Page 1
خزين الذكريات
عجيبٌ أمرُ هذا الذهن. فهو العضو الوحيد في جسد هذا الرجل السبعيني السقيم الذي ظلَّ ناشطاً. بل إن همّته لم تفتر طيلة هذه السنين الطويلة التي عاشها حتى الآن. وبقدر ما كان جسمه يعاني من الأمراض التي تفتك به، بحيث إنه في الآونة الأخيرة بات يقتات أدوية أكثر مما يقتات من الطعام، فإن ذهنه بقي متوقّداً يضجُّ بالذكريات التي تتحوّل مشاهدها السحيقة في القدم، إلى مرئيات جليّة أمام عينيه الكليلتين. وقد تغدو هذه المرئيات أكثر وضوحاً حين يطبق هاتين العينين مستسلماً لذكريات الماضي البعيد أو القريب، وإن كانت الذكريات الموغلة في الماضي هي التي يستحضرها هذا الذهن دائماً، وبخاصة، عندما يخلد إلى القيلولة بعد الغداء، تحت شجرة الكينا في حديقة منزله.
اعتاد في هذه الساعة أن يهجر، لا أسرته وحسب، بل الحاضر بأسره، ويسافر في ترحال متواصل في مدن وقرى بعيدة عرفت شوارعها ودروبها المتربة خطاه، يوم كان في مقتبل العمر، فتياً ومعافى ووسيماً، غير هذه الكومة من العظام الهشّة تحت الجلد الفاقد لونه بعامل الضعف والهزال.
هناك في بوينوس آيريس وفي توكومان وكوردوبا ومار دلْ بلاتا، على وقع موسيقى التانغو الراقصة، كان يمارس الحياة بكل نبضات قلبه الذي كان بصلابة الجلمود.
وينظر إلى قدميه المنتعلتين خفّين رقيقين يتلاءمان وهزال ساقيه العجفاوين، ويتحسّر على الأيام التي كان يرقص فيها التانغو الأرجنتيني الشهير في مراقص جادة كوريينتس بصحبة الفتاة خوانيتا التي أحبّها ولم يتزوّج منها، لأنه كان متزوّجاً هنا، في بلده، والقانون هناك لا يجيز للرجل المتزوّج أن يعقد قرانه على امرأة أخرى.
بيغاميّا... يلفظها الآن من فم فقد أسنانه الطبيعية، وما استطاعت وجبة الأسنان الاصطناعية مساعدته على النطق جيداً، بتلك اللغة العذبة، فصارت الأحرف تخرج من بين هذه الأسنان الزائفة مع صفير خفيض، يذكّره بضجيج الأفاعي في سهول البامبا، فيعود ويلفظها بالعربية: تعدّد الزوجات... إنها جريمة في تلك البلاد عقوبتها السجن. ولم يقل لخوانيتا إنه متزوج. صحيح أنه عاشرها معاشرة الأزواج وأسكنها معه في بيته في العاصمة، إلّا أنه لم يعقد قرانه عليها متذرّعاً بذرائع شتى، لعلَّ أبرزها عدم نضج وضعه المالي، وإيهامه لها بأن تجارته فاسدة. وقد قبلت الفتاة القيام بدور العشيقة لأنها كانت تحبّه، ولأن عودتها إلى منزل والديها باتت متعذّرة بعدما باتت ليلتها الأولى في بيته.
تباً لهذا الخزين من الذكريات الذي ينغّص عليه قيلولته. هو بالتأكيد يسعى إلى هذه الفتاة بعد كل هذه السنين، فيستدعيها من مخبوءات ذهنه. لكنه لا يريد تذكّر الجزء المحزن من تلك الذكريات، بل الأجزاء المفرحة. لكنَّ الذاكرة تضجر من البقاء في مراقص جادة كوريينتس وحقول مقاطعة إنتري ريّوس وشاطىء مار دلْ بلاتا. قد تكون الذكريات مثل أصحابها البشر، تمل وترهق، فتنحو إلى تغيير المشاهد بغية التجديد في المرئيات. إنه لا يدري. يدري فقط أنه يحب تذكّر خوانيتا وهي ترقص التانغو معه، فتبدو كالفراشة، خفيفة، ملوّنة تحترق شباباً وفتنةً. غير أن هذه المشاهد لا تبقى على حالها، إذ سرعان ما تتعدّى الرقص أو السباحة على الشاطىء أو التنزّه في الحقول، إلى مشاهد البيت حيث الوجوم والتساؤل الدائم: متى نتزوّج قانونياً يا حبّي؟
يا الله، ما أحلى نطقها لهذه الكلمة الرائعة: آمور ميّو!
وفي يوم مشؤوم، باع متجره وصفّى أعماله، وترك لها البيت بأثاثه وقفل عائداً إلى الوطن، على أن يعود بعد أقلّ من أربعة شهور.
ربّاه! لا تزال الدمعة التي ذرفها منذ أربعين سنة، تنحدر من عينه ذاتها. دمعة واحدة لا تتغيّر، وكأنها تتوالد من تلك الدمعة القديمة إيّاها. ويشعر بأن قلبه الواهن قد توقف عن الخفقان. لا، هذه أعراض داء الجفاف في الشرايين حيث فترت دقات القلب ونشطت اهتزازات اليدين.
يحاول أن يطرد ذكرى خوانيتا من ذهنه، فلا يستطيع. يبدو الذهن مستقلاً عنه فلا ينصاع لإرادته. ولا يجد سبيلاً أمامه سوى التحسّر. كيف عدتُ وتركتها هناك؟ كان بوسعي أن أطلّق امرأتي وأقترن بها. فلم أعاشر امرأتي أكثر من سنة قبل رحيلي إلى ديار الغربة، فيما عاشرت خوانيتا سنوات عديدة. لماذا عميت عيناي عن رؤية حقائق الحياة؟
عجيبٌ أمرُ هذا الذهن. فهو العضو الوحيد في جسد هذا الرجل السبعيني السقيم الذي ظلَّ ناشطاً. بل إن همّته لم تفتر طيلة هذه السنين الطويلة التي عاشها حتى الآن. وبقدر ما كان جسمه يعاني من الأمراض التي تفتك به، بحيث إنه في الآونة الأخيرة بات يقتات أدوية أكثر مما يقتات من الطعام، فإن ذهنه بقي متوقّداً يضجُّ بالذكريات التي تتحوّل مشاهدها السحيقة في القدم، إلى مرئيات جليّة أمام عينيه الكليلتين. وقد تغدو هذه المرئيات أكثر وضوحاً حين يطبق هاتين العينين مستسلماً لذكريات الماضي البعيد أو القريب، وإن كانت الذكريات الموغلة في الماضي هي التي يستحضرها هذا الذهن دائماً، وبخاصة، عندما يخلد إلى القيلولة بعد الغداء، تحت شجرة الكينا في حديقة منزله.
اعتاد في هذه الساعة أن يهجر، لا أسرته وحسب، بل الحاضر بأسره، ويسافر في ترحال متواصل في مدن وقرى بعيدة عرفت شوارعها ودروبها المتربة خطاه، يوم كان في مقتبل العمر، فتياً ومعافى ووسيماً، غير هذه الكومة من العظام الهشّة تحت الجلد الفاقد لونه بعامل الضعف والهزال.
هناك في بوينوس آيريس وفي توكومان وكوردوبا ومار دلْ بلاتا، على وقع موسيقى التانغو الراقصة، كان يمارس الحياة بكل نبضات قلبه الذي كان بصلابة الجلمود.
وينظر إلى قدميه المنتعلتين خفّين رقيقين يتلاءمان وهزال ساقيه العجفاوين، ويتحسّر على الأيام التي كان يرقص فيها التانغو الأرجنتيني الشهير في مراقص جادة كوريينتس بصحبة الفتاة خوانيتا التي أحبّها ولم يتزوّج منها، لأنه كان متزوّجاً هنا، في بلده، والقانون هناك لا يجيز للرجل المتزوّج أن يعقد قرانه على امرأة أخرى.
بيغاميّا... يلفظها الآن من فم فقد أسنانه الطبيعية، وما استطاعت وجبة الأسنان الاصطناعية مساعدته على النطق جيداً، بتلك اللغة العذبة، فصارت الأحرف تخرج من بين هذه الأسنان الزائفة مع صفير خفيض، يذكّره بضجيج الأفاعي في سهول البامبا، فيعود ويلفظها بالعربية: تعدّد الزوجات... إنها جريمة في تلك البلاد عقوبتها السجن. ولم يقل لخوانيتا إنه متزوج. صحيح أنه عاشرها معاشرة الأزواج وأسكنها معه في بيته في العاصمة، إلّا أنه لم يعقد قرانه عليها متذرّعاً بذرائع شتى، لعلَّ أبرزها عدم نضج وضعه المالي، وإيهامه لها بأن تجارته فاسدة. وقد قبلت الفتاة القيام بدور العشيقة لأنها كانت تحبّه، ولأن عودتها إلى منزل والديها باتت متعذّرة بعدما باتت ليلتها الأولى في بيته.
تباً لهذا الخزين من الذكريات الذي ينغّص عليه قيلولته. هو بالتأكيد يسعى إلى هذه الفتاة بعد كل هذه السنين، فيستدعيها من مخبوءات ذهنه. لكنه لا يريد تذكّر الجزء المحزن من تلك الذكريات، بل الأجزاء المفرحة. لكنَّ الذاكرة تضجر من البقاء في مراقص جادة كوريينتس وحقول مقاطعة إنتري ريّوس وشاطىء مار دلْ بلاتا. قد تكون الذكريات مثل أصحابها البشر، تمل وترهق، فتنحو إلى تغيير المشاهد بغية التجديد في المرئيات. إنه لا يدري. يدري فقط أنه يحب تذكّر خوانيتا وهي ترقص التانغو معه، فتبدو كالفراشة، خفيفة، ملوّنة تحترق شباباً وفتنةً. غير أن هذه المشاهد لا تبقى على حالها، إذ سرعان ما تتعدّى الرقص أو السباحة على الشاطىء أو التنزّه في الحقول، إلى مشاهد البيت حيث الوجوم والتساؤل الدائم: متى نتزوّج قانونياً يا حبّي؟
يا الله، ما أحلى نطقها لهذه الكلمة الرائعة: آمور ميّو!
وفي يوم مشؤوم، باع متجره وصفّى أعماله، وترك لها البيت بأثاثه وقفل عائداً إلى الوطن، على أن يعود بعد أقلّ من أربعة شهور.
ربّاه! لا تزال الدمعة التي ذرفها منذ أربعين سنة، تنحدر من عينه ذاتها. دمعة واحدة لا تتغيّر، وكأنها تتوالد من تلك الدمعة القديمة إيّاها. ويشعر بأن قلبه الواهن قد توقف عن الخفقان. لا، هذه أعراض داء الجفاف في الشرايين حيث فترت دقات القلب ونشطت اهتزازات اليدين.
يحاول أن يطرد ذكرى خوانيتا من ذهنه، فلا يستطيع. يبدو الذهن مستقلاً عنه فلا ينصاع لإرادته. ولا يجد سبيلاً أمامه سوى التحسّر. كيف عدتُ وتركتها هناك؟ كان بوسعي أن أطلّق امرأتي وأقترن بها. فلم أعاشر امرأتي أكثر من سنة قبل رحيلي إلى ديار الغربة، فيما عاشرت خوانيتا سنوات عديدة. لماذا عميت عيناي عن رؤية حقائق الحياة؟
Page 2
يتذكّر في هذه اللحظة أباه وأمّه اللذين ألحّا عليه بالزواج من ابنة عمه. هي حلوة وعاقلة. إنها بنت يتمنّاها كل شاب. وأنتما شبه مخطوبين منذ صغركما. لكنني سأسافر إلى حيث خالي في الأرجنتين. لا بأس. خذها معك يا بني. هذا مستحيل يا أبي. هل يعقل أن أرحل إلى بلاد بعيدة، في الطرف الآخر من العالم، ومعي امرأة؟ ستكون بمثابة القيد الذي يغلُّ قدميّ ويمنعهما من الحركة. إذن، دعها هنا معنا يا بني، وحين يفتحها الله عليك، نرسلها إليك، أو تأتي أنت فتأخذها معك.
يا لعناد أبي. ويا لضعفي أنا. فلو لم أرضخ له وللنقرات التي تحدثها أمّي في رأسي، لحظيت على السعادة في مغتربي. إذ يسَّر لي خالي الميسور، العمل. فزوّدني بالبضائع اللازمة لأبيعها في متاجر القرى والبلدات في الأرياف ريثما أتعلّم اللغة الإسبانية. وبعدها افتتح لي متجراً في توكومان حيث كان يقيم. لكنني لم أرغب العيش في هذه المدينة الداخلية. سحرتني بوينوس آيريس بكل شيء فيها؛ جاداتها وحدائقها وقطار الأنفاق، وشاطىء الفضة والنساء اللائي بهرني جمالهن وسحر أنوثتهن منذ اليوم الأول الذي وصلت فيه العاصمة العملاقة. وعلى الشاطىء التقيت خوانيتا فكانت في لباس البحر الفتّان حوريّة حقيقية طلعت من الماء تتهادى بقوامها الممشوق تدعمه ساقان عاجيتان من أجمل ما خلق الله من مغريات لرجل شرقي مثلي جاء ملهوفاً للمرأة من بلاد المحرّمات. لو كنت طليقاً، وما كانت أوراقي الثبوتية تحمل وصمة «متزوّج» لظفرت بالسعادة المنشودة، ولامتدت فترة شبابي إلى ما شاء الله. فهناك لا يشيخ المرء قبل أوانه.
تناديه زوجته تحثّه على الاستيقاظ من غفوته تحت شجرة الكينا على مقعده الخشبي الذي يغدو سريراً مع ملاءته من النسيج المشمّع، وكأنه كان نائماً...
يلتفت وهو مستلقٍ على القماش المشمّع إلى جهة باب البيت الخلفي، ويرمق المرأة الطاعنة في السن، بنظرة سخط. يا لهذه العجوز الشمطاء! كيف تركتُ خوانيتا الجميلة ذات القوام الفارع والصدر العامر والساقين الدعجاوين والفم الذي يقطر عسلاً في شهده: آمور ميّو، مي أومبري... آمادو ميّو... وجئتُ عائداً إلى هذه المرأة ذات المكَبْر البشع؟
كانت الذكريات تتزاحم في استعراض مبهج، يجعله يصبّ جام غضبه على هذه المرأة التي انتظرته ثماني سنوات. صحيح أنها كانت حلوة ذات يوم، لكنَّ هذا كان في سالف العصر والأوان. فلقد هرمت بسرعة، وإن لم تفتك بها الأمراض المزمنة كما فتكت به. فباستثناء السكّري لا تعاني أي مرض. فيما هو يعاني من السكّري والتصلّب في الشرايين وارتفاع ضغط الدم، كلها مجتمعة في هذا الجسد المعتلّ.
عجيبٌ أمرُ هذا الذهن. إنه لم يشخ، فيعتلّ مثل بقية أعضاء جسمه، فظلت المرئيات المخزونة فيه فتيّة لم تكبر كما كبر هو وكما كبرت امرأته. ولا شكَّ أن خوانيتا بدورها قد شاخت وصارت عجوزاً في أرذل العمر. لكنَّ الصور الرائعة تبقى في الذهن الذي لا يشيخ، كما كانت، في توهّجها النضر وكأنها سرمديّة تعصى على الذبول.
يا لعناد أبي. ويا لضعفي أنا. فلو لم أرضخ له وللنقرات التي تحدثها أمّي في رأسي، لحظيت على السعادة في مغتربي. إذ يسَّر لي خالي الميسور، العمل. فزوّدني بالبضائع اللازمة لأبيعها في متاجر القرى والبلدات في الأرياف ريثما أتعلّم اللغة الإسبانية. وبعدها افتتح لي متجراً في توكومان حيث كان يقيم. لكنني لم أرغب العيش في هذه المدينة الداخلية. سحرتني بوينوس آيريس بكل شيء فيها؛ جاداتها وحدائقها وقطار الأنفاق، وشاطىء الفضة والنساء اللائي بهرني جمالهن وسحر أنوثتهن منذ اليوم الأول الذي وصلت فيه العاصمة العملاقة. وعلى الشاطىء التقيت خوانيتا فكانت في لباس البحر الفتّان حوريّة حقيقية طلعت من الماء تتهادى بقوامها الممشوق تدعمه ساقان عاجيتان من أجمل ما خلق الله من مغريات لرجل شرقي مثلي جاء ملهوفاً للمرأة من بلاد المحرّمات. لو كنت طليقاً، وما كانت أوراقي الثبوتية تحمل وصمة «متزوّج» لظفرت بالسعادة المنشودة، ولامتدت فترة شبابي إلى ما شاء الله. فهناك لا يشيخ المرء قبل أوانه.
تناديه زوجته تحثّه على الاستيقاظ من غفوته تحت شجرة الكينا على مقعده الخشبي الذي يغدو سريراً مع ملاءته من النسيج المشمّع، وكأنه كان نائماً...
يلتفت وهو مستلقٍ على القماش المشمّع إلى جهة باب البيت الخلفي، ويرمق المرأة الطاعنة في السن، بنظرة سخط. يا لهذه العجوز الشمطاء! كيف تركتُ خوانيتا الجميلة ذات القوام الفارع والصدر العامر والساقين الدعجاوين والفم الذي يقطر عسلاً في شهده: آمور ميّو، مي أومبري... آمادو ميّو... وجئتُ عائداً إلى هذه المرأة ذات المكَبْر البشع؟
كانت الذكريات تتزاحم في استعراض مبهج، يجعله يصبّ جام غضبه على هذه المرأة التي انتظرته ثماني سنوات. صحيح أنها كانت حلوة ذات يوم، لكنَّ هذا كان في سالف العصر والأوان. فلقد هرمت بسرعة، وإن لم تفتك بها الأمراض المزمنة كما فتكت به. فباستثناء السكّري لا تعاني أي مرض. فيما هو يعاني من السكّري والتصلّب في الشرايين وارتفاع ضغط الدم، كلها مجتمعة في هذا الجسد المعتلّ.
عجيبٌ أمرُ هذا الذهن. إنه لم يشخ، فيعتلّ مثل بقية أعضاء جسمه، فظلت المرئيات المخزونة فيه فتيّة لم تكبر كما كبر هو وكما كبرت امرأته. ولا شكَّ أن خوانيتا بدورها قد شاخت وصارت عجوزاً في أرذل العمر. لكنَّ الصور الرائعة تبقى في الذهن الذي لا يشيخ، كما كانت، في توهّجها النضر وكأنها سرمديّة تعصى على الذبول.
Page 3
الدائرة
إنها دائرة كبيرة. هي من الضخامة والاتساع بحيث تستوعب جميع الناس على وجه الأرض. ضمنها يتحرّك الجميع. والذين يخرجون منها إنما يخرجون من الحياة بأسرها.
حين توصَّل الحاج أبو نمر إلى هذا الاستنتاج، كان قد بقي الليل كلّه ساهراً لم تذق عيناه طعم النوم. وهذا الأرق اللعين الذي يعانيه في الآونة الأخيرة، مسؤول عن وصله الليل بالنهار، وبدء إحساسه بتفاقم أمراضه المزمنة. وهو أمرٌ أحدث لديه ذعراً مع أنه لم يكن مفاجئاً. فهو يشكو من ارتفاع ضغط الدم والنقرس والسكري. وإذا كان الداء الثاني غير مخيف، فالأوّل والأخير مميتان. يكفي أن يرتفع ضغطه من خمسة عشر إلى ما فوق العشرين للعالي، ومن أحد عشر إلى خمسة عشر للمنخفض، أي الذي له علاقة مباشرة بالقلب، حتى يفقد الوعي ويدخل في غيبوبة لا يفيق منها إلّا وهو في غرفة العناية الفائقة في المستشفى، تحت رحمة الله التي قد يفوز بعدها بلقب المرحوم. وهو ما يؤدّيه داء السكري اذا ارتفعت نسبة السكر في الدم من مائتي غرام كما في حالته الراهنة، إلى خمسمائة، كما في الحالة التي قد يبلغها إذا استمرَّ في إهمال الحمية وعدم انتظام تناوله العقاقير، باستثناءٍ مهم، وهو احتمال إصابته بالعمى ونشاف الشرايين وتسمم الدم والتعرّض لنوبات الإغماء الشبيهة بنوبات الصرع، والعياذ بالله!
ولأن أشدَّ ما يؤلم المرء هو تذكّر أيام الهناء في ساعات الأسى، يستعيد الحاج أبو نمر، سنيه الماضية بلمحة خاطفة. لا، إنه لا يتذكّر مجمل الوقائع والتفاصيل، لكن بعضها، هي التي علقت بهذا الذهن الواهن الذي ينوء به رأس رجل طاعن في السن.
من الوقائع والتفاصيل التي ما زالت راسخة في ذهنه، النهوض صباحاً مع انبثاق شروق الشمس من وراء الجبال، والوقوف على الشرفة حتى في أيام الشتاء الممطرة، ليراقب عملية بدء تكوّن النهار، وخروج الناس من بيوتهم، إلى أعمالهم، كلٌ في اتجاه. وطالما كان يراهم، ما عدا الأطفال الذاهبين إلى مدارسهم، كالحيوانات التي تخرج من أوجارها، أو الحشرات التي تنتشر من أوكارها. الجميع يسعى إلى الرزق، وإن كان رزق هذا على حساب ذاك، سواء أكان آدمياً أم حيواناً. ولعلَّ هذا هو النقص المشوّه لهذه الدائرة. فمع السعي تتضافر القسوة التي يراها العلماء لازمة لاستمرار النوع....
وكان بعدما يتملّى من هذا المشهد اليومي الذي لا يدوم عادةً أكثر من عدّة دقائق، يتناول فطوره ويهبط إلى الطريق ليمضي إلى عمله، مثلما يفعل باقي البشر وغير البشر.
وعندما يعود إلى البيت في المساء، يكون قد جال طويلاً في الأسواق، ولو لم يشتر شيئاً، وغالباً ما يبقى متسكّعاً في الشوارع القريبة من البحر، لتتسنّى له رؤية الشمس وهي تغيب وراء الأفق فكان مشهد المغيب كمشهد الشروق، ذات الألوان وإن كانت في الصباح شديدة اللمعان بحيث يتعذّر التدقيق فيها، بينما هي في الغروب واضحة. لكنه رأى هذه الألوان عينها في الفجر، حين لا تكون أشعة الشمس حادّة وتكاد تكون مرئية بوضوح. فيا له من مشهد أخّاذ يُشعر المرء بجدوى البقاء.
كما أن مَنْ يتأمّل في هذا المشهد بشطريه، الشروق والغروب، يستطيع حلَّ لغز الحياة بأبسط الأشكال. فالبداية تحمل معها النهاية، والعناصر الكيميائية في المرحلتين هي نفسها، كما في الشروق والغروب.
إنها دائرة كبيرة. هي من الضخامة والاتساع بحيث تستوعب جميع الناس على وجه الأرض. ضمنها يتحرّك الجميع. والذين يخرجون منها إنما يخرجون من الحياة بأسرها.
حين توصَّل الحاج أبو نمر إلى هذا الاستنتاج، كان قد بقي الليل كلّه ساهراً لم تذق عيناه طعم النوم. وهذا الأرق اللعين الذي يعانيه في الآونة الأخيرة، مسؤول عن وصله الليل بالنهار، وبدء إحساسه بتفاقم أمراضه المزمنة. وهو أمرٌ أحدث لديه ذعراً مع أنه لم يكن مفاجئاً. فهو يشكو من ارتفاع ضغط الدم والنقرس والسكري. وإذا كان الداء الثاني غير مخيف، فالأوّل والأخير مميتان. يكفي أن يرتفع ضغطه من خمسة عشر إلى ما فوق العشرين للعالي، ومن أحد عشر إلى خمسة عشر للمنخفض، أي الذي له علاقة مباشرة بالقلب، حتى يفقد الوعي ويدخل في غيبوبة لا يفيق منها إلّا وهو في غرفة العناية الفائقة في المستشفى، تحت رحمة الله التي قد يفوز بعدها بلقب المرحوم. وهو ما يؤدّيه داء السكري اذا ارتفعت نسبة السكر في الدم من مائتي غرام كما في حالته الراهنة، إلى خمسمائة، كما في الحالة التي قد يبلغها إذا استمرَّ في إهمال الحمية وعدم انتظام تناوله العقاقير، باستثناءٍ مهم، وهو احتمال إصابته بالعمى ونشاف الشرايين وتسمم الدم والتعرّض لنوبات الإغماء الشبيهة بنوبات الصرع، والعياذ بالله!
ولأن أشدَّ ما يؤلم المرء هو تذكّر أيام الهناء في ساعات الأسى، يستعيد الحاج أبو نمر، سنيه الماضية بلمحة خاطفة. لا، إنه لا يتذكّر مجمل الوقائع والتفاصيل، لكن بعضها، هي التي علقت بهذا الذهن الواهن الذي ينوء به رأس رجل طاعن في السن.
من الوقائع والتفاصيل التي ما زالت راسخة في ذهنه، النهوض صباحاً مع انبثاق شروق الشمس من وراء الجبال، والوقوف على الشرفة حتى في أيام الشتاء الممطرة، ليراقب عملية بدء تكوّن النهار، وخروج الناس من بيوتهم، إلى أعمالهم، كلٌ في اتجاه. وطالما كان يراهم، ما عدا الأطفال الذاهبين إلى مدارسهم، كالحيوانات التي تخرج من أوجارها، أو الحشرات التي تنتشر من أوكارها. الجميع يسعى إلى الرزق، وإن كان رزق هذا على حساب ذاك، سواء أكان آدمياً أم حيواناً. ولعلَّ هذا هو النقص المشوّه لهذه الدائرة. فمع السعي تتضافر القسوة التي يراها العلماء لازمة لاستمرار النوع....
وكان بعدما يتملّى من هذا المشهد اليومي الذي لا يدوم عادةً أكثر من عدّة دقائق، يتناول فطوره ويهبط إلى الطريق ليمضي إلى عمله، مثلما يفعل باقي البشر وغير البشر.
وعندما يعود إلى البيت في المساء، يكون قد جال طويلاً في الأسواق، ولو لم يشتر شيئاً، وغالباً ما يبقى متسكّعاً في الشوارع القريبة من البحر، لتتسنّى له رؤية الشمس وهي تغيب وراء الأفق فكان مشهد المغيب كمشهد الشروق، ذات الألوان وإن كانت في الصباح شديدة اللمعان بحيث يتعذّر التدقيق فيها، بينما هي في الغروب واضحة. لكنه رأى هذه الألوان عينها في الفجر، حين لا تكون أشعة الشمس حادّة وتكاد تكون مرئية بوضوح. فيا له من مشهد أخّاذ يُشعر المرء بجدوى البقاء.
كما أن مَنْ يتأمّل في هذا المشهد بشطريه، الشروق والغروب، يستطيع حلَّ لغز الحياة بأبسط الأشكال. فالبداية تحمل معها النهاية، والعناصر الكيميائية في المرحلتين هي نفسها، كما في الشروق والغروب.
Page 4
وحينما تقدّم به العمر، وأُحيل إلى التقاعد، ظلَّ مواظباً على مغادرة البيت في الصباح، بحكم العادة، ليعود إليه بعد جولة قصيرة في الأسواق يشتري ما يلزم من غذائيات أو أيّة حوائج تريدها المرأة. وقبل المغيب بفترة وجيزة، يخرج مرّة أخرى من البيت ليجوب الأماكن القريبة من الشاطىء؛ فمشهد الغروب، مثل مشهد الشروق، لا يمكن الإقلاع عن عادة رؤيتهما أبداً، وإلّا شعر بشيء من الاختناق، بل بالقنوط، وكأن هذه الألوان المدهشة التي يكحّل عينيه برؤيتها، تمنحه فيضاً من الاحساس بالوجود. ألا يرى الحياة في بدء تكوّنها اليومي الذي يكرر نفسه منذ أربعة مليارات سنة، وقد يبقى على هذه الوتيرة أربعة ملايين سنة أخرى؟
* * *
بيد أنه عندما شاخ أكثر من اللازم، واعتراه اليقين القاسي بأن ما تبقّى له في الحياة أقلّ بكثير مما عاشه، وما عاد نسيان الحكم الصادر عليه بالهلاك ممكناً كما من قبل، أخذ يقلل الخروج من البيت، ويكثر من البقاء في الشرفة. واعتاد أن يجيب امرأته التي تبدي خشيتها من إصابته بالزكام الذي قد يتحوّل إلى ما هو أسوأ على صحته، مثل ذات الرئة، أن لا خوف عليه البتة من تدهور صحته، لأن لا صحة لديه أصلاً، وأيّة رئة تصاب بأي عارض وهو الذي لا يكاد يستطيع التنفّس، مما يؤكّد له أن رئتيه قد ضمرتا، وإن بقيتا موجودتين في جسمه العليل فهما أصغر من رئة العصفور، أو الجرذ... وأقلّ عملاً منها. وحين تستنجد الحاجة أم نمر بكنّتها زوجة نمر، ووليدها الذي يحبّه بولَه، بين ذراعيها يغادر الشرفة إذا كان الطقس عاصفاً، لكي يعود إليها حالما يتغيّر الطقس قليلاً، وتنسى المرأتان هذا الرجل الهرم العنيد في زحمة مشاغلهما البيتية.
كانت مراقبة الحاج أبي نمر لحركة الطبيعة والناس في الخارج، هي المتعة الوحيدة التي تبقّت له، بعد الجريدة التي لا يحب قراءتها إلّا حين يكون جالساً على مقعده الهزّاز في الشرفة عند الصباح، وكذلك عند الغروب مع قرعة الماتي التي أدمن على تعاطيها بعد قضاء فترة من الصيف في جبل الشوف منذ أكثر من ثلاثين سنة، ولم يمنعه الأطباء عنها مع الممنوعات الأخرى مثل التدخين، وخصوصاً تدخين النرجيلة التي لا أمتع منها ولا ألذّ عند الأصيل وأثناء السهرة.
وإزاء عتاب ابنه نمر الذي صار هو ربَّ الأسرة بدلاً منه، برغم مرتبه التقاعدي الذي يسدُّ ثغرات كثيرة في ميزانية العائلة التي تكاثرت بعد زواج ابنه الوحيد، وإنجابه طفلاً يساوي الدنيا بما فيها من مباهج، يخرج الولد من حضرة أبيه وهو مقتنع بأن حجز الشرفة عن الأب أشدُّ وطأة عليه من الحبس في زنزانة خانقة. فالوالد الذي اعتاد تأمّل حركة الحياة في الصباح والمساء، لا يقدر على الإقلاع عن هذه العادة مهما كانت مضارها الصحية. لا، بل أقنعه والده بأن إطلاله على العالم المتوافر أمامه بأجزاء ضئيلة، له مردود صحي حسن، نفسياً على الأقل، وهذا ما انعكس إيجاباً على وضعه الفيزيولوجي العام.
لهذا كان تشبّثه بالشرفة، لا سيما بعد تعذّر خروجه من المنزل إلّا نادراً، وبرفقة أفراد العائلة، ولأمر طارىء وملحّ، كتعزية بعزيز، يؤكد له صحة استنتاجه. فهذا رجل توفى خرج من الدائرة، ولسوف تستمرُّ الحركة في داخلها من دونه. وهو ما سيحدث له يوماً، فيما تبقى الدائرة ليتحرّك البشر فيها، محاذرين الخروج منها، عائدين بسرعة إلى قطرها كلما رأوا أنفسهم على مقربة من إطارها.
لكنَّ الحاج أبا نمر، برغم اكتئابه الناشىء عن يقينه باستحالة بقائه طويلاً في الدائرة، وكان ينسى أحياناً كثيرة، أيَّ شيء يذكّره بالأجل المحتوم، ولا يرى تحت الشرفة إلّا رجالاً مثله طاعنين في السن يتحرّكون داخل نطاق الدائرة، وكأن النسيان الذي يلفّهم بردائه الفضفاض، يشعرهم بأنهم خالدون أبداً.
* * *
بيد أنه عندما شاخ أكثر من اللازم، واعتراه اليقين القاسي بأن ما تبقّى له في الحياة أقلّ بكثير مما عاشه، وما عاد نسيان الحكم الصادر عليه بالهلاك ممكناً كما من قبل، أخذ يقلل الخروج من البيت، ويكثر من البقاء في الشرفة. واعتاد أن يجيب امرأته التي تبدي خشيتها من إصابته بالزكام الذي قد يتحوّل إلى ما هو أسوأ على صحته، مثل ذات الرئة، أن لا خوف عليه البتة من تدهور صحته، لأن لا صحة لديه أصلاً، وأيّة رئة تصاب بأي عارض وهو الذي لا يكاد يستطيع التنفّس، مما يؤكّد له أن رئتيه قد ضمرتا، وإن بقيتا موجودتين في جسمه العليل فهما أصغر من رئة العصفور، أو الجرذ... وأقلّ عملاً منها. وحين تستنجد الحاجة أم نمر بكنّتها زوجة نمر، ووليدها الذي يحبّه بولَه، بين ذراعيها يغادر الشرفة إذا كان الطقس عاصفاً، لكي يعود إليها حالما يتغيّر الطقس قليلاً، وتنسى المرأتان هذا الرجل الهرم العنيد في زحمة مشاغلهما البيتية.
كانت مراقبة الحاج أبي نمر لحركة الطبيعة والناس في الخارج، هي المتعة الوحيدة التي تبقّت له، بعد الجريدة التي لا يحب قراءتها إلّا حين يكون جالساً على مقعده الهزّاز في الشرفة عند الصباح، وكذلك عند الغروب مع قرعة الماتي التي أدمن على تعاطيها بعد قضاء فترة من الصيف في جبل الشوف منذ أكثر من ثلاثين سنة، ولم يمنعه الأطباء عنها مع الممنوعات الأخرى مثل التدخين، وخصوصاً تدخين النرجيلة التي لا أمتع منها ولا ألذّ عند الأصيل وأثناء السهرة.
وإزاء عتاب ابنه نمر الذي صار هو ربَّ الأسرة بدلاً منه، برغم مرتبه التقاعدي الذي يسدُّ ثغرات كثيرة في ميزانية العائلة التي تكاثرت بعد زواج ابنه الوحيد، وإنجابه طفلاً يساوي الدنيا بما فيها من مباهج، يخرج الولد من حضرة أبيه وهو مقتنع بأن حجز الشرفة عن الأب أشدُّ وطأة عليه من الحبس في زنزانة خانقة. فالوالد الذي اعتاد تأمّل حركة الحياة في الصباح والمساء، لا يقدر على الإقلاع عن هذه العادة مهما كانت مضارها الصحية. لا، بل أقنعه والده بأن إطلاله على العالم المتوافر أمامه بأجزاء ضئيلة، له مردود صحي حسن، نفسياً على الأقل، وهذا ما انعكس إيجاباً على وضعه الفيزيولوجي العام.
لهذا كان تشبّثه بالشرفة، لا سيما بعد تعذّر خروجه من المنزل إلّا نادراً، وبرفقة أفراد العائلة، ولأمر طارىء وملحّ، كتعزية بعزيز، يؤكد له صحة استنتاجه. فهذا رجل توفى خرج من الدائرة، ولسوف تستمرُّ الحركة في داخلها من دونه. وهو ما سيحدث له يوماً، فيما تبقى الدائرة ليتحرّك البشر فيها، محاذرين الخروج منها، عائدين بسرعة إلى قطرها كلما رأوا أنفسهم على مقربة من إطارها.
لكنَّ الحاج أبا نمر، برغم اكتئابه الناشىء عن يقينه باستحالة بقائه طويلاً في الدائرة، وكان ينسى أحياناً كثيرة، أيَّ شيء يذكّره بالأجل المحتوم، ولا يرى تحت الشرفة إلّا رجالاً مثله طاعنين في السن يتحرّكون داخل نطاق الدائرة، وكأن النسيان الذي يلفّهم بردائه الفضفاض، يشعرهم بأنهم خالدون أبداً.
Page 5
الحشرات
ماذا حدث لنا في هذا الزمن الذي يسمّونه العصر الحديث؟ هل شرعنا في التحوّل الاجـتماعي برغم عدم تحوّلنا ـ حتى الآن ـ بيولوجـياً، وإن كان التحوّل الأول سيؤدّي في المستقبل إلى التحوّل الآخر؟ فالسلوك لا بدَّ وأن يغيّر الوظائف البيولوجية بعدما تتكيّف الخصائص الفيزيولوجية مع متطلّبات هذا التغيير.
ما زلنا نقرأ الصحف والكتب ونصغي إلى المذياع ونشاهد التلفاز ونأكل بالشوكة والسكين، ونرطن بلغات أجنبية معقدة. لكننا ننعزل عن بعضنا بعضاً، فنلوذ بجحورنا العصرية التي ابتكرها المهندسون المعماريون امكنة لسكنانا ـ أو مخابئنا ـ وهي ذات أشكال عجيبة في البناء. كل بناء صار عمودياً لا أفقياً. انعدمت المسطّحات التي تدخل الهواء والشمس، وتوافرت الأنماط العمودية. وبهذه الطريقة صارت المساكن كهوفاً، لا فرق إن كانت تحت مستوى الأرض أم فوقها. فالنسور وكذلك الخفافيش، تتخذ أوكاراً لها في الأعالي، فيما الأفاعي والجرذان تلوذ بأوكارها في باطن الأرض. اذا كانت هذه الكائنات مقرفة لا يستحب التذكير بها، فإن الأرانب وهي تتنفس مثلنا، بل وتحيض كنسائنا، تحفر لها سراديب تحت الأرض.
اذاً، بدأنا نقطن الكهوف، مع وجود فارق كبير لا يستهان به. فالكهوف لا تُغلق فتحاتها، فيما أبواب مساكننا الضيّقة والواطئة السقوف، مغلقة أبوابها. فلا نتعرف إلى جيراننا ولا نزورهم، وقد لا نبدي أي اهتمام بالآخرين، وكأننا نعيش في كوكب والآخرون في كوكب آخر، بحيث تبقى بعض الحشرات، مثل النمل، أفضل منا سلوكياً، لأنها حيوانات تتآلف مع بعضها وتؤمن بأهمية التكافل الاجتماعي.
وبما أنني أنتمي إلى عالم الحشرات بحكم انتمائي إلى بشر هذا الزمن، غدوتُ مذعوراً على الدوام، أخشى مغادرة الجحر الذي أحبس نفسي فيه معظم الوقت حين أعود من العمل. في العمل يفارقني الذعر، لأن المكان في قبو تحت المبنى الضخم. لكنني في الطريق إلى بيتي ـ أو جحري ـ أعود فريسة الهلع، فأمشي غالباً لصق المباني متجنّباً الشوارع، خشية افتراسي من قبل هذه الغيلان التي يدعونها سيارات، مثلما يتجنّب الجرذ السير في الطرق المكشوفة.
في المرّات القليلة التي اضطر فيها للخروج، بناءً لإلحاح زوجتي وأبنائي ـ الحشرات ـ نختار مطعماً تحت الأرض، وكذلك نؤم داراً للسينما بمثل مواصفاته. أما قلتُ إن فن العمارة تخلّى عن الأنماط الأفقية واعتمد الأنماط العمودية؟ قد يكون ذلك عائداً إلى ضيق الرقعة الأرضية حيث التهمت غابات الباطون والحديد والألمنيوم والزجاج والبلاستيك مع الألياف الزجاجية وغيرها من المعادن وأشباه المعادن، ما كان متبقياً من أراضٍ زراعية. فليس غريباً والحالة هذه، أن يجهل أبنائي الفاكهة والخضار والحليب والبيض واللحم والأجبان، التي يقرأون أسماءها في كتب التاريخ المعاصر.
هل تراني أهذي؟ كلا: فما تناولناه في المطعم ـ القبو يؤكد صحة ما أقول. إذ كان غداؤنا مقتصراً على شرائح لحم بفتيك معدّة من لدائن بلاستيكية فيها نكهة اللحم لا مذاقه. وكذلك البطاطا المقليّة، كانت من هذه الأنواع الغذائية المبتكرة في المختبرات، وليست الناتجة من الأرض. أمّا أنواع السلطة فكانت من أعشاب البحر. ولولا السمك لكان طعامنا تافهاً تعافه حتى الكلاب والفئران. وشاءت ابنتي المدللة من أمها الكثيرة الطلبات، أن تنكبني بشراء بنطال وقميص وحذاء رياضي مثل التي يرتدونها اخوتها الذكور وينتعلونها (الحشرات لا ترتدي فساتين، بل سراويل موّحّدة الزي واللون ـ يونيسكس) فيما أصرّ ابني الأكبر على شراء عدّة أشرطة تسجيل غنائية، ليس فيها من الغناء والموسيقى شيء، لأنها عبارة عن إيقاع صاخب من طبول افريقية وزعيق أوروبي ـ أميركي. لكن ابني الأصغر كان أكثر تعقّلاً، فرضي بشريط تسجيل عربي، فيه كلام عادي قريب من اللغو، أُجري له جهد موسيقي يسمّى تلحيناً...
ماذا حدث لنا في هذا الزمن الذي يسمّونه العصر الحديث؟ هل شرعنا في التحوّل الاجـتماعي برغم عدم تحوّلنا ـ حتى الآن ـ بيولوجـياً، وإن كان التحوّل الأول سيؤدّي في المستقبل إلى التحوّل الآخر؟ فالسلوك لا بدَّ وأن يغيّر الوظائف البيولوجية بعدما تتكيّف الخصائص الفيزيولوجية مع متطلّبات هذا التغيير.
ما زلنا نقرأ الصحف والكتب ونصغي إلى المذياع ونشاهد التلفاز ونأكل بالشوكة والسكين، ونرطن بلغات أجنبية معقدة. لكننا ننعزل عن بعضنا بعضاً، فنلوذ بجحورنا العصرية التي ابتكرها المهندسون المعماريون امكنة لسكنانا ـ أو مخابئنا ـ وهي ذات أشكال عجيبة في البناء. كل بناء صار عمودياً لا أفقياً. انعدمت المسطّحات التي تدخل الهواء والشمس، وتوافرت الأنماط العمودية. وبهذه الطريقة صارت المساكن كهوفاً، لا فرق إن كانت تحت مستوى الأرض أم فوقها. فالنسور وكذلك الخفافيش، تتخذ أوكاراً لها في الأعالي، فيما الأفاعي والجرذان تلوذ بأوكارها في باطن الأرض. اذا كانت هذه الكائنات مقرفة لا يستحب التذكير بها، فإن الأرانب وهي تتنفس مثلنا، بل وتحيض كنسائنا، تحفر لها سراديب تحت الأرض.
اذاً، بدأنا نقطن الكهوف، مع وجود فارق كبير لا يستهان به. فالكهوف لا تُغلق فتحاتها، فيما أبواب مساكننا الضيّقة والواطئة السقوف، مغلقة أبوابها. فلا نتعرف إلى جيراننا ولا نزورهم، وقد لا نبدي أي اهتمام بالآخرين، وكأننا نعيش في كوكب والآخرون في كوكب آخر، بحيث تبقى بعض الحشرات، مثل النمل، أفضل منا سلوكياً، لأنها حيوانات تتآلف مع بعضها وتؤمن بأهمية التكافل الاجتماعي.
وبما أنني أنتمي إلى عالم الحشرات بحكم انتمائي إلى بشر هذا الزمن، غدوتُ مذعوراً على الدوام، أخشى مغادرة الجحر الذي أحبس نفسي فيه معظم الوقت حين أعود من العمل. في العمل يفارقني الذعر، لأن المكان في قبو تحت المبنى الضخم. لكنني في الطريق إلى بيتي ـ أو جحري ـ أعود فريسة الهلع، فأمشي غالباً لصق المباني متجنّباً الشوارع، خشية افتراسي من قبل هذه الغيلان التي يدعونها سيارات، مثلما يتجنّب الجرذ السير في الطرق المكشوفة.
في المرّات القليلة التي اضطر فيها للخروج، بناءً لإلحاح زوجتي وأبنائي ـ الحشرات ـ نختار مطعماً تحت الأرض، وكذلك نؤم داراً للسينما بمثل مواصفاته. أما قلتُ إن فن العمارة تخلّى عن الأنماط الأفقية واعتمد الأنماط العمودية؟ قد يكون ذلك عائداً إلى ضيق الرقعة الأرضية حيث التهمت غابات الباطون والحديد والألمنيوم والزجاج والبلاستيك مع الألياف الزجاجية وغيرها من المعادن وأشباه المعادن، ما كان متبقياً من أراضٍ زراعية. فليس غريباً والحالة هذه، أن يجهل أبنائي الفاكهة والخضار والحليب والبيض واللحم والأجبان، التي يقرأون أسماءها في كتب التاريخ المعاصر.
هل تراني أهذي؟ كلا: فما تناولناه في المطعم ـ القبو يؤكد صحة ما أقول. إذ كان غداؤنا مقتصراً على شرائح لحم بفتيك معدّة من لدائن بلاستيكية فيها نكهة اللحم لا مذاقه. وكذلك البطاطا المقليّة، كانت من هذه الأنواع الغذائية المبتكرة في المختبرات، وليست الناتجة من الأرض. أمّا أنواع السلطة فكانت من أعشاب البحر. ولولا السمك لكان طعامنا تافهاً تعافه حتى الكلاب والفئران. وشاءت ابنتي المدللة من أمها الكثيرة الطلبات، أن تنكبني بشراء بنطال وقميص وحذاء رياضي مثل التي يرتدونها اخوتها الذكور وينتعلونها (الحشرات لا ترتدي فساتين، بل سراويل موّحّدة الزي واللون ـ يونيسكس) فيما أصرّ ابني الأكبر على شراء عدّة أشرطة تسجيل غنائية، ليس فيها من الغناء والموسيقى شيء، لأنها عبارة عن إيقاع صاخب من طبول افريقية وزعيق أوروبي ـ أميركي. لكن ابني الأصغر كان أكثر تعقّلاً، فرضي بشريط تسجيل عربي، فيه كلام عادي قريب من اللغو، أُجري له جهد موسيقي يسمّى تلحيناً...
Page 6
وعندما رويت على مسامعهم أسماء أم كلثوم واسمهان وليلى مراد وفيروز وصباح، ضحكوا وكادوا يقعون على أقفيتهم من شدّة الضحك. بل إن البنت المدللة حبيبة امها، عقّبت ساخرة: نسيت أن تذكر يا أبي أسماء من ذلك العصر البائد، مثل الديناصور والماموث!
أنا لا ألومهم بالتأكيد. الملوم هو جنون التقدّم الفارغ من المضمون العملي القمين بالحفاظ على الشروط الصحية للبيئة. وعندما لا يتنشّق الإنسان هواءً نظيفاً، لانعدام الشجر، فتمتلىء رئتاه بثاني أوكسيد الكربون، وحين يختفي من غذائه البروتين والحديد والفيتامين وجميع المعادن الطبيعية النافعة، ويستعاض عنها بالأخلاط الكيميائية التي لا نفع فيها حتى ولو كان ضررها غير مؤكد، واذا كان العمل والنوم واللهو تتم في أقبية منغلقة لا في أمكنة مكشوفة، حتى بيوت الله تقام في أسفل المباني وتحت مستوى الأرض. غالباً، هل يستغرب أحد كيف صرنا حشرات وإن كنا لا نزال نقرأ الصحف والكتب ونرطن بلغات أجنبية؟
هذه الليلة المشؤومة تضاعف ذعري، حينما استيقظتُ لأشرب الماء كي أروي به عطشاً سببه تناول مأكولات البحر، فرأيت في العتمة مخلوقاً غريباً قبيحاً يتحرّك في اتجاهي، أو أنا الذي تحرّكت في اتجاهه. كان مثل تنيّن ذي رؤوس متعددة... وقد غاب عن ذهني في تلك الوهلة، «الشيء» الذي ابتاعته زوجتي وادّعت أنه نبات للزينة. لقد خُيّل اليّ أن هذا «الشيء» ذا الرؤوس التنّينية يتقدّم نحوي، فلذتُ بالحائط، وأخذتُ في الصراخ هلعاً، إلى أن اضاءت زوجتي النور، وهي تلومني على إيقاظها في مثل تلك الساعة المتأخرة من الليل. معذورة. لعلّها لم تفطن بعد إلى ما اعترانا جميعاً من تبدّل. فالمرأة عادةً لا تعترف بانصرام الزمن مثلما لا تعترف بتغيّر تضاريس الوجه والقوام. لكنْ، ماذا يعني كوننا جميعاً قد فقدنا ملامح الوجوه وامارات الهيئة، فبتنا نشبه بعضنا بعضاً. ولولا الأعمار المتباينة، لانعدمت الفروق في ما بيننا، ذكوراً وإناثاً، باستثناء بعض الوظائف البيولوجية، كعوارض الطمث عند المرأة، والتبوّل في أي مكان عند الرجل، ولو كان ذلك أمام جدار في الطريق. وهذا لا ينفي الواقع المزري الذي آلت إليه أوضاعنا أخيراً، إذ صرنا، في تصرفاتنا ومجمل طبائعنا، حشرات، أكثر منا آدميين!
يومٌ من الحياة
تباً له من نهار آخر انعدمت فيه الشمس وسادت العتمة كل شيء؛ المكان والنفس، الأشياء والناس والنبات والحيوان. فأقفرت الأشجار العارية من الطيور، لتخيّم على الأغصان المرتعشة البوم والغربان. ومع تلاشي التغريد تجاوب النعيب لعصف الريح، فاستحالت الأرض يباباً.
السواد يندلق من فنجان القهوة إلى كل أرجاء البيت الكئيب. لا، لم يكن هذا السواد مندلقاً من الفنجان. بل من أعماقي. حتى لكأنني أنفث السخام من رئتيّ. أوَلم أشعر بالاختناق لفقدان الهواء؟ افتح النافذة لتصفع وجهي المكفهر شظايا قطبية يجتاح صقيعها كياني حتى العظم.
يتفاقم إحساسي بالخواء. لقد كفرتُ بكل شيء، ولم أعد أؤمن بجدوى البقاء. قرأت كافكا فتمنيّت لو صرتُ مسخاً. دانتي لم يذكر مثل هذا العذاب في جحيمه. إدغار ألن بو وحده الذي عانى ما أعانيه. فمرحى للموت أو الجنون.
هل أهذي؟ لا، أبداً. ففي الأمس دفنتُ أمي.
أنا لا ألومهم بالتأكيد. الملوم هو جنون التقدّم الفارغ من المضمون العملي القمين بالحفاظ على الشروط الصحية للبيئة. وعندما لا يتنشّق الإنسان هواءً نظيفاً، لانعدام الشجر، فتمتلىء رئتاه بثاني أوكسيد الكربون، وحين يختفي من غذائه البروتين والحديد والفيتامين وجميع المعادن الطبيعية النافعة، ويستعاض عنها بالأخلاط الكيميائية التي لا نفع فيها حتى ولو كان ضررها غير مؤكد، واذا كان العمل والنوم واللهو تتم في أقبية منغلقة لا في أمكنة مكشوفة، حتى بيوت الله تقام في أسفل المباني وتحت مستوى الأرض. غالباً، هل يستغرب أحد كيف صرنا حشرات وإن كنا لا نزال نقرأ الصحف والكتب ونرطن بلغات أجنبية؟
هذه الليلة المشؤومة تضاعف ذعري، حينما استيقظتُ لأشرب الماء كي أروي به عطشاً سببه تناول مأكولات البحر، فرأيت في العتمة مخلوقاً غريباً قبيحاً يتحرّك في اتجاهي، أو أنا الذي تحرّكت في اتجاهه. كان مثل تنيّن ذي رؤوس متعددة... وقد غاب عن ذهني في تلك الوهلة، «الشيء» الذي ابتاعته زوجتي وادّعت أنه نبات للزينة. لقد خُيّل اليّ أن هذا «الشيء» ذا الرؤوس التنّينية يتقدّم نحوي، فلذتُ بالحائط، وأخذتُ في الصراخ هلعاً، إلى أن اضاءت زوجتي النور، وهي تلومني على إيقاظها في مثل تلك الساعة المتأخرة من الليل. معذورة. لعلّها لم تفطن بعد إلى ما اعترانا جميعاً من تبدّل. فالمرأة عادةً لا تعترف بانصرام الزمن مثلما لا تعترف بتغيّر تضاريس الوجه والقوام. لكنْ، ماذا يعني كوننا جميعاً قد فقدنا ملامح الوجوه وامارات الهيئة، فبتنا نشبه بعضنا بعضاً. ولولا الأعمار المتباينة، لانعدمت الفروق في ما بيننا، ذكوراً وإناثاً، باستثناء بعض الوظائف البيولوجية، كعوارض الطمث عند المرأة، والتبوّل في أي مكان عند الرجل، ولو كان ذلك أمام جدار في الطريق. وهذا لا ينفي الواقع المزري الذي آلت إليه أوضاعنا أخيراً، إذ صرنا، في تصرفاتنا ومجمل طبائعنا، حشرات، أكثر منا آدميين!
يومٌ من الحياة
تباً له من نهار آخر انعدمت فيه الشمس وسادت العتمة كل شيء؛ المكان والنفس، الأشياء والناس والنبات والحيوان. فأقفرت الأشجار العارية من الطيور، لتخيّم على الأغصان المرتعشة البوم والغربان. ومع تلاشي التغريد تجاوب النعيب لعصف الريح، فاستحالت الأرض يباباً.
السواد يندلق من فنجان القهوة إلى كل أرجاء البيت الكئيب. لا، لم يكن هذا السواد مندلقاً من الفنجان. بل من أعماقي. حتى لكأنني أنفث السخام من رئتيّ. أوَلم أشعر بالاختناق لفقدان الهواء؟ افتح النافذة لتصفع وجهي المكفهر شظايا قطبية يجتاح صقيعها كياني حتى العظم.
يتفاقم إحساسي بالخواء. لقد كفرتُ بكل شيء، ولم أعد أؤمن بجدوى البقاء. قرأت كافكا فتمنيّت لو صرتُ مسخاً. دانتي لم يذكر مثل هذا العذاب في جحيمه. إدغار ألن بو وحده الذي عانى ما أعانيه. فمرحى للموت أو الجنون.
هل أهذي؟ لا، أبداً. ففي الأمس دفنتُ أمي.
Page 7
الرجل الطحلب
إنني أكاد أجنّ. فمنذ عدّة شهور لا أتمكن من النوم إلّا فترات قصيرة قد لا تستغرق ساعات. حتى في النوم لا أعثر على الراحة. إذ غالباً ما أرى نفسي وقد تحوّلتُ إلى حيوان قبيح الشكل، جرذ أو عظاءة أو أي حيوان مقيت آخر. فأستيقظ مذعوراً لأقف أمام المرآة وانظر إلى انعكاس وجهي فيها. لم تصل البثور الكثيرة إلى وجهي بعد. إنها تملأ أعلى صدري وأتحسسها في ظهري. وأخشى أن تهبط إلى أسفل جسدي ليتفاقم وضعي الشاذ.
بدأت بثوراً صغيرة ذات رؤوس معتمة اللون. بيد أنها كبرت في هذه الشهور الأخيرة واستحال لونها إلى ما يشبه لون التراب المصفرّ. أراها بعينيّ الزائغتين أشبه ما تكون بالطحالب مزروعة في صدري من العنق حتى أسفل البطن. في البدء خلتها ستكوّن طبقة من القشور الصدفية أو قروش السمك. فأخذتُ أعرض نفسي على الأطباء الاختصاصيين في أمراض الجلد، الذين احتاروا في أمري. ولمّا عجزوا عن تشخيص ما ألمَّ بي، وبعد سلسلة طويلة من تحاليل الدم والفحوص المخبرية، أحالوني إلى أطباء اختصاصيين في الأمراض الباطنية ومنهم جهابذة في الغدد، علَّ منشأ هذه الأعراض الغريبة خللٌ في وظائف الخلايا. وها أنذا اتنقّل من طبيب إلى آخر، ومن مستشفى إلى غيره، والبثور المخيفة التي تبدو كالطحالب، تنمو وتتضخّم كتضخّم مخاوفي، بعدما أدركني اليأس من الشفاء وأخذ المرض ينتقل من الجسد إلى الدماغ. أعني إلى دخيلة نفسي. وها قد غدوت بؤرة للوساوس بعدما أضحيتُ حقلاً للتجارب. ماذا لو سدّت هذه الطحالب مسام الجلد؟ هل من الممكن أن تنتقل إلى وجهي فأغدو كمسخ كافكا؟ وإذا توسّعت نزولاً إلى أسفل... حيث الأعضاء الحسّاسة؟ ماذا يحلّ بي عندها؟
الأطباء العاجزون وجدوا الذريعة التافهة: حالتك تصيب شخصاً واحداً من كل مائة مليون آدمي. أحدهم، وكان متحذلقاً يكثر من لفظ الأسماء الأجنبية، ذكر أن بعض هذه الحالات وُجدت بين قبائل بدائية في وسط افريقيا وفي أطراف جزيرة غينيا الجديدة. ويسمونهم هناك: الناس السحالى...
كل هذا بلا طائل. فأنا أقتات من خوفي وأعيش في رعب دائم. حتى أنني فسخت خطوبتي من الفتاة الحبيبة وتجنّبت رؤيتها برغم إلحاحها في الهاتف. والعمل في شركة الأعلان هجرته منذ شهور بعدما استحال بقائي بين الزملاء الأصحاء. ما فكرتُ بالعدوى. بل لتعذّر إخفاء وضعي الصحي عنهم طويلاً. ولولا رصيد من المال ادخرته لنفقات الزفاف ومتطلّبات الحياة الزوجية في فترة التأسيس، لتضوّرت جوعاً.
أي جوع؟ أنا في الواقع لا أكاد آكل سوى لقمات أتناولها بلا شهيّة. وهل يأكل الخائف المذعور أو ينام؟ لكنْ، لا بدَّ من التغذية. فسوء التغذية يفاقم وضعي السيىء. هكذا يقول الأطباء. يا لهم من أطباء جهلة! ما داموا لم يتوصلوا إلى معرفة الداء، لماذا اقترح بعضهم إجراء عملية ـ أو بالأحرى عدّة عمليات ـ جراحية لإزالة هذه البثور! من دون تأكيد نجاحها...
لكنهم بارعون في الإذلال. فقد عرضني أكثر من واحد في المستشفى الملحق بإحدى الجـامعات، على تلاميذه من دارسي الطب... لماذا فعل ذلك؟ وماذا يسمّي ما بي من بثور طحلبية ما دام هو نفسه لا يعرف شيئاً عن مآلها؟ قال إنه طفح جلدي في الأصل التهب فصار دملاً... أي هراء! ماذا تفيد المعرفة بالشيء من دون وضع حد له...
لهذا أراني سجين بيتي الكئيب، أذرع الغرف جيئةً وذهاباً ولا أجرؤ على الدنو من الشرفة، بعدما داخلني شعور ثقيل الوطء، بأنني ربما تحوّلتُ من إنسان سويّ إلى إنسان آخر، قد يكون حلقة الوصل بين الآدمي والحيوان. ألا تقول كتب العلوم الطبيعية بمثل هذه الفرضيات؟ الآن بدأتُ أؤمن بحقيقة ما ذهب إليه داروين وأمثاله. حتى الكتب الدينية تحدثت عن الآدميين الذين مُسخوا خنازير وقروداً...
الله لم يمسخني لا خنزيراً ولا قرداً. إنما حوّلني كائناً مختلفاً لا أعرف ماذا أدعوه. ماذا لو وصلتْ البثور اللعينة إلى وجهي؟ بل كيف أستطيع الحركة اذا بلغتْ ركبتيَّ؟ هل أحسد الخنزير والقرد الممسوخين لأنهما يستطيعان الحركة على الأقل؟
إنني أكاد أجنّ. فمنذ عدّة شهور لا أتمكن من النوم إلّا فترات قصيرة قد لا تستغرق ساعات. حتى في النوم لا أعثر على الراحة. إذ غالباً ما أرى نفسي وقد تحوّلتُ إلى حيوان قبيح الشكل، جرذ أو عظاءة أو أي حيوان مقيت آخر. فأستيقظ مذعوراً لأقف أمام المرآة وانظر إلى انعكاس وجهي فيها. لم تصل البثور الكثيرة إلى وجهي بعد. إنها تملأ أعلى صدري وأتحسسها في ظهري. وأخشى أن تهبط إلى أسفل جسدي ليتفاقم وضعي الشاذ.
بدأت بثوراً صغيرة ذات رؤوس معتمة اللون. بيد أنها كبرت في هذه الشهور الأخيرة واستحال لونها إلى ما يشبه لون التراب المصفرّ. أراها بعينيّ الزائغتين أشبه ما تكون بالطحالب مزروعة في صدري من العنق حتى أسفل البطن. في البدء خلتها ستكوّن طبقة من القشور الصدفية أو قروش السمك. فأخذتُ أعرض نفسي على الأطباء الاختصاصيين في أمراض الجلد، الذين احتاروا في أمري. ولمّا عجزوا عن تشخيص ما ألمَّ بي، وبعد سلسلة طويلة من تحاليل الدم والفحوص المخبرية، أحالوني إلى أطباء اختصاصيين في الأمراض الباطنية ومنهم جهابذة في الغدد، علَّ منشأ هذه الأعراض الغريبة خللٌ في وظائف الخلايا. وها أنذا اتنقّل من طبيب إلى آخر، ومن مستشفى إلى غيره، والبثور المخيفة التي تبدو كالطحالب، تنمو وتتضخّم كتضخّم مخاوفي، بعدما أدركني اليأس من الشفاء وأخذ المرض ينتقل من الجسد إلى الدماغ. أعني إلى دخيلة نفسي. وها قد غدوت بؤرة للوساوس بعدما أضحيتُ حقلاً للتجارب. ماذا لو سدّت هذه الطحالب مسام الجلد؟ هل من الممكن أن تنتقل إلى وجهي فأغدو كمسخ كافكا؟ وإذا توسّعت نزولاً إلى أسفل... حيث الأعضاء الحسّاسة؟ ماذا يحلّ بي عندها؟
الأطباء العاجزون وجدوا الذريعة التافهة: حالتك تصيب شخصاً واحداً من كل مائة مليون آدمي. أحدهم، وكان متحذلقاً يكثر من لفظ الأسماء الأجنبية، ذكر أن بعض هذه الحالات وُجدت بين قبائل بدائية في وسط افريقيا وفي أطراف جزيرة غينيا الجديدة. ويسمونهم هناك: الناس السحالى...
كل هذا بلا طائل. فأنا أقتات من خوفي وأعيش في رعب دائم. حتى أنني فسخت خطوبتي من الفتاة الحبيبة وتجنّبت رؤيتها برغم إلحاحها في الهاتف. والعمل في شركة الأعلان هجرته منذ شهور بعدما استحال بقائي بين الزملاء الأصحاء. ما فكرتُ بالعدوى. بل لتعذّر إخفاء وضعي الصحي عنهم طويلاً. ولولا رصيد من المال ادخرته لنفقات الزفاف ومتطلّبات الحياة الزوجية في فترة التأسيس، لتضوّرت جوعاً.
أي جوع؟ أنا في الواقع لا أكاد آكل سوى لقمات أتناولها بلا شهيّة. وهل يأكل الخائف المذعور أو ينام؟ لكنْ، لا بدَّ من التغذية. فسوء التغذية يفاقم وضعي السيىء. هكذا يقول الأطباء. يا لهم من أطباء جهلة! ما داموا لم يتوصلوا إلى معرفة الداء، لماذا اقترح بعضهم إجراء عملية ـ أو بالأحرى عدّة عمليات ـ جراحية لإزالة هذه البثور! من دون تأكيد نجاحها...
لكنهم بارعون في الإذلال. فقد عرضني أكثر من واحد في المستشفى الملحق بإحدى الجـامعات، على تلاميذه من دارسي الطب... لماذا فعل ذلك؟ وماذا يسمّي ما بي من بثور طحلبية ما دام هو نفسه لا يعرف شيئاً عن مآلها؟ قال إنه طفح جلدي في الأصل التهب فصار دملاً... أي هراء! ماذا تفيد المعرفة بالشيء من دون وضع حد له...
لهذا أراني سجين بيتي الكئيب، أذرع الغرف جيئةً وذهاباً ولا أجرؤ على الدنو من الشرفة، بعدما داخلني شعور ثقيل الوطء، بأنني ربما تحوّلتُ من إنسان سويّ إلى إنسان آخر، قد يكون حلقة الوصل بين الآدمي والحيوان. ألا تقول كتب العلوم الطبيعية بمثل هذه الفرضيات؟ الآن بدأتُ أؤمن بحقيقة ما ذهب إليه داروين وأمثاله. حتى الكتب الدينية تحدثت عن الآدميين الذين مُسخوا خنازير وقروداً...
الله لم يمسخني لا خنزيراً ولا قرداً. إنما حوّلني كائناً مختلفاً لا أعرف ماذا أدعوه. ماذا لو وصلتْ البثور اللعينة إلى وجهي؟ بل كيف أستطيع الحركة اذا بلغتْ ركبتيَّ؟ هل أحسد الخنزير والقرد الممسوخين لأنهما يستطيعان الحركة على الأقل؟
Page 8
لقد تدهورتْ صحتي العامة مؤخراً، لكنني لا أحفل بذلك. فقد يكون موتي خلاصاً لي من هذه المعاناة القاتلة. أنا لم أدرس الطب. غير أنني أعلم أمراً واحداً، هو أن وضعي ليس على ما يرام، وهو غير معقول ولا مقبول. فالبثور الغريبة التي بدأتْ قليلة وصغيرة، ثم أضحت كبيرة وكثيرة وبعضها ـ بل كثير منها ـ يتصل ببعضه الآخر فيتشكّل منها طبقة من الطحالب، صارت تملأ الصدر والظهر وليس هنالك ما يمنع اجتياحها الأجزاء الأخرى الباقية من الجسم، من الرأس إلى القدمين... وحينئذٍ، كيف سأغدو؟
لا، لا يمكن تصوّر هذا، مع أنني أبدو مستعداً لأي احتمال من هذا القبيل. ولشدّة توقّعي له، بتُّ أحجم عن الوقوف أمام المرآة. أخشى رؤية وجهي وقد صار طحلباً قبيحاً، يخيف عيني وأقسى الناس وأشدّهم بأساً. البارحة ليلاً، فتحتُ باب بيتي لأتقبّل المؤن من صبي البقّال. فأنا لا أجرؤ على مقابلة أحد نهاراً، برغم ممانعة البقّال الذي أخابره هاتفياً، بحجّة أن الوقت متأخّر وهو سيغلق أبواب حانوته بعد دقائق. ولولا خوفه من خسارة زبون لا يساومه، لما فعل. وضع الصبي ما كان يحمله على أرضيّة الردهة التي تفصل بيتي عن بيت جاري. وفي العتمة أخذت أنقل المعلّبات وأكياس الحاجيات المنزلية إلى الداخل، على دفعتين. وفُتح باب المنزل المجاور ليخرج منه شخص لم اهتم بتبينّه. وقبل أن يغلق ثانيةً خرجت هرّة ولما شاهدتني في العتمة أخذت تموء بصوت مذعور وهي ترتجف كالمقرورة. أطبقتُ الباب بسرعة، وجلاً ومحبطاً. لمَ فعلت الهرّة ذلك على غير عادتها. فقد كانت تعرفني قبلاً؟ فوضعتُ يديَّ على صدري المخبوء بالقميص، وأنا أرتجف أيضاً كالمقرور.
وعند الفجر من هذا الصباح، حينما نهضتُ من السرير الذي لم أنم عليه سوى دقائق على فترات متقطعة وأنا أرى نفسي في الرؤيا جرذاً أو عظاءة أو أي مسخ قبيح ومخيف، دفعتني رغبة شديدة، على غير عادتي، إلى فتح باب الشرفة المطلّة على الشارع. هل بدأت مسام صدري وظهري في الانسداد بعدما غطّتهما الطبقة الطحلبية بالكامل؟ اذاً، قربت النهاية... ومع أنني لم أبرز إلى الشارع من حافة الشرفة، إذ بقيتُ لائذاً بالجدار الفاصل بينها وبين القاعة، فقد شاهدني، أو لعلّه شمّ رائحتي، كلب شارد يتهادى في الطريق. فأخذ ينبح بعدما توقف تحت الشرفة، بصوت متواصل. واستدعى نباحه كلاباً أخرى، شاردة مثله، فتجمعت كلها تحت شرفة البيت وشرعت في النباح بأصوات نكراء لم أسمع مثيلاً لها في حياتي.
وقبل أن يفيق الجيران ويزعقوا على الكلاب أو يرموها بمحتويات جردل ماء لتتفرّق، هربتُ من الشرفة وأغلقت بابها ثم اقتعدتُ اريكة في ركن القاعة المظلمة، ويداي ورجلاي ترتعد... فيما أسناني تصطك ببعضها.
بقيتُ في هذا الوضع قرابة ساعة. وعندما أشرفت أولى أضواء الشمس، وأنارت القاعة، لمحتُ المرآة المستطيلة في الممر، فأردت رؤية وجهي بعد هذه الليلة الخانقة. لم أستطع الوقوف. هل بلغت البثور ركبتيَّ فمنعت رجليّ من الحركة؟ ويحي.... ماذا حلَّ بي؟ ولما كان ثمة دافع قوي يدفعني للوصول إلى المرآة، ولا أستطيع الوقوف على قدميّ، وجدتني أزحف عبر القاعة إلى الممر، كالحرذون الضخم، أو الديناصور القميء، لأصل إلى المرآة التي لم أر فيها وجهي. كان ما رأيته شيئاً مخيفاً. طحلباً كبيراً في أعلاه ثقبان صغيران لعلّهما عيناي. وفتحة أخرى تحتهما؛ لعلّها أنفي. فوق فتحة أكبر، هي لا شك فمي الذي حاولتُ منه النباح، فلم يكن إلا فحيحاً مخنوقاً، هو بين فحيح ثعبان وحشرجات كائن ـ لا أقول رجلاً ـ يحتضر...
لا، لا يمكن تصوّر هذا، مع أنني أبدو مستعداً لأي احتمال من هذا القبيل. ولشدّة توقّعي له، بتُّ أحجم عن الوقوف أمام المرآة. أخشى رؤية وجهي وقد صار طحلباً قبيحاً، يخيف عيني وأقسى الناس وأشدّهم بأساً. البارحة ليلاً، فتحتُ باب بيتي لأتقبّل المؤن من صبي البقّال. فأنا لا أجرؤ على مقابلة أحد نهاراً، برغم ممانعة البقّال الذي أخابره هاتفياً، بحجّة أن الوقت متأخّر وهو سيغلق أبواب حانوته بعد دقائق. ولولا خوفه من خسارة زبون لا يساومه، لما فعل. وضع الصبي ما كان يحمله على أرضيّة الردهة التي تفصل بيتي عن بيت جاري. وفي العتمة أخذت أنقل المعلّبات وأكياس الحاجيات المنزلية إلى الداخل، على دفعتين. وفُتح باب المنزل المجاور ليخرج منه شخص لم اهتم بتبينّه. وقبل أن يغلق ثانيةً خرجت هرّة ولما شاهدتني في العتمة أخذت تموء بصوت مذعور وهي ترتجف كالمقرورة. أطبقتُ الباب بسرعة، وجلاً ومحبطاً. لمَ فعلت الهرّة ذلك على غير عادتها. فقد كانت تعرفني قبلاً؟ فوضعتُ يديَّ على صدري المخبوء بالقميص، وأنا أرتجف أيضاً كالمقرور.
وعند الفجر من هذا الصباح، حينما نهضتُ من السرير الذي لم أنم عليه سوى دقائق على فترات متقطعة وأنا أرى نفسي في الرؤيا جرذاً أو عظاءة أو أي مسخ قبيح ومخيف، دفعتني رغبة شديدة، على غير عادتي، إلى فتح باب الشرفة المطلّة على الشارع. هل بدأت مسام صدري وظهري في الانسداد بعدما غطّتهما الطبقة الطحلبية بالكامل؟ اذاً، قربت النهاية... ومع أنني لم أبرز إلى الشارع من حافة الشرفة، إذ بقيتُ لائذاً بالجدار الفاصل بينها وبين القاعة، فقد شاهدني، أو لعلّه شمّ رائحتي، كلب شارد يتهادى في الطريق. فأخذ ينبح بعدما توقف تحت الشرفة، بصوت متواصل. واستدعى نباحه كلاباً أخرى، شاردة مثله، فتجمعت كلها تحت شرفة البيت وشرعت في النباح بأصوات نكراء لم أسمع مثيلاً لها في حياتي.
وقبل أن يفيق الجيران ويزعقوا على الكلاب أو يرموها بمحتويات جردل ماء لتتفرّق، هربتُ من الشرفة وأغلقت بابها ثم اقتعدتُ اريكة في ركن القاعة المظلمة، ويداي ورجلاي ترتعد... فيما أسناني تصطك ببعضها.
بقيتُ في هذا الوضع قرابة ساعة. وعندما أشرفت أولى أضواء الشمس، وأنارت القاعة، لمحتُ المرآة المستطيلة في الممر، فأردت رؤية وجهي بعد هذه الليلة الخانقة. لم أستطع الوقوف. هل بلغت البثور ركبتيَّ فمنعت رجليّ من الحركة؟ ويحي.... ماذا حلَّ بي؟ ولما كان ثمة دافع قوي يدفعني للوصول إلى المرآة، ولا أستطيع الوقوف على قدميّ، وجدتني أزحف عبر القاعة إلى الممر، كالحرذون الضخم، أو الديناصور القميء، لأصل إلى المرآة التي لم أر فيها وجهي. كان ما رأيته شيئاً مخيفاً. طحلباً كبيراً في أعلاه ثقبان صغيران لعلّهما عيناي. وفتحة أخرى تحتهما؛ لعلّها أنفي. فوق فتحة أكبر، هي لا شك فمي الذي حاولتُ منه النباح، فلم يكن إلا فحيحاً مخنوقاً، هو بين فحيح ثعبان وحشرجات كائن ـ لا أقول رجلاً ـ يحتضر...
Page 9
السرداب
كنت دائماً أخشى السرداب، أي سرداب. وأراه نفقاً لا يوصل إلّا إلى المجهول، حيث العتمة المخيفة. حتى كلمة «سرداب» لا أسمعها أو اقرأها إلّا وتعتريني رعشة ذعر تسري في بدني فأنتفض كمن لسعته أفعى.
وأثقل الرؤيا التي أراها في المنام كوابيس مزعجة، هي التي أجدني فيها داخل سرداب مظلم لا أستطيع الخروج منه أبداً. وأذكر جيداً أن بداية خوفي من السرداب تعود إلى ايام الطفولة، حين كنا نلعب في الخنادق التي أقامها جيش الاحتلال الفرنسي عشية الحرب العالمية الثانية كملاجىء للناس الفقراء الذين كانت بيوتهم أكواخاً من الصفيح في أحياء حزام البؤس عند أطراف المدينة. وقد دخلتُ السرداب يوماً ولم أتمكن من الخروج إلّا بمساعدة أترابي. ولعلَّ هذا الخوف قد نما منذ ذلك الوقت المبكر. بحيث إنني عندما كبرتُ نما خوفي من كل نفق، بخلاف غيري الذين كانوا يبتهجون عند ولوجهم الأنفاق التي تخترقها القطارات أو السيارات.
وتعزّز هذا الخوف حين ماتت أمي وأنا بعدُ ولد، ورأيتهم يدفنونها في حفرة يسمّونها قبراً، ويقولون إنها لن تمكث فيه طويلاً، إذ لا بدَّ وأن تغادره إلى مكان آخر يطلقون عليه اسم الجنّة. وفي يقيني آنذاك أن القبر لا شكَّ سينتهي بسرداب مظلم يقودها إلى ذلك المكان الآخر الموعود.
أنا الآن في الثمانين. وأشعر أن أجلي قد دنا، ككل كائن يبلغ هذا السن. واذا كنت أخاف الموت، فلأن السرداب ينتظرني حين أسلم الروح.
صحيح أن أبي وكثيراً من أقربائي وأصدقائي قد ماتوا، وأنا في قرارة نفسي مؤمن بأن لا فناء في الكون، وأن الله الذي خلق الإنسان من العدم، قادر على خلقه مرة أخرى بعد الوفاة. غير أنني لا أستطيع نكران شكوكي. أوَلم يقل كثير من الحكماء الذين درسنا آثارهم الفكرية في المدارس إن لا شيء بعد الموت سوى الموت؟ وإن الحياة عبث ومآلها العدم؟ اذاً فالسرداب هو ما أنتظره عندما تحين الساعة.
منذ أسبوع وحالتي الجسدية والذهنية على غير ما يرام. الأطباء يقولون إنها عوارض الشيخوخة. لكنْ، لمَ لا يشيخ شعوري بوجود السرداب في نهاية المطاف؟
أمس، بعدما استبدَّ بي الضيق إثر نوم متقطّع كنت خلاله عرضة لرؤية كابوسية، للسرداب منها الحظ الوافر، ارتكبتُ خطأ فظيعاً حين بحتُ لأبنائي بهواجسي. فقد سمعتهم يتهامسون مع زوجاتهم بما يفيد أنني أعاني خرفاً... معذورون، فهم لا يعانون ما أعانيه. مع أن تشبّثي بالحياة سببه خوفي من أن أُحرم من رؤيتهم، هم الأحبة الذين اعتدتُ رؤيتهم كل يوم، خصوصاً بعد وفاة أمهم منذ عشر سنوات. فكيف أغمض عينيَّ عن هذه الرؤية الرائعة؟ كيف ستمضي الحياة بهم وأنا بعيد عنهم، حبيس السرداب المظلم؟
وعبثاً ألوذ بما يطمئنني. فآيات القرآن الكريم لا تنفي وجود السرداب، وإن كان طريقاً موصلاً إلى العالم الآخر. وما هو العالم الآخر؟ أوَليس العالم السفلي... عالم الموتى المظلم البارد؟
البرد يجمّد أطرافي المتيبسة، مع أن أبنائي لا يرتدون سوى الأقمصة الخفيفة، وكذلك تفعل زوجاتهم وأبناؤهم. كيف ستكون حالي عندما يحلّ الليل بعتمته وسكونه البليدين وينمحي من أمام ناظريّ كل شيء، إلّا السرداب الذي سأجد نفسي فيه؟
كنت دائماً أخشى السرداب، أي سرداب. وأراه نفقاً لا يوصل إلّا إلى المجهول، حيث العتمة المخيفة. حتى كلمة «سرداب» لا أسمعها أو اقرأها إلّا وتعتريني رعشة ذعر تسري في بدني فأنتفض كمن لسعته أفعى.
وأثقل الرؤيا التي أراها في المنام كوابيس مزعجة، هي التي أجدني فيها داخل سرداب مظلم لا أستطيع الخروج منه أبداً. وأذكر جيداً أن بداية خوفي من السرداب تعود إلى ايام الطفولة، حين كنا نلعب في الخنادق التي أقامها جيش الاحتلال الفرنسي عشية الحرب العالمية الثانية كملاجىء للناس الفقراء الذين كانت بيوتهم أكواخاً من الصفيح في أحياء حزام البؤس عند أطراف المدينة. وقد دخلتُ السرداب يوماً ولم أتمكن من الخروج إلّا بمساعدة أترابي. ولعلَّ هذا الخوف قد نما منذ ذلك الوقت المبكر. بحيث إنني عندما كبرتُ نما خوفي من كل نفق، بخلاف غيري الذين كانوا يبتهجون عند ولوجهم الأنفاق التي تخترقها القطارات أو السيارات.
وتعزّز هذا الخوف حين ماتت أمي وأنا بعدُ ولد، ورأيتهم يدفنونها في حفرة يسمّونها قبراً، ويقولون إنها لن تمكث فيه طويلاً، إذ لا بدَّ وأن تغادره إلى مكان آخر يطلقون عليه اسم الجنّة. وفي يقيني آنذاك أن القبر لا شكَّ سينتهي بسرداب مظلم يقودها إلى ذلك المكان الآخر الموعود.
أنا الآن في الثمانين. وأشعر أن أجلي قد دنا، ككل كائن يبلغ هذا السن. واذا كنت أخاف الموت، فلأن السرداب ينتظرني حين أسلم الروح.
صحيح أن أبي وكثيراً من أقربائي وأصدقائي قد ماتوا، وأنا في قرارة نفسي مؤمن بأن لا فناء في الكون، وأن الله الذي خلق الإنسان من العدم، قادر على خلقه مرة أخرى بعد الوفاة. غير أنني لا أستطيع نكران شكوكي. أوَلم يقل كثير من الحكماء الذين درسنا آثارهم الفكرية في المدارس إن لا شيء بعد الموت سوى الموت؟ وإن الحياة عبث ومآلها العدم؟ اذاً فالسرداب هو ما أنتظره عندما تحين الساعة.
منذ أسبوع وحالتي الجسدية والذهنية على غير ما يرام. الأطباء يقولون إنها عوارض الشيخوخة. لكنْ، لمَ لا يشيخ شعوري بوجود السرداب في نهاية المطاف؟
أمس، بعدما استبدَّ بي الضيق إثر نوم متقطّع كنت خلاله عرضة لرؤية كابوسية، للسرداب منها الحظ الوافر، ارتكبتُ خطأ فظيعاً حين بحتُ لأبنائي بهواجسي. فقد سمعتهم يتهامسون مع زوجاتهم بما يفيد أنني أعاني خرفاً... معذورون، فهم لا يعانون ما أعانيه. مع أن تشبّثي بالحياة سببه خوفي من أن أُحرم من رؤيتهم، هم الأحبة الذين اعتدتُ رؤيتهم كل يوم، خصوصاً بعد وفاة أمهم منذ عشر سنوات. فكيف أغمض عينيَّ عن هذه الرؤية الرائعة؟ كيف ستمضي الحياة بهم وأنا بعيد عنهم، حبيس السرداب المظلم؟
وعبثاً ألوذ بما يطمئنني. فآيات القرآن الكريم لا تنفي وجود السرداب، وإن كان طريقاً موصلاً إلى العالم الآخر. وما هو العالم الآخر؟ أوَليس العالم السفلي... عالم الموتى المظلم البارد؟
البرد يجمّد أطرافي المتيبسة، مع أن أبنائي لا يرتدون سوى الأقمصة الخفيفة، وكذلك تفعل زوجاتهم وأبناؤهم. كيف ستكون حالي عندما يحلّ الليل بعتمته وسكونه البليدين وينمحي من أمام ناظريّ كل شيء، إلّا السرداب الذي سأجد نفسي فيه؟
Page 10
اليدان
ما أجمل اليدين! إنهما في طرفيْ الساعدين كالزهرتين في أعلى الغصن. وهل يكتمل رونق الجسم من غير اليدين؟
كان دائماً ينظر إلى يديه بإعجاب. يرسم بهما ظلالاً معبّرة على الحائط مستفيداً من انعكاس الضوء. وهو لا ينسى أنه بهما أمسك أوّل لعبة حصل عليها من أبيه. وكذلك أمسك بهما أوّل كتاب تعلّم فيه. وفي ليالي الشتاء الباردة بهما كان يمسك بطرف اللحاف ليدثّر رأسه.
وظلّت يداه لغزه المحيّر الجميل طيلة سني طفولته، لا يتخيّل جسمه من دونهما. وعندما صار فتيّاً بهما فضَّ أوّل غلاف رسالة من فتاة أوّل حب في حياته. وكذلك بهما مسح دموعه الأولى عند وفاة أمه.
وفي الجندية كانت يداه المرنتان أداتَيْه في التفوّق على رفاقه حيث تعلّم في المعهد العسكري معالجة صواعق المتفجرات وإبطال مفعول القنابل. ولهذا رُقي إلى رتبة عريف ثم رقيب بسبب مهارة يديه اللتين بات بفضلهما من أهم خبراء المتفجرات في البلد، وبه يستعان في إفساد كثير من عمليات التخريب والقتل بهدف اشعال فتيل الفتن والاضطراب التي يسعى إليها العدو الصهيوني.
والآن، بعدما بترت يداه خلال معالجته إحدى المتفجرات، منذ ثلاثة شهور مرّت عليه عصيبة ومثقلة بالحزن والشؤم، لم يعد اللغز المحيّر الجميل قائماً. صار جسمه كالغصن العاري من أي زهرة. وأشد ما يؤلمه عدم القدرة على مسح دموعه التي تهطل من عينيه. ويتزايد الدمع في جريانه حين يرتمي ابنه الأصغر في حضنه على السرير المسجّى عليه فيفتقد يديه ليداعب بهما شعر هذا الطفل الناعم.
وفشلت تطمينات امرأته: لن ينقصنا شيء. فمرتبك التقاعدي يكفينا. وغداً يكبر أبناؤك ويعملون وسنكون بخير. الولد الأكبر في الخامسة عشرة. أنهى تعليمه المتوسط، وهذا يكفي من التعليم. سوف يتعهده خاله الحدّاد ويجعل منه معلّماً في الصنعة في غضون أقل من سنتين. فلا تجزع على مستقبل أولادك يا حبيبي...
لكنَّ اليدين غاليتان يا امرأة. فيهما أخذتك بين ذراعيَّ دائماً. وبهما كنت أقشّر البرتقال والفستق لأطفالي. هل تنسين الوردة الأولى التي نبتت في حديقتنا الصغيرة، وقد قطفتها بيديّ وقدمتها لك عربون حب؟ لن أستطيع فعل ذلك من جديد. ولا أعتقد بأن أية وردة ستتفتح في حديقتنا بعد الآن. فاليدان اللتان كانتا ترعيان هذه الحديقة اختفتا إلى الأبد، ومعهما اختفت بهجة العيش الهنيء.
صحيح أننا كنا فقراء وينقصنا الكثير، غير إن الدنيا كانت طافحة بالبشر طالما كانت هناك يدان تداعبان شعر الأطفال وتصافحان أيدي الأحبة وتلتقطان الخبز والطعام من على المائدة.
كان الرقيب المبتور اليدين يحدّث نفسه وفي خلده أنه يحدّث زوجته الحسيرة الرأس والدامعة العينين. وفي هذه اللحظة تحسّر على يديه. إذ أحسّ برغبة جارفة في كفكفة دموع هذه المرأة الكسيرة الفؤاد. وكان في قريرة نفسه يشعر أنها تفضّل لو فقدت إحدى عينيها، بل يديها وبقيت له يداه.
* * *
حين جاءوا له بيدين اصطناعيتين من المعدن ليستعين بهما على قضاء حاجته. نفر منهما. ما هذا؟ معدن مغروس في طرفي ساعديه! كان يمقت كل شيء هجين. أبى ذات مرّة أن يلبّس إحدى أسنانه بوعاء ذهبي. لا يمكن اختلاط المعدن بالجسم البشري. وهو كائن إنساني وليس شيئاً آلياً، مثل الذي يراه في التلفاز أو يشاهده في المجلّات. ليس بوسعه قبول جزء زائف في جسمه. وعلى كل حال، لن تستطيع هاتان القبضتان المعدنيتان ذوات الأصابع الغريبة المصنوعة على شكل ملاقط، أن تعوّضا عليه فقدان اليدين الغاليتين اللتين كان يربت بهما على شعر ابنه الصغير، ويرسم بهما له ظلالاً معيّنة على الحائط. فما أقبح الإنسان بلا يدين يقطف بهما وردة يقدّمها لحبيبته، في ساعة الفرح، ويمسح دموعها في لحظات الأسى.
ما أجمل اليدين! إنهما في طرفيْ الساعدين كالزهرتين في أعلى الغصن. وهل يكتمل رونق الجسم من غير اليدين؟
كان دائماً ينظر إلى يديه بإعجاب. يرسم بهما ظلالاً معبّرة على الحائط مستفيداً من انعكاس الضوء. وهو لا ينسى أنه بهما أمسك أوّل لعبة حصل عليها من أبيه. وكذلك أمسك بهما أوّل كتاب تعلّم فيه. وفي ليالي الشتاء الباردة بهما كان يمسك بطرف اللحاف ليدثّر رأسه.
وظلّت يداه لغزه المحيّر الجميل طيلة سني طفولته، لا يتخيّل جسمه من دونهما. وعندما صار فتيّاً بهما فضَّ أوّل غلاف رسالة من فتاة أوّل حب في حياته. وكذلك بهما مسح دموعه الأولى عند وفاة أمه.
وفي الجندية كانت يداه المرنتان أداتَيْه في التفوّق على رفاقه حيث تعلّم في المعهد العسكري معالجة صواعق المتفجرات وإبطال مفعول القنابل. ولهذا رُقي إلى رتبة عريف ثم رقيب بسبب مهارة يديه اللتين بات بفضلهما من أهم خبراء المتفجرات في البلد، وبه يستعان في إفساد كثير من عمليات التخريب والقتل بهدف اشعال فتيل الفتن والاضطراب التي يسعى إليها العدو الصهيوني.
والآن، بعدما بترت يداه خلال معالجته إحدى المتفجرات، منذ ثلاثة شهور مرّت عليه عصيبة ومثقلة بالحزن والشؤم، لم يعد اللغز المحيّر الجميل قائماً. صار جسمه كالغصن العاري من أي زهرة. وأشد ما يؤلمه عدم القدرة على مسح دموعه التي تهطل من عينيه. ويتزايد الدمع في جريانه حين يرتمي ابنه الأصغر في حضنه على السرير المسجّى عليه فيفتقد يديه ليداعب بهما شعر هذا الطفل الناعم.
وفشلت تطمينات امرأته: لن ينقصنا شيء. فمرتبك التقاعدي يكفينا. وغداً يكبر أبناؤك ويعملون وسنكون بخير. الولد الأكبر في الخامسة عشرة. أنهى تعليمه المتوسط، وهذا يكفي من التعليم. سوف يتعهده خاله الحدّاد ويجعل منه معلّماً في الصنعة في غضون أقل من سنتين. فلا تجزع على مستقبل أولادك يا حبيبي...
لكنَّ اليدين غاليتان يا امرأة. فيهما أخذتك بين ذراعيَّ دائماً. وبهما كنت أقشّر البرتقال والفستق لأطفالي. هل تنسين الوردة الأولى التي نبتت في حديقتنا الصغيرة، وقد قطفتها بيديّ وقدمتها لك عربون حب؟ لن أستطيع فعل ذلك من جديد. ولا أعتقد بأن أية وردة ستتفتح في حديقتنا بعد الآن. فاليدان اللتان كانتا ترعيان هذه الحديقة اختفتا إلى الأبد، ومعهما اختفت بهجة العيش الهنيء.
صحيح أننا كنا فقراء وينقصنا الكثير، غير إن الدنيا كانت طافحة بالبشر طالما كانت هناك يدان تداعبان شعر الأطفال وتصافحان أيدي الأحبة وتلتقطان الخبز والطعام من على المائدة.
كان الرقيب المبتور اليدين يحدّث نفسه وفي خلده أنه يحدّث زوجته الحسيرة الرأس والدامعة العينين. وفي هذه اللحظة تحسّر على يديه. إذ أحسّ برغبة جارفة في كفكفة دموع هذه المرأة الكسيرة الفؤاد. وكان في قريرة نفسه يشعر أنها تفضّل لو فقدت إحدى عينيها، بل يديها وبقيت له يداه.
* * *
حين جاءوا له بيدين اصطناعيتين من المعدن ليستعين بهما على قضاء حاجته. نفر منهما. ما هذا؟ معدن مغروس في طرفي ساعديه! كان يمقت كل شيء هجين. أبى ذات مرّة أن يلبّس إحدى أسنانه بوعاء ذهبي. لا يمكن اختلاط المعدن بالجسم البشري. وهو كائن إنساني وليس شيئاً آلياً، مثل الذي يراه في التلفاز أو يشاهده في المجلّات. ليس بوسعه قبول جزء زائف في جسمه. وعلى كل حال، لن تستطيع هاتان القبضتان المعدنيتان ذوات الأصابع الغريبة المصنوعة على شكل ملاقط، أن تعوّضا عليه فقدان اليدين الغاليتين اللتين كان يربت بهما على شعر ابنه الصغير، ويرسم بهما له ظلالاً معيّنة على الحائط. فما أقبح الإنسان بلا يدين يقطف بهما وردة يقدّمها لحبيبته، في ساعة الفرح، ويمسح دموعها في لحظات الأسى.