Page 1
من رسائلي له
لا تبحث عني في وجوه الناس والأسواق والطرقات... بل ابحث عني في أوراقي... وفي نبض قلمي... وبين سطوري.ستجدني هناك أنتظرك بشوق لأحكي لك حكايتي وعبث الزمان بي.. ستجد أشواقي مبعثرة بين الكلمات، وحنيني إليك ينبع من أعماق الحروف...
إقرأني فقط لتفهمني...
عزيزي القارئ
أنا لا أكتب إليك كلمات على السطور لأشكل لك رواية،فأنت سوف تقرأها، ولكنك لن تدرك تفاصيلها.
أنت بالنسبة لي أعمى، فدعني أكون عينيك وأجعلك ترى أحداثها وتعيش حلوها ومرّها...
وأنت بالنسبة لي أصم، فدعني أكون سمعك وأجعلك تسمع ضحكات أبطالها وأنينهم...
وأنت بالنسبه لي أبكم، فدعني أكون لسانك وأنطق بأحاسيسك ومشاعرك...
عزيزي القارئ، سلمني حواسك، واجعلني أسكنك لأحملك إلى عالم كوَّنته تخيلاتي ونسجته أقلامي....
إهداء
إلى كل وليّ أمر عجز عن إيجاد جسر التواصل بينه وبين أبنائه، وجفّت السبل من أجل تغيير سلبياتهم واستيعاب احتياجاتهم....إلى كل امرأة تكتم غيظها يومياً، وتنام الغصةَ في قلبها بسبب شريكها الذي يتعمد إهانتها....
إلى كل إنسان لم يجد شعاع الشمس الذي يضيء له الظلام المحيط به ويرشده إلى الطريق....
إلى كلّ هؤلاء، أهدي هذه الرواية عسى أن تكون بالنسبة إليهم مفتاح كل باب مغلق.
Page 2
المقــدمــة
ما الشيء الذي يتحكم في حياتنا، هل هو الحظ، أم الأحلام التي نرسمها؟ هل هي الخطط التي نسير عليها؟ أم هي المصادفة، أو ما يسمى بالمكتوب؟!!لا شك في أن لكل إنسان اعتقاداته الخاصة به؛ فبعض منا يعتقد بأن كل شيء يحدث من حولنا يكون عن طريق المصادفة أو أن لكل شيء مداراً قدرياً يسمى بـ ـ الحظ ـ أو كما يقولون "الدنيا حظوظ"، وبعضنا يخطط لجعل أحلامه حقيقة ورديّة في واقع حياته.
إنني شخصياً أؤمن يقيناً بالمكتوب، لأنه لا يوجد شيء وجد بمحض المصادفة في أحداث أيامنا، فكل شيء يجري لأسباب لا نعرفها لكننا نقدرها ونتركها للخالق (عزّ وجل)، فعندما تذهب إلى مكان أو تلتقي بأناس على سبيل المثال، فاعلم علم اليقين أن هناك أسباباً تجاذبت لذلك وليس بالمصادفة وحدها تتواكب الأحداث أو تتلاشى، فما أن ينتهي بنا موقف ما لنتعايش مع لعبة الحظ، نرى أنه مهما كان هذا الحظ وفيراً فلا مناص من أن يأتي اليوم الموعود لينفذ. أما الأحلام فما أسهل أن تتحطم وتتكسّر، والخطط كثيراً ما لا تسير حسب أهوائنا وكما رسمناها ليأخذ الإحباط دوره الصاخب في إضفاء السوداوية على لوحة الأحلام بالحزن والفشل الذريع لنهاية تراجيدية مؤسفة.
ولكن السؤال هنا كيف ننظر إلى الأمور من وجهة نظر أخرى؟ كيف لنا أن نغيّر من طريقة تفكيرنا ومعرفة أن ما كتب لنا كان بسبب حكمة من الخالق؟ وأن كل حدث وكل شخص وضع في حياتنا وضعه الله لسببٍ ما؟
كيف لنا أن نرى الأمور والأحداث بنظرة عميقة، متفتحة، أن نخترق الضباب ونشاهد الحقيقة التي خلفه، أن لا نؤمن بالخرافات والمصادفات والخطط، وأن نؤمن بالقدر وأن لكل شيء سبباً وحكمة؟
ويا ترى ما الذي كوّن شخصيتنا، ومن أين أتت لنا هذه المفاهيم الغريبة؟ هل أتت بالوراثة أم نحن اكتسبناها؟ إن النفس البشرية كالورقة البيضاء تمتص الصفات الحسنة أو السيئة، وتتلون بالأحداث التي تدور من حولها فتغدو ملونة، غامضة، مشوهة ويضيع لونها الأبيض النقي في صراعها المرير مع الزمن.
إن المنزل القديم المتهالك كمثل الشخصية التائهة مهما رممته أو رممتها فلا بد من أن تجد فيها بعض التشققات من حين إلى آخر، فأفضل حل هو هدم هذا المنزل المتهالك والاجتهاد في بناء منزل جميل قوي الأسس، وهذا ما يجب عمله مع بعض الشخصيات، أن تغير طريقة تفكيرها من الأساس وأن تغرس فيها الأسس الصحيحة القوية، فتغدو شخصية قوية تواجه صعاب الحياة بشموخ.
في روايتي هذه أقدم لكم قصة واقعية الشخصيات، فلا تستغرب إن وجدت نفسك فيها. لقد حدثت في إحدى الدول العربية وتعمّدت فيها تغيير بعض ملامح التفاصيل المحيطة وجزئيات الوقائع والأحداث.
رواية (قلبي ليس للبيع) وصمة من الحياة تنبجس عما تخفيه الأنفس من أسرار ومشاعر وعقد وتناقضات حياتية يومية بين المعهود واللامعهود؛ أقدم لكم في هذه الحبكة ثلاث شخصيات رئيسية، كلّ شخصية منها تحمل وجهة نظر وبيئة مختلفة، ولكل منها مفاهيم خاصة وبصمة دامغة بسبب البيئة والبنية الاجتماعية وتناقضاتها؛ فناهد وفيصل ونزار هم أثافي التفصيل والتحليل لأبطال روايتي ربما تصادفون مشاكلهم في حياتكم اليومية، وربما تتكررالمشاهد مراراً وتكراراً، لكن ما لا تعرفونه هو ماذا يجول في بالهم؟ لا شك أن سماتهم تكمن في وجوههم في سجل الأحداث والتطورات، وكما نحن نتشوق دوماً للوصول إلى النهاية، فلتكن البداية من أول الحكاية.. إذاً من أولها نبدأ.
Page 3
الشخصية الأولى :ناهد
سامحني، قلبي ليس للبيع.ما الحل يا ترى؟
ناهد الفتاة المرحة، الشقية، المندفعة، والمتهورة... التي تحمل مبدأ في الحياة ألا وهو أن قلبها ليس للبيع أو لم يعد للبيع، يا ترى ما هو سبب شعارها هذا؟ ومن أين أتت به؟والآن تفضل معي عزيزي القارئ لتبحر معي على مركب الذكريات ونتوغل في الأعماق.
***
في إحدى الفلل القابعة في شارع الهرم تقيم الشخصية الأولى في فيلا ذات طبقتين تحيط بها حديقة غناء.. فلنبحث بين أركان الفيلا عنها ونتجول بأعيننا في المكان فنجتاز البهو، وندخل إلى غرفة المعيشة ذات الألوان الهادئة والتماثيل الكبيرة وآنيات الزهور المتناثرة في كل مكان، فلنتوقف لحظات أمام الصورة الكبيرة التي تتوسط غرفة الجلوس، إنها لفتاه شقراء، ذات عينين بلون الزمرد وعلى شفتيها ابتسامة مرحة، ويزين عنقها عقد من اللؤلؤ وقد ارتدت فستاناً أزرق اللون، عاري الكتفين وتحمل بين يديها طفلاً صغيراً، ربما لم تمضِ بضعة أشهر على ولادته؛ إنه أبيض اللون مشرّب بالحمرة، شعره أسود كدجى الليل، وقد أهدته والدته أجمل ما لديها، أهدته عينيها ذات اللون المميز، وإلى جانبها رجل يحيطها بذراعيه يبدو عليه أنه مزهو بها والسعادة تغمر ملامح وجهه... لنترك هذه الصورة ونصعد الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي؛ ما أن ينتهي الدرج حتى نجد أمامنا غرفة كبيرة، طليت جدرانها بلون لؤلؤي فخم وانعكست قطع الأثاث على أرضيتها المصنوعة من الرخام اللامع، يتوسطها سرير كبير، فنجدها ها هي وقد انفرجت شفتاها عن نصف ابتسامة، وجسدها الطري ملقى بإهمال فوق فراشها كأنها ريشة لعبت بها الرياح حتى سئمت منها وهجرتها عند قارعة الطريق.
كانت عيناها الشاردتان معلقتين بالسقف وفيهما بريق غريب، إنه بريق الماضي.. تفتح شفتيها زهواً كالبراعم الصغيرة تارة وترى سحابة سوداء خيّمت على وجهها تارةً أخرى، فمن يلمحها يظن أنها تشاهد فيلماً سينمائياً يعرض على سقف غرفتها، لكنها كانت في عالم نسجته خيوط ماضيها، إنه فيلم كانت هي بطلته في يوم من الأيام.
إنها تقلب ماضيها وتتصفحه، وربما كانت تتغذى من هذا الماضي فيكون لها مثل الهواء والماء وتستمد قوتها منه حتى تعيش في هذه الدنيا، وربما كانت تستعرض ماضيها لتودعه وتطوي صفحة هذا الماضي كي تواجه الحاضر.
تسللت أصوات الموسيقى التي تنبعث من المذياع بهدوء إلى أذنيها لتحملها إلى ذكرياتها وتحملنا معها.
في الطابق السفلي للفندق، وبالتحديد في مطعم (أورفاج) ندخل إلى مكان الحدث، وأثناء دخولنا نجد مدير المطعم يستقبلنا بابتسامته المزيفة ولسانه يردد شتى أنواع التحيات والمجاملات، ثم نعبره لندخل إلى المطعم الراقي الذي زينت حيطانه بأوراق الجدران الفضية اللون المزخرفة بالنقشات السوداء والأنوار الصفراء الخافتة الدافئة وقد امتلأ المكان برائحة الشموع المعطرة الممزوجة برائحة الدخان المنبعث من السجائر. لقد كان تصميم المطعم أنيقاً للغاية، فهو يحتوي على بعض التحف القيمة واللوحات الزيتية المزيفة لمشاهير الفنانين، كذلك فإنَّ الطاولات صفّت بطريقة مرتبة على شكل هرم، وترامت لنا أصوات أطباق الطعام وأدواته المرتطمة ببعضها بعضاً، بالإضافة إلى شيء من الهمسات والضحكات التي لا يقطعها إلا بعض الألحان المنبعثة من الفرقة الموسيقية القابعة في إحدى الزوايا التي تعزف من حين إلى آخر، وانتشى المكان بالبرودة بسبب تيار الهواء القادم من جهاز التبريد.
كان العاملون هناك يرتدون ملابس أنيقة موحّدة صنعت من الحرير الأسود والأبيض، ويتسللون بين الطاولات المصفوفة بشكل مرتب ذات الشراشف اللؤلؤية اللون التي تتوسطها مزهريات الورود وبعض الشموع وهم يحملون ألذ الأطعمة والمشروبات، وامتلأ المكان بمختلف الأجناس؛ فهنالك عائلة تحتفل بعيد ميلاد أحد أبنائها، كذلك ترى عاشقين هائمين في الحب جالسين أمام ضوء الشموع لا يباليان بما حولهما، وتشاهد بعض العمال الكادحين الذين انتهى يومهم الشاق فقرروا الترفيه عن أنفسهم ببعض الكؤوس، وبعض عارضات الأزياء بقوامهن الممشوق الجالسات قرب الحانة؛ كل ذلك، من أجل أن نتسلل بهدوء حتى نصل إليها وإلى ماضيها.
كانت تجلس إلى إحدى الطاولات القريبة من الفرقة الموسيقية، التي تطل مباشرة على حديقة الفندق الخلابة، ولقد ازدحمت الطاولة ببعض الرجال والنساء الذين كانوا يتبادلون الأحاديث وتعلو أصواتهم بالضحكات.
في ذلك الوقت كانت في مقتبل العشرينيات من عمرها، باهرة الجمال ذات عينين شبيهتين بالزمرد، وشفتين بلون الورد وشعر طويل بلون العسل يصل إلى أسفل ظهرها، ذات جسم متناسق، معتدلة القامة، ترتدي فستاناً يكشف عن مفاتنها بشكل لافت للنظر، أحمر اللون، قصيراً للغاية، أبرز ثنايا جسدها بطريقة رائعة، وكان بريق الألماس يزيد من تألقها.
فالذي يراها للوهلة الأولى تراوده الشكوك أنها تحفة وضعت في ركن من الأركان حتى تزيد من جمال المكان.. يعتقد أنها تمثال، جماد، لوحة رسمها فنان وهجرها، يخيم عليها الصمت، ملامحها جامدة، وعيناها معلقتان بالشاب الجالس إلى جانبها، وهي تنصت إليه، واضعة رسغها أسفل ذقنها، وما هي إلا لحظات حتى تلاحظ شرودها، فتتجول عيناها التائهتان في المكان ثم تضغط بأسنانها على شفتها الغليظة وتستقر نظراتها في الفراغ.. بعدها تعود إلى الواقع فتحرك رأسها قليلاً وتنفض عنه الأوهام، وتتدارك بؤسها فتخفيه بقناع السعادة، في محاولة منها لخداع المحيطين بها، ولكن العين الخبيرة الثاقبة تدرك أن وراء هذه الابتسامة المرسومة بدقة سراً خطيراً.
Page 4
ينبثق صوت حزين شجي من أعماقها:
غالباً ما كنت أتلقى إهاناته بابتسامة حلوة مرسومة، رسمتها فرشاةُ الحزن بدقة على ملامح وجهي حتى غدت كالقناع الذي أتجمل به عندما أراه، أحاول أن أنسى أو أتناسى كلامه، أن أهدّئ من روعي وأنا أنظر إليه، إلى من أحببته وسلمته حياتي لأراه يسخر مني أمام أصدقائه ويضع كرامتي في الوحل ويضع كرامتي في الوحل ليطأها أرضاً تحت قدميه وهو يبتسم بغرور، أبتلع غيظي وفي داخلي شيء ما يحترق.. يناضل، يتساءل، أنا من؟؟ ومن أنا؟؟!
إنني أموت في داخلي، أعتصر ألماً.. أتمزق حزناً، وهو لا يعلم، أنظرُ إلى خاتمي الألماسي الذي يزين إصبعي وأتنهد وأنا أخدع نفسي بأوهام بعيدة عن الواقع، أكذبُ على نفسي وأقنعها بتصديق الأسطورة؛ فالحقيقة مرّة ومن الصعب الاعتراف بها، أعيش الأوهام، أخذل نفسي بنفسي، أغتالُ أحلامي وأفكاري، أمحو شخصيتي وكياني كامرأة، لا لأجله فقط، بل أسلي نفسي بالذكريات وباللحظات الجميلة التي جمعتنا، حتى لا أتحطم وأنكسر أمامه أكثر فأكثر ويسقط قناع الحب، أتلمس كل ما فيّ.. إنني متيقنة أنه هو من رسمني وشكلني بلمساته البانورامية تماماً كما يفعل الرسام أو النحات لأن هذا ما يريده هو لا أنا!
يرسمني كلوحة جميلة ثم يقوم بتمزيقها إلى فتات ويدوسها بقدميه ثم يرسم من جديد ويعيد الكرة مرات ومرات، ينسى أنني بشر ولست خطوطاً بعثرها بأنامله وشكّلها كما يشاء، كوني أنثى حساسة أنقشع عن أحاسيس ومشاعر ورغبات، لماذا أرضى على نفسي بالحياة التعيسة الذلول من دون أحلام؟! ما الذي يجعلني أخضع أمام هذا الوضع وأتحمل إهاناته وصفعاته وكلامه البذيء المجرد من الأخلاق؟ لماذا أجعله يعتقد بأنه أفضل مني، ألأنه يملك المال فقط؟ هل أصبح السيد من خلال أمواله ونحن العبيد والجواري؟ هل المال يمتلكنا أم نحن من نمتلكه؟!
تسكنني شخصيتي الحقيقية للحظات فيصرخ صوتٌ من أعماقي يستنجدني، يحرضني بأنهمهما كان فهذا لا يعطيه الحق أن يعاملني هذه المعاملة السيئة، لكنني سرعان ما أخذله للأسف ولا أجرؤ على البوح بهذا الكلام.. فجّرت غضبي في وجه الكأس الموجودة أمامي عسى أن تطفىء النار التي في داخلي، كان الخمر يثقل رأسي، عندما بحثت عنه وسط الحشود لكنني لم أره.
وقع نظري على أحمد، ألا يقال إن كل قصير فتنة، إذاً فأحمد أكبر فتنة تسير على قدمين، أحدق في عينيه الحالمتين وبشرته ذات السمار الدافئ، أحمد صاحبه وكاتم أسراره، الكلب الوفي له الذي يعمل في إحدى شركات والد فيصل، الجالس إلى جانب خطيبته يلتهمها بنظرات الحب ويبوح لها بعشقه وشجونه، ثم ابتسمت بسخرية وأنا أكمل، يعاملها برفق كأنها صنعت من مادة قابلة للكسر.
أشحت بعينيّ عنه ثم ابتلعت ريقي واسترجعت ما سوف أقول له ونطقت بصوتٍ مرتعش:
- أحمد، إني لا أشاهد فيصل، هل تعلم مكان وجوده؟
كان أحمد غارقاً في عالمه الوردي، فلم يسمع ندائي، فصرخت به بصوتٍ عالٍ وأنا أضرب الطاولة بقبضتي بقوة محدثة اهتزازاً قوياً:
- أحمد.
أدار رأسه ونظر إلي بنظرة مملوءة باللوم، وبدا على وجهه الضيق والسأم مني، ثم قال وهو يتجنب النظر إليّ ويده تتحرك تلقائياً بحثاً عن هاتفه وسط الكؤوس والأطباق المتناثرة على الطاولة:
- اممم "وابتلع ريقه" أعتقد أنه ذهب إلى دورة المياه.
نظرت إليه بشيء من الشك، ثم نهضت وأنا أسحب أطراف فستاني نحو الأسفل حتى يغطي لحم جسدي المكشوف، وحملت حقيبتي الصغيرة، فقال أحمد بابتسامة مرتعشة:
- إلى أين يا ناهد؟
فصفعته بنظرة من عيني أجبرته على الصمت، واتجهت ناحية دورة المياه وقد ازدادت ملامح وجهي تجهماً.. لا أعلم ما الذي دفعني إلى النظر نحو مكان جلوسنا.. أدرت رأسي فشاهدت أحمد يتحدث عبر الهاتف.. تملكني إحساس أنه يهاتف فيصل، عدتُ إلى طاولتنا ووقفت خلفه من دون علمه أنصتُ إليه، ورمقت صاحبه الذي حاول تنبيهه بنظرة احتقار ألجمتهُ الصمت.
(أحمد): فيصل أين ذهبت؟ ثم سكت لبرهة وأكمل حديثه قائلاً إن ناهد تسأل عنك، لقد أخبرتها بأنك في دورة المياه، ثم أكمل بلهجة فرحة: حقاً من هذه الفتاة؟ هل كانت تجلس بالقرب منا؟ مدهش، استمتع بليلتك وسأوصل ناهد.
فأدركت أنه رحل وتركني من دون إخباري... غادر برفقة حقيرة من المطعم، وأن المسرحية انتهت عند هذا الحد وأن الستارة أسدلت.. هو الممثل وأصحابه هم الجماهير، المشجعون له في كل مشاهد مسرحيته (أنا السيد، وهي الجارية).
انتبه أحمد إلى وجودي خلفه فنظر إليّ وبدت أمارات الفزع على وجهه فاغراً فاه محاولاً الحديث، ثم مد يده محاولاً الإمساك بي من ذراعي لكنني دفعته حتى كاد يقع في حجر خطيبته.
غالباً ما كنت أتلقى إهاناته بابتسامة حلوة مرسومة، رسمتها فرشاةُ الحزن بدقة على ملامح وجهي حتى غدت كالقناع الذي أتجمل به عندما أراه، أحاول أن أنسى أو أتناسى كلامه، أن أهدّئ من روعي وأنا أنظر إليه، إلى من أحببته وسلمته حياتي لأراه يسخر مني أمام أصدقائه ويضع كرامتي في الوحل ويضع كرامتي في الوحل ليطأها أرضاً تحت قدميه وهو يبتسم بغرور، أبتلع غيظي وفي داخلي شيء ما يحترق.. يناضل، يتساءل، أنا من؟؟ ومن أنا؟؟!
إنني أموت في داخلي، أعتصر ألماً.. أتمزق حزناً، وهو لا يعلم، أنظرُ إلى خاتمي الألماسي الذي يزين إصبعي وأتنهد وأنا أخدع نفسي بأوهام بعيدة عن الواقع، أكذبُ على نفسي وأقنعها بتصديق الأسطورة؛ فالحقيقة مرّة ومن الصعب الاعتراف بها، أعيش الأوهام، أخذل نفسي بنفسي، أغتالُ أحلامي وأفكاري، أمحو شخصيتي وكياني كامرأة، لا لأجله فقط، بل أسلي نفسي بالذكريات وباللحظات الجميلة التي جمعتنا، حتى لا أتحطم وأنكسر أمامه أكثر فأكثر ويسقط قناع الحب، أتلمس كل ما فيّ.. إنني متيقنة أنه هو من رسمني وشكلني بلمساته البانورامية تماماً كما يفعل الرسام أو النحات لأن هذا ما يريده هو لا أنا!
يرسمني كلوحة جميلة ثم يقوم بتمزيقها إلى فتات ويدوسها بقدميه ثم يرسم من جديد ويعيد الكرة مرات ومرات، ينسى أنني بشر ولست خطوطاً بعثرها بأنامله وشكّلها كما يشاء، كوني أنثى حساسة أنقشع عن أحاسيس ومشاعر ورغبات، لماذا أرضى على نفسي بالحياة التعيسة الذلول من دون أحلام؟! ما الذي يجعلني أخضع أمام هذا الوضع وأتحمل إهاناته وصفعاته وكلامه البذيء المجرد من الأخلاق؟ لماذا أجعله يعتقد بأنه أفضل مني، ألأنه يملك المال فقط؟ هل أصبح السيد من خلال أمواله ونحن العبيد والجواري؟ هل المال يمتلكنا أم نحن من نمتلكه؟!
تسكنني شخصيتي الحقيقية للحظات فيصرخ صوتٌ من أعماقي يستنجدني، يحرضني بأنهمهما كان فهذا لا يعطيه الحق أن يعاملني هذه المعاملة السيئة، لكنني سرعان ما أخذله للأسف ولا أجرؤ على البوح بهذا الكلام.. فجّرت غضبي في وجه الكأس الموجودة أمامي عسى أن تطفىء النار التي في داخلي، كان الخمر يثقل رأسي، عندما بحثت عنه وسط الحشود لكنني لم أره.
وقع نظري على أحمد، ألا يقال إن كل قصير فتنة، إذاً فأحمد أكبر فتنة تسير على قدمين، أحدق في عينيه الحالمتين وبشرته ذات السمار الدافئ، أحمد صاحبه وكاتم أسراره، الكلب الوفي له الذي يعمل في إحدى شركات والد فيصل، الجالس إلى جانب خطيبته يلتهمها بنظرات الحب ويبوح لها بعشقه وشجونه، ثم ابتسمت بسخرية وأنا أكمل، يعاملها برفق كأنها صنعت من مادة قابلة للكسر.
أشحت بعينيّ عنه ثم ابتلعت ريقي واسترجعت ما سوف أقول له ونطقت بصوتٍ مرتعش:
- أحمد، إني لا أشاهد فيصل، هل تعلم مكان وجوده؟
كان أحمد غارقاً في عالمه الوردي، فلم يسمع ندائي، فصرخت به بصوتٍ عالٍ وأنا أضرب الطاولة بقبضتي بقوة محدثة اهتزازاً قوياً:
- أحمد.
أدار رأسه ونظر إلي بنظرة مملوءة باللوم، وبدا على وجهه الضيق والسأم مني، ثم قال وهو يتجنب النظر إليّ ويده تتحرك تلقائياً بحثاً عن هاتفه وسط الكؤوس والأطباق المتناثرة على الطاولة:
- اممم "وابتلع ريقه" أعتقد أنه ذهب إلى دورة المياه.
نظرت إليه بشيء من الشك، ثم نهضت وأنا أسحب أطراف فستاني نحو الأسفل حتى يغطي لحم جسدي المكشوف، وحملت حقيبتي الصغيرة، فقال أحمد بابتسامة مرتعشة:
- إلى أين يا ناهد؟
فصفعته بنظرة من عيني أجبرته على الصمت، واتجهت ناحية دورة المياه وقد ازدادت ملامح وجهي تجهماً.. لا أعلم ما الذي دفعني إلى النظر نحو مكان جلوسنا.. أدرت رأسي فشاهدت أحمد يتحدث عبر الهاتف.. تملكني إحساس أنه يهاتف فيصل، عدتُ إلى طاولتنا ووقفت خلفه من دون علمه أنصتُ إليه، ورمقت صاحبه الذي حاول تنبيهه بنظرة احتقار ألجمتهُ الصمت.
(أحمد): فيصل أين ذهبت؟ ثم سكت لبرهة وأكمل حديثه قائلاً إن ناهد تسأل عنك، لقد أخبرتها بأنك في دورة المياه، ثم أكمل بلهجة فرحة: حقاً من هذه الفتاة؟ هل كانت تجلس بالقرب منا؟ مدهش، استمتع بليلتك وسأوصل ناهد.
فأدركت أنه رحل وتركني من دون إخباري... غادر برفقة حقيرة من المطعم، وأن المسرحية انتهت عند هذا الحد وأن الستارة أسدلت.. هو الممثل وأصحابه هم الجماهير، المشجعون له في كل مشاهد مسرحيته (أنا السيد، وهي الجارية).
انتبه أحمد إلى وجودي خلفه فنظر إليّ وبدت أمارات الفزع على وجهه فاغراً فاه محاولاً الحديث، ثم مد يده محاولاً الإمساك بي من ذراعي لكنني دفعته حتى كاد يقع في حجر خطيبته.
Page 5
كان خروجي من المطعم تراجيدياً حقاً وأنا أذرف دموعي متداركةً ذلي لآخر المشاهد.. كنت أسير مسرعة الخطى للابتعاد عن هذا المكان لكن دموعي سبقتني كالسيل الجارف من عيني لتعلن انتصاره في تحطيمي أكثر فأكثر، أوقفت سيارة للأجرة وأمرت السائق أن ينطلق إلى مسكني، تجاهلتُ اتصالاته ورميت بهاتفي داخل الحقيبة، بكيت بحرقة على الحياة الوضيعة التي أتوه فيها بسبب تنازلاتي السابقة لقراراتي الخاطئة لتمتد إلى عذابي الحاضر، ومن يعلم فقد يكون الآتي أقسى وأمر.
كنت في حالة مزرية، وراودني شعور أن سائق سيارة الأجرة بدأ ينظرُ إليّ بعين العطف والشفقة، حاولت أن أستجمع قواي وأخرجت بيدٍ مرتعشة مرآة صغيرة من حقيبتي ثم مسحت آثار الدموع التي شكلت نهراً على وجنتي وربتُ على تسريحة شعري بحركة سريعة،وبعد أن توقفت المركبة أمام البناية التي أقطنها، نقدت السائق ثمسرت إلى شقتي الباردة لتضفي عليّ برود المشاعر.
كانت شقتي الخاوية تزيد من بؤسي، فأطلقت تنهيدة قوية وأنا أدخل إلى غرفة النوم، بعدها بعثرت شعري بيدي. خلعت ثوبي ورميته بعيداً عني، ألقيت بجسدي فوق فراشي واحتضنت وسادتي الشاهدة على جرائمه، التي كانت تسمع أنيني وشكواي، وسادتي التي تلمست ضعفي، المبللة بدموعي وأنا أبكي بحرقة، أرفع رأسي فأنظر من خلال النافذة إلى أضواء المدينة التي كانت تسحرني دوماً بجمالها عسى أن تهدأ نفسي لكنني لا... لا أستطيع فأستسلم إلى نوبة الحزن وأدفن رأسي في الوسادة أحاول تفريغ بؤسي وحدادي لضياع حياتي فيها... بكيت حتى أحسست أن نفسي تشكوني وترجوني أن أرحم حالي وأوقف هذا النحيب ولو لبرهة.
رحت أنظر إلى شقتنا الصغيرة وكل ما فيها يذكرني به، كل زاوية.. كل شيء فيها مختوم بذوق "فيصل".. أمسك بخصلات شعري وأشدها إلى الأعلى محاولة إخراجه من ذاكرتي، وأن أمنع نفسي من التفكير به، أحاول السيطرة على أعصابي.
فهو كما استأجرني، استأجر هذه الشقة؛ إنني اليوم ركام امرأة محطمة، وحيدة، ضائعة ترتشف من تمردها، وليس لها إلا أن تلوم نفسها، فهي السبب.. نعم.. هي السبب.
احتسيت كأس المرارة والهم، تحطمت كل أحلامي أمام عيني لأني أنا الملامة، فأنا من باعت قلبها وجسدها لأجل المال والحب الوهمي، فقط كي تعيش منعمة بالسراب، أنا لا أصلح للعمل ولا أجيد فعل أي شيء.. هذا هو كلامه، بحق أحس بالفشل، وقد رفضت كل من تقدم لي بحجة عدم قدرتي على الزواج من رجل لا أحبه، جفّت دموعي وهدأت أنفاسي وانتظمت ودخلت المدينة في سبات عميق إلا من بعض المارة وأبواق السيارات وعويل كلب.
ما إنْ أغمضت عيني حتى أحسست بحركة ما بالقرب مني، فتحتها لأرى النور يتسلل إلى غرفتي المظلمة، أمعنت النظر، فها هو الآن واقف أمامي أنظر إلى شعره الأسود الممزوج بالشيب، ابتسم لي وقبلني على صدغي بحنان، كنت قد ابتلعت بعض الحبوب المنومة فلم أشعر بدخوله، مد ذراعيه محاولاً احتضاني فصددته ثم اعتدلت في جلستي وهمس قلبي متسائلاً:
- "هل هو يا ترى النور الذي يضيء حياتي"؟
قلت له بصوت مخنوق محاولة إخفاء آلامي عنه:
- ماذا تريد ولِمَ أتيت؟
فأجابني بابتسامة صغيرة وجلس عند طرف السرير، أشحت بوجهي عنه وقلت له بسخرية:
- لماذا لم تكمل السهرة مع الحقيرة التي اصطحبتها معك؟
اقترب مني بهدوء وسحبني بلطف من ذراعي، قاومته ولكن سرعان ما استسلمت له وأخفيت وجهي في صدره خجلاً، خجلاً من ضعفي له، ولطخت قميصه بدموعي حزناً على حالي.. داعب وجهي بأطراف أصابعه وأتاني صوته الحزين مباشراً بالاعتذار كالمعتاد وخلق الأعذار الوهمية:
- حبيبتي ناهد أنتِ على علم بأطباعي وإنني أحب التباهي أمام أصحابي.. أنتِ الحب وأنتِ القلب لكني مهما كان أو يكون فأنا رجل أمام أصحابي ولا يمكنني السماح لهم بالاعتقاد بأنني متيم بحبك أنتِ فقط.
دفعته ثم نهضت من فراشي وصرخت في وجهه متذمرة:
- الحل إذاً أن تحرجني أمام الجميع لتظهر أنك رجل أمامهم وتستطيع فعل ما تريد وأنا أراقبك ولا أجرؤ على الاعتراض، كم مرة نبهتك يا فيصل أن تداري تصرفاتك؟ إنني أخجل من نظرات أصحابك تجاهي، ومن همسات صاحباتهم وثرثراتهن، ألا تعلم كم يؤلمني حديثهم عنا وعن أسلوبك... إنني لا استوعب لماذا تتعمد تشويه صورتي أمامهم وإظهاري كفتاة غبية... فاشلة... تافهة؟
قاطعني فيصل قائلاً:
- آسف، ثم نظر إلى عيني وقال: أعدك بأني لن أكررها.
أشحت بوجهي عنه واتجهت نحو النافذة وبكيت وأنا أصرخ به:
- كل مرة تقول لي الكلام نفسه، ثم ضربت الأرض بقدمي بقوة كأنني أنفس عن غضبي بها فنهض فيصل واقترب مني محاولاً تهدئتي لكنني أكملت صراخي وأنا أدفعه قائلة: وتعدني بالوعود نفسها، لماذا تشعرني بأنني مجرد جارية استطعت شراءها بمالك؟
أمسكت بثوبي أحاول تمزيقه كأنه يقيدني وقلت له وقد علا صوتي: أنا امرأة من لحم ودم.. ولست بسلعة ابتعتها.
كنت في حالة مزرية، وراودني شعور أن سائق سيارة الأجرة بدأ ينظرُ إليّ بعين العطف والشفقة، حاولت أن أستجمع قواي وأخرجت بيدٍ مرتعشة مرآة صغيرة من حقيبتي ثم مسحت آثار الدموع التي شكلت نهراً على وجنتي وربتُ على تسريحة شعري بحركة سريعة،وبعد أن توقفت المركبة أمام البناية التي أقطنها، نقدت السائق ثمسرت إلى شقتي الباردة لتضفي عليّ برود المشاعر.
كانت شقتي الخاوية تزيد من بؤسي، فأطلقت تنهيدة قوية وأنا أدخل إلى غرفة النوم، بعدها بعثرت شعري بيدي. خلعت ثوبي ورميته بعيداً عني، ألقيت بجسدي فوق فراشي واحتضنت وسادتي الشاهدة على جرائمه، التي كانت تسمع أنيني وشكواي، وسادتي التي تلمست ضعفي، المبللة بدموعي وأنا أبكي بحرقة، أرفع رأسي فأنظر من خلال النافذة إلى أضواء المدينة التي كانت تسحرني دوماً بجمالها عسى أن تهدأ نفسي لكنني لا... لا أستطيع فأستسلم إلى نوبة الحزن وأدفن رأسي في الوسادة أحاول تفريغ بؤسي وحدادي لضياع حياتي فيها... بكيت حتى أحسست أن نفسي تشكوني وترجوني أن أرحم حالي وأوقف هذا النحيب ولو لبرهة.
رحت أنظر إلى شقتنا الصغيرة وكل ما فيها يذكرني به، كل زاوية.. كل شيء فيها مختوم بذوق "فيصل".. أمسك بخصلات شعري وأشدها إلى الأعلى محاولة إخراجه من ذاكرتي، وأن أمنع نفسي من التفكير به، أحاول السيطرة على أعصابي.
فهو كما استأجرني، استأجر هذه الشقة؛ إنني اليوم ركام امرأة محطمة، وحيدة، ضائعة ترتشف من تمردها، وليس لها إلا أن تلوم نفسها، فهي السبب.. نعم.. هي السبب.
احتسيت كأس المرارة والهم، تحطمت كل أحلامي أمام عيني لأني أنا الملامة، فأنا من باعت قلبها وجسدها لأجل المال والحب الوهمي، فقط كي تعيش منعمة بالسراب، أنا لا أصلح للعمل ولا أجيد فعل أي شيء.. هذا هو كلامه، بحق أحس بالفشل، وقد رفضت كل من تقدم لي بحجة عدم قدرتي على الزواج من رجل لا أحبه، جفّت دموعي وهدأت أنفاسي وانتظمت ودخلت المدينة في سبات عميق إلا من بعض المارة وأبواق السيارات وعويل كلب.
ما إنْ أغمضت عيني حتى أحسست بحركة ما بالقرب مني، فتحتها لأرى النور يتسلل إلى غرفتي المظلمة، أمعنت النظر، فها هو الآن واقف أمامي أنظر إلى شعره الأسود الممزوج بالشيب، ابتسم لي وقبلني على صدغي بحنان، كنت قد ابتلعت بعض الحبوب المنومة فلم أشعر بدخوله، مد ذراعيه محاولاً احتضاني فصددته ثم اعتدلت في جلستي وهمس قلبي متسائلاً:
- "هل هو يا ترى النور الذي يضيء حياتي"؟
قلت له بصوت مخنوق محاولة إخفاء آلامي عنه:
- ماذا تريد ولِمَ أتيت؟
فأجابني بابتسامة صغيرة وجلس عند طرف السرير، أشحت بوجهي عنه وقلت له بسخرية:
- لماذا لم تكمل السهرة مع الحقيرة التي اصطحبتها معك؟
اقترب مني بهدوء وسحبني بلطف من ذراعي، قاومته ولكن سرعان ما استسلمت له وأخفيت وجهي في صدره خجلاً، خجلاً من ضعفي له، ولطخت قميصه بدموعي حزناً على حالي.. داعب وجهي بأطراف أصابعه وأتاني صوته الحزين مباشراً بالاعتذار كالمعتاد وخلق الأعذار الوهمية:
- حبيبتي ناهد أنتِ على علم بأطباعي وإنني أحب التباهي أمام أصحابي.. أنتِ الحب وأنتِ القلب لكني مهما كان أو يكون فأنا رجل أمام أصحابي ولا يمكنني السماح لهم بالاعتقاد بأنني متيم بحبك أنتِ فقط.
دفعته ثم نهضت من فراشي وصرخت في وجهه متذمرة:
- الحل إذاً أن تحرجني أمام الجميع لتظهر أنك رجل أمامهم وتستطيع فعل ما تريد وأنا أراقبك ولا أجرؤ على الاعتراض، كم مرة نبهتك يا فيصل أن تداري تصرفاتك؟ إنني أخجل من نظرات أصحابك تجاهي، ومن همسات صاحباتهم وثرثراتهن، ألا تعلم كم يؤلمني حديثهم عنا وعن أسلوبك... إنني لا استوعب لماذا تتعمد تشويه صورتي أمامهم وإظهاري كفتاة غبية... فاشلة... تافهة؟
قاطعني فيصل قائلاً:
- آسف، ثم نظر إلى عيني وقال: أعدك بأني لن أكررها.
أشحت بوجهي عنه واتجهت نحو النافذة وبكيت وأنا أصرخ به:
- كل مرة تقول لي الكلام نفسه، ثم ضربت الأرض بقدمي بقوة كأنني أنفس عن غضبي بها فنهض فيصل واقترب مني محاولاً تهدئتي لكنني أكملت صراخي وأنا أدفعه قائلة: وتعدني بالوعود نفسها، لماذا تشعرني بأنني مجرد جارية استطعت شراءها بمالك؟
أمسكت بثوبي أحاول تمزيقه كأنه يقيدني وقلت له وقد علا صوتي: أنا امرأة من لحم ودم.. ولست بسلعة ابتعتها.
Page 6
سقط فيصل فوق المقعد الذي بجانبه ينظر إليّ بحزن وذهول، ينظر إلى الفوضى التي سببها بفضل غروره، فنكّس رأسه هماً وقال بصوته الرجولي الذي يحمل في خفاياه بعض الحسرة:
- أعلم أنني بمالي أستطيع إحضار أي فتاة حتى لو كانت ملكة جمال لكنني (ونهض مقترباً مني ومسح على شعري ثم أكمل حديثه) لكنني أحبك ولا أرغب بسواك.
سحبني بلطف ناحيته وأجلسني كطفلة صغيرة في حجره ثم سحب كيساً أتى به. ولكن لشدة غضبي لم ألاحظه، فتجاهلت النظر إليه.
فقال وهو يهزني بلطف كأنه يريد التأكد أنني لا أزال على قيد الحياة ولم تقتلني جرائمه:
- ابتعت لك هذه الهدية منذ عدة أيام وأردت مفاجأتك بها غداً.
ووضعها في حجري قائلاً: حياتي ألن تفتحي الهدية وتشاهديها؟
تصنّعت الابتسامة بشفتين مرتعشتين وفتحتها... نظرتُ إليها فكانت عقداً من الألماس والأحجار الكريمة.
- إنها هدية رائعة، الآن اتركني... أرغب في النوم.
أزاح خصلات شعري بحثاً عن شفتي فأشحت بوجهي عنه فطبع قبلته على شعري.
قلت له بلهجة جادة:
- أنا متعبة وأريد النوم.
ونظرت إليه وابتسمت بسخرية وأكملت حديثي:
- من الأفضل لك العودة إلى منزلك قبل نهوض والدتك أو والدك ثم يتساءلان عن غيابك.
أمسك ذراعي بقوة وقال لي بنبرة حازمة تدل على اقتناعه بعدم تصديقي له وعلى ما سيقوله:
- أنا رجل ولا يحق لأحد سؤالي عن مكان تواجدي.
ازدادت ابتسامتي اتساعاً ورفعت حاجبي ووضعت عيني بعينه وضربت بإصبعي على صدره وأنا أقول له:
- حسناً يا سيدي صدقتك.. لا يوجد داع للصراخ ولكن، وطرفت بعيني بحركة سريعة وأكملت حديثي، ولكن أريدك أن تثبت لي ذلك لنسهر معاً حتى الصباح.
ارتسمت على وجهه أمارات الحزن وقال وهو يتجنب النظر إلى عيني:
- حبيبتي تعلمين أني لا أستطيع.
ارتعش جسدي بقوة وسرت فيه كهرباء الغضب وأصبحت كبركان على وشك أن يطلق حممه وصرخت فيه:
- إذن من الأفضل لك أن تغادر الآن أو سوف أصب جام غضبي عليك ورميت بجسدي على فراشي ووضعت وسادتي فوق وجهي أخفيه.
فقال بتوسل: حسناًعديني أنك سوف ترافقيني إلى الحفلة غداً.
أجبته من تحت الوسادة وأنا اختلس النظر إليه:
- أعدك.
وقف واتجه ناحية الباب وهو ينظر إليّ بحسرة طفل حرم من لعبته.
ما إن رحل حتى نهضت واتجهت إلى الخزانة ثم فتحت أحد الأدراج ورميت بهديته التي ابتاعها لي كي يكسب رضاي مع باقي الهدايا وأنا ألوي شفتي قرفاً.
أمسكت فرشاة شعري واسترسلت أفرده بقوة وأنا أصب كل غضبي وقهري في الفرشاة.. مضت سنتان وأكثر وأنا على هذه الحال معه، لا أعرف ماذا أفعل، فأنا لا أستطيع التخلي عن هذه الحياة التي وضعني فيها والعز الذي أنا به ولا أقوى على هجره فقلبي معلق بحبه، ولا هو بقادر على الابتعاد عني، تصلني أخبار خيانته وأتجاهلها فما إن يمضي أسبوع حتى يعود وكأن شيئاً لم يكن.
- أعلم أنني بمالي أستطيع إحضار أي فتاة حتى لو كانت ملكة جمال لكنني (ونهض مقترباً مني ومسح على شعري ثم أكمل حديثه) لكنني أحبك ولا أرغب بسواك.
سحبني بلطف ناحيته وأجلسني كطفلة صغيرة في حجره ثم سحب كيساً أتى به. ولكن لشدة غضبي لم ألاحظه، فتجاهلت النظر إليه.
فقال وهو يهزني بلطف كأنه يريد التأكد أنني لا أزال على قيد الحياة ولم تقتلني جرائمه:
- ابتعت لك هذه الهدية منذ عدة أيام وأردت مفاجأتك بها غداً.
ووضعها في حجري قائلاً: حياتي ألن تفتحي الهدية وتشاهديها؟
تصنّعت الابتسامة بشفتين مرتعشتين وفتحتها... نظرتُ إليها فكانت عقداً من الألماس والأحجار الكريمة.
- إنها هدية رائعة، الآن اتركني... أرغب في النوم.
أزاح خصلات شعري بحثاً عن شفتي فأشحت بوجهي عنه فطبع قبلته على شعري.
قلت له بلهجة جادة:
- أنا متعبة وأريد النوم.
ونظرت إليه وابتسمت بسخرية وأكملت حديثي:
- من الأفضل لك العودة إلى منزلك قبل نهوض والدتك أو والدك ثم يتساءلان عن غيابك.
أمسك ذراعي بقوة وقال لي بنبرة حازمة تدل على اقتناعه بعدم تصديقي له وعلى ما سيقوله:
- أنا رجل ولا يحق لأحد سؤالي عن مكان تواجدي.
ازدادت ابتسامتي اتساعاً ورفعت حاجبي ووضعت عيني بعينه وضربت بإصبعي على صدره وأنا أقول له:
- حسناً يا سيدي صدقتك.. لا يوجد داع للصراخ ولكن، وطرفت بعيني بحركة سريعة وأكملت حديثي، ولكن أريدك أن تثبت لي ذلك لنسهر معاً حتى الصباح.
ارتسمت على وجهه أمارات الحزن وقال وهو يتجنب النظر إلى عيني:
- حبيبتي تعلمين أني لا أستطيع.
ارتعش جسدي بقوة وسرت فيه كهرباء الغضب وأصبحت كبركان على وشك أن يطلق حممه وصرخت فيه:
- إذن من الأفضل لك أن تغادر الآن أو سوف أصب جام غضبي عليك ورميت بجسدي على فراشي ووضعت وسادتي فوق وجهي أخفيه.
فقال بتوسل: حسناًعديني أنك سوف ترافقيني إلى الحفلة غداً.
أجبته من تحت الوسادة وأنا اختلس النظر إليه:
- أعدك.
وقف واتجه ناحية الباب وهو ينظر إليّ بحسرة طفل حرم من لعبته.
ما إن رحل حتى نهضت واتجهت إلى الخزانة ثم فتحت أحد الأدراج ورميت بهديته التي ابتاعها لي كي يكسب رضاي مع باقي الهدايا وأنا ألوي شفتي قرفاً.
أمسكت فرشاة شعري واسترسلت أفرده بقوة وأنا أصب كل غضبي وقهري في الفرشاة.. مضت سنتان وأكثر وأنا على هذه الحال معه، لا أعرف ماذا أفعل، فأنا لا أستطيع التخلي عن هذه الحياة التي وضعني فيها والعز الذي أنا به ولا أقوى على هجره فقلبي معلق بحبه، ولا هو بقادر على الابتعاد عني، تصلني أخبار خيانته وأتجاهلها فما إن يمضي أسبوع حتى يعود وكأن شيئاً لم يكن.
Page 7
تقع عيناي على صورته الموجودة على الرف، فيصل أكبر خطأ ارتكبته في حياتي وأسوأ تجربة عشتها، أول عشقٍ لوَّث جسدي، أول حبٍ عشت تحت ظله سنوات واختبأت بين أجنحته وارتويت من عبيره، إنه نبض حياتي وخنجر مغروس وسط قلبي، أرى العالم من خلاله.. لقد سيطر على حواسي فامتزجت مع حواسه فأصبح نظري.... سمعي... نطقي..... دائي ودوائي... مرضي وطبيبي..... فارسي وقاتلي.... جنوني وهدوئي.... همي وفرحي... أعلم أنني متناقضة في حبه وحائرة في شأنه.
يا ترى ما الحل، هل أقتلع ثوب الحب وأرتدي ثوب الهجران وأتبرج بقناع النسيان وأتعطر بعطر النكران وأصبح ماضياً تطويه صفحات الأزمان؟ إنه النور الذي في حياتي يستحوذ عليّ فأصبح سجينته، أسيرته، مدمنته.
عندما يهجرني أموت من الألم.. إنني أحارب مشاعري وأتجاهل شوقي له.. أتركه إلى أن يعود وهو يحمل بقلبه السؤال الكبير، لماذا لم تسألي عن غيابي؟ هل أنا لم أعد أهمك أم أن هناك أحداً غيري سكن قلبك؟ إنني لا أعتقد بأن هناك امرأة على وجه الأرض قادرة على تحمله، لكنني صبورة.
في الواقع، وأنطقها بأسىً، أنا مجرد عشيقة بالنسبة إليه، لماذا أكذب على نفسي وأوهمها بأنني سوف أكون شيئاً آخر في حياته؟؟
كلما احتاجني وجدني، أعلم ذلك ولكن من الصعب الاعتراف لقلبي الذي يقف دوماً في صفه كأنه لم يعد قطعة مني، لقد احتله حب فيصل واستعمره لسنوات فخضع له، أبى أن يعود لي ويكون ملكي.
كانت هذه الجدران تضيق عليّ كلما استبد بي التفكير بأني لست بزوجته، إنني عشيقته.. بعت نفسي وجسدي له وأتلقى أجراً شهرياً كي أصبر على جنونه وأتحمل إهاناته.. هذا هو الاتفاق القائم بيننا، عقد الحب المختوم بقلوبنا.
حكمت على نفسي بالوحدة وعزلت نفسي عن الكل، تركت موطني.. تركت أهلي وتركت أصحابي.. بل وتركت شخصيتي وخذلتها، كل هذا لأجل وهم اسمه الحب.
تسللت خيوط الصباح إلى الفجر التعيس، والنوم والحظ قد هجراني كالمعتاد.
***
ليتني لم أوافق على الذهاب معه إلى الحفلة في ذلك الوقت، فهذه المرحلة من حياتي كانت تعد الأسوء والتي جعلتني أتساءل عن حقيقة حبه نحوي، جعلتني أفكر مليون مرة في طريقة للتخلص من حصاره الذي يعتصر روحي ليخرج السعادة.. منها.. في تلك الفترة بالذات كنت كئيبة للغاية والغيمة السوداء تتوسط سمائي، رغبت بالخلاص منه بأي طريقة كانت، بحثت في ما حولي عن حبل أتمسك به، لم أعد أرغب أن أكون كالسفينة التي تستسلم لأمواج البحر لتتلاعب بها كيفما تشاء، ثم تقرر ما تفعل بها؛ فإما أن تقذف بها فوق إحدى الصخور لتحطمها فتغدو مجرد ركام أو ترحمها وترميها نحو الشاطئ لتستقر في أحضان الرمال.
إنني أعيد هذه الذكريات الكئيبة لأذكر كم أنك كنت حقيراً معي، وكم أحببتك ببراءة وسذاجة ولم أتصور يوماً أن تكون بهذه القسوة معي، مع من أحبتك.. أعيدها حتى أبرر لنفسي فعلتي... وأكفر عن ذنوبي علِّي أجد الخلاص لهذه الدوامة التي تتلاعب بتفكيري.
***
أتى لزيارتي في الموعد المحدد واصطحبني للتسوق ثم إلى مصفّف الشعر الخاص بي، اختار فستاني بعناية وتدخل في كل تفاصيلي... تسريحة شعري، نوع الزينة، حقيبتي وحذائي ومجوهراتي، يمسكني من ذراعي وأدخل معه الحفلة، أشعر بأنني كالساعة التي اشتراها ليزين بها معصمه أو كالقلم الثمين يتفاخر به أمام أصحابه.
كانت الحفلة مقامة في إحدى الفلل البعيدة عن المدينة، واستقبلنا صاحبه داني الأميركي الجنسية بقامته المعتدلة، ورأسه اللامع الخالي من الشعر وأجلسنا إلى طاولة دائرية الشكل، كبيرة الحجم وقد امتلأت بأصحاب فيصل.
انشغل فيصل بمحادثة أحد أصحابه، في ذلك الوقت حادثني داني قائلاً: أعربية أنتِ؟
ابتسمت له، وما أن نطقت بأول حرف حتى قاطعني فيصل:
- أجل إنها عربية ولكنها مهجنة وأطلق ضحكة عالية، ارتفع الدم إلى وجنتي خجلاً فرفعت الكأس إلى شفتي أرتشف منها بعض جرعات تمدني بالقوة والصبر لمواجهة قصفات فيصل.
فقال داني موجهاً الحديث إليّ ومتجاهلاً فيصل:
- حتى لو كنتِ مهجنة فأنتِ بارعة الجمال.
فضحك فيصل وقال:
- إنك لم ترها عندما تستيقظ من النوم.
وضحك أصحاب فيصل فأكمل داني حديثه من دون إعارة فيصل أي اهتمام وقال:
- هل لك أي أقارب هنا يا ناهد؟
يا ترى ما الحل، هل أقتلع ثوب الحب وأرتدي ثوب الهجران وأتبرج بقناع النسيان وأتعطر بعطر النكران وأصبح ماضياً تطويه صفحات الأزمان؟ إنه النور الذي في حياتي يستحوذ عليّ فأصبح سجينته، أسيرته، مدمنته.
عندما يهجرني أموت من الألم.. إنني أحارب مشاعري وأتجاهل شوقي له.. أتركه إلى أن يعود وهو يحمل بقلبه السؤال الكبير، لماذا لم تسألي عن غيابي؟ هل أنا لم أعد أهمك أم أن هناك أحداً غيري سكن قلبك؟ إنني لا أعتقد بأن هناك امرأة على وجه الأرض قادرة على تحمله، لكنني صبورة.
في الواقع، وأنطقها بأسىً، أنا مجرد عشيقة بالنسبة إليه، لماذا أكذب على نفسي وأوهمها بأنني سوف أكون شيئاً آخر في حياته؟؟
كلما احتاجني وجدني، أعلم ذلك ولكن من الصعب الاعتراف لقلبي الذي يقف دوماً في صفه كأنه لم يعد قطعة مني، لقد احتله حب فيصل واستعمره لسنوات فخضع له، أبى أن يعود لي ويكون ملكي.
كانت هذه الجدران تضيق عليّ كلما استبد بي التفكير بأني لست بزوجته، إنني عشيقته.. بعت نفسي وجسدي له وأتلقى أجراً شهرياً كي أصبر على جنونه وأتحمل إهاناته.. هذا هو الاتفاق القائم بيننا، عقد الحب المختوم بقلوبنا.
حكمت على نفسي بالوحدة وعزلت نفسي عن الكل، تركت موطني.. تركت أهلي وتركت أصحابي.. بل وتركت شخصيتي وخذلتها، كل هذا لأجل وهم اسمه الحب.
تسللت خيوط الصباح إلى الفجر التعيس، والنوم والحظ قد هجراني كالمعتاد.
***
ليتني لم أوافق على الذهاب معه إلى الحفلة في ذلك الوقت، فهذه المرحلة من حياتي كانت تعد الأسوء والتي جعلتني أتساءل عن حقيقة حبه نحوي، جعلتني أفكر مليون مرة في طريقة للتخلص من حصاره الذي يعتصر روحي ليخرج السعادة.. منها.. في تلك الفترة بالذات كنت كئيبة للغاية والغيمة السوداء تتوسط سمائي، رغبت بالخلاص منه بأي طريقة كانت، بحثت في ما حولي عن حبل أتمسك به، لم أعد أرغب أن أكون كالسفينة التي تستسلم لأمواج البحر لتتلاعب بها كيفما تشاء، ثم تقرر ما تفعل بها؛ فإما أن تقذف بها فوق إحدى الصخور لتحطمها فتغدو مجرد ركام أو ترحمها وترميها نحو الشاطئ لتستقر في أحضان الرمال.
إنني أعيد هذه الذكريات الكئيبة لأذكر كم أنك كنت حقيراً معي، وكم أحببتك ببراءة وسذاجة ولم أتصور يوماً أن تكون بهذه القسوة معي، مع من أحبتك.. أعيدها حتى أبرر لنفسي فعلتي... وأكفر عن ذنوبي علِّي أجد الخلاص لهذه الدوامة التي تتلاعب بتفكيري.
***
أتى لزيارتي في الموعد المحدد واصطحبني للتسوق ثم إلى مصفّف الشعر الخاص بي، اختار فستاني بعناية وتدخل في كل تفاصيلي... تسريحة شعري، نوع الزينة، حقيبتي وحذائي ومجوهراتي، يمسكني من ذراعي وأدخل معه الحفلة، أشعر بأنني كالساعة التي اشتراها ليزين بها معصمه أو كالقلم الثمين يتفاخر به أمام أصحابه.
كانت الحفلة مقامة في إحدى الفلل البعيدة عن المدينة، واستقبلنا صاحبه داني الأميركي الجنسية بقامته المعتدلة، ورأسه اللامع الخالي من الشعر وأجلسنا إلى طاولة دائرية الشكل، كبيرة الحجم وقد امتلأت بأصحاب فيصل.
انشغل فيصل بمحادثة أحد أصحابه، في ذلك الوقت حادثني داني قائلاً: أعربية أنتِ؟
ابتسمت له، وما أن نطقت بأول حرف حتى قاطعني فيصل:
- أجل إنها عربية ولكنها مهجنة وأطلق ضحكة عالية، ارتفع الدم إلى وجنتي خجلاً فرفعت الكأس إلى شفتي أرتشف منها بعض جرعات تمدني بالقوة والصبر لمواجهة قصفات فيصل.
فقال داني موجهاً الحديث إليّ ومتجاهلاً فيصل:
- حتى لو كنتِ مهجنة فأنتِ بارعة الجمال.
فضحك فيصل وقال:
- إنك لم ترها عندما تستيقظ من النوم.
وضحك أصحاب فيصل فأكمل داني حديثه من دون إعارة فيصل أي اهتمام وقال:
- هل لك أي أقارب هنا يا ناهد؟
Page 8
وشدد قليلاً على اسمي، وما إن نطقت حتى قاطعني فيصل مرةً آخرى قائلاً:
- لا، ليس لها أقارب، لقد قمت بشرائها من أمها، كلفتني غالياً لكنني استطعت استرداد قيمتها ووضع ذراعه على كتفي وسحبني بقوة ثم ضحك مرة أخرى فقاطعته بلهجة حادة وبلغة أجنبية ليستوعب داني ما أقوله:
- من الأفضل لك أن تحترم نفسك يا فيصل وإلا.....
فقال ساخراً: وإلا ماذا؟
نهضت مندفعة نحو الباب، ولم يتحرك فيصل من مقعده فاندفع أحمد خلفي وأمسكني برفق من معصمي وسحبني بهدوء إلى الشرفة.
كنت في ذلك الوقت أبكي فقال لي محاولاً تهدئتي:
- ناهد، نحن نعلم أن فيصل يمزح.
فنظرت إليه بغضب قائلة:
- يمزح يا أحمد يمزح، إنك تعلم مدى سوء طباعه ومدى محاولته لاحتقار من حوله، لم يسلم أي شخص من فمه المليء بالقذارة.
فقال وهو يضع يده على ذراعي:
- ناهد إن فيصل يحبك، كلنا نعلم بذلك، فلم يسبق لنا مشاهدته واقعاً في غرام فتاة، سوف أذهب إليه الآن وأجبره على الاعتذار لك.
- لا أرغب بسماع اعتذاره، سئمت منه ومن اعتذاراته الكاذبة.
فقال لي أحمد متذمراً وهو يتفحصني بعينيه:
- إن فيصل لا يستحقك، لقد سبق وأن قلت لك من الأفضل أن تهجريه.
نظرت إلى الأسفل وقلت له بصوت مخنوق:
- لا أستطيع.
فقال لي أحمد بلهجة رقيقة:
- ناهد إن فرص العمل هنا كثيرة وأنتِ امرأة متعلمة وجميلة لا ينقصك شيء، وتحملين الجنسية الأجنبية وتعاملين كأجنبية وليس كعربية، لماذا لا تعملين وتعتمدين على نفسك ثم تهجرين فيصل.
فقلت له بعينين ممتلئتين بالدموع:
- لا أستطيع هجرانه.
فقاطعني قائلاً:
- إذن عليك أن تتحمّلي جنونه وحقارته.. في ذلك الوقت أتى داني وقال لأحمد بلهجة آمرة أريد محادثة ناهد لدقائق، فانصرف أحمد وهو يقول لي سوف أستدعي فيصل حالاً ليقوم بالاعتذار لك.
وما إن رحل حتى قال لي داني بعصبية: إن فيصل مغفل وحقير، فنظرتُ إليه بدهشة فأكمل حديثه قائلاً: إنه يعامل الكل بطريقه متعالية محاولاً إظهار نفسه كسيد، إنني متأكد أنه رجل مريض ومن رأيي أن تهجريه.
رفعت رأسي فشاهدت فيصل يقترب مع أحمد، وقف بالقرب مني وقال أحمد مبتسماً:
- هيا يا فيصل قبّلها واعتذر لها.
- لا، ليس لها أقارب، لقد قمت بشرائها من أمها، كلفتني غالياً لكنني استطعت استرداد قيمتها ووضع ذراعه على كتفي وسحبني بقوة ثم ضحك مرة أخرى فقاطعته بلهجة حادة وبلغة أجنبية ليستوعب داني ما أقوله:
- من الأفضل لك أن تحترم نفسك يا فيصل وإلا.....
فقال ساخراً: وإلا ماذا؟
نهضت مندفعة نحو الباب، ولم يتحرك فيصل من مقعده فاندفع أحمد خلفي وأمسكني برفق من معصمي وسحبني بهدوء إلى الشرفة.
كنت في ذلك الوقت أبكي فقال لي محاولاً تهدئتي:
- ناهد، نحن نعلم أن فيصل يمزح.
فنظرت إليه بغضب قائلة:
- يمزح يا أحمد يمزح، إنك تعلم مدى سوء طباعه ومدى محاولته لاحتقار من حوله، لم يسلم أي شخص من فمه المليء بالقذارة.
فقال وهو يضع يده على ذراعي:
- ناهد إن فيصل يحبك، كلنا نعلم بذلك، فلم يسبق لنا مشاهدته واقعاً في غرام فتاة، سوف أذهب إليه الآن وأجبره على الاعتذار لك.
- لا أرغب بسماع اعتذاره، سئمت منه ومن اعتذاراته الكاذبة.
فقال لي أحمد متذمراً وهو يتفحصني بعينيه:
- إن فيصل لا يستحقك، لقد سبق وأن قلت لك من الأفضل أن تهجريه.
نظرت إلى الأسفل وقلت له بصوت مخنوق:
- لا أستطيع.
فقال لي أحمد بلهجة رقيقة:
- ناهد إن فرص العمل هنا كثيرة وأنتِ امرأة متعلمة وجميلة لا ينقصك شيء، وتحملين الجنسية الأجنبية وتعاملين كأجنبية وليس كعربية، لماذا لا تعملين وتعتمدين على نفسك ثم تهجرين فيصل.
فقلت له بعينين ممتلئتين بالدموع:
- لا أستطيع هجرانه.
فقاطعني قائلاً:
- إذن عليك أن تتحمّلي جنونه وحقارته.. في ذلك الوقت أتى داني وقال لأحمد بلهجة آمرة أريد محادثة ناهد لدقائق، فانصرف أحمد وهو يقول لي سوف أستدعي فيصل حالاً ليقوم بالاعتذار لك.
وما إن رحل حتى قال لي داني بعصبية: إن فيصل مغفل وحقير، فنظرتُ إليه بدهشة فأكمل حديثه قائلاً: إنه يعامل الكل بطريقه متعالية محاولاً إظهار نفسه كسيد، إنني متأكد أنه رجل مريض ومن رأيي أن تهجريه.
رفعت رأسي فشاهدت فيصل يقترب مع أحمد، وقف بالقرب مني وقال أحمد مبتسماً:
- هيا يا فيصل قبّلها واعتذر لها.
Page 9
فقال فيصل:
- كلا لن أعتذر لها، وإذا أرادت الرحيل فلتتفضل بذلك فأنا لم أعد أرغب بها أو أهتم.
فنظر أحمد إلى داني وأمسك بذراعه وسحبه معه بلطف ليعودا إلى الحفلة، وما إن ابتعدا حتى قال فيصل بلهجة ناعمة: حبيبتي ناهد.
ومد ذراعه لي فدفعته وصرخت به: أنا أكرهك يا فيصل أكرهك، لقد سئمت منك وعاودتني الرغبة بالبكاء فأخفيت وجهي بين يدي وبكيت.
فاحتضنني وقبّل رأسي وقال: آسف، كنت أمزح معك وعاد لترديد وعوده المعهودة.
بعد عدة دقائق تمالكت نفسي وقلت له: حسناً هيا بنا نكمل السهرة.
وعدت إلى الطاولة مرغمة، محمرة العينين ومكسورة الخاطر، أما فيصل فهل حقاً استطاع تمالك نفسه؟؟ لا أعتقد، فما إن عدنا إلى مكان جلوسنا حتى قال:
- لقد توسلتني لتعود لي، وأنا رجل طيب أضعف أمام دموع النساء وأطلق ضحكة حقيرة.
كان هذا فيصل، وهذا أسلوبه الحقير، فعندما يحادثني أحد ويسألني عن تفاصيل حياتي كان هو من يقوم بالرد، كان يفرض عليّ كل شيء.. متى أضحك.. أصمت.. أرقص.. آكل وأشرب.. حتى دخولي إلى الحمام أصبح باختياره عندما يرغب بطردي حتى يتحدث في أمور سرية.
مضت الليلة كئيبة، مملة وأنا أستمع إلى انجازاته التي يتباهى بها أمام أصحابه وعن معجباته الكثيرات، وينظر إلي ويخترع قصصاً وهمية عني كي يضحك أصحابه فقط.
في طريق العودة تشاجر معي لأنني أجبت على الهاتف أثناء حديثه.. المهم (يا ترى من يظن نفسه.. شهريار زمانه؟).
صفعني وأجبرني على النزول من السيارة، قذفني في شارع مقطوع، كنت أحس بالبرودة والخوف وأحاول ستر جسدي العاري إلا من هذا الفستان الفاضح الذي يكشف أكثر ممّا يستر، أحسست بأن قدمي لا تقويان على حملي، تملكني الخوف وأنا أنظر إلى هؤلاء الشباب الجياع الذين يتلهفون للانقضاض عليّ، رفضت محادثتهم أو الصعود إلى سيارتهم، هرولت مبتعدة عنهم وأنا أجري وأجري من الهلع.
ابتلع الظلام صرخاتي ودخلت في غيبوبة لم أصحُ منها إلا وأنا في المستشفى، ففي تلك الليلة أثناء هروبي من هؤلاء الذئاب البشرية صدمتني سيارة مسرعة، نجوت من الاغتصاب لكنني لم أنجُ من الحادث وأصبت بعدة رضوض.
فتحت عيني بصعوبة لأرى النور مرة أخرى يتسلل إلى الظلام المحيط بي، إنه هو: فيصل، تسللت أصابعه بين خصلات شعري كما يتسلل عشقه إلى قلبي مهما حاولت صده.
فيصل: ناهد هل أنتِ بخير؟ هل تشتكيٍن من أي ألم؟
أدرت وجهي نحو الجهة الأخرى، إنه لا يعلم أني أشكو الألم لكن الألم الوارف في داخلي أعظم، إن قلبي يتألم وهو متعجرف يعجز عن رؤية ما فعلته جرائمه بقلبي الهش، كانت الممرضة ترى اهتمامه بي فتبارك لي بحبه لكنها لم تكن تعلم أنها مجرد فترة وجيزة بعدها سيعود إلى عادته القديمة.
أتاني صوت الممرضة ليشدني إلى عالمي، وقالت لي بلهجة مرحة وهي تحمل باقة الورد وتضعها في إحدى المزهريات: آه كم أنت محظوظة به، إنه متيم بحبك لقد جلس بقربك ساعات طويلة ينتظر إفاقتك.
ابتسمت لها بقرف وهي تهم بالخروج، إنها لا تعلم الحقيقة المرة... فركت يدي ببعضهما بعضاً وقلت له متجنبة النظر إليه:
- فيصل، أعتقد أن الله أنقذني هذه المرة ولكن أريدك أن تتفهمني قليلاً، إنني لا أستطيع الاستمرار بهذه العلاقة.
فاقترب من السرير وأمسك بيدي وقال:
- ناهد أرجوك لا تتركيني، لا تزيدي من شقائي أنا آسف وأعدك بعدم تكرار ما حدث، واقترب مني حتى لاصقني ووضع رأسه في حجري:
- امنحيني فرصة جديدة واجعليها آخر فرصة لي، وسالت دموعي كإشارة على ضعفي، فضمني بين ذراعيه ولسانه يردد بالوعود.
وعندما خرجت من المستشفى فاجأني بمركبة من أحدث الموديلات.. نعم، أعلم أنه كلما كبر الخطأ كانت الهدية أعظم وذات قيمة أكبر.
وتمر الأيام عليّ والأحداث على الشاكلة ذاتها، هي ذاتها لا تتغير وتكاد تكون متشابهة وفيصل على حاله يخطئ ويعتذر، سئمت منه ومن عهوده ولكن ما الحل يا ترى.. ما الحل؟
- كلا لن أعتذر لها، وإذا أرادت الرحيل فلتتفضل بذلك فأنا لم أعد أرغب بها أو أهتم.
فنظر أحمد إلى داني وأمسك بذراعه وسحبه معه بلطف ليعودا إلى الحفلة، وما إن ابتعدا حتى قال فيصل بلهجة ناعمة: حبيبتي ناهد.
ومد ذراعه لي فدفعته وصرخت به: أنا أكرهك يا فيصل أكرهك، لقد سئمت منك وعاودتني الرغبة بالبكاء فأخفيت وجهي بين يدي وبكيت.
فاحتضنني وقبّل رأسي وقال: آسف، كنت أمزح معك وعاد لترديد وعوده المعهودة.
بعد عدة دقائق تمالكت نفسي وقلت له: حسناً هيا بنا نكمل السهرة.
وعدت إلى الطاولة مرغمة، محمرة العينين ومكسورة الخاطر، أما فيصل فهل حقاً استطاع تمالك نفسه؟؟ لا أعتقد، فما إن عدنا إلى مكان جلوسنا حتى قال:
- لقد توسلتني لتعود لي، وأنا رجل طيب أضعف أمام دموع النساء وأطلق ضحكة حقيرة.
كان هذا فيصل، وهذا أسلوبه الحقير، فعندما يحادثني أحد ويسألني عن تفاصيل حياتي كان هو من يقوم بالرد، كان يفرض عليّ كل شيء.. متى أضحك.. أصمت.. أرقص.. آكل وأشرب.. حتى دخولي إلى الحمام أصبح باختياره عندما يرغب بطردي حتى يتحدث في أمور سرية.
مضت الليلة كئيبة، مملة وأنا أستمع إلى انجازاته التي يتباهى بها أمام أصحابه وعن معجباته الكثيرات، وينظر إلي ويخترع قصصاً وهمية عني كي يضحك أصحابه فقط.
في طريق العودة تشاجر معي لأنني أجبت على الهاتف أثناء حديثه.. المهم (يا ترى من يظن نفسه.. شهريار زمانه؟).
صفعني وأجبرني على النزول من السيارة، قذفني في شارع مقطوع، كنت أحس بالبرودة والخوف وأحاول ستر جسدي العاري إلا من هذا الفستان الفاضح الذي يكشف أكثر ممّا يستر، أحسست بأن قدمي لا تقويان على حملي، تملكني الخوف وأنا أنظر إلى هؤلاء الشباب الجياع الذين يتلهفون للانقضاض عليّ، رفضت محادثتهم أو الصعود إلى سيارتهم، هرولت مبتعدة عنهم وأنا أجري وأجري من الهلع.
ابتلع الظلام صرخاتي ودخلت في غيبوبة لم أصحُ منها إلا وأنا في المستشفى، ففي تلك الليلة أثناء هروبي من هؤلاء الذئاب البشرية صدمتني سيارة مسرعة، نجوت من الاغتصاب لكنني لم أنجُ من الحادث وأصبت بعدة رضوض.
فتحت عيني بصعوبة لأرى النور مرة أخرى يتسلل إلى الظلام المحيط بي، إنه هو: فيصل، تسللت أصابعه بين خصلات شعري كما يتسلل عشقه إلى قلبي مهما حاولت صده.
فيصل: ناهد هل أنتِ بخير؟ هل تشتكيٍن من أي ألم؟
أدرت وجهي نحو الجهة الأخرى، إنه لا يعلم أني أشكو الألم لكن الألم الوارف في داخلي أعظم، إن قلبي يتألم وهو متعجرف يعجز عن رؤية ما فعلته جرائمه بقلبي الهش، كانت الممرضة ترى اهتمامه بي فتبارك لي بحبه لكنها لم تكن تعلم أنها مجرد فترة وجيزة بعدها سيعود إلى عادته القديمة.
أتاني صوت الممرضة ليشدني إلى عالمي، وقالت لي بلهجة مرحة وهي تحمل باقة الورد وتضعها في إحدى المزهريات: آه كم أنت محظوظة به، إنه متيم بحبك لقد جلس بقربك ساعات طويلة ينتظر إفاقتك.
ابتسمت لها بقرف وهي تهم بالخروج، إنها لا تعلم الحقيقة المرة... فركت يدي ببعضهما بعضاً وقلت له متجنبة النظر إليه:
- فيصل، أعتقد أن الله أنقذني هذه المرة ولكن أريدك أن تتفهمني قليلاً، إنني لا أستطيع الاستمرار بهذه العلاقة.
فاقترب من السرير وأمسك بيدي وقال:
- ناهد أرجوك لا تتركيني، لا تزيدي من شقائي أنا آسف وأعدك بعدم تكرار ما حدث، واقترب مني حتى لاصقني ووضع رأسه في حجري:
- امنحيني فرصة جديدة واجعليها آخر فرصة لي، وسالت دموعي كإشارة على ضعفي، فضمني بين ذراعيه ولسانه يردد بالوعود.
وعندما خرجت من المستشفى فاجأني بمركبة من أحدث الموديلات.. نعم، أعلم أنه كلما كبر الخطأ كانت الهدية أعظم وذات قيمة أكبر.
وتمر الأيام عليّ والأحداث على الشاكلة ذاتها، هي ذاتها لا تتغير وتكاد تكون متشابهة وفيصل على حاله يخطئ ويعتذر، سئمت منه ومن عهوده ولكن ما الحل يا ترى.. ما الحل؟
Page 10
خطة القدر
كنت مقيدة بخيوط الماضي العنكبوتية عندما سمعت صوت بكائه، أدرت ظهري له وصرخت بالخادمة أناديها، أتت إلي وهي تتمتم بلغة غير معروفة، صوبتُ إصبعي ناحيته، فأدركت مطلبي وحملته وسارت به بعيداً.جلست وحدي في غرفتي أتذكر ماضي، ونهضت بتكاسل ثم خطوت نحو الدولاب وسحبت صندوقاً يحوي بعض الصور، حدّقتُ في وجهه وأغمضت عيني مرة أخرى استسلاماً للماضي.
هنا بدأت قصتي، هنا تلاشى النور لأكتشف أن خلفهُ وهماً، ضياعاً، خداعاً... إن النور كان يبهرني، يعمي عيني فلا أستطيع أن أرى ما وراء هذا النور المصطنع وماذا يوجد خلفه، أن... أن أتبين ملامحه وأرى حقيقته.
يشل لساني فأعجز عن الدفاع عن نفسي وطموحي ومبادئي وما إن يرحل حتى تتملكني الحسرة بسبب عجزي، وتخنقني العبرات فأسقطُ ضحية لهذا النور مرة أخرى.
لقد دخل حياتي فجأة ووضعه القدر ليكون فارسي، ليمنحني حصانة من هذا النور، ليجعل عيني تخترقان هذا النور المزيف وتنظران إلى ما ورائه، لقد كان كالمنبّه الذي يرنّ بإزعاج طالباً مني الاستيقاظ، ملحاً عليّ أن أصحو من أحلامي وأفتح عيني حريصاً على أن لا يخدعني هذا النور المتوج بوهم الحب مرة أخرى فأظل تائهة طوال العمر، أن أصحو من حيرتي وغبائي وأوهامي.
***
أعود إلى الماضي، فعندما تضيق بي الدنيا أسجنُ نفسي بين جدران غرفتي، أظل معتكفة حتى تلتئم جراحُ القلب، أهرب إلى عالم من الخيال، نسجته أماني ورغباتي وأتخيل نفسي حققت حلمي فغدوت مذيعة مشهورة، إنه عالمي الخيالي الذي أجد فيه راحتي النفسية ومخرجاً لي من محنتي.
تقلبت يميناً ويساراً وزفرت الهواء من صدري متذمرة، نظرت في ما حولي حتى اهتديت إلى إحدى مجلات الأزياء أقلّب صفحاتها حتى يتكرم النوم ويزورني.
بعد مرور بعض اللحظات أتى إلى مسمعي صوت همسات وضحكات لجنس ناعم في الممر الفاصل بين الشقق، اقتربت من باب شقتي واسترقت النظر من العين السحرية، فلمحت مجموعة من الفتيات يدخلن إلى إحدى الشقق المجاورة، تنهدتُ بقوة محاولة دفع الغصة العالقة بقلبي لتخرج مع أنفاسي ورميت بجسدي على الأريكة ثم رفعت هاتفي وأدرت رقم فيصل فوجدته مغلقاً.
بحثت عن رقم هاتف غرفته ثم فكرت لعدة ثوانٍ متذكرة تحذيره لي بعدم الاتصال على هذا الرقم إلا للضرورة، ولكنني كنت بحاجة إلى أحد أحادثه، وحتى اطمئن نفسي وشكوكي وأتاكد من وجوده في المنزل.
فطرق على مسامعي صوته ناعساً ومتسائلاً:
- من؟
- أنا وابتلعت ريقي وأكملت: أنا ناهد.
وقال لي وهو يتثاءب: ماذا تريدين؟
قلت له متذمرة: فيصل لقد سئمت من حالي....
فقاطعني بنبرة حادة:
- ناهد حقاً أنتِ امرأة مزعجة، تهاتفيني في منتصف الليل لتشكي لي همومك التافهة، أنا رجل مشغول ويجب عليّ النوم لأنهض باكراً.
ورمى بالسماعة قبل الاستماع إلى ردي.
أحسست بالإهانة والغيظ حتى اندفعت أصوات الموسيقى المنبعثة من الشقة المجاورة لتحتل شقتي، ارتديت الروب بسرعة واندفعت نحو مصدر الإزعاج والشر يتطاير من عيني.
وقفت لبرهة أمام الباب، وأدرت وجهي ناحية إحدى المرايا الموجودة في الممر لأتأكد من هندامي ثم ضربت الباب بعنف بقبضة يدي ووضعت إصبعي على زر الجرس.
انتظرت لدقائق ولم يفتح لي أحد، فازداد شعوري بالضيق والإهانة وأنه تم تجاهلي مرة أخرى فاسترسلت أركل الباب بقدمي.
لقد فتح الباب شاب يبدو أنه في العشرينيات من عمره، عيناه بلون البندق وشعر رأسه مصفف بطريقة غريبة؛ رائحة الشراب تفوح منه ووجنتاه مليئتان بطبعات أحمر الشفاه ويبدو عليه اللامبالاة والاستهتار.
نظر إلي متفحصاً،أحرجتني نظراته فرفعت يدي وضممتهما إلى صدري كأنني أخبئ سري وأخاف أن يكتشفه.