Page 1
لفصل الأول
دقت ساعة المرقد ألكاظمي، فتردد صدى أجراسها العظيمة في الفضاء الضيق للأسواق مرتطما بأبواب (دكانينها) الخشبية المغلقة، ثم دقت مرة ثانية كأن حصى ثقيلة شقت بحيرة الفجر الساكنة فتكونت دوائر صوتية اندفعت من مركزها مثل نداء طويل سرى في كلّ الجهات، كان مسنوداً بريح خفيفة هي واحدة من علامات خريف ذلك العام الذي تساقطت فيه أوراق الأمل ولم يبق شيء سوى انتظار حذر كعيون (الزرازير) لوصول الحرب القادمة، الدقة الثالثة، انتشرت في جزيئات الهواء مثل حبيبات صغيرة، ثم هبطت لتلسع أجساد الفقراء النحيلة، المتكوّرة والتي تغطيها الملابس الرثة الخفيفة،أجساد ترتعش بجانب السور الخارجي للصحن الغارق في سيمفونية الحفيف، ثم بحماسة صرّحت الرابعة للرنين أن يواصل تسلله إلى فضاء (الدرابين) التي لم تزل تحاول الإفصاح عن كامل تفاصيلها، متسربا مثل سواق صغيرة تستمدّ سريانها من نبع وفيّ للخرير، وفي تلك اللحظة التي دخلت فيها موجاته فضاء العقود الملتوية والسكك العريضة، انفتحت عيون ألمحلات التي تحتضن سوق الأسترابادي في الجهة الجنوبية الغربية، وتثاءبت الأزقة التي تتفرع من جادة باب المراد شرقا باتجاه البساتين المهددة بانكشاف أشجارها الندية أمام ضوء النهار، ثم تواصل الرنين حتى استيقظت تماما محلات أعلى الكرخ جنوبا وباب قريش شمالا كأن الصوت الذي احتفظ بعادة تجواله التاريخية هو ذلك الحارس ألأمين الذي يوقظ المدينة كلّها كي يشعر بالرضا عن إتمام عمله اليومي قبل أن يستريح،حريص على دفع أنفاسه المغناطيسية باتجاه الحذر من إهمال أي نافذة حتى لو كانت محض مشكاة يطلّ على العقد منها واحد من هذه البيوت المغروسة مثل شجر مثمر ينفخ ألأجيال منذ القدم على المساحات الغافية في حضن الفجر الذي بدأ يفرك عينيه لتخليصها من بقايا النعاس الخاسر هيمنته السوداء على (الدبغانه والنواب والسميلات وعقد السادة والأنباريين وفضوة الشيخ والشالجية) جنوبا، ثم تضوع التراب رائحة الدقة الخامسة والتي تسللت لطبقاته العميقة، فتنفستها كائنات باطن الأرض كلّها، استيقظت الزواحف التي لم يبرد دمها بعد وقبل أنْ تستسلم لسباتها الشتوي والنمل الخارج من ممالكه، أبو الجعل تتقدمه كرات الروث الصغيرة وبعر الحيوانات المتنوعة يدفعها باتجاهات مختلفة، الفئران أيضا، صعدت يسبقها جوعها، استيقظ البط والدجاج ترافقه قأقأته، صهلت خيول (المكارية) المصابة بالقروح، وتلك التي في إسطبلات الحامية، فخورة بسروجها، والتي في بناية القائمقامية أيضا، نهقت حمير السقاءين، ثم تصاعدت الفوضى التي أحدثها نهوض الماعز والخراف والحيوانات التي في زرائب الحقول المحيطة بشمال المدينة، ثم دقت للمرة السادسة فتنفست عميقا جذور الخضروات الصغيرة، الفجل والبطاطا، والرشاد،الكرفس والكراث والأعشاب المتشابكة على حافة النهر الذي يحتضن خصر المدينة، شهقت حتى الكائنات النباتية التي لم تولد بعد والمغطاة بالتربة التي في حدائق البيوت أو في المزارع الصغيرة التي اختبأت بين أشجار البساتين بعد أن تسرّبت قطرات تشرين لعروقها وقد تذوقتها بشهية مخلوطة بعناصر التربة المغذية لنّموها، ثم تمطت البذور الصاعدة إلى اكتمالها شاطبة يوما آخر من تقويم الانتظار الطويل في ممرات العالم السفليّ، فزّ العالم كلّه من رقدته مغسولا باستيقاظ كامل كأنّ رحم الليل دفع بنهار وليد وقد انسلت عوالمه الواقعية عن باطنه السابح في ألأحلام وبصيغة واضحة لا تقبل التداخل، في ذلك الوقت يمكن أن يثق المرء بتصريح يؤكّد،أنّه لم تبق زاوية في الكاظمية إلا وجرحتها خيوط الصوت الهابط من جوف الآلة المعلقة في رأس البرج، تململ اللقلق قليلا عند الدقة السابعة والتي نجحت موجاتها في ترطيب أوردة هذا البيت ذي الطابقين والذي تزينه الشناشيل المطلّة على (شناشيل) مثلها لا يفصل بينهما سوى خط يقطع الهواء طوله أربعة أمتار ثم رفع اللحاف الذي اشتراه من تاج الدين النداف قبل ثلاثة أعوام ساحبا طرفه بعصبية ثم غطى كامل رأسه مواصلا سباحته في مهرجان الألوان الصاخب كأن روح المدينة شراب اختلطت في مزيجه العناصر كلّها فأسكرت بسحر امتزاجها فضاءه الداخلي ولم يعد بمقدوره الاستيقاظ رأفة بوجوده الغارق في المسرّة.
Page 2
- عيعو عيعو.....
العصافير طارت بحركة مرتبكة أولاً، ثم بدأت تسقسق بنشاط بين أشجار البرتقال والنارنج،الأجاص والرمان والتي اشتبكت أغصانها في البساتين المحيطة بالمدينة، أسراب كثيرة انتشرت أيضا في جادة باب المراد خاصة قرب تلك السدرة العظيمة التي أمام دكان (سيد مرتضى أبو الطرشي) ثم استيقظت الحمامات،خفقت أجنحتها وطارت حول المنائر الأربعة الصغيرة صاعدة إلى الأربعة العالية التي تحتضن القبتين الذهبيتين اللتين كانتا مثل فنارين يمكن للقادم من جنوب المدينة أو الساكن في الضفة الجنوبية أن يشاهد لمعانهما في النهار، ثم تواصل رفيف الطيور كلّها وهي ترسم بحركتها السريعة أشكالا هندسية وخطوطاً سوداءَ سريعة التشكل والتحول على وجه السماء التي بدأت تسعى بإصرار للوصول لزرقتها الملطّخة بغيوم صغيرة والتي تحركت هي الأخرى باتجاه الغرب.
- الله واكبر، الللللللللللله واكبر.
بدأت الأشباح تصل جادة باب المراد على مسافات متباعدة وقد انسلّت من العقود التي على الجانبين تسند سعيها باتجاه المرقد تلك الأضواء المتباعدة التي تنبعث من (اللوكسات) الشاحبة المزروعة عند مداخل العقود الضيقة حيث يمكن سماع تلك الجمل المكررة التي يهيمن اسم الله على نسيجها الهامس، ساعدت ذرات الهواء على دفعها باتجاهات مختلفة وكأن سرا يجري تداوله قد سرقته الريح ثم وزعته بإتقان وإخلاص على الجميع.
- قد قامت الصلاة .
الأبواب الأربعة الكبيرة للمرقد كانت مفتوحة وهي تسحب الكائنات الآدمية إلى الداخل المشتعل بالإضاءة ثم عمّ الصمت قبل أن يرفع الصوت الرقيق المنبعث من قلب المكان تكبيرة الإحرام، حينها بدأت أشباح أخرى تتحرك باتجاهات مختلفة لم تكن توجه سيرها لتلك النقطة التي انبعثت منها آيات سورة الفاتحة ثم انتشرت بإغراء يقود إلى تنشيط حاسة الشم تلك ألرائحة التي عبرت من فوّهات تنانير جواد الخباز الذي يقع في الجهة الشمالية من المرقد، في الوقت نفسه كان النهار يحاول نزع القشرة المعتمة لخيوطه التي رحب بتجلي بياضها وانسحاب الوحشة عنها ذلك الوقع المتناغم للأقدام والهمس المتقطع الذي لا يخلو من بعض الضحكات القصيرة التي كانت ترتطم بجدار المرقد الخارجي ثم ترجع جارة صمتَها تاركة للريح أنْ تكنس أوراق الأشجار وما تبقى من مخلفات السوق الصغيرة، اقتربت بعض الأسراب الآدمية التي كانت في سعي واضح للدخول إلى جادة باب المراد فانتشرت في المساحة المواجهة للمرقد أنفاس آدمية بأسلوب أنثويّ حينها يمكن القول بثقة من اعتاد فجر المدينة، إنهن الريفيات، بائعات (القيمر والروبة) يتمايلن كقبّرات مكتنزة، يمكن أيضا أنْ تعلن عن إعجابك بهذه التقنية وأنت ترصد على رؤوسهن تلك الصواني المصنوعة من الألمنيوم واحدة فوق الأخرى حتى كأن أبراجا واثقة من صمودها، رغم ارتفاعها الذي يجعل منها مهددة بحركة الريح التي كانت تحاول اللعب معها، لعبة الميلان الرقيق بين اليسار واليمين، لن يحتاج المرء حينها، خاصة من تعوّد على هذا الصباح العادي، لكثير من التردد كي يعبر عن موقفه بخصوص هذا المشهد، سوف ينسج في داخله جملة مؤثرة تتعلق بمذاق الصباح، كأن يقول، مغرم أنا بالجبن المالح ولذيذ طعم القيمر.
Page 3
- ديييييييييييييييييخ.
نهيق الحمار الذي يجرّ عربة الخضروات المتجه جنوبا حتى نهاية سوق الدروازة من جهة المدرسة الخالصية، حرّض بعض الكلاب التي كانت تحاول النوم ثانية على النهوض تماما دون أن تنسى إعلان انزعاجها من تلك النغمات الصاخبة بنباح متواصل بعد أن سكتت الساعة، حيث لم تتوفر لها فرصة إضافية للاسترخاء بجانب الجدران قبل انكشاف النهار ثم تواصل النباح منبعثا من مناطق أخرى مختلطا بثغاء الخراف التي كان يسرح بها رجل بدويّ، تعوّد أن يكون في مثل هذه الساعة في الجادة متجّها بقطيعه إلى الشرق حيث المساحات المعشبة على ضفة دجلة.
- السلام عليك أيها النبي، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم ورحمة الله.
الهالة البرتقالية تحاول الصعود، بتصميم الواجب المقدّس الذي فرضته قوانين الطبيعة الطيّبة من جهة البساتين الشرقية التي كانت مستسلمة للريح وهي تلعب بسعفات نخيلها المتيبّسة حيث يمكن في ذلك الوقت مشاهدة انقياد قطيع من الغيم إلى تفتته تاركا مراعيه الرمادية الفاتحة وهو يرحل بخذلان تاركا الكاظمية تغرق في بحيرة الأشعة الذهبية التي اعتادت أن تهيمن على الكون، رغم أنَّ تشرين مستعد لدهن صفحتها ببعض البقع الرمادية والتي يرافقها هبوط خيوط المطر الخفيفة قبل انهمار نهاية العام بأمطاره الغزيرة التي في مرات متعددة رفعت منسوب النهر ثم وفّرت للفيضان تلك الفرصة الجائرة التي طالما كانت تترك خلفها، مظاهر، ألأسى المرافقة لعدّ الخسائر في الممتلكات والحيوانات النافقة، البساتين والبيوت، غير أنَّ أكثر النتائج المؤثرة، ذلك الأنين الذي يجتهد بتعبيرات الفقد التي ترافق مجالس العزاء بعد كل ّ كارثة.
- كيمر... كيمر.
- بيش الطماطه؟
- رحمه لوالديك حجي فد خمس كرص .
- صبحكم الله بالخير سيد.
- صبحكم الله بالخير مولاي.
- سلامات حجي، شبيه وليدك؟ سمعت وجعان
- في سبيل الله، يحفظلك عيالك، بجاه ابو الجوادين.
Page 4
- عاو عاو عاو........
- تعال ابني، شيل هاي الكونية، وديها لدكان حمادي العطار.
- الوالي راح يفتر باجر بالكاظمية؟
- يمعود، لاهله ولا مرحبا .
- قيق قيق قيق قيق.
- موت ألكرفه، ضربه الجند رمي ومشال ايده، مثل الحرمة، أيا مخنث، وفوكاها يسمونه سبع المحله .
- شيخ عباس النجفي عنده درس بجامع براثا قبل الصلاة.
- تبيعه للزاجل، تره آني شّراي ابو شكر .
- لا اغاتي لا .
- أريد اروح لمديحه الخياطه حجي، أخيط النفنوف .
- ولله، لحط الخنجر بطيزه هذا ابو البزر.
- هاي شبيك، هسه يجي يبوس مداسك .
- الجرايد، كلها، تحجي على الحرب، يكولون ذوله الالمان عدهم، شي اسمه طيارات.
- شنو طيارات؟
- اوووووف، صار عمري ثلاثين سنه، شوكت تجي القسمه .
- لج دادا، شكد احبه لحيدوري، دباوعي، عليه، شكد شايل حسن.
- اسطه، تره الشتا اجه، والبيت بعده مكمل؟
Page 5
- أهلا خانم، لا ميصير، الشذره، تنوزن ويه الذهب بالبيع، هذا السوك وروحي شوفي؟
- بهارات كبّه عمي.
- سيد مرتضى، كيلو طرشي.
- لا مولاي لا، الحوزه بيدها الحل والربط.
- هاي شبيك، مراد باشا، عنده بنيه.
- خانم تره بنته عانس
- هذي بت باشا شوكت أفندي، وأنت موظف جبير .
- كفار بيناتهم، شعلينا إحنا.
- البارحة واحد أفندي يشتغل بالدفتر دار، جابلي صوغه من حلب، شراب فرنسي مو حليب سباع هههه، حصتك موجوده.
- هايه، نوريه جايبه حمامه اخمس طعش سنه شارده من ديالى، مثل البدر، اليوم بالليل انروح اني وياك؟
- حتى حسوني الديوث، صار شريف براسي، ويكلي مو بعده زغير ليش تقشمره.
- شو انت متعرف السمج؟ مدشوفه بعده يلبط.
Page 6
- شلونك جودت، اليوم نظيف ولابس بشت؟شنو عقلت؟
- منو كال انت وأمثالك عقال يا أجرب.
- حرس، طلع المحابيس للكنيف.
- تمام افندم .
رفعت خيوط الضوء جبة الظلام الذي انهار نسيجه الأسود بعد صعود جريء، لشمس تشرين من خلف البساتين الشرقية وهي تفرش خيوطها الذهبية لتكشف تفاصيل المدينة قبل أن تبدأ سباحتها فوق ألأمواج المتهادية لنهر دجلة والتي هيّأت للقوارب الصغيرة ذلك الانزلاق الهادئ للشباك البيضاء المشبعة بآمال تلبط في حضن نهار مبارك، حرّك اللقلق شفتيه وأصابعه، رفيف عظيم لطائر أبيض، كان يملأ المشهد وقتها،إلى الحد الذي جعله يشعر أنَّ وجهه المختبئ تحت اللحاف كان يتعرض لتيارات الهواء، التي كان جناحا ذلك الطائر يطردانها.
لم يعد بمقدور أحد أن يجرؤ على اقتراح فكرة النوم بعد تصاعد الفوضى التي وجدت في الأثير ناقلاً مخلصاً لتوزيعها على الجميع بعدالة كاملة، فزّ اللقلق مؤيدا بشعور خفيف يتجول في داخله، لنقل إنّه تعبير عن عدم الارتياح لبقايا رنين يتجول في رأسه اختلط بنباح كلاب وثغاء، صهيل خيول، نداءات عالية لا يمكن التكهن بما تحمله من معنى.. تكبيرات وأدعية وهديل، جمل كثيرة اشتبكت نغماتها، ثم تسلّقت السلّم الموسيقيّ برعونة دفعة واحدة، قد تبدو هذه الجمل متنافرة في انفرادها قبل أن تشتبك لتصير مقطعا كاملا غير أنّها في النهاية كانت تعزف نصّا يشبه النشيد الذي حفظته المدينة التي بدت وكأنها لم توجد على الكوكب إلا وكانت هذه النغمات ترافق وجودها الأول،الجملة ألأقوى في هذا النشيد هي دقات الساعة التي لم يتوقف عزفها الهادر يوما والذي تسللت ذبذباته شيئاً فشيئاً لكيان اللقلق فاختلطت مع دمه لتصير دون أن يشعر مكونا أصيلا من عناصر وجوده المادي والروحي، حتى إنَّه لم يعد بمقدوره تصوّر الوجود الفعليّ للعالم بدون هذه الأمواج الصوتية الهادرة، كان يتخيّل أحيانا أنّه لولا هذه الساعة ستضطرب الكاظمية كلّها، ألأسواق ستبقى مقفلة، المصلّون سوف تفوتهم فروضهم، حينها ومن الطبيعي أن تختفي النساء بعباءاتهن التي تحفظ أجسادهن المكتنزة،عند ذلك وبسبب اختفاء المتجوّلين في المدينة سيغتنم الغبار فرصته ويتطاير في الشوارع المهجورة دون أنْ تردع عواصفه البرك الصغيرة التي كانت تتكون أحيانا، لأسباب متعددة في وسط السكة، ما تبقى من الزائرين لن يجد في ساعات العماء هذه سوقاً لشراء احتياجاته، لن يأكل أحد منهم الكباب أيضاً، حيث يمكن القول إنّ الزيارة ستكون ناقصة، سوف تلتصق بتفاصيلها الخيبة بدون تذوق الكباب ألكاظمي، حتى العصافير سوف تفقد الرغبة بالطيران، وسينسى الحمام أجنحته باردة بين
Page 7
أشجار الفاكهة اليابسة رغم ذلك لم ترسم مخيلته للشحاذين صورة تدلّ على تأثير الساعة على حياتهم، إذ إنّ الجوع، كان يقول ذلك بأسى، سوف يطحن أحشاءهم فيضطرهم للنهوض بحثا عن كسرة خبز أو طاس من اللبن الخاثر والذي كانت تجلبه النساء القادمات من القرى المجاورة للكاظمية، هذه المبالغة في الخيال، تعني شيئا واحدا، أنّه مغرم بهذا الاختراع المذهل إلى الحد الذي يعتبره واحدا من أهم كائنات المدينة والذي ينبغي تبجيله، بل إنّه من الواجب الخشية عليه من المرض أو حتى من الغبار، من سموم القيظ أو ريح الشتاء الشمالية الغربية، لذلك فقد كان يعبر في صيغة أخرى خاصة بعد استيقاظه الكامل وهبوطه إلى الشارع عن احترامه لتلك الماكينة العجيبة، والتي تضبط الوقت مثل بوق عظيم ينفخ الحياة معلناً بداية يوم جديد مشحون بأحلام مؤجلة ربما وجدت لها منفذا في صفحة هذا النهار، لكي تتسرب وتصل، هذه الساعة هي صمام أمان اعتمد عليه الموظفون والعمال من مخاطر الكسل، بل إنّ القلق نفسه، طالما حاول تحفيز مخيلته المدعومة بالأساطير التي نسجتها حكايات الشيوخ عن تاريخها لتشكيل صورة تقريبية عن كيفية صناعتها، بل إنّه كان يتمنى أن يكون شاهدا على ذلك اليوم الاستثنائي الذي تم فيه نقلها والصعود بها إلى أعلى البرج ثم تثبيتها بهذا الموقع البهيّ، خاصة تلك التي في الجهة القبلانية والتي زين جدار البرج الذي وضعت في أعلاه بتلك النقوش الكاشانية الرائعة والزخارف اللازوردية، كان في كلّ مرة لا يستطيع منع نفسه من إلقاء نظرته عليها إنّها نظرة كتلك النظرات التي ترافقها الابتسامة التي يصنعها الشعور بالمحبة للأشياء العزيزة لنقل إنَّه وكسلوك ثابت، توفرت بشكل دائم عنده تلك الرغبة بالنظر إلى أعالي البنايات والأبراج المنائر، ولطالما تمنى أن تكون له أجنحة حقيقية كتلك التي شاهدها قبل استيقاظه، لقد كانت نظراته، تسكر بتفاصيل تلك الجولة اليومية في سماوات بغداد، خاصة عندما يكون قريبا من النهر، يراقب الطيور التي تقطع ضفتيه، باتجاه الشمال والجنوب، على كلّ حال، كانت الأهمية تنحصر في ذلك النوع الساحر منها، الكائن ذي العنّق الطويل الذي أحدث تحولا في حياته، لنقل إن اسمه نفسه ارتبط بوجود ذلك الطائر الذي قذف في روحه ما يمكن تسميته بالتوهج دافعا إياه ليكون عاشقا للحياة والحرية، إنَّ المشاعر الإيجابية التي تجعل من الهمة لا تخبو، أقصد عدم القبول بأقل ما ينبغي أن يكون لك، هو أول الدروس التي تعلّمها من هذا الطائر المعتدّ بنفسه والذي يمتلك معرفة لذاته جعلت من هجرته المتواصلة تعبر عن حاجته لتأكيد وجوده الحر ورفضه، لكلّ ما يشكل خطراً على إرادته، على كل حال، اللقالق لا تأتي دائما، هذا ما اكتشفه بعد سنوات طويلة من مراقبته اليومية لها،رغم ذلك اعتاد على انتظارها كلّما سنحت له الفرصة، حتى في السنوات ألأخيرة، حافظ على تلك القدرة العجيبة بالوقوف على قدم واحدة وكأن هذا السلوك ما هو إلا تغذية لتوهجه الداخلي واستحضارا دائما لروح هذا الكائن الحر المستعد دائما للطيران، إنه في حركة كهذه يزجّ روحه في عمل مثابر متواصل من أجل الوصول لغاية واحدة هي مرتبة الإشراق، تلك الومضة النورانية التي ستتوج رغبته بأن يكون لقلقا حقيقيا، حيث يمكن له وقتها أن يفرش ذراعيه ويطير.
Page 8
فتح عينيه بصعوبة مستعينا بمحاولة طرد الشعور بعدم الرضا والذي تغذيه تلك الرغبة بساعة أخرى أو ساعتين من النوم، قال سيكون جسدي أكثر نشاطا كالمعتاد، عيناه الصغيرتان ما زالتا شبه منغلقتين، بآلية، عّبر عن تكرار فعل يوميّ، وضع كفه بكامل أصابعه الطويلة لاتّقاء ضوء النهار الذي تسلل من (رازونة) في أعلى غرفته الصغيرة المطلّة على العقد الضيق الملتوي المتفرع من جادة باب المراد، شم بقايا رائحة الرطوبة المنبعثة من الجدران الطينية المطلية (بالجص) والتي جفف الصيف دوائرها المتعفنة وقد بدأت تدفع بذلك التعفن مرة أخرى بفعل البرودة التي جلبها معه شهر تشرين، نظر إلى الأعلى، لم يهتم كثيرا لتلك الخيوط الناعمة المتشابكة والتي نسجتها العناكب في أعلى السقف الخشبي الذي تآكلت بعض جسوره السوداء حتى إنه يتخيل أحيانا أنَّ السقف سينهار في أي لحظة، رغم ذلك لم يفكّر بتغيير المكان، كان يقول "لا يتملكني ذلك الإحساس الذي تتوفّر فيه إمكانية أن أنشطب كوجود بهذه الطريقة الغبية" أزاح اللحاف الأزرق ثم عبر عن عدم إعجابه بتلك الرائحة المقرفة التي تشبع بها القطن، اعتدل في جلسته على حافة سريره الخيزراني منشغلا بمحاولة قمع عضوه المنتصب بجرّ رأسه إلى الأسفل، إنّه يكرر هذا الفعل دائما رغم معرفته بلا جدواه، ترك الأمر ثم ردد مقولته التي اعتاد على الجهر بها وكأنها تهديد يواصل تكرار نفسه منذ سنوات حتى فقد قوة كلماته التي لم تعد تعني شيئا، قال "إنّ الماء البارد هو شيء نافع في مثل هذه الحالات"، نهض بتصميم لتجاوز مرحلة النوم نهائيا، مدّ يده بآلية لدشداشته المعلقة على مسمار جانب السرير، إنها شيء لا يمكن القول عنه إنّه سيئ الملمس، على كل حال كان منسوجاً من الخام الأسمر الخشن، سمع حديث العمال المتوجهين لأعمالهم في السوق التي في الجنوب الشرقي للباب القبلاني أو لسوق الأسترابادي أو حتى للمحلات المنتشرة على طول جادة باب المراد تاركين خلفهم (يا فتاح يا رزاق) تصعد مع الفضاء الساكن ثم تنتشر مثل تعويذة تحملها الريح الباردة نوعا ما فتدفعها من خلال (الروازين) وفتحات الشبابيك في الطوابق العلوية المطلة على (الدربونة)، وضع (عرقجينه) ثم لفّ (يشماغه) على شكل (جراوية)، حرك قدميه لدفع (كالته) البيضاء المصنوعة من الخيوط القطنية ثم دسّهما في قدميه المتّسختين، نهض بتثاقل كأنه يتمرّن على المشي، رغم أنّه لم يكن يشعر بذلك النوع من الكسل الذي يتغذى من كراهية العمل، غير أنَّ قلة ساعات النوم تجعل منه مهروس العضلات، وقف للحظة كأن المرء عندما يحتاج لقرار مفاجئ ينبغي عليه، إيقاف كل مشاريعه الأخرى، فكّر أن يغير يشماغه، قال "إنّه من اللائق أن يكون نظيفا، بعض الخواتين يقفن على رأسي لشراء الأمشاط" بدأ عضوه مصمما على المواصلة قبل الاستسلام لانزلاق الماء على رأسه حيث يعلن بعدها انهياره هابطا إلى أسفل وداخلاً في ممرات يأسه دون أنْ يجد فرصته في توفّر التقدير اللازم لوقوفه الحاد كجملة عارية تنتظر من يلفظها،أحسّ بقطرة حزن تضرب قلبه وهو يتذكر (شكرية بنت حيدر النجار) ثم حاول بسرعة من يتّقي ضربة مفاجئة أن ينحرف إلى منطقة أخرى لتشتيت هذا الشعور الذي لا يناسب ما كان يسميه دائما وردة الحياة التي دائما تحتاج لأوقات البهجة التي تمنع بتلاتها من النعاس، ابتسم متوّجا قدرته الدائمة على مقاومة اللون الرماديّ الذي طالما يحاول التسلل لحياته، قال إن الأمر حدث منذ سنوات ثم إنّه لا ينبغي لي الاهتمام لحادثة تافهة،
Page 9
النساء، آه، إنهن دائما هكذا غامضات كقيعان الأنهر، لا يمكن أنْ أجزم تماما بهذا الوصف، غير أنّي أعتقد أنَّ الكثير منهنّ يعشقن الرجل الخليع، الذي يفتقد إلى الحشمة، إنّها علامة لتوهّج جمرته الجنسية، كان يحلل الأمر وكأنه ينسج صيغة تناسب الرغبة بطرد ألأسى، في الوقت نفسه، أضاف اللقلق، سوف يجدن أنفسهن يستسلمن لذلك الشعور بعدم الرضا عن الزواج برجل مشتعل يرافقه فقر الحال، لنقل إنّ مفهوم اللذة في ضمائرهنّ من ذلك النوع الذي لن يقبل إلا بالاستحواذ على كل شيء، أحيانا يبدون طائشات، فكرة الاختيار هو سؤال يتمتع بالحيرة دائما، لا يمكن الحصول على إجابة واضحة عليه، شيء فظيع أنْ يكون المرء فاقدا لتلك القدرة على قراءة تفاصيل المساحات الغامضة في داخله، يحصل غالبا أنْ يكتشفن مثل ما اكتشفت شكرية سوء الاختيار بسرعة. تذكر كلامها بدقّة في تلك الظهيرة الحزيرانية، حاولت السخرية منه صممت على إغاظته أيضا، كشفت عن وجهها بعدما أزاحت الخمار فظهرت ملامحها الجميلة، شفتاها المكتنزتان، وحنكها الذي يحتفظ بشامة بدت سوداء جدا على صفحة وجهها، ركّز في عينيها الواسعتين المحروستين برموش طويلة سوداء، ثم هبطت نظراته لذلك الجزء الأبيض المرمري والذي يلي الحنك، تمنى أنْ ترفع الجزء الذي هبط من الخمار الذي يغطي الصدر، لكي يتسلق بعينيه جغرافية نهديها المختفيين كأرنبين في حالة ترّقب تحت دشداشتها الحمراء المصنوعة من قماش ناعم، يلتصق على بطنها وعلى فخذيها حيث ظهر خصرها ضيقا مما أتاح لأعلى مؤخرتها أنْ يعبر عن حجم ذلك الشيء الكبير، إلى الحدّ الذي جعل من قلبه يدّق بعنف في نفس اللحظة التي فكّر أنْ يطلب منها أنْ تستدير، للحظة واحدة فقط استدارة سريعة، ليحفظ في أعز زاوية من ذاكرته، صورة مؤخرتها التي من المؤكد أنَّ دشداشتها الحمراء قد التصقت عليها.
- شايف مثل هيجي حسن لقلق؟ تريدني وانت هيجي حافي؟ آني ما أصير الا لواحد زنكين.
قالت له، إنها سوف تتزوج من رجل متزن،عاقل، معروف ومتدين نوعا ما قالت إنّه غنيّ "لقلق،غني، هل تعرف ماذا يعني،أن يكون الرجل غنيا؟ سيكون لديّ كل ما أشتهي، معك ستكون عباءتي مرقّعة وحسرتي سوف تواصل دفع هواءها المرّ حتى على لقمة الخبز"
Page 10
اللقلق يعرف من تقصد بزواجها، إنّه (القصاب)، صحيح إن الرجل يبدو في المساء، بعد انتهاء العمل مختلفا نوعا ما، برائحته الطيّبة،التي تخلو من انبعاث الزفر من بين طيّاتها، ثم إنّه لا يمكن ردع عيون أصدقائه عن تسديد تلك النظرات الحاسدة لصايتة الإنكليزية القماش وهو يجلس على كرسيّ أمام دكان، حسن البزاز وكأنه لم يكن قبل ساعات بدشداشة مبقعة بدماء الحيوانات، البارحة بالذات، سلّم على اللقلق، كان يرتدي زبونه الغالي والذي طالما كرر ادعاءه أنّه كان مخاطا أصلا للباشا الوالي حيث إنّ رغبته بارتداء زبون سرعان ما تلاشت، فأبلغ الخياط أنْ لا حاجة له به، قال في نفسه "دعني أصرّح أنَّ الترف الزائف لا يمكن أن يكون في أحيان كثيرة بديلا نافعا، ستكون لشكرية أو غيرها إجابة واحدة ولكن بعد فوات ألأوان إنّه اعتراف قاس مثل" نعم عرفت الآن، أنا أحتاج لرجل مشتعل قلبا وجسدا، إني أفتقد لتلك المساحة الضائعة من حياتي رغم ذلك، لن تكون هذه الإجابة إلا كونها مشروعا سريع الانهيار، شكرية بعد أن عبرت الثلاثين تزوجت من مظفر القصاب، رسم ابتسامة كتلك التي تخلو من التشفي، بل إنّها تحمل شيئا من العطف المبالغ به، قال: مظفر،أيها العجل المنفوخ، أخيرا، إنها تريد الطلاق منك، وأنت، شكرية أيتها القطة الشرسة، لم تمض سوى أشهر على زواجك، أعتقد أنَّ الرجل عبّر بوضوح بعد توّرطه بالاقتراب منك، عن حقيقة أنّه محض عجل لا نفع في خصيتيه اليابستين، إنَّه مسكين، ليس بمقدوره طحن امرأة شبقة مثلك، بالنسبة لي أحتاج لامرأة شبقة مثل شكرية لكن بقلب لقلق.
فتح المحمل الصغير الذي ببابين خشبيتين محفورين بزخارف نباتية ثم عدّل من الصيغة، قال: في الواقع إن النظافة لا تعني أنّي رجل محترم وأملك المال أو ما شابه ذلك من الأوصاف التي تتوهم النساء أهميتها والتي تجلب الاهتمام المبالغ فيه، وساخة (جراويتي) أيضا لا تعني أنّي تافه، القضية تتعلق بكون المرء قد وضع يده على الكنز الذي لا يفنى، نقاء السريرة، التي تمكنه من تنشّق تلك الرائحة ألأصيلة التي تجعله يستغني عن تحسس التنوع الهائل، في الروائح التي تنتشر بين ذرات الهواء، أعتقدُ حينها سوف لن يجد المرء أنَّ الرضا عن نفسه مرتبط بالمظاهر الخارجية، تلك الصور والروائح والسطوح الناعمة أو الخشنة،الأصوات والمذاقات الخاضعة، لخبرة الحواس الواهنة، الحواس العادية تمنح خبرة ساذجة لا يمكن بطاقتها المحدودة أنْ تجعل للأشياء ألأصلية فرصة التجلّي، ثم خفف من الصيغة اللغوية التي حذفت من نسيجها أهمية النظافة، قال: إنه يكفيني أن أغيّر ملابسي