يكون كلُّ رحَّالةٍ جغرافيَّاً، فالاجتهاد الشخصيُّ كان المحرِّك الأول لكلٍّ من الرحلات والجغرافيا، وتعدَّدت أشكاله. فمن اجتهاد أديب لغويٍّ، واجتهاد جغرافيٍّ وفلكيٍّ، واجتهاد تاريخيٍّ وإنسانيٍّ، واجتهاد رحَّالة هاوٍ.. «وقد تنطوي الكتابة في الرحلة على خلط بين الحقيقة الجغرافيَّة والحدث التاريخيِّ والسلوك الاجتماعيِّ، وقد يتمادى الخلطُ في الكتابة التي تسجِّل حكاية الرحلة، حتى تستغرق أحياناً في ذكر الغرائب والعجائب التي تستهوي الكاتب»( )، ويحكمه في هذا الأمر ذوقه وميوله واهتماماته، «رغم أن هذا لا ينفي حقيقة التشابه الكبير في بعض الأمور،
لأسباب سياسيَّة ودينيَّة واجتماعيَّة يخضع لها الرحَّالة»( ).

Page 4

ومن فضل الرحلة أنها حفظت جانباً عظيماً من الفكر الجغرافيِّ إلى جانب ما حفظته من التاريخ والأدب( )، بل إنها أولت العناية بالجغرافيا على التاريخ والأدب، وساعد الرحَّالةُ المسلمين في تقديم الجغرافيا( ).
مزجت الرحلة بين العلم والأدب، فمثل العلم بمظاهر الكون المذكورة في صفحاتها بكثرة، وبالحدث التاريخيِّ والاجتماعيِّ والدينيِّ الذي أحاط المعلومة الجغرافيَّة وساندها. أما الأدب فيبدو فيها جليَّاً شاء الرحَّالة أم أبى، يخرج رحلته من مهاد علم الجغرافيا، وينتهج لغة الأدب الجغرافيَّة، ويصف بحسِّ الرحلة الفطريِّ، ولا يغفل الجزئيات الدقيقة التي يسقطها على ذاته، قبل نقلها وتصويرها، فيصالح المكان مع تاريخه هو، ويقدِّمه بمنظور خاص، مع الحفاظ على إطاره العام.
تتجلَّى، أيضاً، الروح الأدبيَّة في مظاهر الخيال المجسَّدة في الرحلة، فيطعِّم أحداثه بحكاية هنا ورواية هناك، بلغة السرد والحوار( )، وتسلسُل الأحداث وحبكها، فسيشعر قبل أن يكتب، ويتأثَّر قبل أن يُؤثِّر، ويعايش قبل أن يصف.
يأخذ الرحَّالة مادته الجغرافية، ويعرضها بأسلوب أدبي
 

Page 5

حصاد الرحلة

ظهر حصاد الرحلة في القرن الرابع الهجري، واكتملت ملامحه، وتنوَّعت أشكاله، فحمل القوالب التصويرية الكثيرة للزمان والمكان والإنسانيَّة، مما جعل نفيس أحمد( ) يرى أن العهد الأصيل والمثمر للجغرافيا الإسلاميَّة ينقضي عند انتهاء المؤلفات المصنَّفة في القرن الرابع الهجريِّ، ويبدو أنه قصد الجغرافيا الإسلاميَّة المعتمدة على الرحلة، فالكتابة في القرن الرابع الهجريِّ اعتمدت بشكل كبير على المشاهدة الشخصيَّة والحسِّ، ومن ذلك عنايتها بالمسالك والطرق والمسافات وندرة الإحصاءات( ) عند الجغرافيين، إن لم نقل انعدامها.
مثَّل الجغرافيون العرب في هذه المرحلة مدرسة خاصة بهم، اتَّسمت بطابع الأمانة العلميَّة، باعتمادها الرحلة سبيلاً في توثيق معلوماتهم، فعرَّفوا العالم، شرقه وغربه، في أقطار الدولة الإسلاميَّة خاصة، ووصفوها أحسن الوصف وأدقَّه، فأرسوا بذلك قواعد الجغرافيا الوصفيَّة والدراسة الميدانيَّة التي جاءت في ما بعد.
هذا الأمر جعل الجغرافيا تختلط بالرحلات-كما ذكرت- واستمرَّ الاتصال بينهما مدة لا يُستهان بها عند معظم الجغرافيين. أمَّا من انتحوا الرحلة وحسب، فكانت جغرافيتهم بشريَّة أكثر منها طبيعيَّة، ويبدو أن أنواع الرحلة تعدَّدت في القرن الرابع الهجريِّ، وتبلورت في الأشكال التالية:
1.    رحلات اعتنت بأقطار العالم الإسلاميِّ ووصفت بلدانه وجغرافيَّته وأهله، ومزجت بين الجغرافيا الوصفيَّة والعلوم الأخرى كالتاريخ، وعلم الإنسان، واللغة، وعلوم الدين، وما يمثلها كتابات البلخي، والاصطخري، وابن حوقل، والمقدسي.
2.    رحلات متخصِّصة في قُطر واحد، جغرافياًّ وعُمرانياً وإنسانياً، كالهمداني في كتابه
«صفة جزيرة العرب».
3.    رحلات تاريخيَّة أكثر منها جغرافيَّة أو إنسانيَّة، وقد عُنِيَ أصحابها بالجانب التاريخيِّ، وتدوين القصص والأخبار أكثر من عنايتهم بوصف المشاهدة المباشرة، وخير مثال لها المسعودي في كتابه «التنبيه والإشراف».
4.    رحلات إنسانيَّة اهتمَّت بوصف عادات الناس وسلوكهم، وعُنِيَ أصحابها بالتحليل الدقيق لما شاهدوه، فاحتوت ملامح علم الإنسان وبذوره، ومثالها «رحلة ابن فضلان إلى بلاد الترك والخزر والصقالبة».
الرحلات، إذن، لها طبيعة وصفيَّة تقرِّبها حيناً من الجغرافيا، وتبعدها عنها أحياناً أخرى، بفرضها على منتهجها نظاماً وصفيَّاً، يجعله يمرُّ بعيون البشر قبل زوايا المكان، ثم ترتد الرؤية الوصفيَّة لبؤرتها في مخيِّلته، قبل تسجيل الحدث، وكأننا أمام شبكتين بصـريتين( )، الأولى: متمثلة بالمكان المرتَحَل إليه وأهله وزمانه، والثانية: متمثلة بالرحَّالة وما علق به من المكان والأهل والزمان.
يتمثَّل حصاد الرحلة في نهاية الأمر بعين الرحَّالة نفسه، ونقل سطوة المكان أمام سطوة مخيِّلته، حتى يتضاءل تاريخ المكان في معظم الأحيان أمام تاريخه الشخصـيِّ الذي يحرِّكه، ويقوده في وصفه لما يرى، «فالرحَّالة لا يقدِّم المكان الجغرافيِّ، بل يقدِّم المكان من خلال منظوره الخاص»( )، ورغم أن الرحَّالة يصف أمكنةً ومسالكَ، إلا أنه ينتهج لغةَ خطابٍ من
نوعٍ مَّا بينه وبين المكان، قد لا يحسَّ بها إلَّا من التمس حصاد الرحلة عن قرب، وعايش اللفظ.

Page 6

وسنُجمِلُ حصاد الرحلة في النقاط الآتية:
أولاً: اشتملت الرحلات على الوصف المكانيِّ، وألقت الضوء على جغرافيَّته، فأكثرت من وصف التربة، والمياه، والطقس، والتضاريس.
ثانياً: لم تهمل الرحلات أهمية المكان بأحداثه التاريخية ومذاهبه الدينيَّة، فاستشعرت جانب الأمان بالتاريخ والدين، وأرست ترحالها في دعائمهما، وتمسَّكت بنشرهما في ثنايا الرحلة.
ثالثاً: حرَّك الحنينُ إلى الوطن أحاسيسَ الرحَّالة، فجعله يصف ما يرى، ويقارن- دون أن يعي- المرئي بما ألِفَه واعتاده، ويبدو ذلك عند حديثه عن الطقوس، والعادات، والسلوك، فكثيراً ما يذكر استياءه، ويصف شعوره، ويُنصِّب نفسه حكماً على ما يرى.
رابعاً: أكثر الرحَّالة من أساليب التفضيل المختلفة، فكثرة التطواف جعلته يفاضل بين ما يرى من أمكنة، ومعابر، وطرق، ومعالم. فكرَّر الألفاظ التفضيليَّة نفسها كثيراً، وامتلأت الرحلات بألفاظ «أكبر وأجمل، وأوسع، وأشدّ، وأصفى..... إلخ».
خامساً: رافق هاجس الخوف الرحَّالة في تجواله، فإن اعتاد الترحال ووجد مبتغاه فيه إلَّا أنه لم يسلم من مخاطر الطرق ومصاعبها، فجعلته تجربة السفر يُكثر من ذكر الحصانة والمناعة، وينظر إلى المعالم نظرة متفحِّص، ويبحث عن الأمن والاستقرار، فاهتمَّ بوصف البلدان إن كانت مأهولة ومسوَّرة ومحصَّنة، وما إلى ذلك.
سادساً: أدَّت الرحلة أثرها في الكشف الاجتماعي، فقارنت بين النُّظم الاجتماعيَّة لدى البشر، «الأمر الذي جعل المؤرخين يرون أن تلك المعرفة قد وضعت الجذور الأولى لمادة الإثنوجرافيا»( )، فاعتناؤها بالنظم الاجتماعيَّة، أو علم الإنسان، أو علم الجغرافيا البشريَّة
أكَّد حقيقةً مؤدَّاها أن الرحلة كشفت العالم والإنسان، فوقفت على أحوال كثير من الأمم والشعوب، وقد حاول الرحَّالة في بعض الأحيان تحليل وتفسير ذلك وربطه بالبناء الاجتماعي، دون أهدافٍ علميَّةٍ محدَّدة( ).
وبعد هذا العرض المجمل لحصاد الرحلة في القرن الرابع الهجري، سأذكر أصحاب الرحلات الخمس التي قامت عليها هذه الدراسة:

1. الهَمْداني (280- 334 هـ)
هو أبو محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب بن يوسف بن داود الهمداني، سُمِّي ابن الحائك( )، ولسان اليمن، ويُسمِّيه ياقوت في معجم البلدان (ابن الدمينة) نسبةً إلى جدِّه ابن أبي الدمين( ).
أقام في مكة مدة، اتجه فيها لرواية الحديث وكتابة الفقه، ثم عاد إلى اليمن، فنزل صعدة (قاعدة أئمة الزيدية)، ولم تطُل إقامته بها، إذ دخل في نزاع مع شعرائها أدخله السجن، ثم توفي في سجن صنعاء، ضحية مكائد خصومه( ).
اشتهر الهمداني بعلوم كثيرة منها النحو والأدب والتاريخ والجغرافيا وعلوم الأرض، وتفنَّن في الأدب الشعبي القديم في جنوب جزيرة العرب، ويرى كراتشكوفسكي أن مصنَّفه (الإكليل) خير دليل على سعة معارفه، ويعتبر اشبرنجر رحلته «صفة جزيرة العرب» إلى جانب كتاب المقدسي أقْيَمَ ما أنتجه العرب في الجغرافيا( ).
احتوت رحلته معلومات عن الظواهر الطبيعية للجزيرة العربية، ولسكانها،
ولمحصولاتها الحيوانية والنباتية والمعدنية، ولمعابرها البريَّة والبحريَّة، وقدَّم الكاتب معلومات أصيلة عن اليمن لم يسبقه إليها أحد( )، فلم يستند إلى النقل من السلف، بل كان يجوب أركان الجزيرة العربية، يبحث فيها، ويدوّن ما يراه من أسرارها.
لم يكن الهمداني رحَّالة وحسب، ولا جغرافيَّاً وحسب، بل هو متعدِّدُ الثقافة والمعرفة، له اطلاع واسع بالأنساب والتاريخ والآثار، علاوة على تملُّكه ناصية المادة الأدبيَّة( ) بدقَّة وصفه وجمال تعبيره.

Page 7

2. ابن فضلان
هو أحمد بن فضلان بن العباس بن راشد، كان مولىً لأحد العباسيين، لا يعلم المؤرِّخون شيئاً عن حياته، ولكن مما لا شكَّ فيه أنه ارتحل سنة 309 هـ إلى بلاد البلغار، والحقُّ أن لهذه الرحلة شأناً عظيماً؛ لأن ابن فضلان كان رسولاً للخليفة العباسي المقتدر بالله (295- 320 هـ) في بعثة إلى ملك البلغار، بعد أن أسلم، وكتب إلى الخليفة بذلك كتاباً يسأله أن يرسل إليه من يفقِّهه في الدين ( )، فأرسل الخليفةُ أحمدَ بن فضلان رئيسَ بعثةٍ إلى ملك الصقالبة.
بعد عودته إلى بغداد وضع كتاباً في وصف رحلته إلى القوم، وأَلمَّ إلماماً دقيقاً بأحوالهم وعاداتهم ومعتقداتهم، ولم يصف شعب البلغار وحده، بل وصف أيضاً الخزر والروس.
تُعَدُّ رحلة ابن فضلان أثراً طريفاً من آثار عصـره، فهي تُقدِّم صورة حية للظروف السياسيَّة في العالم الإسلاميِّ، والعلاقات بين بلاد الإسلام والبلاد المجاورة لها( )، ويعدُّها شوقي ضيف رمزاً لرحلات العرب في أوروبا( ).
وُصِفَ ابن فضلان بالذكاء والحنكة السياسية( )، وعُرِف بأسلوبه القصصيِّ السلس الذي لا يخلو بين آونة وأخرى من بعض الدعابة التي ربما لم تكن مقصودة( ).
طُبعت الرحلة مرتين( ) بنقص ملحوظ فيها، ويزعم سليمان المدني أنه وجد تكملة الرحلة، ويؤكِّد ذلك في كتابه «أكلة لحوم البشر، عن مخطوطة لابن فضلان»، فيخلط ما حقَّقه سامي الدهَّان، مع ما وجده ظناً منه أنه بذلك سدَّ الثغرات في النسختين( )، ولكن ما جاء به ليس سوى رواية لروائيٍّ أمريكيٍّ، اعتاد مزج التاريخ بالخيال والأسطورة، لجذب القرَّاء إليه، ولا يخفى على قارئ كتاب المدني أنه يحوي فكراً ولغة لا تمت لأدب الرحلات بصِلة.
وقع حيدر غيبة في الخطأ نفسه عندما أصدر كتابه سنة 1994، بناءً على رواية مايكل كرايتون (Eaters of the Dead) ( )، فظنَّ أنها صورة للمخطوطة الضائعة، ويبدو أن رحلة ابن فضلان في طبعة كرايتون المزعومة خلت من الفقرات الخاصة بزيارة بلاد الصقالبة التي هي الهدف الأساسي من مهمَّة ابن فضلان، وكذلك الجزء الخاص بزيارة بلاد الخزر، وكلاهما موجود في الطبعة العربية (طبعة مشهد) التي حقَّقها الدهَّان، وفي الوقت ذاته خلت الطبعة العربية من زيارة ابن فضلان لبلاد الشمال المعروفة باسم (اسكندنافيا)، ووجدت عند كرايتون بمغامراتها المثيرة ومعلوماتها الوفيرة، وهذا الجزء يشكِّل نحو ثلاثة أرباع حجم الرحلة الأساسي.
هذا الأمر أوقع حيدر غيبة بخطأ اعتبار الرواية الخيالية لكرايتون مخطوطة جديدة عثر عليها لابن فضلان، إذ التقط كرايتون شيئاً من التاريخ، ونسج منه خيالاً واسعاً، ويبدو أنه يلجأ إلى ذلك كثيراً في كتاباته.
 

Page 8

. الاصطخري
هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسي الاصطخري، يُعرف في بعض الأحيان باسم الكرخي، ترجع تسميته إلى اصطخر بفارس( ).
زار معظم البلاد الإسلامية، فألَّف كتابه «المسالك والممالك» بناءً على مشاهداته، تميَّز كتابُه عن غيره بكثرة الخرائط التي استخدمها كوسائل إيضاح( )، فسُمٍّي «دليل الرحَّالة الجغرافي»( ).
درس الأراضي وأبعادها ومراكز العمران فيها، ووصَف المسطَّحات المائيَّة في العالم والحدود والمساحات، فكان أول من قسَّم الأرض عشريـن جزءاً( ) منفصلاً بذلك عن بطليموس.
يقودنا الاصطخري إلى علَمَين آخرين من أعلام الرحلة في القرن الرابع الهجري، هما البلخي (ت 307 هـ)، وابن حوقل (ت 336 هـ)، إذ يُعدُّ الأول «رائد مدرسة البلدانيين الخرائطيين» المساهمين في أطلس الإسلام، وقد أرسى بذلك أساس سلسلة جديدة من المؤلفات الجغرافيَّة المشتملة على خرائط»( ).
ألَّف كتابه «المسالك والممالك» الذي تضمَّن الأشكال أو صوَّر الأقاليم، ولكن هذا الكتاب المهمّ لم يصل إلينا، إلَّا أن مضمونه وصل برواية الاصطخري( )، ويبدو ذلك من الاسم المشترك للرحلتين.
يقول كراتشكوفسكي: «وقد ثبت بعد الفحص الدقيق أن بعض المخطوطات التي
نُسِبت في فهارس المخطوطات أو حتى في الأصل إلى البلخي إنما تمثَّل في الحقيقة مسوَّدات لمصنَّف الاصطخري أو ابن حوقل»( )، فربما كانت رحلة البلخي وهمية أو أنها حقيقيَّة تناولتها صفحات الضياع إلَّا أن المعلومات وافيةٌ عن صاحبها( ).
أمَّا ابن حوقل، فيُعتقد أنه راجَعَ للاصطخري نصوصاً وخرائط، بناءً على طلب الاصطخري نفسه، لثقته بخبرته الكبيرة التي اكتسبها في رحلاته العديدة، عندما لقيه سنة (340 هـ)، ثم طلب منه الاصطخري أن يعيد النظر في كتابه كلِّه، ففعل ابن حوقل ذلك( ).
إذن، كتاب ابن حوقل «المسالك والممالك» أو «صورة الأرض» في حقيقته مستمدٌّ من الاصطخري، إلَّا في بعض الإضافات القليلة أو التصويبات في مجال رسم الخرائط، ولا تختلف مقدمة ابن حوقل كثيراً عمَّا ذكره الاصطخري في مستهلِّ كتابه، إلَّا في بسط القول وإيضاحه بصورة أكبر»( ).
يقول عبدالرحمن حميدة: «نستخلص من مقارنة كتاب ابن حوقل بكتاب الاصطخري أن الأول يدين للثاني بأكثر مما يعترف به، فقد أخذ عنه مخطَّطَه، فضلاً عن فصول برمَّتها»( )، ويرى علي مال الله الرأي نفسه( ).
 

Page 9


4. المسعودي (287-346 هـ)
هو أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي المؤرِّخ، من ذريَّة الصحابي عبدالله بن مسعود، أكثر الكتاب الجغرافيين أصالة في القرن الرابع الهجري، كما يراه كراتشكوفسكي،
فهو مرتكز يُرجع إليه في تحقيق الأخبار، ومراجعتها»( ).
زار معظم أجزاء الدولة الإسلامية، فغطَّت رحلاتُه جميعَ الأقاليم، وقد ارتحل وهو في ريعان شبابه رحلات طويلة واسعة، واستمر ذلك نحو خمس وعشرين سنة، فسجَّل في مؤلفاته ما شاهد وما سمع وما قرأ( )، فخرجت مؤلَّفاتُه كاملةً في شكل دائرة معارف في معظم فروع المعرفة( )، «فلم يكن رحَّالة يحبُّ الاستطلاع فحسب كالمقدسي، بل كان أيضاً عالماً»( ).
أمَّا مُصنَّفه «التنبيه والإشراف»، فيظهر فيه مادة جغرافيَّة بالمعنى الصحيح، بالقياس إلى كتابه «مروج الذهب ومعادن الجوهر» الذي يُعدُّ كتاباً تاريخيّاً بالدرجة الأولى، ولم يغفل عن التاريخ في «التنبيه والإشراف»، لكنه جمع فيه بين التاريخ والجغرافيا والسياسة والعمران، فهو «يتضمَّن معظم ضروب العلم في عصره، ويمتاز على غيره من الكتب العربية بكثرة ما فيه من أخبار الأمم التي كانت تحيط بالعالم الإسلامي في العصور الوسطى، وبندرة هذه
الأخبار»( )، فجاء كتابه، إثر ذلك، بعيداً نوعاً ما عن التنظيم، لاشتماله على معارف كثيرة.
احتوت الرحلة مادة ضخمة جمعها في فترة زمنيَّة قصيرة، ويبدو أنه لم ينتقِ ممَّا جمع، بل أورد كلَّ خبرٍ سمعه، وكلَّ حادثٍ شاهده، هذا ما جعله مؤرِّخاً أكثر منه رحَّالة يميل إلى اللغة السلسة المألوفة. فيرى كراتشكوفسكي أسلوبه «وإن كان لا يرقى إلى مصاف الأدباء المتخصِّصين، غير أنه يمتاز بمسحة أدبية جيدة»( ).
 

Page 10

. المقدسي (335- 390 هـ)
هو أبو عبدالله محمد بن أحمد بن أبي بكر، من بيت المقدس بفلسطين، وإليه يُنسب( )، اعتمد في كتاباته على رحلاته الواسعة التي غطَّت جميع أقاليم العالم الإسلامي، باستثناء الأندلس والسند( )، عُرف عنه حب الترحال، والتنقُّل، والبحث عن المعرفة.
«أعاد المقدسي تقسيم العالم إلى أربعة عشر إقليما،ً وأفرد لكلِّ إقليمٍ خارطة. فهو، إذن، يخالف تقسيمات سابقيه عن قصد، إذ لا يتبع التقسيم إلى سبعة أقاليم أو عشرين إقليماً، ويختار لتقسيماته الجديدة عدداً من المبرِّرات والأسس الجغرافية عن طبيعة بشريَّة»( )، وهذا يدلُّ على ثقته الكبيرة بنفسه، ومحاولته إبرازها وتميُّزها.
وتأكيداً لما سبق، نجده في كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» يذكر غير مرة فضل هذا الكتاب على كتب الآخرين، ويفتخر ويعتدُّ به، ويبدو ذلك أيضاً من عنوان كتابه.
يقف المقدسي موقف الناقد أحياناً من السابقين له في مجاله( )، وهذا الأمر لا يقلِّل من شأن رحلته، إذ تختلط فيها الجغرافيا بالأخبار، والعمران، وأحوال الناس.
جاء كتابه مُنظَّماً مُبوَّباً، له طابعٌ علميٌّ دقيق( )، يرسم به الخرائط ويحدِّد الطرق، ويصوِّر الأقاليم بمنهجيَّة واضحة؛ لذا حقَّق شهرة عظيمة، إذ يُعدُّ مصدراً ضرورياً لكلِّ باحثٍ في علم الجغرافيا بوجه عام ومفهوم الأقاليم بوجه خاص، علاوة على استفاضته لنواحي الحياة الاجتماعيَّة، والاقتصاديَّة، والفكريَّة بدقَّة وعناية بالغتين( ).
كانت الأسفارُ هوايتَه، والرحلاتُ سبيلَه، فلم يبخل بوقت أو جهد أو مال من أجل
تحقيق غايته، فيقال إنه أنفق عشرة آلاف درهم في ذلك( )، ممَّا جعل عبدالرحمن حميدة يرى أنه يعمد في رحلاته إلى التنكُّر وتغيير اسمه، والدخول في الطوائف المختلفة، كي تسنح له الفرصة دراسة بيئاتها، والوقوف على عاداتها وأحوالها( )، لشدة ولعه بالرحلات، وتعلُّقه بها.
يُعتبرُ المقدسيُّ خاتمةَ الجغرافيين الكبار من المدرسة العربية التي بلغت أوجها في القرن الرابع الهجري، وهو في رأي المستشرقين أعظم الجغرافيين عند العرب في جميع عصورهم( )، ويذكر بعض النقاد أن كتب المقدسي وابن حوقل في القرن الرابع الهجريِّ كانت الذروة التي بلغها العرب في وصف البلدان، فاعتبر آدم متز كتابه ذروة ما وصلته كتب الجغرافية العربية من تقدم في وصف البلدان ( ).