بـؤس الكتابة
ندعي أننا نعرف. ندعي أن ما نكتبه حقيقي. نحمل القلم على محمل الجد. ننقضُّ على الحدث ونلقنه دروساً في التحليل والتفسير والتفكير. نظن أننا من أهل اليقين... ثم، في لحظة وعي نادرة، نكتشف أننا كنا شهوداً رديئين، ومعانين مدَّعين، وكتّاباً بأخطاء باهظة.
عصر عربي كامل ينقلب عقباً على عقب. عصر حظي بعبقرية غير مسبوقة في القتل، قتل الجسد وقتل الروح. عصر سقوط أصلي إلى القاع، بعد قرن من التساقط على السطح، كركام يرثه الركام.. أمة ودَّعت الحياة وانخرطت في صناعة جنازتها. أفكارها نحرت، قضاياها بترت، أرضها انتهكت وشعوبها لم تعد كافية لإرواء عطش المفترسين.
ما علاقتنا ككتّاب بهذا العصر؟ أنكتب فقط وندَّعي أننا نعرف، ونحن بالكاد نحظى بالعبث، نلوكه لغة ونطبعه نصاً ونتلوه كفارة للعجز، على ظن بأننا نقوم بواجبنا، وهو واجب يدعو للرثاء.
عندما استعرضت مقالاتي للعام 2013، اكتشفت الهوّة التي تفصل بين الكتابة عن الحقيقة وبين الحقيقة كما هي مجسّدة في الواقع. مسافات ضوئية بين الدم الذي يبتكر أحداثاً مهيبة ومهولة، وبين الحبر الذي يفتقر لنبض الحياة، في موت الكلام وعجز اللغة وانعدام الفهم.
التراجيديا العربية الراهنة، جديرة بأن تمثل وتؤدَّى، لا أن تكتب. الفرجة أكثر إيحاء من الوضوح اللغوي. الفرجة تدخل الحدث إلى الكيان كله فيرتج. القراءة اقتباس سيء لحدث مدهش ولا دهشة لها، مهما كانت الصياغة وأيّاً كانت الافكار.
لا أعرف العقوبة التي أستحقها. كنت أكتب عن هذه الأمة الفريسة بدمها. لم يكن لي حظ الرماية أو فضيلة إسعاف الضحية. حسبت نفسي ذكياً إذ أفشيت وجع الطريدة بالحبر. انتهكت الحدث ومثّلت به. انتقمت منه، وكأنني بريء من الارتكاب.
يندر أن كنت مبادراً في ما حدث أو مانعاً لأمر لم يحدث. جالساً خلف طاولتي، أقيس العالم بجمل ومفردات، أنصّب نفسي عارفاً ومتنبئاً ومدركاً ومستنتجاً، فيما أنا تمثال متحرك تحركني مفردات اللغة، مدّعياً، إنها ابنة الحدث ومن أصالة الواقع، فيما هي من قاموس جاهز، للانقضاض على الطريدة، بقلمي الذي لا أستشعره بين أناملي... وفيما كنت أصنع نصّاَ فقط، تراءى لي أني أصنع حدثاً أو أضيف إلى حدث... فما حجم هذا الادِّعاء!
في الأصل ، لم يكن لي مكان في هذه الخريطة، ولا أعرف مكاناً لأحد من شعوبها الحقيقية فيها. شعوبنا المقهورة كانت أسيرة هذه الجغرافيا، قبل أن تنفجر، وتندلع داخل حدودها وخارجها محمّلة بأثقال الاستبداد وفروض الانتقام، باللجوء إلى المقدس الديني، الذي تمّ تطويبه، بل تأليهه، في سراديب الاستبدادات العربية والهيمنة الغربية والاحتلال الاسرائيلي... لم نكن شعوباً عاقلة، إلا للحظات، ولكننا كنا شعوباً غاضبة، لأوقات لم تتوقف عن كتابة «بؤس التاريخ العربي الحديث».
في الأصل إذاً، لم يكن لي مكان في هذه الخريطة العربية المترامية في اضطهاداتها وعبادة أسلافها وكره حاضرها. آثرت التسلل إلى المشهد، متسلحاً بنبل المقصد وشرف المهنة. خدعت نفسي بالحجة والادعاء، بأن للكاتب مهمة وأن عليه واجباً يقتضي منه التزاماً. أقنعت نفسي بنبلي (يا لبؤس المنحة!) فاخترت زاوية للرماية بالكلام... ومن هناك انخرطت في بكائية المأتم العربي الكبير وفي إشاعة غضب مجاني، يصيبني وحدي ولا يشعر به سواي.
من سوء حظ المشهد أن شيئاً لم يعتكر في الواقع، وأن المشهد العربي برمته. لم يتأثر بمأثور ما كتبت وما كتبناه، ولا هو كان بحاجة إلى نص أو فكر أو وصف. بلاغته كحدث مفصلي صاعق، فوق كل بلاغة، وإيحاءاته شتى وأغنى من الوحي الالهي، إذ لم يصْدُق أن كان التاريخ صادقاً معنا، بهذه الصورة، فانصاع لنا، وأتمر بأمرنا، وسجل لنا فضيلة ابتكار القتل المجاني، بكل ما هو جميل، والعفو الإرادي عن كل ما هو قبيح... صدق التاريخ معنا، فلم يزورنا، فيما الكتاب يتبارون في إبراز لغتهم المدّعية والعارفة، وهي على جهل عميم... كتابة ما بعد الحدث، لا تعدو أن تكون نقلاً ناقصاً عنه... ولا مهنة لي غير الرماية بالكلمات، فرميت، وما أصبت أحداً. إلا أنني في لحظات وعي انتابني، وجدت أنني مصاب بإحباط. كنت على ظن بأنني سأغيّر شيئاً ما في المشهد، أن يكون لكلماتي أثر في عقل أو نفس أو تيار أو أي شيء يتصل بصناعة الحدث، وتوليده وتشذيبه.
من سوء حظي، وبرغم صفاء النيّة وبراءة الطوية، أن المشهد لم يصفُ، بل كان يعتكر يوماً بعد مذبحة أو بعد معركة أو بعد فتوى أو بعد انتحار جماعي. المشهد العربي برمته لم يتأثر بمأثور ما كتبت، وما كتبنا. الأنبياء الحقيقيون والأنبياء الكذبة الدجالون أقوى منا جميعاً. لقد فازوا بإشاعة الخراب والقتل بتفوق.
عبثاً. كنت أكتب ولا أتبين ظلاً لكلماتي. أكتب على ممحاة، أعمّر على رمال. أقتنع بأن السراب خلاصي وأذهب اليه ببراءة المصدِّق للمعان الرمال.
أخيراً، أدركت انني شبح ولا ظل لي. وحده الورق يحملني، والأرض ليست من ورق، بل من تراب وأجساد وعسكر وممثلين عن الله، بكل ما أوتوا من قوة وغلبة، وأن لهؤلاء حق الأمرة، في مسارات الاتجاهات المتعاكسة، لأمة تنكسر كل صباح وتهزم شعوبها على عتبات ليلها الطويل.
متيقناً من عجزي، خفت على ما ندر عندي من فضائل، وأن تكون عقوبة الفضائل في زمن انتصارات الرذائل فادحة جداً. خفت أن أصبح مطواعاً لأصحاب الأمرة، ديناً وعسكراً وعنفاً ونفوذاً ونفطاً ومالاً، فاعتصمت بالحد الأدنى من ضوابط القيم والأخلاق، التي من دونها تصبح اللغة قوّادة، وتتسيَّب الكلمات لتصير خادمة في نص المقالات السياسية التي تدب بقاروراتها في مضخّات القول... خفت أن أصير ضفدعة بنقيق بلا أحزان. شعرت بفضيلة الانحياز إلى الغلط، والبقاء كشاذ عن قاعدة الانتظام في الطابور اللانهائي للعنف المتدفق من أنظمة استبدادية قاتلة، قاتلة، قاتلة، ومن أنظمة الأحزاب العقائدية القاتلة، القاتلة، القاتلة ومن جموع زاحفة باسم الدين لإقامة «الظلم الإلهي المطلق» وتحويل الدنيا إلى جحيم تفوق تلك التي توعدنا بها.
خفت أن أخسر كل شيء، فالتزمت السلبية الدائمة: لست مع أحد أبداً. انتمائي فقط للضحايا الذين قد أكون يوماً مثلهم. فامتنعت عن مدامنة نظام مستبد، وديكتاتورية فالته وملكيات نفطية قاهرة وأحزاب دينية وتيارات مذهبية... ربحت شيئاً من روحي وإن كنت قد خسرت الكثير منها. وهذا الكثير كان أحلاماً ممكنة، تحوّل مع البربرية المدنية إلى كوابيس وأضغاث.
انسحبت رويداً رويداً من هامش المشهد، لم أعد كاتباً، صرت أعيش الضحية، أعيش القتيل، أعيش المذبحة. لم أعد متفرجاً أو كاتباً بقلم، صرت روحاً تمتص الألم وتختزنه، وهذا ما منحني مناعة فائقة في ممارسة الرفض وإعلاء الكتابة إلى مقام الصراخ. كثيرة هي المقالات التي تصرخ وتتمزق وتنتف الروح. كثيرة هي المشاهد التي أسقط فيها إلى قاع اليأس، علّني، إذ أصطدم بالقاع، أعود إلى السطح متسلحاً بصخرة سيزيف، لأحملها ألف مرة، وفي كل مرة تتعرض فيها الروح إلى الانسحاق والجسد للسحق. لصخرة سيزيف فضيلة السقوط وفضيلة الصدق.
لا أستحق غير القراءة التي تمنحني العفو عما ارتكبته من غضب وعنف لغة وصياغات اتهام. استحق قراءة لتبرئة غريزة النقاء التي ظلت على هشاشتها قوية في وجه الطاغية، لا ترضخ لعنف ولا تتخلى عن الاحساس التراجيدي البناء. الذي يشكل قاعدة انتظام أخلاقنا السوية.
هذا الكتاب يشهد على عصر مريع في عام واحد. قد تسفر هذه المأساة يوماً ما عن انقلاب بهي، هذا ما يدفع الكاتب إلى استمرار المجازفة. وابتكار الاحلام، وابتداع الآمال والوقوف على العتبة المفضية إلى الحرية، من دون كلمات.
لولا هذه الحرية المشتهاة، لكان من المفضل ممارسة فضيلة السعادين الثلاثة، «فلا رأينا ولا سمعنا ولا قلنا».
بهذا المعنى، تكون الكتابة، بطاقة دعوة لضيوف من الناس الجديرين بصناعة غد من كل الألوان والافكار والحيوات.
بيروت في 13 شباط 2014
يوميات «الرعب المدنّس» الدين
عندما ينتهك السياسة
إننا متفقون في ردود أفعالنا، على أننا عاجزون. عاجزون عن مواجهة القتل. وإننا تدربنا بسرعة، تأسيساً على العجز، كي نصبح ماهرين في «علم التوقعات» التي ثبت أنها تقع.
العجز، هو عنواننا الفكري والعملي. دولة عاجزة، أمن عاجز، أحزاب وتيارات عاجزة، إعلام عاجز، وأناس هائمون على خوفهم، يقودهم عجزهم إلى شعور ارتعابي، وإلى «تصفية دماغهم» من الحلول، وإلى تشوهات نفسية وإنسانية ووجدانية وسياسية.
العجز، هو ما نتصف به. عجز عن التفكير، عجز عن تدبر شؤون حياتنا اليومية، عجز عن التفسير، عجز عن الفهم، عجز عن المعرفة، عجز يضعنا في حالة استعصاء مع التأقلم، إذ لا يتأقلم الإنسان مع عذاباته المستعادة حيث يصاب بالذعر والرهاب، يتحول إلى قط شارد، يتوقف عند ناحية الانفجار، ليبكي حاله، وهو يبكي ضحايا بريئة، تشلَّعت في الضاحية وطرابلس والهرمل وعرسال وبيروت وصيدا. ينتحي زاوية ليتفقد جسده المرهون لغد قاتل. يفزع إلى عائلته وأصدقائه وأهل بيته وحارته، كي يطمئن، موقتاً، على من ظل على قيد الحياة المؤجلة.
لنعترف أننا بعد كل مذبحة، بعد كل انفجار، بعد كل اغتيال، بعد كل حالة جنون، نخرج منكوبين ومدمرين ومحطمين ومشوهين، على وشك اندثار الروح... إننا نتشلع وجدانيا ونفسياً وإنسانياً. دموعنا على الضحايا والشهداء، وأحزاننا ترافق أهلهم إلى معاقرة الفجيعة. نشاركهم أحزانهم، كتمرين على استقبال أحزان شبيهة... لقد نجح الإرهاب الديني في تحويلنا إلى كائنات مهددة بعقوبة الموت، لمجرد كوننا كائنات حية، تولد وتنمو وتشرب وتأكل وتعمل وتنجب وتعيش من دون أن تكون قد ارتكبت ذنباً. فأنت معاقب لمجرد كونك كائناً حياً فقط.
هنا، لا تجد تفسيراً لوجودك الحيادي، أما إذا كنت منتظماً في حراك اجتماعي أو سياسي أو فكري أو في مشروع حرية وديموقراطية ومقاومة، فالتفسير الوحيد ينطلق من التكفير. ومع ذلك، يعصى التفسير. هناك حالة استعصاء تامة، فلا تفسير ولا تأويل يجدي في محاولة فهم التوحش، في محاولة فهم من ينتهك المحرمات، باسم الدين ورب الدين.
لا نجد من الصواب أن نتفلسف أو أن نفكر بأصول هذا التوحش، فالأصل من جهة ـ والتاريخ شاهد ـ هو أصل واحد، لأهل الحكمة والعقل والرحمة والإيمان والخير، ولأهل الجنون والفتنة والقتل والانتقام من جهة أخرى... الأصل واحد، بين من يريد أن يؤسلم نفسه بالإيمان والتقوى والتراحم والحب والعدل، وبين من يريد أسلمة الأرض وأسلمة السماء كذلك، بكل ما أوتي من بربرية ووحشية ودموية.
إن الواقع يسفه الأقوال الجميلة والنيّات الحسنة والأفكار الصائبة. لذلك، ليس مناسباً أن نعود إلى «الكتاب» ولا إلى «السيرة»، لنبحث في مآلات العنف الديني وفظائعه. يكفي أن تقف على ناصية الضاحية، أو في زوايا المسجدين في طرابلس، وفي ما ترامى إلينا من انفجارات متنقلة، كي نفهم، بالحواس الخمس، معنى الإرهاب. هذا الإرهاب لا دين له.
لدينا، نحن اللبنانيين، «معرفة حميمية» بذلك. كما عرفه الجزائريون من قبل، عندما تحول المجتمع إلى «ثعالب دينية» مفترسة. كما عاشه السوريون، في مشاعات العنف الرسمي والديني، كما يعيشه العراقيون في تواصل الذبح والانتحار. يكفينا من الحميمية ما يلي: «الإرهاب، هو الخروج صباحاً من المنزل لقضاء المرء حاجاته اليومية وهو يدرك أنه قد لا يعود مساءً إلى منزله حياً. (هل تعرفتم إلى سير الشهداء في الضاحية وطرابلس والهرمل وبيروت وعرسال و... ثم و...؟)... وأنه هو أرسل أطفاله إلى المدرسة، فيما الخوف في الأحشاء، مصحوباً بدعاء حتى يعودوا سالمين ومعافين».
إن ماريا التي قتلت عمداً، لأنها كائن حي يقطن في منطقة مختارة للتصفية، كانت على بشاعتها، أفضل من مأساة نون؟ (لاحظوا أننا نفاضل بين قتل وقتل، بين موت فاضل وموت قاتل، بين موت بانفجار أو موت بنصل السكين، بين همجية من صنف أول وأخرى من نوع بدائي، بين بريء يتساوى في براءته مع الضحايا الآخرين، ولكنه لا يتساوى في ذمة الإرهابي الديني). ماريا التي قتلت عمداً بسبب براءتها، نجت من مأساة نون. ونون، طفلة صغيرة في العاشرة، أرغمها الإرهابيون الدينيون على أن تضع فوق ركبتيها رأس أبيها الذي أقدموا، للتو، على قطعه. لقد تجمّدت من الرعب، وظلت على هذا النحو مشلولة... ومنذ ذلك الحين، أصيبت نون ببكم كامل. وربما تكون هذه طريقتها لتقول لنا إنها تفضل الحجر على البشر. (مقتبس من كتاب Liess Boukra. Algérie la terreur sacrée ).
لا رغبة لدينا بسماع تفسيرات سياسية لبنانية بائتة حول أسباب اندلاع الإرهاب والتكفير عندنا. فات أوان الأقوال. بئس التبريرات المتبادلة. بئس الاستنكارات من أطراف الشفاه. بئس الفرح المتبادل بين الخصوم، لدى سقوط الضحايا المصنفين مذهبياً. عار أننا بلغنا درجة دنيا، أقل ما يقال فيها، إننا فقدنا إحساسنا الإنساني. أنه لأمر فظيع أن يلتذ إنسان بآلام الآخرين. لا وحشية تفوق وحشية التمتع بالفريسة البريئة.
ليتهم يخرسون قليلاً. ليتهم يبعدون عنا كأسهم السياسية التي تجتر فيها المياه الآسنة التي تشبه أقوالهم الآسنة كذلك. إنّ تنسيب الإرهاب إلى غير واقعه المعاش، هو بمثابة إصدار عفو عنه. ولا عفو لمن يقتل بلذة ونهم. ومحاكم واقية أخرى، تشبه من أقدم على قتل عائلته وقتل نفسه قبل أن يقع في أيدي «الدواعش».
في الكتاب المذكور أعلاه حكاية، يمكن لأصحاب الأرواح الهشة التغاضي عنها وعدم قراءتها: «إن معرفة الإرهاب ينبغي أن نسأل عنها هذه الأم التي استفاقت على أصوات انفجارات، فسارعت إلى جمع أطفالها وانبطحت أرضاً وإياهم، في الظلام، في زاوية غرفة، بالقرب من نافذة، وهي مستعدة لرميهم خارجاً، وهي تسكن في الطابق الخامس. كانت تفضل رمي أطفالها من النافذة على أن تراهم يقعون بين أيدي «بهلوانات الموت» موفرة على نفسها، هكذا، رعب الاغتصاب والذبح. إنها أم شجاعة وواضحة، إذ لا شيء أسوأ من إعدام طفل بالفأس، بالمنشار، بالسيف أو بالنار».
وقد حصل ذلك اعتماداً على فتوى تلامذة عبد الله عزام «سنقضي عليهم بالكلام الحق... إننا لا نقلل من قيمة السلاح. فلا تستحق السلطة الفاسقة والكافرون الموت بالرصاص... لا بد من ذبح الخونة». وجاء هذا العنف الاستئصالي مفنداً ومبوَّباً. فالفظاعات ليست اندفاع غريزة من القتال، بل هي تدبير مثالي بأمر إلهي. يذكر الكاتب ماكداش في مقالة كتبها في صحيفة «المساء» الجزائرية ما يلي: «هناك جرى تلقينهم للاعتقاد بأن المقام المقبل لكل منهم هو الفردوس ـ كما صوره لهم عبد الله عزام ـ مترابط مباشرة مع القذارة والنتانة وطول لحية المجاهد. في هذا الفردوس الخاص جداً يكون التقرب من الله على قدر عدد «الكفرة» المذبوحين، بخاصة على قدر الوجع والعذابات التي يقاسيها «أعداء الله» قبل أن يسلموا الروح... إنّ قتل نسل الكفار، خصوصاً الصغار، عمل لذيذ سيرجح كثيراً الكفة في الميزان الإلهي».
ضحايا هذا الجنون الديني المبني على تيولوجيا عوراء وفقه سافل وتأليه للإرهاب كبد الجزائر مئة ألف ضحية... حتى الآن، لم يعرف عدد الضحايا في العراق وسوريا... والعدَّاد اللبناني يتمرن على القفز بالأرقام إلى... يا إلهي! من يوقف هذا العدّاد اليوم قبل استحالته غداً؟
قيل: إذا دخلت السياسة الأدب أفسدته. فماذا يقال عن نتائج دخول الدين في السياسة. ما جاء أعلاه، وما سيأتي أدناه، دليل حسي على الخراب الذي يحدثه في النفوس، من عصبية وتعصب، وفي الواقع، من فرز اجتماعي ومذهبي، يؤدي حتماً، في أزمنة التأزم، وهي كثيرة ومتواترة، إلى عنف وإرهاب... الدين في السياسة، نفط حارق. التداوي بمراهم التكاذب المذهبي لا يجدي، عندما تعصف الأمراض السياسية في بنية المجتمع... إرهاب واستبداد الأنظمة السياسية وإرهاب واستبداد الديكتاتوريين، لا تؤدي مقاومته مدنياً وقتالاً، إلى فتنة، تفجر المجتمع وتمزق لحمته. هنا الصراع صحي، مهما عنف، الغالب سياسي والمغلوب سياسي. أما في حالة اندفاع الدين إلى السياسة وتحويله إلى آية وراية وسلاح وأصحاب طرق، فعندها، لا حول ولا قوة... والأدلة فاضحة. فالمعارك المندلعة اليوم، على امتداد المشرق، هي بين «أهل الإيمان» و«أهل الكفر»، بين سنة وشيعة. بين مؤمنين وروافض... وهي معارك، ترقى في بشاعاتها، إلى الماضي الظلامي في زمن محاكم التفتيش في الأندلس. وهذا نص يثبت فظاعة تدخل الدين في السياسة، وتصنيع «مؤمنين» يدافعون عن الله. ودين الله وأمة الله، بارتكاب الكبائر.
في كتاب «اللوح الأزرق» لجيلبرت سينويه المشهد التالي في طليطلة: أواخر الشهر الرابع من سنة 1487 م. «نحن المفتش العام والولاة ورجال الشرطة والفرسان والقضاة ووجهاء طليطلة، أبناء المسيح الحقيقيون الأوفياء المطيعون للكنيسة أمنا المقدسة، نقسم بالنصوص المقدسة التي بين أيدينا، أن نحفظ رسالة يسوع المسيح المقدسة وأن نعمل على حمايتها وأن نطارد المارقين وأن نطيح كل من نشك في هرطقته أو كفره... وإذا تقاعسنا عن ذلك فليحاسبنا حساباً عسيراً وليسلط علينا عقابه الشديد الذي يسلطه على الفاسدين الذين يكفرون عبثاً باسمه المقدس... إنهض أيها الرب ودافع عن قضيتك. ودفع باثنين إلى النار ليحرقا. ظل أحدهما يحتضر في صمت بينما أخذ الثاني يصرخ ويتوسل وينتفض فألقى بنفسه إلى الأرض شعلة بشرية مولولة. انقض عليه الجلادون وأعادوه إلى النار. ثم جيء بامرأة مسنة، فلم يلق بها في النار، لأنها اعترفت بما اقترفت وطلبت الرحمة، فاستجاب لها المكيِّف الرحيم وأسعفها بالموت خنقاً. فجحظت عيناها وبدا أنها تريد أن تقول شيئاً، لكن الكلمات ظلت حبيسة في حلقها إلى الأبد».
ماذا كانت تريد أن تقول المرأة المسنة؟
لا براءة لدين إن دخل السياسة: المسيحية سياسياً، مرتكبة جرائم، بحق من يكفر أو يختلف عنها بالرأي. هذه المسيحية السياسية، تم تصنيعها وتعميمها على أجهزة المجتمع، وقادت بها حروباً صليبية، وفتناً دامت مئات الأعوام... اليهودية سياسياً، صارت حركة صهيونية، استولت على فلسطين واحتلت أرضها، ولا تزال. والإسلام سياسياً، كان وهو كائن راهن وسيكون مستقبلاً وبالاً على الدين والله والناس والعقل والإنسانية.
في بلدان العرب، مصانع متعددة لتصنيع الإسلام السياسي. وها هو يفتك بالبلدان، من أفغانستان إلى لبنان.
لا يفيد الكلام على إسلام سياسي معتدل. الاعتدال موقت، ويتناسب مع حالة المجتمع السلمية. وما أن يعتكر المزاج الاجتماعي سياسياً، حتى يعتكر الاعتدال، ويصير حاضناًشرعياً للإسلام الجهادي التكفيري.
من يوقف هذه المجزرة؟
لا أحد.
لذلك: «الموت ملتصق بنعال أحذيتنا» وأنفاسنا. نسير وكفننا تحت إبطنا. انتظاراً لذلك اللقاء المحتمل مع النصل الناصع المدعوم بالنص الديني القاطع.
لا نملك في هذه الأثناء، غير الأحزان على شهدائنا، أينما سقطوا، ولأي مذهب انتموا. ولا نعوِّل إلا على الصدفة الخطرة، كي نظل متمسكين بوهم الوطن وأوهام الأمة وأحلام الحرية وطيبة الإنسان، أقدس خلق الله، والذي يتمتع بكل الجلال.
23/1/2014
I ـ لم يبق شيء بعدك
آن أوان تنظيم الوداعات، الحقائب تسبقنا إلى الرحيل، الأيام الماضية تتعثر أمامنا، الكلمات فقدت الاتجاهات والقصيدة، من زمان، انتقلت إلى الضفة الأخرى من فلسطين، إلى ما بعد غروب بيروت، إلى حلبة الدم في دمشق، إلى «الحلم المقطوع» في بغداد، إلى حيث للماء «أحد عشر كوكباً» بلا نهرين.
آن أوان الالتفات إلى قهوة الماضي، ونكهة الغد فيها. لما كان الحلم ينسل صوره من الحرية، ولما كان الدم أبيض كقلب العذراء، ينسكب في قداس الوطن... على عجل يلزم أن نعود إلى كلماتنا وأسمائنا وحروبنا وثقافتنا. نسألها، لماذا مات كل شيء منا وفينا ومعنا، ولم نعد ننتظر، غير «تل الزعتر» في «مخيم اليرموك»، ولا نتحسس في بلاد الغُراب العربي، غير أجسادٍ امتلأت بـ«صبرا وشاتيلا»؟
آن الأوان لنقول لمحمود درويش، ما نفع الثقافة الجميلة التي... والقصيدة الجميلة التي... والرمح الذي صوَّب «نحو الشمس فمات؟». ما نفع أن نحمل «عبء الفراشة». ستقول طالبة: «وما نفع القصيدة»؟ شاعر يستخرج الأزهار والبارود من بيتين، والعمال مسحوقون تحت الزهر والبارود في حربين... ما نفع القصيدة؟
آن الأوان، لنسأل الشاهد الفلسطيني، على أحلامنا ودمائنا وإنساننا، لماذا هذا الإخفاق؟ نطل على بلادنا التي لم تعد بلاداً، فلا فلسطين اليوم تشبه فلسطين. نطل على الثقافة التي باتت قطعاناً من عويل وآيات وفتاوى، فلا زهو بالكلام، وليس في اللغة غير «حدثني فلان عن أفّاكين» بالإجماع. نطل على الناس فلا نقرأ غير موت الحياة فيهم، والاستثناء موقت. نطل على الحب فلا خوف يضاهي الخوف عليه، نحن غابة من الأحقاد والخوف والرعب.
لماذا يا أيها الحاضر في القصيدة، يحيط بنا هذا العدم؟ ولماذا ما رأيته عنا وفينا، من بصيص الثورة والشعر والأمل، قد تيبَّس، فلم يبق منه شيء بعدك؟
II ـ المنهار يجب أن ينهار
أقع على نص يصفنا وينصفنا ولكن الكلام يأتي عليه في ما بعد. يقول النص ما يلي:
«في هذا الانفجار المفتوح على الاحتمالات، الانفجار الذي يهز المجتمعات العربية يرتفع السؤال عن ثقافة الأزمة.
«الأزمة أيضاً، تصوغ ثقافتها. وثقافة الأزمة هي محصلة تاريخية لمعاناة مرحلة كاملة، مرحلة تختلط فيها الحروب بالحروب الأهلية، والحداثة بالاغتراب والأصالة بالسلفية، ويتم الانفعال فيها بين المسيطر والمسيطر عليه.
«ولأنها كذلك، فهي مرحلة تختلط فيها النهايات بالبدايات، في ثقافة الأزمة، خيارات ورؤى متشابكة، بعضها يعلن الهرب من مواجهة الحاضر، عبر اللجوء إلى صياغات الماضي، يعلن اللاعقلانية ويرتهن للغيب، يفرقنا في جنون طوائف الملوك وحروب ملوك الطوائف، ويدور في الفراغ.
«... نعلن أن الأشياء يجب أن تمضي إلى نهاياتها وأن على المنهار أن ينهار، وأن الاندفاع إلى إعلان موت الثقافة المسيطرة والعاجزة عن الاحتفاظ بسيطرتها هو الطريق الوحيد لتحديد الأزمة والقدرة على القول إنها ليست أزمتنا».
تعليق لا بد منه قبل استكمال النص: «أزمة مَن هذه الأزمة التي تأزمنا؟ إن كان على المنهار أن ينهار، فلماذا ننهار نحن، وانهيارهم يعتلي على ركامنا». انتهى التعليق، ونستكمل النص:
«خيارنا الوحيد هو الانتماء إلى الإبداع والثورة، لأنه انتماء إلى غد يتأسس. وفي المغامرة تكتشف أن أرض خياراتنا لا تكون إلا أرض حرية. والثقافة الجديدة هي إعادة اكتشاف الواقع العربي وكشفه والإسهام في تغييره. اكتشاف الواقع لا يعني أن نعكسه. فالمرآة التي نختار نطمح أن لا تكون آلة انعكاس محايدة بل أرضاً لحوار الاحتمالات الجديدة، وعلى هذه الأرض يكون المثقف المبدع كاتباً منشئاً، كاتباً يحطم صورة النص المستعاد داخل هرم القمع، حيث تعاد صياغة اللغة المسيطرة أو لغة المسيطرين على اللحظة العابرة في لهجة الاجترار.
«... والثقافة هي حرية وفعل حرية. لا تنمو إلا في الحرية ولا تتأكد إلا حين تقاتل من أجل الحرية. والفعل كان البداية، وهو البداية التي نصنعها دائماً أو نسقط ونموت. وفعل الحرية يعني إعلان القطيعة النهائية مع تلك العلاقة الملتبسة بين ثقافة السلطة وسلطة الثقافة. كأن المعارضة لا تنهض إلا على أرض السلطة، ولا تخاطب إلا الرقيب الذي يجلس في مواجهتها أو في داخلها... والقطيعة هي اختيار أرض جديدة. إعلان الانفصال النهائي والرفض المطلق لهذا الالتباس المريب والانتماء إلى الفعل.
«والثقافة هي رؤية نقدية، بأدوات جذرية... نقد للثقافة المسيطرة ولنقدها المسيطر».
في آخر النص، ما يشي بغربته عن الواقع فيقول: «هذا الانهيار الشامل ليس انهيارنا، ليس انهيار الإبداع والأمل، ولا هو انهيار فلسطين الصراع والمعنى والمستقبل».
هذا النص، لم يكتب بالأمس، ولا بعد اندلاع «الربيع العربي» المرعب، ولا بعد الانهيارات المتتالية والدخول في احتفاليات القتل المشاعي. لقد كتبه محمود درويش، هذا «المتنبئ» الجميل، في شتاء العام 1981.
أليس كأنه كتبه البارحة، أو كأنه سيكتبه غداً؟
بئس الكتابة... و«ما نفع القصيدة؟»
III ـ فصول البشاعة
البشاعة، أن الأبرياء كانوا الضحية. البشاعة أننا كنا نحلم بوطن وأمة وقومية وحرية وديموقراطية وتحرير وإنسان جديد ومجتمع لائق وإبداع يساهم في الخلق، فكانت حصتنا، من هذا الحلم، استحضار الكوابيس لتحتل الصدارة في وعي العربي ولاوعيه.
حصة درويش كانت: «كلما أحببت عاصمة رمتني بالحقيبة».
ويمكن تحسينها واقعياً بـ: «رمتني بالقذيفة».
صرنا أبشع مما كنا: نولد مذنبين، برسم العقوبة... العدّاد يحسبنا على أدياننا ومذاهبنا ومرجعياتنا المعصومة (عن الصواب). أسماؤنا التي لنا، لا قيمة لها. لقد تمت توأمتنا مع الماضي، وفطمنا عن المستقبل. لم يعد المكان يرحب بنا، ولا تتسع لنا غير المعتقلات وأبواب الوفيات. ومن كان ذا حظ رُزِق برصيف يتشرد عليه أو منفى يتوسده ولا يستوطنه.
لماذا، بدل أن نغير واقعنا، أنجز هذا الواقع تغييرنا. أليس لأننا لم نقرأ واقعنا جيداً، وسط هذا العالم المفترس، وفي بيئة الأنظمة المفترسة، والطوائف المفترسة؟ لقد غيّرنا هذا الواقع الذي جهلناه، فاستعصى علينا فهمه والتحرش به لينجب حقبة جديدة، يكون الناس فيها، أكثر حرية وإنسانية ومواطنية وأكثر اقتراباً من فلسطين، حلم الحرية الدائم.
هذا الواقع الشرس، ما فتئ عاصياً منذ قرن. لا بالفكر تغير، ولا بالسياسة تبدل، ولا بالثورة تحسّن، ولا بالسلاح تقدم، ولا بالدين اعتدل. فبدل أن «نحطم صورة النص المستعاد داخل هرم القمع»، تعمّد هذا النص قتلنا وأدخلنا في دوامة مرعبة، في رقابة دينية مستيقظة ومفتونة بالصغائر، لا الكبائر من القضايا. هذا الواقع الذي جهلناه، لحسن الظن أو لسوء الفهم، استحضر ديناً، ديدنه العقاب والحرام، وشرع الدينونة في الدنيا. وهكذا بدل تحطيم صورة النص، تم تحطيم شكل الإنسان فينا وجوهره... لقد قتلنا «المقدس» الصنمي، وكان قد سبق وقتل المقدس الإلهي، عندما احتل مكانه بالوكالة والولاية والخلافة والإمارة.
لم نعد بشراً. ما كان أجملنا على بؤسنا، منذ ثلاثين عاماً، إذا قيست ثقافتنا يومذاك، بجاهليتنا الجديدة، بدونا من جنس الملائكة الأذكياء. نحن اليوم، أسرى ثقافة استبدادية، قبضت على الروح وكبلت الجسد وأقفلت الطريق إلى الأرض، وفتحت أبواب السماء إلى الجحيم هنا. نعاجاً صرنا نساق إلى الذبح. ما كان أجملنا يوم كنا نتوقع أن نسير إلى أحلامنا، ولما أخفقنا، لم ننكر أحلامنا ووقع خطونا، بل تمسكنا بها صليباً، لعلَّ القيامة تأتي على يد جيل يرث الحلم والقدرة والوعي والإرادة والعلم... جاءت بعد ذلك التاريخ، من مغاور الديانات، حركات مغولية.
ما كان يجب أن ينهار... توقف عن الانهيار. وباتت الأمكنة ركاماً للروح وحطاماً للأجساد. واليرموك صورة مصغرة لمأساة العرب. يا للمذلة!
IV ـ لا بدايات بعد النهايات
ها نحن أمام مشهد مقتل البدايات، بهراوة القمع وآلة الآيات وسيوف المقدس، دفاعاً عن الديكتاتور القديم وعن الأولياء والأمراء الجدد. كل البدايات الممكنة باتت معدومة، بعد استعادة ذلك التراث الدموي، الذي تأسس في «السقيفة» وما تلاها. عدنا إلى منابع الصراع الأبدي بين السنة والشيعة. وبين الجميع ضد الجميع. وهو صراع الهلاك الدائم. لا تفوز فيه غير الجراح وقد تعمقت. هذه الحرب التي اندلعت في السقيفة، لم تنته بعد. فأي أحلام بعد؟ وما نفع القصيدة؟
ألا يجدر بنا أن نسأل لماذا هذا الفشل؟
ورد في النص سبب بليغ: «لم تحدث القطيعة مع الاستبداد بكل أشكاله». لم نتجرأ على القطيعة مع الاستبداد الديني، ومارسنا التقية معه، خوفاً منه، ففاز علينا بألف لبوس ولبوس.
فشلنا في تبيئة الدين في المجتمع. صلاح الدين من صلاح المجتمع. المجتمع السليم، الحر، الديموقراطي، المنفتح، الذي يحترم الآخر وتقاليده وإيماناته وشعائره، المجتمع المدني الأصيل، المتمسك بالعدالة والمساواة والحرية والمحاسبة والإحساس بالمسؤولية، المجتمع الذي يداوي نفسه بمزيد من الانفتاح، هو الذي يصلح الدين. المجتمعات المأزومة، تفتح الأبواب لغيلان الماضي، وماضينا في معظمه لا يزال على قيد الحياة، لابساً دروعه وشاهراً سيوفه وشعاره: «أنا الحق» ولا حق قبلي أو بعدي.
كانت حصتنا من الحرية، «شروى نقير»، وحصتنا من الديموقراطية، جعجعة كلام. أنظمة ومؤسسات الثقافة الجديدة، ملك خاص يتوارثه المناضلون القدماء حتى الأحفاد. أمانات عامة أبوية، شبيهة بالديكتاتورية. حظنا من الوحدة، على أيدي الوحدويين وحدهم، تفوق على حظنا المشؤوم الذي أسسه سايكس ـ بيكو. هذان بريئان إزاء جرائم الوحدويين من المحيط إلى الخليج. كانت حصتنا من الدولة غنيمة من غنائم الحرب، أو مطيَّة باسم فلسطين.
لذلك، كانت ثقافتنا الجديدة والجميلة، سراباً نمضي إليه، وكلما بلغناه، غرفنا من الصحراء رملاً، وسميناه ماءً.
لذلك، من ينظر إلى الآتي من أيامنا، في سوريا والعراق وفلسطين ولبنان ومصر وبلاد النفط، سيرى ماضينا في زمن ملوك الطوائف وحروب الطوائف.
كل البدايات انتهت، أو لم تبدأ بعد، وما بدأ منها في تونس ومصر، يحتاج إلى جرعة كبيرة من التفاؤل، وليس بين يدينا سوى حفنة بائسة من الأمل.
لكل هذه الأسباب سقطت القصيدة في اليرموك.
لم يعد لفلسطين حرمة. الموت عسكر في المخيم. اقتات من خلايا اللاجئين. امتص عيونهم من محاجرها. استلقوا على أرض وحولهم فراغ. لا خبز لا ماء لا وطن. ثم ماتوا. فقط ماتوا. لم يرزقوا برحمة. ليس أعظم من ألم الجائع. ليس أفدح من أن يشهد الشهيد على شهادته ببطء.
لكل هذه الأسباب: ما نفع القصيدة؟
«الشعر لم يكن أقدس من عيون الأطفال/ لم يكن أكبر من صراخ الأمهات/ ولم يكن أعظم من جسد الشهيد» (شيركو ببكة س ـ شاعر من كردستان العراق).
30/1/2014
I ـ طنين الذباب
يقال: مَللنا الحكاية. يكفينا ما فينا. الجحيم وطن ونحن مواطنوه. ليس في هذه الأمة مكان لسماء ضئيلة. سماواتنا إسفلت ودم. ليلنا كليل امرئ القيس، وبطيء الكواكب كليل النابغة الذبياني.
ويقال: ما لنا ولهذا الماضي؟ فلنترك الموتى يدفنون موتاهم. لا طاقة لنا على سماع الحكاية.
لو أن هذا القول سليم، لعفينا أنفسنا من المناسبة. «صبرا وشاتيلا» لم تُرْوَ بعد. لم تكتب بعد. لم يُحاكم أحد فيها بعد، والعقاب، أنزل فقط بالشهداء الأموات ومن تبقى منهم على قيد الحياة... ليس بين كتبنا إلا قلة نادرة. الذين كتبوا عن «صبرا وشاتيلا»، أجانب ويهود.
أمنون كابليوك، روبرت فيسك، جان جينيه... مَن مِنَّا غير تلك المرأة المؤسسة، بيان نويهض الحوت؟
إذاً، لا بد من الرواية، ولو على عكازة جان جينيه، أو عبر عدسة كابليوك، وشهادة فيسك، وموسوعة الحوت.
أول الشهود، كانوا من تبقى. إلى جانب جان جينيه. دليله إلى المخيم، موت يشير بإصبعه إلى النهايات. قادته الرائحة إلى الأزقة. لا صوت أبداً. وحده الذباب كان يحتفل بمائدة الأجساد. صوت الذباب، نعيق يطن في الأزقة.
تقع عينا جينيه على ثياب ليست على مقاس أجساد ترتديها. إنها ضيقة جداً. مزروكة جداً. الأجساد فائضة عنها. لها رائحة يشتهيها الذباب فقط. للتراب، آنذاك، في صبرا وشاتيلا، رائحة عفن ودم وتخثر أعضاء. إنها الرائحة. ولا شيء سواها. الأجساد تشبه ضوضاء بلا أصوات. لا شك أنها فكرت بالهرب. أو أنها هربت بالفعل، ولكنها وصلت إلى الطلقة، أو إلى حافة البلطة، ووقعت على وجهها. أجساد، لا يخطر في بال أحد أن تكون شبيهة بالجياد الميتة، التي سقطت على بطونها عندما عزت عليها القوائم وانطفأت ذؤابات العيون. لا يخطر في بال أحد، أن تسد الحارات والأزقة بالجثث، وأن الممرات صارت مكبّات لأطفال ونساء ورجال وعجائز، يتمرغون في طنين الذباب.
II ـ بعد مقتل بشير
الثلاثاء 14 أيلول 1982، الساعة الرابعة وعشر دقائق بعد الظهر، دوّى انفجار هائل في مبنى في الأشرفية. قتل بشير الجميل، قبل ثمانية أيام من موعد تسلمه رئاسة الجمهورية في لبنان، بعد «انتخابه» بقوة «البنادق»، إبان الحرب على لبنان، بذريعة «سلامة الجليل».
في تلك اللحظة، انكسر تاريخ صاعد، بعنوان إسرائيلي، وبدأت حقبة من العنف، ما كان أحد يتوقع أن تستمر لسنوات. ولئن كان كثيرون كانوا يدركون، أن «الثأر» الكتائبي، المدعّم اسرائيلياً، سيكون مريعاً.
تاريخ ما قبل الاغتيال، يشي بوضوح، أن المستهدف هو الفلسطيني ومن معه ومن يؤيده. كان بشير العدو اللدود للفلسطينيين، قال لمجلة «نوفيل اوبسرفاتور» في عز العدوان الاحتلالي للبنان، وإبان محاصرة بيروت، «في الشرق الأدنى شعب زائد، هو الشعب الفلسطيني». فلا بد من حذف هذا الشعب، لتحقيق ما يطمح إليه مناحيم بيغن آنذاك: «لا تمر سنة 1982 إلا ونكون وقعنا على معاهدة سلام مع لبنان». وكان بيغن أول من وجه برقية تهنئة لبشير الجميل جاء فيها: «أهنئكم من صميم القلب لانتخابكم. حفظكم الله، أيها الصديق العزيز وأعانكم على إنجاز مهمتكم التاريخية من أجل حرية لبنان واستقلاله. صديقكم مناحيم بيغن».
عندما وصل نبأ مقتل بشير الجميل إلى أرييل شارون، قرر انتهاز المناسبة ليدخل بيروت الغربية، التي كان قد حاول دخولها، إبان حصار المدينة، وعندما كانت قوات منظمة التحرير فيها، إلى جانب «القوات المشتركة» اللبنانية. ولقد دفع الجيش الإسرائيلي في ساعات قليلة، أكثر من 23 قتيلاً وعشرات الجرحى. لدى محاولته تخطي معبر المتحف باتجاه البربير.
إذاً، القرار الذي تعذر تنفيذه، وتلكأ الكتائبيون في مساعدة جيش الدفاع الاسرائيلي عليه، بات ملحاً. مقتل بشير، هو بطاقة عبور للثأر من الفلسطينيين، ولتطهير المخيمات ممن تبقى من القوات الفلسطينية المسلحة، وفق ما ردده شارون، ومعه بيغن.
غريب. الضمانات الدولية التي منحها فيليب حبيب بعدم المساس بالمخيمات، بعد رحيل قوات منظمة التحرير والقادة الفلسطينيين من بيروت، بحماية قوة تدخل أميركية ـ فرنسية ـ إيطالية، باتت تشكل مانعاً وحاجزاً أمام شارون لدفع قواته واحتلال بيروت الغربية والمخيمات فيها.
غريب جداً، ففي 13 أيلول، عشية مقتل الجميل، غادرت بيروت الدفعة الأخيرة من القوة الدولية (850 جندياً) وذلك قبل عشرة أيام من انتهاء مدتها في بيروت (أمنون كابليوك ـ تحقيق حول مجزرة. ص 19).
«في مكتب الجنرال شارون في وزارة الدفاع في تل أبيب، بسطوا خريطة عسكرية، رُسمت عليها مسبقاً عملية اقتحام بيروت الغربية، وكتب في أعلى الهامش، الاسم الرمزي للعملية.. الدماغ الحديدي». وبدأ التنفيذ بسرعة. وكان ما كان. قال رئيس الأركان رفول ايتان: «نحن الآن في داخل بيروت الغربية، وسوف ننظفها ونجمع السلاح ونلقي القبض على الإرهابيين، تماماً كما فعلنا ذلك في صيدا وصور ومناطق أخرى في لبنان... سندمر ما ينبغي تدميره ونعتقل من يجب اعتقاله. سنترك بيروت عندما يتم التوصل إلى اتفاق... وعندها سننسحب من جميع الأراضي اللبنانية، عندها فقط سننسحب من بيروت». (مرجع سابق. ص21).
قبل بدء الهجوم بساعات، عقد اجتماع في المقر العام «للقوات اللبنانية» حضره فادي افرام والياس حبيقة وآخرون، ورسموا تفاصيل المشاركة. وفي نهاية الاجتماع أسرّ أحد المسؤولين الكتائبيين للإسرائيليين: «منذ سنوات ونحن ننتظر هذه اللحظة»، لحظة دخول المخيمات وتمشيطها. حدث ذلك فجراً. وفي التاسعة صباحاً بدأ شارون يدير «الغزو»، وكان يراقب سير التقدم، وما يجري من عمليات، وهاتف بيغن من هناك: «قواتنا تتقدم نحو أهدافها. أستطيع ان أراها بأم العين».
رفض البيت الأبيض إدانة العمل العسكري الاسرائيلي. أبدت الخارجية الأميركية تفهماً للدوافع. ارتعب قادة منظمة التحرير. تذكروا الضمانات المكتوبة. قال فاروق القدومي «لقد خانونا»، وأعلن شفيق الوزان، رئيس وزراء ما تبقى من لبنان «أن اسرائيل خدعتنا». فيما كان الضابط ميشال عون يواجه الضابط الاسرائيلي الجنرال دروربي، ويرفض التعاون مع الجيش الاسرائيلي متسلحاً بأمر الوزان الذي منعه من أي تعاون مع الجيش الإسرائيلي، وأشار له أنه «تلقى أمراً بفتح النار على القوات الإسرائيلية المتقدمة داخل بيروت الغربية، وأنه، إذا لم يمتثل للأمر، فإنه مهدد بأن يُقدّم للمحاكمة العسكرية».