Page 1
مِن مُعلَّقة امرئ القيس
أغرَّكِ مني أنّ حبّكِ قاتلي
وأنكِ مهما تأمُري القلبَ يَفْعَلِ
وإنْ تَكُ قد ساءَتْكِ منّي خَليقةٌ
فسُلّي ثيابي من ثيابكِ تَنْسُـلِ
وما ذَرَفَتْ عيناك إلاّ لتضربي
بسهميكِ في أعشار قَلْبٍ مُقَتّلِ
وبيضةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها
تَمَتّعتُ مِنْ لهوٍ بها غير مُعَجلِ
أغرَّكِ مني أنّ حبّكِ قاتلي
وأنكِ مهما تأمُري القلبَ يَفْعَلِ
وإنْ تَكُ قد ساءَتْكِ منّي خَليقةٌ
فسُلّي ثيابي من ثيابكِ تَنْسُـلِ
وما ذَرَفَتْ عيناك إلاّ لتضربي
بسهميكِ في أعشار قَلْبٍ مُقَتّلِ
وبيضةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها
تَمَتّعتُ مِنْ لهوٍ بها غير مُعَجلِ
Page 2
الفصل الأول
الأفكار تُقْحِمُه في دورانها وهذيانها، في الوقت الذي يعلو فيه ضجيج الموسيقى العسكرية، قارعاً الآذان والمكان في مدينة الوهم، عاصمة دولة السراب.
وسط تصفيق زائف، وابتسامات تُظهرُ الحب، وتُضْمر كراهية مقيتة، وضغينة مستعرة، يقف مالك، الذي بلغ الخامسة والعشرين، أمام مجموعة من العسكريين. تصفيق لتخريج صانعي الأشلاء البشرية. ذهنه ابتعد قليلاً عن ضجيج الموسيقى، لتعود ذاكرته إلى تلك المصطلحات العسكرية التي تعلمها. مصطلحات كثيرة تدوّخه، ترتفع وتهبط به كطائرة ضلّت وِجْهتها. إنها مسبحة المصطلحات العجيبة: حرب. سجناء.جرحى الحروب. إعدام. قتلى. أسلحة. مقابر جماعية أو قبور جماعية. قبور سرية. سجون سرية. تخطيط عسكري. حماية الحدود. ضبط النظام بالقتل والتشويه والتعذيب. جيش قوي. شعب يُحْقنُ بحُقن الصمت، وحقن الموت، وحُقَن الاغتصاب. نفوذ. القصر أو مصنع الويلات والحروب.
مصطلحات تتدحرج عن جبال رأسه لترتطم في أعماق رافضة ثائرة. غشاوة تغلّف وجهه وجسده، تفصله عمّن حوله. نسيج عنكبوتي يلفّ ذاته، يفصله عنها بطريقة عجيبة.
بدلته العسكرية تفصله عن ذاته تدريجياً، وأوسمة تكشّر عن أنيابها على كتفيه.
الكليات العسكرية، وَكْرُ العقول الموثوقة، وَوَكْر طَحْن القيم والمبادئ السامية بطريقة "فنية" وسحرية. بطريقة التنويم المغناطيسي، وبطريقة الخداع السمعي والبصري. في الجهة الأخرى، يراقب حاكم دولة السراب، شديد، الحفل الصاخب بعينين يقظتين، وفرحة عارمة تجتاحه. رجل في السادسة والخمسين من عمره، طويل القامة، أسود العينين، ممتلئ الجسم، عظيم الأوداج. تتراقص السعادة في عينيه كلما قفزت نظراته إلى تلك البدلة التي يرتديها مالك، فالعيون العسكرية تأسرها الألوان العسكرية، كتلك التي تتلوّن بها بدلة مالك. تأسرها الآلات العسكرية، ووسائل التدمير.. أدوات القتل والبَتر.
خاضت دولة السراب حروباً في السابق، وكسبت الحروب بسهولة، كسهولة العزف على آلة موسيقية بسيطة. العزف على أشلاء القتلى، وآلام الجرحى، وبكاء اليتامى والثكالى. هكذا تكون الحروب؛ بدفع الثمن مسبقاً من أرواح الناس، قبل الوصول إلى نشوة النصر ومتعته الساديّة. متعة تصعد وترتفع حتى تصل إلى القمة. متعة جاءت بعدما تسلقت جثث وآلام الناس.
Page 3
ترتفع أصوات الموسيقى احتفالاً بظهور فوج جديد من القتلة والسفاحين. أتُعْزَفُ الموسيقى لهؤلاء؟ ليس غريباً أن تُعْزَفَ الموسيقى العسكرية للقتلة، فهي تحمل الصفات القتالية نفسها. إنها جزء من شرورهم، تحمل شراستهم ورعبهم.
أجساد عارية وإنْ كستها البدلات العسكرية التي تنطق بشهوة القتل والتعذيب، فبدلة الرجل العسكري كبدلة رجل الفضاء؛ ثقيلة في تفاصيلها. أجساد عارية من الرحمة والقيم السامية. أجساد ميتة وإنْ كانت تتحرك وتمشي.. ميتة بموت إنسانيتها.
* * *
ذات يوم، دخل أحد المستشارين العسكريين القصر كي يخبر حاكم دولة السراب بآخر أخبار الحرب ضد دولة الضباب. حرب اُعلِنَت، لأن حاكم دولة الضباب رأى في المنام أنه يقتل حاكم دولة السراب. وبما أن حاكم دولة السراب قارئ متعمق في تحليلات سيجموند فرويد النفسية، فقد اعتقد أن هذا الحلم سبب قويّ لإعلان الحرب على دولة الضباب، فالأحلام، كما يحلل فرويد، رغبات مكبوتة للفرد، فخشي حاكم دولة السراب أن تخرج الرغبات من كبْتِها، فيُقْتَل.
أدّى المستشار العسكري التحية للحاكم وقال بصوت هادئ:
- سلام عليك أيها الحاكم العظيم.
اعتدل الحاكم في جلسته وردّ قائلاً بصوت غليظ:
- أخبرني، كيف تسير أمور الجيش في ساحة القتال؟
أجاب المستشار العسكري:
- أمور الجيش على أحسن حال، ولكن، ولكن...
قاطعه الحاكم وسأل:
- ولكن ماذا أيها المستشار؟ هيا تكلّم.
تقدّم المستشار بضع خطوات إلى الأمام وقال:
- ينقص الجيش بعض الآلات العسكرية.
قال الحاكم وقد اعتراه بعض القلق:
Page 4
- استدع قائد الجيش على الفور. لن أقبل الهزيمة لدولة السراب. هذه الدولة عُرِفَت دائماً بقوتها وتفوقها العسكري. لا أستطيع أن أتصور هزيمتها، وقد قضيت سنين طويلة في تأسيس وتنظيم جيشها، حتى غدا جيشاً يُضرب بقوته المثل. هيا انصرف أيها المستشار، واستدع قائد الجيش حالاً.
أحنى المستشار العسكري رأسه طاعة وقال:
- أمرك يا مولاي.
انصرف المستشار العسكري. هزيمة.. خسارة، لم تكونا في قائمة مصطلحاته. امّحتا من توقعات، فالحاكم يخشى الهزيمة خشيته الموت. تراكضت الأفكار في رأسه. اعتقد أن الخيانة قد تسربت إلى صفوف جيشه، واعتقد أيضاً أن قائد الجيش قد استحوذت عليه فكرة الاستيلاء على الحكم، كي يُدْخل دولة السراب في عباءة عهد جديد.
لم يكن نقص الآلات العسكرية ليمرّ على الحاكم بدون تدقيق وشكوك، خصوصاً أنه أنفق الأموال الطائلة على تجهيز جيشه بأحدث الآلات العسكرية. ودارت الأفكار في رأسه فتساءل في سره: "هل تمّ تهريب الأسلحة؟ هل تم تدميرها؟ سواء هُرّبَت أم دُمّرت، فالمصيبة عظيمة تفوق قدرتي على التحمّل. إن اكتشفت خيانة قائد الجيش فسأقطع رأسه. قطع الرؤوس أحد فنوني.. إحدى نوبات جنوني. من هو الذي يجرؤ على خيانتي؟"
أخذ الحاكم نفساً عميقاً وقد فَتَك به الشك. جلس وراح يتوعّد كل من تسوّل له نفسه بخيانته.
وبينما كان يفكر في شؤون الحكم والحروب، ظهر قائد الجيش ببدلته العسكرية؛ رجل في السابعة والأربعين من عمره. تقدم قائد الجيش وقد نخر الخوف قلبه. أحنى رأسه تحية للحاكم وقال:
- أمرك يا مولاي.
حدّج الحاكم قائدَ الجيش بنظرة فاحصة ثم سأل بصوت جهوري:
- كيف تسير الأمور في ساحة القتال؟
أجاب القائد بتهيّب:
- يقاتل الجنود ببسالة تفوق حد الوصف، و... و... ولكن تنقص بعض الآلات العسكرية يا مولاي.
Page 5
اصفرّ وجه الحاكم غضباً، وقال بفظاظة:
- ماذا تقول أيها القائد؟ كانت الآلات العسكرية متوفرة قبـل أيام.. ماذا حصل؟ هل هُزم الجيش، ولا تجرؤ على الاعتراف؟ أشمّ رائحة خيانة. الويل لكل من يفكر في خيانتي. غرفة الإعدام تنتظر كل خائن، وأنت تعرف ذلك.
هز قائد الجيش رأسه. ارتعشت أطرافه خوفاً ما أن تصور السجناء والرجال الذين قادهم النحس إلى غرفة الإعدام. تمالك قائد الجيش نفسه وقال:
- أعرف يا مولاي. الأمور ليست كما تعتقد. لا أحد يجرؤ على خيانتك، فأنت منبع "العدل" والقوة ويحبك الشعب، ويعتبر جنودك طاعتك أمراً مقدّساً.
قاطعه الحاكم:
- ما الأمر إذاً؟
أجاب القائد بهدوء ممزوج بالقلق:
- يخوض جيشك حرباً شديدة الهول ضد جنود كالأسود في قوتها وشراستها...
قاطعه الحاكم وقد ازداد غضبه:
- ماذا تقول؟ لا يوجد جيش أقوى من جيشي. أشرفت على تأسيسه وتجهيزه بنفسي. أي جيش هذا الذي يجرؤ على أن يواجه جيشي؟ إنه خطأ في التخطيط العسكري أو هي الخيانة، ولا أظن أنه يوجد احتمال آخر. اعترفْ أيها القائد وأخبرني. أهو فشل في التخطيط العسكري أم خيانة تزحف نحو قصري؟
تسمّر قائد الجيش في مكانه، وارتسم الوجوم على وجهه. لا يدري ماذا يفعل. لا يدري ماذا يقول. الأمران معاً. إنها الخيانة والفشل في التخطيط العسكري. كيف يجرؤ على قول ذلك أمام الحاكم؟ كيف يجرؤ على الاعتراف بأنه هو نفسه من يفكر بالإطاحة بالحاكم؟ أتسمّى خيانة الظالم خيانة؟ كيف يخبره بأنه قد سئم نظام حكمه المستبد؟ منذ توليه حكم دولة السراب ساد الفساد في البلد، وطال ظلمه الصغير والكبير، وتغلغلت أنياب قمعه في أجسام البشر حتى النخاع. وعادت ذاكرة قائد الجيش إلى بؤس الماضي، إلى الناس الذين قطعت رؤوسهم مقصلة الحاكم. نبض قلبه بسرعة، وارتعشت أطرافه عندما تخيّل قائد الجيش فضْحَ أمره، فمقصلة الحاكم لا تستثني أحداً مهما علا منصبه. ما أصعب أن يقع الفرد تحت رحمة المقاصل.. تحت رحمة الآلات القاتلة.
Page 6
نظر قائد الجيش إلى الحاكم وقال مُطَمئِناً:
- سأتدبّر الأمر يا مولاي. سأعيد التخطيط العسكري، وسنكسب المعركة. إنها مسألة وقت.
قال الحاكم والشك يجتاح رأسه:
- سأرى ماذا ستفعل، وذكّر الجنود بقوتي. كل خائن سيختفي عن الوجود في لحظات.
خارت قوى قائد الجيش برهة، ثم تمالك نفسه وقال:
- أمرك يا مولاي. سيكون ما تريد.
ما أن خرج قائد الجيش من القصر، حتى تنفّس الصعداء. تخيّل منظر المقصلة فعراه شحوب شديد، ودبّ الرعب والفزع في جسده. ولكنه أدرك أن لا سبيل إلى الانسحاب، والتخلي عن خطته للإطاحة بالحاكم. توجه قائد الجيش إلى مركز عسكري، وهناك التقى على انفراد بأربعة من الضباط كانوا يخططون للإطاحة بالحاكم. جلس قائد الجيش ونظر إلى الضباط الأربعة والخوف ينخر جسمه.
أخذ نفساً عميقاً وقال:
- يشم الحاكم رائحة خيانة. فما قولكم في ذلك؟
نظر الضباط الأربعة إلى بعضهم البعض. أخذ الضابط الأول، الذي جاوز الثالثة والثلاثين، نفساً عميقاً، واعتدل في جلسته ثم قال بثقة:
- وكيف ذلك والخطة تسير في سرّية تامة؟ لا تصدق كل ما يقول. إنه يستدرجك فقط.
وافقه الضابط الثاني، الذي كان في الثامنة والعشرين وقال:
- لا أظن أنه يعرف شيئاً. إنه غارق في هواجس ووساوس.
ابتسم الضابط الثالث وهو رجل في السادسة والثلاثين من عمره، متقد الذكاء، ثم قال بصوت هادئ:
- حريّ بنا أن نفعل ما بوسعنا حتى نكسب المعركة، وبذلك نكسب ثقة الحاكم، ويطمئن لوجودنا بين صفوف الجيش، وما أن يشعر بالاطمئنان وتزول شكوكه، حتى نبدأ بتنفيذ خطتنا، وهي تحريض الجيش والشعب ضده، وبذلك سينتهي ظلمه واستبداده، وسيسود العدل والمساواة والحرية، وستغدو دولة السراب مثلاً للحرية والعدل.
Page 7
أجاب قائد الجيش وقد عاد الهدوء إلى وجهه:
- أتعتقدون أن الخطة ستُنفّذ كما خُطِط لها؟
أجاب الضابط الأول:
- لا تقلق. الأمر أسهل مما يخيّل إليك.
قاطعه الضابط الثاني باستياء:
- إنّ مَنْ يستبد بهذه الطريقة حتماً سينزلق نحو وهد الهاوية. لقد تجاوز عدد السجون الألف. فاق ظلم الحاكم حد التخيّل.
نظر الضابط الأول إلى قائد الجيش وقال مؤيداً:
- نعم، سيزول حكمه ويختفي، ويومئذ ستكون نهاية استعبادنا وبداية حريتنا.
قاطعه قائد الجيش، وقال والقلق يلوح في عينيه:
- لا تتفاءلوا كثيراً. ضعوا حدّاً لتفاؤلكم دائماً، فالحاكم شديد الدهاء، وبالغ الذكاء، وإني لأخشى أن تفشل خطتنا، ثم نقع في فخ مقصلته. إنه يهدد ويتوعد. لم تروا نظراته...
قاطعه الضابط الأول وسأل مستهيناً بدهاء الحاكم:
- وكيف كانت نظراته؟
أجاب قائد الجيش بسرعة:
- برق في عينيه الشك والغضب. خارت قواي عندما سمعته يتوعد كل من يخونه بالموت.
ضحك الضابط الرابع، وهو رجل في التاسعة والعشرين، ثم قال:
- سيموت هذا الحاكم حتماً. لن يسود العدل والحرية ما دام حاكماً.
Page 8
ابتسم قائد الجيش ساخراً، وقال مخاطباً الضابط الأول:
- قلت لك ضع حداً لتفاؤلك. لا تكن شديد التفاؤل. الأمر ليس بالسهولة التي تراها، وقد تُنْسفُ خطتنا التي بَنيْناها على جبال من الآمال بين عشية وضحاها.
اعتدل الضابط الأول في جلسته مُلقياً بصدره إلى الأمام وقال موقناً:
- بل أنت متشائم. تشاؤمك يحوّلنا إلى مجموعة من الجبناء والضعفاء. خليق بك أن تؤمن بعدالة قضيتنا. نحن نريد الحرية لجميع الناس وللسجناء. هؤلاء السجناء الذين مورِسَت ضدهم أقسى أنواع التعذيب والإهانة، وأنت تذكر كيف عومِلوا، وكيف تعرضت أجسادهم لتعذيب فاق قدرة بهائم الأرض على تحمّله. اعتُقِلوا كاقتناص الجرذان. ويخرج حاكم دولة السراب من قصره، ويلقي خُطَبَه الرنّانة هنا وهناك، متباهياً بالحرية والعدالة والمساواة. أي شعب هذا الذي يعيش نصفه في السجون؟ مطالبنا، كما ترى، عادلة، ولا بد لها أن تتحقق...
قاطع قائد الجيش كلام الضابط الأول، وقال ساخراً يائساً:
- ومنذ متى تتحقق المطالب العادلة؟ عدالة المطالب ليست ضماناً لتحقيقها، خصوصاً في دولة يسودها الظلم والاضطهاد. كيف تتحقق المطالب العادلة؟
أجاب الضابط الأول بحماس:
- بالإرادة والثبات. الإيمان العميق بعدالة مطالبنا يهزم أشد القوى شراسة.
أيّد الضابط الثاني كلام الضابطَ الأول وقال:
- إرادة الشعوب تهزم قوة الجيوش مهما بلغت.
أجاب قائد الجيش مبتسماً، وقد خال أن المساواة والحرية سادتا البلد، وذهب عهد الظلم والاستبداد دون رجعة.
- أرجو السرية التامة. يجب أن لا تتسرب تفاصيل خطتنا إلى أي أحد مهما كانت علاقتكم به. أرى العدالة تبرق أمامي.
نظر الضابط الأول إلى قائد الجيش، ثم إلى زملائه وقال:
- كونوا واثقين من نجاح خطتنا، ولا تنسوا أن الشعب الذي لا يناضل من أجل الحرية لا يستحقها.
Page 9
مَنْ يخمد ثورة الرفض في داخله؟
مَنْ يقطع تلك القيود؟
أيَسْتبدل بريشة الرسم فن تعذيب البشر وقتلهم؟ ولكن...
أين هذا من ذلك؟
ريشة رسام مُرْهف الحواس، وسلاح سفّاح...
أيجتمع الاثنان معاً؟ أيجتمع الليل والنهار في آن واحد؟
أتجتمع الحياة والموت في وقت واحد؟
هو الذي درس العلوم العسكرية، دون أن يدرسها تماماً. ارتدى البدلة العسكرية بأوسمتها، دون أن يرتديها تماماً.
أثناء تدريبه على استعمال السلاح، شعر مالك بأن كل رصاصة كان يطلقها نحو هدف وهمي، ترتد وتعود لتصيب قيمة من قِيَمِه، أو مبدأً من مبادئه، فيتوقف عن التدريب، ملقياً سلاحه على الأرض، كي يعالج ما جُرِحَ من القيم والمبادئ التي آمن بها.
يبتعد عن ساحة التدريب، يصمت، ويغوص في بحر من التساؤلات والتحليلات، فما الهدف الوهمي بالنسبة إليه إلا قاعدة للأهداف الحقيقية، وما الشراسة إلا قاعدة استعمال السلاح.
أصبحت المسألة بالنسبة إليه هي كيف يكون شرساً أولاً، حتى يقوى على استعمال السلاح، واتخاذ القتل مهنة؟
وذات مرة قال له مدرّبه العسكري: "إن استعمال السلاح ضروري للدفاع عن النفس أو عن البلد."
فأجابه مالك: "عندما استخدم السلاح، فإنني أقتل شيئاً ما في أعماقي قبل أن أقتل الآخرين. أين الدفاع عن نفسي إذا قُتِلَت المبادئ في أعماقي؟ لا يكفي أن تكون رجلاً حتى تكون عسكرياً. يجب أن يكون الرجل فارغاً حتى يكون عسكرياً ناجحاً حسب المفاهيم العسكرية للنجاح، لأنه من السهل أن تملأ وعاءً فارغاً بما تريد، فكيف تستطيع أن تملأ وعاءً يفيض بما فيه؟ يجب أن تكون ورقة بيضاء يكتبون عليها ما يريدون..."
Page 10
ألقى مالك بندقيته، وخلع بدلته العسكرية، ثم غادر معسكر التدريب، متوجهاً إلى مَرْسَم.
لوحته البكْر..
ريشته تنفض أعماقه.. برقّة ..بهدوء حذر يسبق ثورة.. بروعة عشق شاعر تستنطق صمته، تعيد ذاته التي كادت تلتهمها علوم سفك الدماء و"فنون" سحق النفس البشرية.
ريشته تحلّل، تصوّر، تتحدث بلغتها الخاصة، بأصواتها الرفيعة، بهدوئها الثائر. أولى لوحاته يَظْهر فيها سجين يقبع في عتمة السجن، يرفع يديه محتجاً ورافضاً.. مستاءً وساخطاً.
وبينما كان يرسم، ولج الحاكم حجرة ابنه. شعر مالك بوقع أقدام في الحجرة، فأدار ظهره، ورأى والده يقترب منه. انتشرت السخرية على وجه الحاكم عندما نظر إلى اللوحة وقال:
- ألا ترى أنك تسوق نفسك إلى الخبل بهذه اللوحة التي لا أجد فيها أي معنى؟
أجاب الشاب بصوت هادئ، والريشة بيده:
- يكفيني أن هذه اللوحة ترتفع وتسمو بالنفس الإنسانية. إنها ليست كسجونك التي تحطّ من قيمة الإنسان وتغلّفه بإذلال فظيع، وتحوّل الإنسان إلى بهيمة. ولكن السجناء ليسوا بهائم، فلو كانوا كذلك لما آثروا مرارة السجن على طاعة الظلم والاستبداد. أرى بعض الأحيان أن الرفض صفة خاصة بالإنسان، وأن الطاعة صفة خاصة بالبهائم...
قاطع الحاكم كلام ابنه وقال باستياء شديد:
- ما هذا الهراء؟ كيف تجرؤ على هذا الحديث؟ جعلتك تدرس العلوم العسكرية حتى تكون حاكماً من بعدي، وقائداً للجيش في حياتي.
أجاب مالك:
- إن ما تسميها العلوم العسكرية هي "فنون" قتل الناس وتعذيبهم والقضاء على عقولهم. درستُ العلوم العسكرية ووجدتُ أن العسكريين هم أسوأ الناس.. ما هم إلا حشرات من هوام الأرض.. ديدان أكثر خسة ودناءة...
قاطعه الحاكم، وقد شعر بالغيظ يحتدم في داخله، وكاد يرفع يده حتى يصفع ابنه، ولكنه تمالك نفسه وقال:
- لا بد أن التلف قد دبّ إلى دماغك.. معتوه.. مأفون.