eKtab
EN ع
خزانة الأدب وغاية الأرب
Read free sample

خزانة الأدب وغاية الأرب

by تقي الدين بن حجة الحموي

Page 1
مقدمة الكاتب
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
والحمد لله البديع الرفيع الذي أحسن ابتداء خلقنا بصنعته وأولانا جميل الصنيع فاستهلت الأصوات ببراعة توحيده وهو البصير السميع أدب نبينا محمدا فأحسن تأديبه حتى أرشدنا جزاه الله عنا خيرا إلى سلوك الأدب وأوضح لنا بديعه وغريبه نحمده حمدا يحسن به التخلص من غزل الشهوة إلى حسن الختام ونشكره شكر من شعر ببديع صفاته فأحسن النظم وأعوذ بالله من قوم لا يشعرون بهذا النظام ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة شاعر بأنه الواحد وأن سيدنا محمدا وعبده ورسوله المبعوث من بيت عربي فصاحته على الأعراب والإعراب أعظم شاهد وعلى آله وأصحابه الذين هم نظام هذا البيت الشريف ودوائر بحره وأنواع بديعة وديباج صدره وسلم تسليما كثيرا وبعد فهذه البديعية التي نسجتها بمدحه على منوال طرز البردة وكان مولانا المقر الأشرف العالي المولوي القاضوي المخدومي الناصري سيدي محمد بن البارزي الجهني الشافعي صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية المحروسة جمل الله الوجود بوجوده هو الذي ثقف لي هذه الصعدة وحلب لي ضرعها الحافل لحصول هذه الزبدة وما ذاك إلا أنه وقف بدمشق المحروسة على قصيدة بديعية للشيخ عز الدين الموصلي رحمه الله تعالى التزم فيها بتسمية النوع البديعي وورى بها من جنس الغزل ليتميز بذلك على الشيخ صفي الدين الحلي تغمده الله تعالى برحمته لأنه ما التزم في بديعيته بحمل هذا العبء الثقيل غير أن الشيخ عز الدين ما أعرب عن بناء بيوت أذن الله أن ترفع ولا طالت يده لإبهام العقادة إلى شيء من إشارات ابن أبي الأصبع وربما رضي في الغالب بتسمية النوع ولم يعرب عن المسمى ونثر شمل الألفاظ والمعاني لشدة ما عقده نظما فيا دارها بالخيف إن مزارها قريب ولكن دون ذلك أهوال فاستخار الله مولانا الناصري المشار إليه ورسم لي بنظم قصيدة أطرز حلتها ببديع هذا الالتزام وأجاري الحلي برقة السحر الحلال الذي ينفث في عقد الأقلام فصرت أشيد البيت فيرسم لي بهدمه وخراب البيوت في هذا البناء صعب على الناس ويقول بيت الصفي أصفى موردا وأنور اقتباسا فأسن كل ما حده الفكر وأراجعه ببيت له على المناظرة طاقة فيحكم لي بالسبق وينقلني إلى غيره وقد صار لي فكرة إلى الغايات سباقه فجاءت بديعية هدمت بها ما نحته الموصلي في بيوته من الجبال وجاريت الصفي مقيدا بتسمية النوع وهو من ذلك محلول العقال وسميتها تقديم أبي بكر عالما أنه لا يسمع من الحلي والموصلي في هذا التقديم مقال وكان المشار إليه عظم الله شأنه هو الذي مشى أمامي وأشار إلى هذا السلوك وأرشد فاقتديت برأيه وهل يقتدي أبو بكر بغير محمد
Page 2
في حسن الابتداء وبراعة الاستهلال حسن الابتداء عند المتقدمين لي في ابتدا مدحكم يا عرب ذي سلم براعة تستهل الدمع في العلم اعلم أنه اتفق علماء البديع على أن براعة المطلع عبارة عن طلوع أهلة المعاني واضحة في استهلالها وأن لا يتجافى بجنوب الألفاظ عن مضاجع الرقة وأن يكون التشبيب بنسيبها مرقصا عند السماع وطرق السهولة متكفلة لها بالسلامة من تجشم الحزن ومطلعها مع اجتناب الحشو ليس له تعلق بما بعده وشرطوا أن يجتهد الناظم في تناسب قسميه بحيث لا يكون شطره الأول أجنبيا من شطره الثاني وقد سمى ابن المعتز براعة الاستهلال حسن الابتداء وفي هذه التسمية تنبيه على تحسين المطالع وإن أخل الناظم بهذه الشروط لم يأت بشيء من حسن الابتداء وأورد في هذا الباب قول النابغة كليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب قال زكي الدين بن أبي الأصبع لعمري لقد أحسن ابن المعتز الاختيار فإني أظنه نظر بين هذا الابتداء وبين ابتداء امرئ القيس حيث قال قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل
 
فرأى ابتداء امرئ القيس على تقدمه وكثرة معانيه متفاوت القسمين جدا لأن صدر البيت جمع بين عذوبة اللفظ وسهولة السبك وكثرة المعاني وليس في الشطر الثاني شيء من ذلك وعلى هذا التقدير مطلع النابغة أفضل من جهة ملايمة ألفاظه وتناسب قسميه وإن كان مطلع امرئ القيس أكثر معاني وما عظم ابتداء امرئ القيس في النفوس إلا الاقتصار على سماع صدر البيت فإنه وقف واستوقف وبكى واستبكى وذكر الحبيب والمنزل في شطر بيت وإذا تأمل الناقد البيت بكماله ظهر له تفاوت القسمين وقال أعني ابن أبي الأصبع إذا وصلت إلى قول البحتري من هذا الباب وصلت إلى غاية لا تدرك وهو قوله بودي لو يهوى العذول ويعشق ليعلم أسباب الهوى كيف تعلق انتهى كلام زكي الدين بن أبي الأصبع ولقد أحسن أبو الطيب المتنبي حيث قال أتراها لكثرة العشاق تحسب الدمع خلقة في المآقي ومثله قوله أي قول حبيب حشاشة نفس ودعت يوم ودعوا فلم أدر أي الظاعنين أشيع وما ألطف قول أبي تمام في هذا الباب لا أنت أنت ولا الديار ديار خف الهوى وتقضت الأوطار ومثله قول أبي العلاء المعري يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر لعل بالجزع أعوانا على السهر وقد خلب القلوب ابن المعتز في تناسب القسمين بقوله أخذت من شبابي الأيام وتولى الصبا عليه السلام
 
وما أحلى ما ناسب ابن هانئ قسمي مطلعه بالاستعارات الفائقة حيث قال بسم الصباح لأعين الندماء وانشق جيب غلالة الظلماء وقال الشريف أبو جعفر البياضي يشير إلى الرفق بالإبل عند السرى وتلطف ما شاء في تناسب القسمين حيث قال رفقا بهن فما خلقن حديدا أو ما تراها أعظما وجلودا وهذه القصيدة طريقها الغريب لم يسلكها غيره فإنه نسجها جميعها على هذا المنوال ومنها يفلين ناصية الفلا بمناسم وسم الوجا بدمائهن البيدا فكأنهن نثرن درا بالخطا ونظمن منه بسيرهن عقودا ومما يعذب في الذوق من هذا الباب قول ابن قاضي ميلة يزيد الهوى دمعي وقلبي المعنف ويحيي جفوني الوجد وهو المكلف وقد نبه مشايخ البديع على يقظة الناظم في حسن الابتداء فإنه أول شيء يقرع الأسماع ويتعين على ناظمه النظر في أحوال المخاطبين والممدوحين وتفقد ما يكرهون سماعه ويتطيرون منه ليتجنب ذكره ويختار لأوقات المدح ما يناسبها وخطاب الملوك في حسن الابتداء هو العمدة في حسن الأدب فقد حكي أن أبا النجم الشاعر دخل على هشام بن عبد الملك في مجلسه فأنشده من نظمه صفراء قد كادت ولما تفعل كأنها في الأفق عين الأحول وهشام بن عبد الملك أحول فأخرجه وأمر بحبسه وكذلك اتفق لجرير مع أبيه عبد الملك فإنه دخل عليه وقد مدحه بقصيدة حائية أولها أتصحو أم فؤادك غير صاح فقال له عبد الملك بل فؤادك يا ابن الفاعلة
Page 3
ومن هذه الجهة بعينها عابوا على أبي الطيب المتنبي خطابه لممدوحه في مطلع قصيدة حيث قال كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكن أمانيا ومن مستقبحات الابتداء قول البحتري وقد أنشد يوسف بن محمد قصيدته التي أولها لك الويل من ليل تقاصر آخره فقال بل لك الويل والخزي وأما قصة إسحاق ابن إبراهيم الموصلي في هذا الباب فإني أنفعل وأخجل عند سماعها وما ذاك إلا أنه دخل على المعتصم وقد فرغ من بناء قصره بالميدان فشرع في إنشاء قصيدة نزل بمطلعها إلى الحضيض وكان هو وحكاية الحال في طرفي نقيض وهو يا دار غيرك البلا ومحاك يا ليت شعري ما الذي أبلاك فتطير المعتصم من قبح هذا المطلع وأمر بهدم القصر على الفور فنعوذ بالله من آفة الغفلة هذا مع يقظة إسحاق وسير الركبان بحسن محاضرته ومنادمته للخلفاء ولكنه قد يخبو الزناد وقد يكبو الجواد مع أنه قيل إن أحسن ابتداء ابتدأ به مولد قول إسحاق الموصلي حيث قال هل إلى أن تنام عيني سبيل إن عهدي بالنوم عهد طويل فانظر إلى هذا الأديب الحاذق المتيقظ كيف استطردت به خيول السهو إلى أن خاطب المعتصم في قصر رياحين تشييده غضة بخطاب الأطلال البالية وانظر إلى حشمة أبي نواس كيف خاطب الدمن بخطاب تود القصور العالية أن تتحلى بشعاره مع بلوغه في تناسب القسمين الطرف الأقصى حيث قال لمن دمن تزداد حسن رسوم على طول ما أقوت وطيب نسيم وقصة ذي الرمة مع عبد الملك تقارب قصة إسحاق مع المعتصم فإنه دخل عليه يوما فأمره بإنشاد شيء من شعره فأنشد قوله ما بال عينك منها الماء ينسكب وكان بعين عبد الملك رمش فهي تدمع أبدا فتوهم أنه خاطبه وعرض به فقال له ما سؤالك عن هذا يا ابن الفاعلة فمقته وأمر بإخراجه
 
حسن الابتداء عند المحدثين انتهى ما أوردته في حسن الابتداء للعرب والمولدين وفحول الشعراء ونبهت على حسنه وقبيحه ولكن جذبتني يا أخا العرب نسبة المتأخرين إلى أن أثبت في هذا المحل تشبيبها ونسيبها وأظهر في شرح هذه البديعية الآهلة بديعها وغريبها ليعلم من تنزه في هذه الحدائق الزاهرة إن ما ربيع الآخر من ربيع الأول ببعيد وأن لكل زمان بديعا تمتع بلذة الجديد وهنا بحث لطيف وهو أن الاستشهاد بكلام المولدين وغيرهم من المتأخرين ليس فيه نقص لأن البديع أحد علوم الأدب الستة وذلك أنك إذا نظرت في الكلام العربي إما أن تبحث عن المعنى الذي وضع له اللفظ وهو علم اللغة وإما أن تبحث عن ذات اللفظ بحسب ما يعتريه وهو علم التصريف وإما أن تبحث عن المعنى الذي يفهم من الكلام المركب بحسب اختلاف أواخر الكلم وهو علم العربية وإما أن تبحث عن مطابقة الكلام لمقتضى الحال بحسب الوضع اللغوي وهو علم المعاني وإما أن تبحث عن طرق دلالة الكلام إيضاحا وخفاء بحسب الدلالة العقلية وهو علم البيان وإما أن تبحث عن وجوه تحسين الكلام وهو علم البديع فالعلوم الثلاثة الأول يستشهد عليها بكلام العرب نظما ونثرا لأن المعتبر فيها ضبط ألفاظهم والعلوم الثلاثة الأخيرة يستشهد عليها بكلام 
Page 4
 العرب وغيرهم لأنها راجعة إلى المعاني ولا فرق في ذلك بين العرب وغيرهم إذا كان الرجوع إلى العقل وقال أبو الفتح عثمان بن جني المولدون يستشهد بهم في المعاني كما يستشهد بالقدماء في الألفاظ قال ابن رشيق في العمدة الذي ذكره أبو الفتح صحيح بين لأن المعاني اتسعت باتساع الناس في الدنيا وانتشار العرب بالإسلام في أقطار الأرض فإنهم حضروا الحواضر وتفننوا في المطاعم والملابس وعرفوا بالعيان ما دلتهم عليه بداهة عقولهم من فضل التشبيه ونحوه ومن هنا يحكى عن ابن الرومي أن لائما لامه وقال له لم لا تشبه تشبيه ابن المعتز وأنت أشعر منه فقال له أنشدني شيئا من قوله أعجز عن مثله فأنشده في صفة الهلال فانظر إليه كزورق من فضة قد أثقلته حمولة من عنبر فقال له ابن الرومي زدني فأنشده كأن آذريونها والشمس فيه كاليه مداهن من ذهب فيها بقايا غالية
 
فقال واغوثاه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ذاك إنما يصف ماعون بيته لأنه ابن الخلفاء وأنا مشغول بالتصرف في الشعر وطلب الرزق به أمدح هذا مرة وأهجو هذا كرة وأعاتب هذا تارة وأستعطف هذا طورا انتهى كلام ابن رشيق ورأيت الشيخ شمس الدين بن الصائغ رحمه الله تعالى قد استشهد في شرح البردة الذي سماه بالرقم بغالب أهل عصره في ما عرض له من أنواع البديع حتى أورد لهم شيئا من محاسن الزجل رجع إلى ما كنا فيه من حسن الابتداء وتناسب القسمين وإيراد ما وعدنا به من كلام المتأخرين قال قاضي هذه الصناعة وفاضلها والمتأخر الذي لم يتقدم عليه بغير الزمان أوائلها زار الصباح فكيف حالك يا دجى قم فاستذم بفرعه أو فالنجا أنظر إلى حسن هذا الابتداء كيف جمع مع اجتناب الحشو بين رقة النسيب وطرب التشبيب وتناسب القسمين وغرابة المعنى ومثله قوله يخاطب العاذل أخرج حديثك من سمعي فما دخلا لا ترم بالقول سهما ربما قتلا وما ألطف ما قال بعده وما يخف على قلبي حديثك لي لا والذي خلق الإنسان والجبلا ومثله قوله سمعتك والقلب لم يسمع فكم ذا تقول وكم لا أعي وما ألطف ما قال بعده يقول وما عنده أنني بغير فؤاد ولا أضلع أما مع هذا الفتى قلبه فقلت نعم يا فتى ما معي وأما مطلع قصيدة ابن النبيه فإن الأذواق السليمة تنتبه به إلى فتح هذا الباب وهو يا ساكني السفح كم عين بكم سفحت نزحتم فهي بعد الباب ما نزحت
 
والقصيدة كلها تحف وطرف وعارضها ابن نباتة فما حلا معها مكرر نباته وأجرى الصفي معها ينابيع فكره فما صفا له معها مورد وجاراها الصفدي فتصفدت سوابق قوافيه عن لحاقها ومنها وروضة وجنات الورد قد خجلت فيها ضحى وعيون النرجس انفتحت تشاجر الطير في أفنانها سحرا ومالت القضب للتعنيق فاصطلحت والقطر قد رش نوب الدوح حين رأى مجامر الزهر في أذياله نفحت ومما يحسن نظامه في هذا السلك قوله رنا وانثنى كالسيف والصعدة السمرا فما أكثر القتلى وما أرخص الأسرى ومما اختاره الشيخ جمال الدين بن نباته رحمه الله من ديوان أبي الفتوح نصر الله ابن قلاقس 
Page 5
 وهو حسن في هذا الباب قوله كم مقلة للشقيق الغض رمداء إنسانها سابح في بحر أنداء وقوله قفا واسألا مني زفيرا وأدمعا أكانا لهم إلا مصيفا ومربعا وهو من الغايات التي اختارها الشيخ جمال الدين بن نباتة من شعر ابن قلاقس فإنه قال طالعت ديوان الأديب البارع أبي الفتوح نصر الله بن قلاقس فطالعت الفن الغريب وفتح علي بتأمل ألفاظه فتلوت نصر من الله وفتح قريب بيد أني وجدت له حسنات تبهر العقول فضلا وسيئات يكاد بذكرها ابن قلاقس يقلي انتهى كلام الشيخ جمال الدين بن نباتة ومما وقع في تناسب القسمين إلى الغاية قول الشيخ ظهير الدين بن البارزي رحمه الله وهو
 
يذكرني وجدي الحمام إذا غنى لأنا كلانا في الهوى يعشق الغصنا ذكر الصلاح الكتبي في كتابه فوات الوفيات أن الشيخ أثير الدين أبا حيان قال رأيت الشيخ المذكور صوفيا بحماة المحروسة وأنشدني لنفسه هذه القصيدة وعدة مقاطيع منها أراك فأستحيي فأطرق هيبة وأخفي الذي بي من هواك وأكتم وهيهات أن يخفى وأنت جعلتني جميعي لسانا في الهوى يتكلم وتوفي بعد الثمانين والستمائة وأما مطلع الشيخ شمس الدين بن العفيف في هذا الباب فظرافته لا تنكر لأنه كان ينعت بالشاب الظريف قال في شطره الأول أعز الله أنصار العيون وفي الثاني وخلد ملك هاتيك الجفون وما أظرف ما قال بعده وضاعف بالفتور لها اقتدارا وجدد نعمة الحسن المصون وما أحسن ابتداءات الشيخ عبد العزيز الأنصاري شيخ شيوخ حماة فجميعها نسجت على هذا المنوال منها قوله حروف غرامي كلها حرف إغراء على أن سقمي بعض أفعال أسماء وقوله ويلاه من نومي المشرد أواه من شملي المبدد وقوله أهلا بطيفكم وسهلا لو كنت للإغفاء أهلا وما أحلى ما قال بعده لكنه وافي وقد حلف السهاد علي أن لا وقد توارد هو وابن عنين في هذا المعنى وكل كساه ديباجة تأخذ بمجامع القلوب ومطلع ابن عنين قوله ماذا على طيف الأحبة لو سرى وعليهم لو سامحوني بالكرى
 
وقوله مهيار الديلمي في هذا الباب مشهور والذي أقوله إن الشيخ جمال الدين ابن نباتة نبات هذا البستان وقلادة هذا العقيان ومن مطالعه التي هي أبهج من مطالع الشمس قوله في هذا الباب في الريق سكر وفي الأصداغ تجعيد هذا المدام وهاتيك العناقيد وقوله بدا ورنت لواحظه دلالا فما أبهى الغزالة والغزالا وقوله سلبت عقلي بأحداق وأقداح يا ساجي الطرف بل يا ساقي الراح وما ألطف ما قال بعده سكران من مقلة الساقي وقهوته فاترك ملامك في السكرين يا صاح وقوله إنسان عيني بتعجيل السهاد بلي عمري لقد خلق الإنسان من عجل وقوله قام يرنو بمقلة كحلاء علمتني الجنون بالسوداء وقوله نفس عن الحب ما حادث وما غفلت بأي ذنب وقاك الله قد قتلت وقد تقدم شروط لا بد من اجتنابها في حسن الابتداء منها الحشو ولكن وقاك الله حشو اللوزينج وقوله لام العذار أطالت فيك 
Page 6
 تسهيدي كأنها لغرامي لام توكيد ولولا الإطالة لأفعمت الأذواق من هذا السكر النباني ورأيت للشيخ صفي الدين الحلي في الأرتقيات قصيدة قافية مطلعها في هذا الباب غاية وهو قوله قفي ودعينا قبل وشك التفرق فما أنا من يحيا إلى حين نلتقي وأنشدني من لفظه الشيخ عز الدين الموصلي قصيدة نونية نظمها بحماة ومطلعها في حسن الابتداء حسن سمعنا حمام الدوح في روضة غنا فأذكرنا ربع الحبائب والمغنى ولقد سهوت عن مطلع الشيخ علاء الدين علي بن المظفر الكندي الشهير بالوداعي فإنه ليس له في تناسب القسمين قسيم وهو بدر إذا ما بدا محياه أقول ربي وربك الله
 
وعارضه الشيخ جمال الدين ابن نباته في هذه القصيدة بعينها وترقى إلى مطلع بدره وزاحمه في حسنه فمطلع الشيخ جمال الدين له إذا غازلتك عيناه سهام لحظ أجارك الله ومن مطالعي التي حصل لي فيها الفتوح في هذا الباب قولي طلعتم بدورا في أعز المطالع فبشرني قلبي بسعد طوالعي وقولي إغراء لحظك ما لي منه تحذير ولا لتعريف وجدي فيك تنكير وقولي في عروض الجفا بحور دموعي ما أفادت قلبي سوى التقطيع وقولي لله قوم لنظم الوصل قد نثروا شعرت في حبهم يا ليتهم شعروا وقولي جردت سيف اللحظ عند تهددي يا قاتلي فسلبتني بمنجرد وقولي هواي بسفح القاسمية والجسر إذا هب ذاك الريح فهو الهوى العذري وكأني بمنتقد تألم قلبه على المتقدمين بكثرة النقد ومالت نفسه إلي مع المتأخرين ليستوفي الشروط الأدبية في مباشرة هذا العقد وقولي قد مال غصن النقا عن صبه هيفا يا ليته بنسيم العتب لو عطفا فأقول وبالله المستعان إن جماعة من المخاديم بدمشق رسموا أن أعارض شيئا من نظم الشيخ جمال الدين بن نباته وتخيروا لي خمس قصائد منها قصيدته الكافية التي مطلعها تصرمت الأيام دون وصالك فمن شافعي في الحب يا ابنة مالك فلما انتهيت إلى معارضتها وجدت بين الشطر الثاني من المطلع وبين الشطر الأول مباينة كما تقدم في مطلع امرئ القيس من الكلام على أن في شطره الأول ما ليس في الثاني وقد اتفق علماء البديع على أن عدم تناسب القسمين نقص في حسن الابتداء وقد تقدم قول زكي الدين بن أبي الأصبع إن مطلع النابغة أفضل من مطلع امرئ القيس لتناسب القسمين وإن كان مطلع امرئ القيس أكثر معاني انتهى ولو قال الشيخ جمال الدين في مطلعه
 
تمذهبت في هجري بطول مطالك فمن شافعي في الحب يا ابنة مالك لجمع بين تناسب القسمين ومطلعي الذي عارضت به الشيخ جمال الدين رضيع الهوى يشكو فطام وصالك فداوي بني الحب يا ابنة مالك وكذلك من مطلع الشيخ صفي الدين الحلي في قصيدته الجيمية التي هي من جملة القصائد الأرتقيات التي امتدح بها الملك المنصور صاحب ماردين جاءت لتنظر ما أبقت من المهج فعطرت سائر الأرجاء بالأرج فالشطر الثاني ليس من جنس الشطر الأول فإن الشطر الأول في الطريق الغرامية ليس له مثيل ومن
Page 7
 أنكر هذا النقد ينتظر في مطلع الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض قدس الله سره فإنه في هذا الباب طرفة وهو ما بين معترك الأحداق والمهج أنا القتيل بلا إثم ولا حرج وهنا نكتة لطيفة تؤيد هذا النقد اتفق أن الشيخ نور الدين علي بن سعيد الأندلسي الأديب المشهور الذي من نظمه قوله وا طول شوقي إلى ثغور ملأى من الشهد الرحيق عنها أخذت الذي تراه يعذب من شعري الرقيق لما ورد إلى هذه البلاد اجتمع بالصاحب بهاء الدين زهير وتطفل على موائد طريقته الغرامية وسأله الإرشاد إلى سلوكها فقال له طالع ديوان الحاجري والتلعفري وأكثر المطالعة فيهما وراجعني بعد ذلك فغاب عنه مدة وأكثر من مطالعة الديوانين إلى أن حفظ غالبهما ثم اجتمع به بعد ذلك وتذاكرا في الغراميات فأنشده الصاحب بهاء الدين زهير في غضون المحاضرة يا بان وادي الأجرع وقال أشتهي أن يكمل لي هذا المطلع فافتكر قليلا وقال سقيت غيث الأدمع فقال والله حسن لكن الأقرب إلى الطريق الغرامي أن تقول هل ملت من طرب معي وما ألطف مطلع الحاجري في هذا الطريق
 
لك أن تشوقني إلى الأوطان وعلي أن أبكي بدمع قان والآراء على هذا النوع تستحسن هنا مطلع ناصر الدين بن النقيب فإنه أعدل شاهد مقبول والتشبيب بنفسه الطيب يغني في هذه الحضرة عن الموصول وهو قلدت يوم البين جيد مودعي دررا نظمت عقودها من أدمعي وبالنسبة إلى حسن الابتداءات مطلع الشيخ برهان الدين القيراطي مع حسنه وبهجته فيه نقص وهو قسما بروضة خدها ونباتها وبآسها المخضل في جنباتها فإنه لم يأت بجواب القسم ولا ما يحسن السكوت على مطلعه ولا تتم الفائدة إلا به ومشايخ البديع قرروا أن لا يكون المطلع متعلقا بما بعده في حسن الابتداء وقد آن أن أحبس عنان القلم فإن الشرح قد طال ولم أطله إلا ليزداد الطالب إيضاحا ويداوي علل فهمه بحكم المتقدمين ويتنزه في رياض الأدب على النبات الغض من نظم المتأخرين براعة الاستهلال في النظم انتهى ما أوردته في حسن الابتداء وقد فرع المتأخرون منه براعة الاستهلال في النظم والنثر وفيها زيادة على حسن الابتداء فإنهم شرطوا في براعة الاستهلال أن يكون مطلع القصيدة دالا على ما بنيت عليه مشعرا بغرض الناظم من غير تصريح بل بإشارة لطيفة تعذب حلاوتها في الذوق السليم ويستدل بها على قصده من عتب أو عذر أو تنصل أو تهنئة أو مدح أو هجو وكذلك في النثر فإذا جمع الناظم بين حسن الابتداء وبراعة الاستهلال كان من فرسان هذا الميدان وإن لم يحصل له براعة الاستهلال فليجتهد في سلوك ما يقوله في حسن الابتداء وما سمي هذا النوع براعة الاستهلال إلا لأن المتكلم يفهم غرضه من كلامه عند ابتداء رفع صوته به ورفع الصوت في اللغة هو الاستهلال يقال استهل المولود صارخا إذا رفع صوته عند الولادة وأهل الحجيج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية وسمي الهلال هلالا لأن الناس يرفعون أصواتهم عند رؤيته ومما وقع من براعات الاستهلال التي
 
تشعر بغرض الناظم وقصده في قصيده براعة قصيدة الفقيه نجم الدين عمارة اليمني حيث قال إذا لم يسالمك الزمان فحارب وباعد إذا لم تنتفع بالأقارب فإشارات العتب والشكوى لا تخفى على أهل الذوق في هذه البراعة ويفهم منها أن بقية القصيدة تعرب عن ذلك فإن زكي الدين بن أبي الإصبع قال براعة الاستهلال هي ابتداء المتكلم بمعنى ما يريد تكميله وهذه القصيدة في حكمها وتحشمها وتسيير أمثالها نهاية والموجب لنظمها على هذا النمط أنه كان بينه وبين الكامل بن شارر صحبة أكيدة قبل وزارة أبيه فلما وزر استحال عليه فكتب إليه هذه القصيدة التي من جملتها ولا تحتقر كيدا صغيرا فربما تموت
Page 8
 الأفاعي من سموم العقارب ومنها إذا كان رأس المال عمرك فاحترز عليه من الإنفاق في غير واجب فبين اختلاف الليل والصبح معرك يكر علينا جيشه بالعجائب ومنها وما راعني غدر الشباب لأنني ألفت لهذا الخلق من كل صاحب ومنها إذا كان هذا الدر معدنه فمي فصونوه عن تقبيل راحة واهب رأيت رجالا حالهم في مآدب لديكم وحالي عندكم في نوادب تأخرت لما قدمتكم علاكم علي وتأبى الأسد سبق الثعالب ترى أين كانوا في مواطني التي غدوت لكم فيهن أكرم خاطب ليالي أتلو ذكركم في مجالس حديث الورى فيها بغمز الحواجب ومن ألطف البراعات وأحشمها براعة مهيار الديلمي فإنه بلغه أنه وشي به إلى ممدوحه فتنصل من ذلك بألطف عذر وأبرزه في معرض التغزل والنسيب فقال أما وهواها حلفة وتنصلا لقد نقل الواشي إليك فامحلا وما أحلى ما قال بعده سعى جهده لكن تجاوز حده وكثر فارتابت ولو شاء قللا
 
واذكرني مهيار بحسن براعته ما كتبت به إلى سيدنا ومولانا قاضي القضاة صدر الدين ملك المتأدبين أبي الحسن علي بن الآدمي الحنفي الناظر في الحكم العزيز بالديار المصرية والممالك الإسلامية جمل الله الوجود بوجوده من حماة المحروسة إلى أبوابه العالية بدمشق المحروسة ورياحين الشبيبة غضة وكانت مطالعاتي قد تأخرت عن أبوابه العالية لعارض حجب الفكر عن هذا الفن وهي رسالة مشتملة على نظم ونثر فصدرت الجواب بقصيدة ترفل في حلل النسيب على طريق مهيار وكلها براعة استهلال أولها وصلت ولكن بعد طول تشوقي ودنت وقد رقت لقلبي الشيق وما أحلى ما قلت بعده فثملت من طرب برجع حديثها فكأنما قد نادمت بمعتق وجميعها على هذا الطريق البديعي ومثله إن المقر المخدومي الأميني الحمصي لما انتقل من توقيع حمص المحروسة إلى صحابة ديوان الإنشاء بدمشق قصد نقلتي من حماة المحروسة إلى أبوابه العالية وحب حماه يفتر العزم عن ذلك وهذا يفهم من قولي في بعض قصائدي فيها يلذ عناق الفقر لي بفنائها وفي غيرها لم أرض بالملك والرهط ولكنه قطع أسئلته العالية بعد أن كانت كؤوس الإنشاء دائرة بيننا فكتبت إليه بقصيدة تشعر بعتب لطيف وبلابل الغزل تغرد في أفنانها على طريقة مهيار الديلمي وطريق مولانا قاضي القضاة صدر الدين عظم الله تعالى شأنه وبراعة استهلالها من بأسياف هجرهم كلمونا ما عليهم لو أنهم كلمونا ولم أعرب في نحو هذه القصيدة عن غير هذه الإشارات اللطيفة ومنها غلقوا باب وصلهم فتح الله لهم بالهناء فتحا مبينا وصلوا هجرنا وعيش هواهم لم نحل عنهم ولو قطعونا ملكوا رقنا فصرنا عبيدا ليتهم بعد رقنا كاتبونا
Page 9
ولم أزل أغازل عيون هذه المعاني إلى المخلص فقلت حبكم فرضنا وسيف جفاكم قد غدا في بعادنا مسنونا والحشا لم يخن عهود وفاكم فاسألوا من غدا عليها أمينا ومما يشعر بالتهنئة والنصر على الأعداء براعة العلامة لسان الدين بن الخطيب وهي الحق يعلو والأباطل تسفل والحق عن أحكامه لا يسأل فإنه قال نظمت للسلطان أسعده الله وأنا بمدينة سلا لما انفصل طالبا حقه بالأندلس قصيدة كان صنع الله مطابقا لاستهلالها ووجهت بها إلى رندة قبل الفتح ثم لما قدمت أنشدتها بين يديه بعد الفتح وفاء بنذري وسميتها الفتح الغريب في الفتح القريب منها فإذا استحالت حالة وتبدلت فالله عز وجل لا يتبدل واليسر بعد العسر موعود به والصبر بالفرج القريب موكل والمستعد بما يؤمل ظافر وكفاك شاهد قيدوا وتوكلوا ومنها محمد والحمد منك سجية بحليها بين الورى يتجمل أما سعودك فهو دون منازع عقد بأحكام القضاء يسجل ولك السجايا الغر والشيم التي بغريبها يتمثل المتمثل ولك الوقار إذا نزلت على الربا وهفت من الروع الهضاب المثل ومنها عوذ كمالك ما استطعت فإنه قد تنقص الأشياء مما تكمل تاب الزمان إليك مما قد جنى والله يأمر بالمتاب ويقبل إن كان ماض من زمانك قد مضى بإساءة قد سرك المستقبل هذا بذاك فشفع الثاني الذي أرضاك فيما قد جناه الأول والله قد ولاك أمر عباده لما ارتضاك ولاية لا تعزل
 
وإذا تغمدك الإله بنصره وقضى لك الحسنى فمن ذا يخذل ومنها وظعنت عن أوطان ملكك راكبا متن العباب فأي صبر يجمل والبحر قد خفقت عليك ضلوعه والريح تبتلع الزفير وترسل ولك الجواري المنشآت قد اغتدت تختال في برد الشباب وترفل خرقاء يحملها ومن حملت به من يعلم الأنثى وماذا تحمل صبحتهم غرر الجياد كأنما سد الثنية عارض متهلل من كل منجرد أغر محجل يرمي الجياد به أغر محجل زجل الجناح إذا أجد لغاية وإذا تغنى للصهيل فبلبل جيد كما التفت الظليم وفوقه أذن ممشقة وطرف أكحل ومنها وخليج هند راق حسن صفائه حتى يكاد به يقوم الصيقل غرقت بصفحته النمال وأوشكت تبغي النجاة فأوثقتها الأرجل فالصرح منه ممرد والصفح منه مورد والشط منه مهدل وبكل أزرق إن شكت ألحاظه مره العيون فبالعجاجة يكحل متأود أعطافه في نشوة مما يعل من الدماء وينهل عجبا له إن النجيع بطرفه رمد ولا يخفى عليه مقتل لله موقفك الذي وثباته وثباته مثل به يتمثل والخيل خط والمجال صحيفة والسمر تنقط والصوارم تشكل والبيض قد كسرت حروف جفونها وعوامل الأسل المثقف تعمل
Page 10
وهي طويلة وجميعها فرائد ولم أكثر منها إلا لعلمي أن نظم الوزير لسان الدين بن الخطيب رحمه الله تعالى غريب في هذه البلاد ومن البراعات التي يفهم من إشاراتها أنها تهنئة بمولود قول أبي بكر بن الخازن رحمه الله تعالى بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعدا وكوكب المجد في أفق العلا صعدا ومما يشعر بقرينة الذوق أن الناظم يريد الرثاء قول التهامي حكم المنية في البرية جاري ما هذه الدنيا بدار قرار وهذه القصيدة يرثي بها ولده وهي نسيج وحدها وواسطة عقدها ومنها ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار جبلت على كدر وأنت تريدها صفوا من الأقذاء والأقذار وإذا رجوت المستحيل فإنما تبني الرجاء على شفير هار فالعيش نوم والمنية يقظة والمرء بينهما خيال سار وما أعلم أن أحدا استهل للمراثي بأحسن من هذه البراعات ومنها يشير إلى ولده وهو من المعاني المستغربة جاورت أعدائي وجاور ربه شتان بين جواره وجواري وأما قصيدة الشيخ جمال الدين بن نباتة رحمه الله تعالى في تهنئة السلطان الملك الأفضل بسلطنة حماة وتعزيته بوفاة والده الملك المؤيد سقى الله ثراه فإنها من عجائب الدهر فإنه جمع فيها بين نقيضي المدح والرثاء في كل بيت وبراعتها هناء محاذاك العزاء المقدما فما عبس المحزون حتى تبسما ثغور ابتسام في ثغور مدامع شبيهان لا يمتاز ذو السبق منهما يرد مجاري الدمع والبشر واضح كوابل غيث في ضحى الشمس قد همى
 
سبحان المانح والله من لا يتعلم الأدب من هنا فهو من المحجوبين عن إدراكه وكتب إليه الشيخ صلاح الدين الصفدي قصيدة ضمن فيها إعجاز معلقة امرئ القيس وصرح في براعتها بغليظ العتب ولم يأت في البراعة بإشارة لطيفة يفهم منها القصد بل صرح وقال أفي كل يوم منك عتب يسوءني كجلمود صخر حطه السيل من عل فأجابه الشيخ جمال الدين بقصيدة ضمن فيها الأعجاز المذكورة وبراعة استهلالها فطمت ولائي ثم أقبلت عاتبا أفاطم مهلا بعض هذا التدلل والإشارة بقوله أفاطم مهلا بعض هذا التدلل لا يخفى على حذاق الأدب ما مراده منها وفي هذا القدر كفاية وما أحلى ما قال بعده وهو مما قصده في تلك الإشارة فدونك عتب اللفظ ليس بفاحش إذا هي نصته ولا بمعطل وهنا بحث وهو إني وقفت على بديعية الشيخ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن جابر الأندلسي الشهيرة ببديعية العميان فوجدته قد صرح في براعتها بمدح النبي وهي بطيبة إنزل ويمم سيد الأمم وانثر له المدح وانشر طيب الكلم فهذه البراعة ليس فيها إشارة تشعر بغرض الناظم وقصده بل أطلق التصريح ونثر المدح ونشر طيب الكلم فإن قال قائل إنها براعة استهلال قلت إن البديعية لا بد لها من براعة وحسن مخلص وحسن ختام فإذا كان مطلع القصيدة مبنيا على تصريح المدح لم يبق لحسن التخلص محل ولا موضع ونظم هذه القصيدة سافل بالنسبة إلى طريق الجماعة غير أن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أبا جعفر الأندلسي شرحها شرحا مفيدا وهنا فائدة وهو أن الغزل الذي يصدر به المديح النبوي يتعين على الناظم أن يحتشم فيه ويتأدب ويتضاءل ويتشبب مطربا بذكر سلع ورامة وسفح العقيق والعذيب