eKtab
EN ع
كلام الصمت
Read free sample

كلام الصمت

by محمد عياد المغبوب

Page 1

آهة وأنينها

. بين الآهة وأنينها
.. قلب صغير يعتصر
… وشوق كبير يحتضر
…. وحيرة كبرى تائهة عند مفترق الطرق.
وأنا أستند على سنوات عمري ، أقيس المسافة بينهما على مهل ، يمكنه أن يتيح لي التفكير في تدبر أمري ، وعلى بعد خطوات ، وجدتُ جسدي ، وقد ألم به جرحُُ ،بدا لي قديماً ، تشاغلت عنه بحرق لفافة تبغ ،أفلح دخانها ، في إخراج بعض السعالات من صدري قلت:
- ردات الفعل موجعة أحيانا .
فقد تنبهت للجرح وهو ينزف
- أخر العلاج الكي أو البتر .
جدي كان يلوك حكمتها .
أطفأتُ سيجارتي في الجرح ، فصرختُ ، وأحسستُ بأن ألماً قد أنزاحَ عن نفسي.
عاودت العد.
- هذه مسافة العاصفة التي ينبتُ صوتها في الحلق.
زدت خطوتين ..
- هذه رعشة لقلبي كأنه ينتفض ، أو أنه يمارس الرقص على فحيح الألم.
أريد صدرا أتكئ عليه .
يحضنني بأسري
تمسح يداه على رأسي
وأبث فيه لنفسي شكواي .
هنا إنزرع الشوق في أرض أحلامي
بيد أن على بعد خطوة واحدة ، كان مذبح الحنين بالمرصاد .
جاءني صوت التوغل في الحيرة
- ابتعد
- عد من حيث أتيت ، فطريقك معبد بالصدمات .
يا أنت الرجل العدّاد
اللذاذة في الوصول استدراج للهلاك .
عاندتُ الأمر ، ولم أكترث كعادتي .
Page 2
عند مفترق الطرق ، اتجهتُ يساراً ، كان الكذب يملأ الرصيف ، وفى الناحية الثانية كان الوهم ،والذي يبدو حقيقة ، يغازلان جسد أنثوي ، وكل منهما يستدرجه إليه بكلام معسول ، وكان الجسد يزداد بالفتنة اكتظاظا.
لابد أن شهوة الغواية ، ستشعل الحريق في الأرجاء فلا فائدة تُرتجيَ هنا.
قريب ستخرج السنة العراك مولولة ، والأنياب ستنغرز سمها في المكان.
- إنها الحرب بين ضفتي الطريق .
- هذا طريق الهلاك إرجع .
رجعتُ عند النقطة الأولى ، ذات المفترق ، جرحى بالكي قد أندمل
- لا بأس هذا أول حصاد للموسم .
بالرغم من أن قدمي بدأتا تتورمان ، على الرغم أيضاً من أن الآهة عنى تبتعد ، وأنينها ما زال عنى يغيب ، فإن التجربة تستعذب خطواتي ، وأنا أقيسها.
لكن نزّاعة الوقت تفعل فعلها ، وذئب المكان منى يقترب .
لم أبال .
- الاختيار ممكن .
علىّ بالركونِ إلي الآهة ، أو السكن إلى الأنين ، أو أن أختار المنطقة الوسطى، لا خيار ثالث لي ، إلا ممارسة الهروب من الجميع .
فجأة خطرت علىّ فكرة الصعود إلى السماء ، والاقتراض منها نجمة من النجمات الفاتنات سحراً ودهشةً ، فالسماء واسعة وطيبة ، لن تبخل عنى بإحدى بارقاتها .
على كتفي سأحملها ، أنير بها طريقي ، وأغتال بها حيرتي
لابد أن كل الفواجع ستحترق ، والمواجع ستخرس لسان الألم ، لابد من أن الشكوى ستذوب من وهج النور ، وستتصلب الخضات بين ثنايا الروح .
ستكون المسافات كلها بداية لدرب جديد .
سيعلم الخلق أي معجزة قادر على الإتيان بها ، وسينتبه شيوخ القبيلة ، وأئمة القوم أي جسد كانوا يجلدون ، وأي روح كانوا سيزهقون .
الليل كان مساحة لاستيقاظ النجوم ، والقمر الأبهى يحرس طريقي إلى السماء ، وأنا اردد ابتهالاتي، قصائد من الوله كانت ، وكلما مررت على نجمة سردت، لها حكاية عشقي الأبدي ، فتفرج عن شفتيها ابتسامة حالمة وتسألني
- هل أمضى معك ؟
- اللعنة على الأشياء الدنيا ، والعلو يهبني سموه ، والدنيا ترفضني كائناتها.
زدت صعوداً .
بانت لي السفلي قدراً مضمحلاً متكوراً على نفسه, فاشمأزت نفسي منه ، وخطرت على ذهني مئات الخواطر حذفتها جانباً ،وأنا أدق باب إحدى النجمات.
خرجت علىّ ..
- ها أنت ذا ثانية.
تذكرها دفعة واحدة .
هي بعينها التي من قبل رأيتها
ذات حلم ،كنت مثلما الآن معها ، أتحدث معها تخاطراً ، أمضيت معها حلما في غاية الصفاء والنقاء، ولما حان موعد انصرافها، وعدتها بالمجيء إليها ثانية ، فمازال اللقاء معها لم ينته.
- تحب أن تحملني معك ، لتضيء بي غياهب مسافتك .
أعياك العد ، وأرهقك الاختيار ، يسار طريقك ،كان سمجاً ، وحقيراً ، يرعب الأبصار.
جميل أنك لم تلج يمين الطريق ، ماجن رصيفه ، فاسق بلاطه ، وواجهات جدرانه أبهة بالفساد مزدحمة، داخله مفقود ، وإن أفلح في مراوغة الاشتهاء ، سيظل داخل متاهة بألسنة لهيب الوهم مسيجة.
شعرت بالرضاء يغمرني ، أدركت أن خطواتي الهاربة قد فسحت إلى مجالاً للفرجة ، والضحك سخرية على فشل الغوايات.
نجمتي التي حلمتُ بها ،كانت منذ الغروب ، تخرج من مخدعها ، في انتظار كل فجر قد أتى .
ها هي ذي الآن فوق كتفي ، ونور ربنا يسطع من فوقى، أرى أفاقين ، يقطعون الطريق، بعادات شاذة ، واللصوص يسرقون الوطن ، والحية ، التي تأتيني في الكابوس عنوة ، تنفث سمها ، والجميع يتقى لسعتها ، بصرف النظر عنها ، فيما كانت كل يوم تزداد سمنةً ، واستطالاً لا يزعج خروجها عليهم إلا بعض الحجرات من الصبية تنطلق .
غير أن الخوف في النفوس كان يكبر ، والرقاد على البطون يزداد ، حتى أنك تضحكك مناظر المؤخرات،وهي دائماً عارية.
Page 3
لم تهمني فداحة ما أرى ، لكثرة ما رأيت ، حتى وصلتُ أفق السماء طاوياً المسافة طياً
عملقة كبرى كنتُ أقومُ بها ، ولم يأبه بها أحد ، فقد أهتم الجميع بالمحمول ، وأهملوا الحامل
هالهم النور بين كتفي ، وعقدت الدهشة لسان حالهم .
انبهروا بضوء نجمتي ، بينما زمرة من الحذاق ، وقطاع الطرق ، والذين يمتطون موج الزحام ، ويرتقون ربكة المكان
هؤلاء اللذين يخطفون خبز الفقراء ، ويلوكون صمت المساكين ، ويصنعون الأحلام المؤجلة .
الذين كلما عرفتَ لهم وجهًا ، ارتدوا قناعاً زاغوا به عنك ، وجدتهم ينسلون إلى المكان.
كل منهم حاول إجتزاز جزءاً من نجمتي .
بيد أن الخيبة كانت تقذف نفسها ، والفشل يخلع رداؤه عليهم ، فبدوا أضعف مما هم عليه.
ها هي ذي المسافة أرى أولها ، والمح منتهاها ، وأرقص من شدة الضحك على الجهد الذي بدلته لقياس المسافة
وجدت أول الآهة ، هو آخر الأنين
كانت الآهة واحدة على نفسها منقسمة إلى جزئين يمكنني بكل يسر، إذا ما توفر الوضوح لدى ، أن أقذفها بعيداً ، وأصوبها على تلك الحية ، التي أربكت المكان ، فأثلجت قهوتنا ، وكسّرت كؤوس نشوتنا ، فلم نعد نروض ، مزاجنا كما يجب لننطق الحكمة ، وهي علي رؤوس ألسنتنا الصامتة
جدي كان يقول …
(أ قطع الرأس تتيبس كل أعضاء الجسد) .
ماذا نفعل , وقد سرقوا الفؤوس كلها ، والسادة أحرقوا ، الغابات.
الساعة في يدي معطلة ، والشمس خلف قصر الأمير،وأن...
طرحت، من ذهني كل ذلك ، وأبصرتُ اللون الأرجواني عند الأفق، فأدركت,موعد سطوع نجمتي من عليائها ، تنتظر الفجر الذي يأتى دوماً فإذا هي ترتقي بكل الزهو سلم السماء إلى حيث كانت ، وهو مكانها الدائم لها.
ما زلتُ أنا هنا كما أنا
غير أنني أدركتُ بعد قياس المسافة . أن بين الآهة ، وأنينها ،
قلب صغير يعتصر
وشوق كبير يحتضر
وحيرة كبرى عند مفترق الطرق
تاهت بأنفاسها،العاصفة.
ربما لهذا ، واستدراكا للأمر، نبت في الحلق ، صمت الصدى .ليكتب علي الضلوع ، قصة المسافة بين الآهة ، وأنينها.
وجدتني منفلتاً من كل ذلك ،كأنني لم أسمع شيئا ، ولم أرقب أمرا، وأن المسألة ليس إلا رواية كل ليلة أكتب لحبيبتي جزءاً منها بعيداً عن كل الآهات.
عندما يأتى جلال الليل ، وبهاء السحر ، أضع في حجري ، قبسا من ضوء نجمتي ، وبكلام الصمت أنشد لها قصيدتي ، وأسرد قصتي عنها.ِ
Page 4

الدمية

(1)

شدني مظهر المرأة اللدائنية ، الواقفة في غنج خلف زجاج المحل الذي يبيع الملابس النسائية ، عند منتصف شارع الاستقلال.
وجدتها في غاية الجمال.
رفيعة بقوام ممشوق ، شعرها ينسدل على كتفيها ليظهر بياض صدرها نصف العاري ، وفستان من لون عينيها السوداويتين ، يكسيء جسدها إلى ما فوق الركبتين بقليل بفتحة من الجانب الأيسر ،إذ مشت أبانت عن نصف الفخذ ليلفت الانتباه لسحره .
كما بدت لي ، فقد جُسدَ جسدها ، على مقياس الجمال 90/ 60/90 سم العالمي.
فالأعضاء متوافقة في كامل الانسجام ، والوجه يبعث على الراحة والسرور، يرتكز على عنق متوسط الحجم ،كأنه الغصن الذي يحمل الزهرة.
اهتمامي الكبير بجسد المرأة ، مبعثه القيمة الجمالية ، التي يجسدها ، وروعة المبدع المطلق في تعبيره الحاد لرسم البهاء داخل النطاق النسوي ، ولطالما فتشتُ بين النساء في الأماكن العامة ، وعلى صفحات الجرائد ، والمجلات ، وفي شاشات التلفاز، وبين عوالم الأدب ، والفنون كافة ، عن امرأة مكتملة الجمال ، خارجه ، وظاهره ، ممتلئة أنوثة ، مزدانة بياقوت الحياء ، وحُمرة الخجل.
امرأةُ جميلةُ، سكنت خيالي منذ جلوسي الأول على مقاعد الدراسة ، حيث كنتُ بين درس ، وآخر أحاول رسم ملامحها ، على الورق ، وأراها الآن مجسدة أمامي من مادة اللدائن ، في زي عصري ، خلف زجاج المحل ، واضحة الحضور بهية الطلعة ، لابد ، وأن النساء كلما مررن بها ، حسدنها بنظرة حاقدة .
تأملتها جيدا
قارنتها بالتي تسكنني ، لعلها هي ، أو تشبهها ، ووجدتني أنشد لها..
افتحي لي سنوات الغياب
لأتي بك طيفا يلازمني
أنت يا بوابة عمري القديم
الآسي من الوحدة يأسرني
فتعالي دفعة واحدة
واغرفي لي منك حفنة عشق عتيق
أريد أن أشاء الأمر الاستثنائي
أن تتفتح الورود في خريف العمر
وتضوع البساتين بعطر الجمال..
صاحب المحل استغرب مني أمري ، وفتح نافذة الكلام معي ، وأغلقها بإهدائها لي فقدمتُ له جزيل شكري ، وإلى البيت عدت فرحا بها,
Page 5

(2)

عند كل مساء تقريبا نحتسي القهوة معا في المقهى الذي اعتدتُ الجلوس إلى إحدى طاولاته
بكلام الصمت نتحدث إلينا.
أنشدُ لها القصائد ، وأسردُ القصص لها ، ولا أنسى طلب الشراب البارد ، أو الساخن لها ، ولا أبالي بتلك المداخلات من قبل بعض الفضوليين ، وأسئلتهم عن غرائبية الحالة التي تبدو لهم.
عند العاشرة ليلا أعود بها.
أخلع ثيابها ، وحذائها المدولب ، وألبسها ملابس النوم ، أمددها على السرير المقابل لسريري أغطيها، وأستودعها السلامة ، متمنيا نوما هادئاً لها.
معها عشتُ سنوات هانئة ، طابت أوقاتي فيها ، ونعمت بالسعادة معها ، أحيا ، وفي حوزتي الجمال كله.

(3)

شائعات عديدة انطلقت تمضغ سيرتي مع من أحببت ، وظنون كثيرة حاذت أغلب الناس ، وسوس بها الخناس لهم ، همست بها بعض الشفاه لي منها:
(الدمية عفريتة تزوجتني ،وتملّي الشعرَ علىَّ..
أنني قد فشلت في بناء علاقة مع أي امرأة..
...
..
.
المساكين ،لم يجدوا تفسيرا لحالتي ، فركنوا إلى كلام الأباطيل.
فكرهم المتقاعد عن العمل ، فشل في السؤال ، فضاعت عنهم الإجابة في غياهب الجهل .
لم يدركوا أن استعاضتي عن أشباه النساء هذه ، بدمية لدائنية ، يعد مسألة متعلقة بالقبح الموجود ،لهذا صار الورد علفا للخراف ، والشِعرُ ،أكاذيب الشعراء ، والموسيقى فحيح الأفاعي .
الأمر بالنسبة ليس إلا مساحة يومية للحياة أبتني فيها بيتي ، وأزينه بجمال امرأة لدائنية.
الحياة أجدها في تعاملي معها ، في هذا السياق الحيوي الذي أعايشها بها
امرأة جميلة حاضرة معي ، ذات الصورة المثالية التي غرسها خيالي في حياتي أتلذذ بالعيش معها ، مستمتعاً بها.
Page 6

( 4 )

كعادتي عند الساعة السابعة صباحاً ، استيقظت من نومي ، ملقيا تحية الصباح عليها
نزلت من سريري متوجهاً إلى فراشها لأنزع الغطاء عنها .
تسمرت في مكاني ، وانطلقت من فمي صرخة آسفة !

( 5 )

قلت لضابط الشرطة في المركز
- سرقوا امرأتي منى

( 6 )

بعد بحث شديد عنها ، لم أجدها ، الشرطة لم تعر الأمر اهتمامها ، كانت منشغلة في قضايا أخرى ، تظهر عدم الأخلاق لدى السكان ، وُتبِينُ عن حالة مادية صرفة ، كان الناس يعيشونها ، ويلهثون خلفها ، يضيعون أعمارهم بين الحصول عليها ، وبين حالة البحث عند فقدانها.
من ناحيتي ،كنت أعلم ، أن نهضة الأمم هي تبدل كلى في المقتضيات الروحية ، وأن الوقائع الجمالية ، تأتى من حيث الزمن طليعة التغيرات الطارئة لابد ، وأن يحس الناس بالجمال ، وسوف يسعون إليه بعد فقدانهم الإحساس بقيمة الأشياء الحسية، تلك التي أوتار القلب تعزفها، الحياة لدى ، قيمة أعيش عليها ، ومبدأ لن أحيد عنه أبداً
أما ، وقد فقدتها غصباً ، وقسرا ، فأن محاولة أخرى علىّ القيام بها ، لأجدها ثانية

( 7 )

الناسُ يندهشونَ لكل أمر غريب ، لهذا علىّ أن أتيَ أمراً غريباً ، يتحلق الجميع حوله ، يسلب ألبابهم، ليستبدلها بقلوب جديدة .
غير أنني لست نبياً ، أفلق البحر لهم ، أو أنزل من السماء مائدة عليهم ، أو أن أمشى على الماء ، أو أن أحي الموتى بأذن الله .
ولستُ ساحراً ، أجعلُ العيونَ ترى ما لا يكون ،كرهط فرعون
المسألة تبدو معقدة ، ومع التفكير فيها ، أخذتُ أحل خيوطها المتشابكة ، لأفتل منها حبلا ، أصل به إلي الحقيقة ، وأجعل الآخرين يتبعونني..
قبضت على الفكرة بأصابع قلبي ، وأخذت في تنفيذها

( 8 )

لان الناس يحبون الذهب ، بدأتُ في سرةِ المدينة ، أنحتُ عروس البحر ، في وسط الميدان الكبير ، وسط ازدحام السكان الذين وجدتهم يرشقون منحوتتي بنظرات ممزوجة بدهشة ، واستغرابا .
جعلت أسفل السمكة جسد امرأة فاتنة الملامح بكل التفاصيل الخارجية للجسد ، والنصف الأعلى لها وجه سمكة ، ، وعلى بعد خطوتين من المنحوتة علقتُ لافتة كتبتُ عليها..
(( في الخامسة عشر من الشهر القادم ، تتحول العروس إلى كتلة من الذهب ، إذا ما حضر الشخص الذي حاز دميتي ، ولامست يداه جسد العروس ،أمسى مالكاً لها))
Page 7

( 9 )

أردتُ أن ينشغلَ الناسُ بأمر يحبونه جدا ، وللطمع الشديد لدى اغلبهم ، كنتُ واثقاً من حرص كل واحد منهم ، على الحصول على الذهب ، ولهذا سوف يعمل كل منهم ، على استظهار دميتي التي سرقها أحدهم
إنه حتى ، ولو جاء السارق الحقيقي بها ،فلسوف يثار جدل طويل ، وعقيم حول أهلية الحصول عليها .
لهذا فأن امرأتي الدمية ، لن تظهر ، ولن تتحول عروس البحر إلى كتلة ذهبية
غير أن انشغال الناس بالأمر ، وترقبهم ليوم الموعد من الشهر القادم سوف يطول إلى قيام الساعة.
- هذا أمر جيد..
جيد أن ينشغل الناس بأمر ما ، وفى خضم انشغالهم هذا ، سوف تبرز على سطح الحياة ، أمور كثيرة ، ربما تفلح في تبدل نمطية التفكير لديهم ، ولعلهم يدركون أخيراً ، أن الزمن قادر على أول التغيرات التي تطرأ ، تنتج مقتضيات روحية ذات ، وقائع جمالية ، سوف يحسون بها في حينها ، وبوعي منهم .
إذا ما حدث هذا ، فان النجاح الأكبر الذي سأحصده هو إدراكهم للجمال الذي سرقوه منى ، ولكى لا يسرق الجمال أحد من أحد ، عليهم جميعا أن يحوزوا الجماليات كلها بأن يعودوا من طريق اللهث خلف الماديات ، ليحضنوا الجماليات في الحياة ،بين ضلوعهم.
حينها فقط ، ستنـزع الكآبة عنهم ، ويزاح البؤس عن نفوسهم .
حينها كذلك ، سأنعم بلقاء جديد مع المرأة التي أحببتها لتخرج من خيالي ، وتصير واقعاً أعيشه كل يوم
- كلام الصمت قال :
(كان السكانُ يترقبونَ كل يوم الخامس عشر من كل شهر ، والجميع تقريباً قد انشغل بأمور عديدة ، ذات علاقة وطيدة بالجمال ، والرجل يبحث عن دميته الضائعة , وبعد مائة عام من عمر المنحوتة ، تخبرنا الحكايات ، والقصص عن المدينة ، أن ذلك اليوم صار عيداً للجمال المحبين يحتفلون به في كل البلاد، والمتحضرة على وجه الخصوص،
والقصة هذه ، باتت من قص الموروث الشعبي تسرد ها الجدات على الأطفال كشاهد أدبي على الجمال.
Page 8

القصة

(1)

للقيلولة الليبية طقوسها ..
بعد الغذاء الفقير وجبة الكسكسى تأخذني غفوة قصيرة حيث تتم فيها الوا لدة تجهيز الدور الأول للشاى ، وهي تقتعد الخمسين عاماً،وآلاف الذكريات.
إلى حد الآن لم يقف أحد على سر طريقة تجهيز الشاي في ليبيا ، على وجه أخص ، ربما لأن المسألة لا تهم كثيراً .
فالأدوات المستعملة كثيرة ، والأدوار ثلاثة ...، والرغوة التي تتوج الأكواب الصغيرة ضرورية جداً ، وهذه القتامة في اللون من شدة الغلي ، والمدة التي تستغرقها الجلسة .
مرة سمعت عمي يقص السبب وكأنه اكتشف السر فيقول ..
لسببين مهمين تم إعداد الشاي على هذه الطريقة
- الأول .. ملء الفراغ .
والثاني .. زيادة ترابط الأسرة .
والحقيقة حسب ما يقرها الرقيبي وهو صاحب الدكان الذي يجهز الشاي ، وبه يجمع أهل القرية وهم يقتلون فراغهم .
أن مجلساً خالياً إلا من اثنين فقط ، يمكن ملئه بعديد الأشخاص ، بوضع إبريق الشاي فوق النار .
* الشاي يلم الأقرباء ، كما يلم بخور الجاوي الأرواح الطيبة .
وبغض النظر عن ما إذا كنت أتبنى تفسير عمي ، وتفنيد الرقيبي له ، فإن جلسة الشاي هي العملية التي يمكن بها لم شمل العائلة .
عند ما بعد الظهر ، وقبل الأصيل ، وعند السمر لدى جلسة الشاي يكون رب العائلة هو رئيس الجلسة ، ورقيب الأفواه ، وملاحظاً لكل الحركات .
الجلسة تطول لأكثر من ساعة تقريباً ، تبدأ الألسن في لوك الحديث مع توزيع الدور الأول ، ويصير للكلام شهية لا تقاوم ، فهو يصل إلى حد الهذر ، وعدم التكلف في الحديث بما لا يخرج عن الأدب العام .
في جلسات الشاي كنا نتربى ، ونتأدب ، ونتعلم السلوك السوي ، ونحفظ على ظهر قلب .
نعم.
لا.
وعيب
Page 9

(2)

* عيب ما تفعله يا ولدي ..
قالتها الوالدة لي ، وهي تناولني كوب الشاي الأول .
وضعت الكوب أمامي .
قلت : .
* أنا لم أفعل عيباً يا أمي .
* لا داع للمراوغة ، ودس الأمر عني ، فخالتك أخبرتني .
سألتها .
* بماذا أخبرتك؟.
* بأنك تكتب
استغربتُ .
* وهل الكتابة عيب ؟
حملقت في وجهي .
* لم أنجبكَ لكى تكون مشعوذاً تكتب التمائم ، خالتك رأت صورتك على الجريدة ، واسمك فيها.
ابنها قال لها ، بأنك بدأت تكتب ، وأسمك على كل لسان ، هذا عيب منك ، وحرام عليك .
بالضحك انفجرت .
الوالدة دهمها الاستغراب .
تركتني ، وهي تحملق في وجهي حتى أنهيت ضحكتي .
سألتني
• ما الذي يضحكك ؟.
تناولت كوب الشاي ، وارتشفتُ منه رشفة .
قلت لها .
* يا أمي .
صورتي التي رأتها خالتي على الجريدة كانت مصاحبة لقصة كتبتها أخيراً .
صرت منذ أعوام أكتب القصة .
سألتني .
• قصة من التي تكتبها ؟
أذهلني سؤال أمي ، وإلى حد الآن ، ما زلت أبحث عن الجواب، وأسأل:
قصة من هذه التي أكتبها؟
Page 10

عائــد

(1)

ثلاثون عاماً قضاها في بلاد الآخرين.
خلفه ترك زوجة أحبته ، وثلاثة أطفال ، وفقر كبير، ، وآسى سكب في النفوس أنهاراً من الدموع ، وكل ما كان مالكاً له ، ودون انتظار من أحد ، عاد إلى حيث كانت صرخته الأولى.
الظروف التي أحاطت به ، وبالكثير من أمثاله الذين استلوا أقدامهم من الأرض عندما هبت عاصفة الهمج البيض لتقتلع شراع سفينة البلاد ، وتتركها تصارع الأمواج العاتية ، والعسكري البربري ، يجوس الديار كافة ، يهتك ستر، ويدنس العرض ، ويزيد الجسد مرضاً على مرضه .
لم يجعل من جسده سداً ، ومن روحه خنجراً يقطع به أوصال من قدم غازياً ينفخ في نار الحرب التي ركبت ظهر البحر من ضفته الأخرى
تثاقل إلى الأرض ، وأسلم خطوه إلى ناحية المغيب مثلما فر غيره هارباً إلى البلاد المجاورة ، والبعيدة كذلك .
هكذا كان اختياره مثلما كان اختيار الآخرين البقاء ، والصمود ، والمواجهة بدخول غمار الحرب ،كواجب مقدس تفرضه الضرورة ، ويحتمه فعل المواطنة ، ودون ترهيب ،أو ترغيب.
هناك توفرت لديه سبل العيش ، اتسعت له أولاً ، وضاقت عليه ثانياً ، وقبضت على خناقه أخيراً.
ثلاثون عاماً ، ترك الخيمة بلا وتد ، والبيت بلا سقف ، والذئاب بين اليوم ، وسواد ليله ، تحوم حول المكان ، مقتنصة لحظة غافلة ، لتمارس لذتها في أكل اللحم ، الذي يبدو سائغا ، فيما كانت البطون ، تأكل جوعها ، والألسنة تتوسل الآخرين الحد الأدنى لعيش كريم.
رجع ، وهو لا يدرك أي خطيئة اقترفها ، وأي عذاب استوطن الذي كان بيته ، لينبت في حلق الأسرة غصة ، وعلى طرف لسانها آهة ،كان الكبرياء يحبسها ، فلا تنطلق.
العائد ، أوصد الباب في وجهه ، والرفض ينكر عليه ، أي شيء كان صاحبه.
التي كانت له زوجة ، وجدته شبحاً كان يتسلل إلى نومها ، وأولاده بدا لهم ، الماضي الذي دفن نفسه تحت تراب العمر.
هناك عاش غريباً ، وهنا وجد الغربة تتلبسه ، وبين غربتين اختارهما كان مصيره ككل العائدين الذين مشوا مع القافلة ، بعد أن سلت من الأرض جذورها ، وسارت مع التيار، في رحلة التيه.
الزوجة تذكر أول خطواته الراحلة على طريق الغياب.
التوسلات الممزوجة بدموعها الحارقة ، لم تثنيه فقد كان مصرا على عزمه ، بشق الطريق إلى هناك .
حذرته كثيراً من المتاهة التي لن يخرج منها .
أفهمته أن قدميه ستبكيه ، ودرب الرحيل سيلعنه .
عاد العائد بعد أن أشرقت على الوطن أشعة الشمس الجديدة ، تنشر الدفء ، والأمنيات الطيبة ، وتطلق الحمائم التي كانت على أوتاد الظلم ، والظلام مقيدة ، ليجدها وقد حصدت ما زرعته من حُبِ ، وحَبِ في أرضها الطيبة.
فالخيمة أمست منـزلاً,
أولادها أصبحوا في غاية الشباب ، وفي غاية الزهو بما نالوا من خير البلاد الذي أضحت آمنة مطمئنة , وهي كوردة فتحت ريتاجها هذا الصباح في منتهى الزهو بما عملت ، فرحة بكل ما فيها مسرورة بكل ما يحيط بها .
اليوم يريد أن يسجل رجوعه على بابها فترفضه بكلام صمتها في وجهه .
تقذفه بعيداً عنها ، ليرحل إلى غياب جديد.