Page 1
محمود درويش
(13/03/1941- 09/08/2008)
ولد محمود درويش في قرية "البروة" القريبة من عكا، شمال فلسطين، ولجأ مع عائلته خلال نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948 إلى لبنان، حيث مكثت عائلته عامًا واحدا، وعادت "متسلّلة" إلى قريتها التي كانت تعرضت للتدمير الكامل، فأقامت في "دير الأسد" المجاورة. انضمّ إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي مطلع سنوات الستين من القرن العشرين وانتقل إلى حيفا، حيث عمل محررًا في صحيفة "الاتحاد" ومجلة "الجديد" الثقافية، التي اصبح رئيسًا لتحريرها. تعرض للاعتقال والإقامة الجبرية عدّة مرات خلال عقد الستينات بسبب نشاطه السياسي والثقافي. غادر حيفا عام 1971 للدراسة في موسكو، واقام فيها عامًا واحدًا، قبل أن يقرر التوجّه إلى القاهرة، حيث عمل محررًا في صحيفة "الأهرام". غادر القاهرة إلى بيروت عام 1972 والتحق بمنظمة التحرير الفلسطينية وعمل في مؤسساتها الثقافية، ترأّس "مركز الدراسات الفلسطينية" وأسس مجلة "الكرمل" ورأس اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين وارتبط بعلاقات وثيقة مع القيادة الفلسطينية. غادر بيروت عام 1983 بعد خروج المقاومة الفلسطينية منها في اعقاب الاجتياح الاسرائيلي لها وتنقّل بين قبرص وتونس وسوريا قبل أن ينتقل للإقامة في باريس. انتخب عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية نهاية الثمانينات واستقال منها تحفظًا على اتفاق اوسلو بين المنظمة وإسرائيل. صاغ بمشاركة المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد وثيقة اعلان الاستقلال الفلسطيني عام 1988 . أصدر 30 عملًا شعريا و10 اعمال نثرية حقّقت له حضورًا باهرًا في الوجدان الفلسطيني والعربي واعتبر احد أهم رواد الحداثة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، ترجمت اعماله إلى 22 لغة، وبيع من اعماله أكثر من مليون نسخة، كما حاز عشرات الجوائز الأدبية الرفيعة وشهادات الدكتوراة. عاد إلى الوطن لأول مرة عام 1996 للقاء الروائي إميل حبيبي الذي توفي في ذات يوم وصوله، فرثاه وشارك في جنازته في الناصرة. أقام منذ عام 1997 متنقلًا بين عمّان ورام الله. عاد صيف عام 7002 الى حيفا وقدم أمسية احتفالية وتاريخية في المدينة. توفي في مدينة هيوستن الامريكية اثر عملية جراحية في القلب ودفن في رام الله. تحوّل يوم ميلاده إلى "يوم الثقافة الوطنية الفلسطينية".
Page 2
I
خطابُ الجُلوس
سأختارُ شعبي،
سأختارُ أفرادَ شعبي،
سأختاركم واحدًا واحدًا، من سلالةِ أمِّي ومن مذهبي،
سأختاركم كي تكونوا جديرينَ بي.
إذن، أوقِفوا الآنَ تصفيقَكم كي تكونوا جديرينَ بي،
وبحبّي،
سأختارُ شعبي سياجًا لمملكتي، ورصيفًا لدربي.
قِفوا – أيّها الناسُ- يأ أيّها المنتَقونَ كما تنتقى اللؤلؤة،
لكلّ فتًى إمرأة
وللزوجِ طفلانِ: في البدء يأتي الصبيّ
وتأتي الصبيّةُ من بعدُ. لا ثالثَ.. وليعمّ الغرامُ،
على سنّتي، فأحِبّوا النساءَ، ولا تضرِبوهنَّ إن مسّهنَّ
الحرامُ،
سلامٌ عليكم.. سلامٌ سلامُ
سأختارُ مَن يستحقُ المثولَ أمامَ مدائحِ فِكري
ومَن يستحقُ المرورَ أمامَ حدائقِ قَصري
قِفوا، أيّها الناسُ، حوليَ خاتَمْ
Page 3
لنصلحَ سيرةَ حوّاء.. نصلحُ سيرةَ آدمْ
سأختارُ شعبًا محبًّا، وصلبًا، وعذبًا
سأختارُ أصلحَكم للبقاءِ، وأنجحكم في الدّعاءِ لطول
جلوسي..
فتبًّا
لما فاتَ من دولٍ مزّقتها الزوابعْ!
لقد ضِقتُ ذرعًا بأميّةِ الناسِ، يا شعبُ، يا شعبيَ الحرّ،
فاحرسْ
هوائي من الفقراءِ، وسربِ الذبابِ، وغيمِ الغبار
ونظّفْ دروبَ المدائن من كلّ حافٍ، وعارٍ، وجائعْ
فتبًّا لهذا الفسادِ، وتبًّا لبؤسِ العبادِ الكسالى
وتبًّا لوحلِ الشوارعْ!
سأختارُ شعبًا من الأذكياءِ، الودودين، والناجحين
سأختاركم وفقَ دستور قلبي:
فمَن كانَ منكم بلا علّةٍ- فهو حارسُ كلبي
ومَنْ كان منكم طبيبًا- أعيّنهُ سائسًا لحصاني الجديدْ
ومَنْ كانَ منكم أديبًا- أعيّنهُ حاملًا للنشيدْ
ومنْ كانَ منكم حكيمًا- أعيّنهُ مستشارًا لصكِّ النقودْ
ومَنْ كان منكم وسيمًا، أعيّنهُ حاجبًا للفضائحْ
ومَنْ كان منكم قويًّا- أعيّنهُ نائبًا للمدائحْ..
ومَنْ كانَ بلا ذهبٍ، أو مواهبَ- فلينصرفْ
ومَنْ كانَ بلا ضَجَرٍ ولآلئَ- فلينصرِفْ
Page 4
فلا وقتَ عنديَ للقمحِ والكدحِ.. ولأعترفْ
أمامكَ يا أيّها الشعبُ- يا شعبيَ المنتقى بيديّ
بأني أنا الحاكمُ العادلُ
أنا الحاكمُ المتسامحُ والعادلُ
كرهتُ جميع الطّغاةِ، لأنّ الطّغاةَ يسوسونَ شعبًا من الجَهَلَة
ومن أجل أن ينهضَ العدلُ فوقَ الذّكاءِ المعاصرِ.. لا بدّ من
برلمانٍ جديد، ومن أسئلة:
مَنِ الشعبُ، يا شعبُ، هل كلّ كائنْ
يسمى مواطنْ؟
ترى، هل يليقُ بمَن هوَ مِثلي قيادةَ لصٍّ، وأعمى، وجاهلْ؟
وهل تقبلونَ لسيّدكم أن يساويَ ما بينكم، أيّها النبلاءُ،
وبينَ الرّعاعِ اليتامى الأراملْ؟
وهل يتساوى هنا الفيلسوفُ مع المتسوّل، هل يذهبانِ إلى
الاقتراعِ معًا كي يقود العوامُ سياسةَ هذا الوطنْ؟
وهم أغلبيّتكم، أيّها الشعبُ، هم عددٌ لا لزومَ له إن أردتمْ
نظامًا جديدًا لمنع الفِتَنْ
إذنْ،
سأختارُ أفرادَ شعبي: سأختاركم واحدًا واحداً كي تكونوا
جديرينَ بي، وأكونُ جديرًا بكمْ
سأمنحكم أن تخدموني
وأن ترفعوا صوري فوقَ جدرانكم
وأن تشكروني لأنّي رضيتُ بكم أمّةً لي..
Page 5
سأمنحكم حقَّ أن تتملّوا ملامحَ وجهيَ في كلِّ عامٍ جديد..
سأمنحكم كلّ حقٍ تريدونَ: حقّ البكاءِ على موتِ قطٍّ شريد..
وحقّ الكلامِ عن السيرةِ النبويّةِ في كلِّ عيد
وحقّ الذهاب إلى البحر في كلّ يومٍ تريدون..
لكم أن تناموا كما تشتهون: على أيّ جنبٍ تريدونَ.. ناموا!
لكم حقّ أن تحلموا برضايَ وعطفي، فلا تفزعوا من أحدْ
سأمنحكم حقّكم في الهواءِ، وحقّكم في الضياءِ، وحقّكم في
الغناءِ
سأبني لكم جنّةً فوق أرضي.. كلوا ما تشاءونَ من طيّباتي
ولا تسمعوا ما يقولُ ملوكُ الطوائفِ عنّي..
وإني أحذّركم من عذابِ الحسدْ!
ولا تدخلوا في السياسة إلا إذا صدرَ الأمرُ عنّي
لأنّ السياسةَ سجني..
هنا الحكمُ شورى.. هنا الحكمُ شورى:
أنا حاكمٌ منتخَبْ
وأنتم جماهيرُ منتخبةْ..
ومن واجب الشعب أن يلمسَ العتبةْ
وأن يتحرّى الحقيقةَ ممن دعاهُ إليه، اصطفاهُ، حماهُ من
الأغلبيّة، والأغلبيّةُ متعِبَةٌ متعَبةْ..
ومن واجبِ الشعبِ أن يتبرّأ من كلّ فردٍ نَهَبْ
وغازَلَ زوجةَ صاحبهِ، أو زنا، أو غَصَبْ