Page 1
هل أقدر؟
كلّ أمر يُقدّر حدوثه هو من معطيات وعينا· حتى كتابتي لهذه الكلمات قد صُفّت تفاصيلها في كتاب معلوم· وأجدني مع احتضان أصابعي للقلم قد قمت بتحرير القدر فقط، وتحريك المصير وفق اختياراتي·أقول ذلك في خشوع القانع، الواقع على قلبه مهمة تقديم الحقيقة، الشاهد على أشد التفاصيل إثارة للدهشة، المتيقن من أنّ كلّ عَدْوه الذي أنهك أنفاسه كان حتميّة التجربة التي لا مناص من خوضها، للوصول إلى نقطة النور، وبَدء حب جديد·
كيف أعرّفني لكم ؟
وأنا التي بأشدّ حاجتي لجناحين أحلّق بهما عاليا، حيث الرؤية تتّسع لحزني، حيث المدى يقدر على احتضان الكلمات - مهما أدمعت - لتصلكم مجرّدة من أي رتش أو سهو غير مقصود·
سأحاكيكم في الأحوال كلها··
وسأرجوكم قبل طيّ هذه الصفحة واستقبال ما يليها، أن توقظوا المحبّة الغافية في أعماقكم·· وحده النبض المتيقّظ سيستوعب حكاية والدي، حكاية عائلة ليس لبدايتها تأريخ، واحتضنت نهايتها الأبديّة، قابلة كل ذلك بابتسامة تشبه تلك التي على وجه الرب - الزائر لمناماتي-، وسلّم أفرادها الغادون، الحاضرون، والقادمون - سلفا - بجدوى عبورهم بها·
لِيلِي جعفر
Page 2
استيقظتُ على غصّة
بعثرت التعب على الكرفاية(1) الخشبيّة الداكنة التي احتضنت مُراهقتي· سهمت في نقش الديكور المكتظّ به سقف الغرفة بأثاثها القديم الذي لم يتغير منذ عشرين عامًا· تسرّبتْ إليّ بقايا رائحة حمسة الكبدة كما يحبّها عمّي عبد الله لإفطاره صباحًا، صوت التلفاز يتغيّر بشكل محبط مع تغيّر القنوات الإخبارية· ضربات أمّي العُودة(2) بعصاها على الباب تخبرني بين وقت وآخر أنه الضحى العُود لأفزّ من النوم· أبقيت كسلي أسفل الوسادة حتى أستجمع طاقتي، وأنضمّ للعائلة·
لعشرة أيام سأتنشق هواء غرفة ابنة عمي· سألوك مجاملات ودودة منتقاة للطاقم القاطن في هذا المنزل· سأجترّ ذكريات الضربات التي صقلت الغافي بداخلي، التي أيقظت الصحو التائه مني!
لم يكن حظّي أوفر من حظّ أمي عند الحديث عن تقبّل العائلة لي· بحر عينيّ كثيرًا ما كان موضوعًا دسمًا للتداول، شعري الأشقر وبياضي المحمرّ كانا مدعاة حسد بنات العائلة·
حينما دنوت لفتح باب الغرفة، أطلّتْ عليّ من صالة المعيشة -غرفة كل يوم - كومة الهمهمات القديمة، وشهقات بكائي البكر، الرعب من صوت عمّي وتحديق عينيّ أمي العُودة التي لا تُثنّي إصدار الأمر· لَملمتُني، وقفلتُ عائدة للسرير القديم· تكوّرت كطفل ينتظر غذاءه من حبل الحياة لتُعاد إليه الطمأنينة· سحبت كسلي مجدّدًا، وابتسمت ماسحة عين الذاكرة برضًا عن كل تلك المشاهد القديمة·· كنت موقنة أن لولاها لما كنت·
كنت على شفا حلم···
أحتضن طموحات شاهقات، وأخطو نحو سنتي الدراسية الجامعية الثانية· وحيدة، إلا من مرح أتحايل به على إلحاح الماضي، تأرجح الحاضر وغموض المستقبل· متشبثة بوعي اللحظة وتفاصيلها· عفويّة يجدها البعض افتعالاً، وأجدهم من التجهّم بدرجة تحول دون استيعابهم للفطرة التي سيقوا للأرض بها وتناسوها· وحيدة لأب يتّمه الحب، فتبنّى إسعاد ثمرته، وكان أن حظيت بحياة استثنائية على كل الأصعدة· ما كان ليلحق بي الإفساد، فكان وإياي كمتسابقي القوراب في أعتى الأنهار، بمجدافين يعرف كل منّا متى تجيء ضربته الأدق لنصل إلى وجهتنا·
Page 3
محبته الفائضة أغنتني رغم مشاغله المتعددة وسفره، فكبُرتْ مع المتلاحق من سنواتي عمري قدرةٌ على التعايش مع شتّى الظروف والأمكنة، ومع الزمن صرت لا أعرف كيف أعتب عليه أو أنتقص من جهود اهتمامه، أو حتى يخاتلني شبح الشكّ بقلبه لقلّة التقائي به·
هذا التعايش حطّ في أعماقي باكرًا·· فالمساحات الفارغة التي خلّفها غياب أمي المادّي الأبدي، وتنقّل والدي مع مسؤوليّاته أتاح فسحة مباركة لحلمي، اكتشافاتي، لإحساسي بقيمة كلّ ما هو حولي، لتربية قوّتي التي تلقّفتُ مفتاحها ذات انكسار مفجع، وما أضعته بعد ذلك أبدًا·
الاشتياق كان حليفي في كلّ لحظة من عمري· لكلّ المفقود، الغائب، الموجود غير الممكن أن أطاله، وشوقي المستمر المتبادل مع والدي جعل من كلينا وسادة للآخر، نرمي البوح في استراحات علاجية، ونخرج بعد ذلك أشد بأسًا وحبًا وتعلّقًا·
إنه الإشفاق في قلبه والرحمة التي ورّثتني إياها أمي، لا شك·
كان صباح آب ساخنٍ، ذاك الذي عرّفني خلاله أبي بـ سارّة· قدّمها إليّ كصحفيّة متمرّسة، ستعينني بتدريب مكثّف تنقضي معه إجازتي بنتائج خطّط لها كلانا· عندما اختليتُ معها في مكتبه بعد مغادرته لاجتماع، ما عاد بإمكاني سرقة التفحّص لتفاصيلها· كان انطباعًا أوليًا قد وضعته لها·· رائحة النعناع تسبقها انتعاشًا، جاذبيّة لحسن عربي أصيل، تسرح شعرها بشكل عملي فتجمعه خلف رأسها بأناقة، داكن مثل قهوة عينيها، تلكما اللتان ضيّعتاني في متاهات فما عدت أعرف أين أخطو لتقرير تاريخها· هذه الـ سارّة، الواثقة المبتسمة، المشبّعة بالتيقّظ للحظتها معي· لكتُ كلمة متمرّسة مع تخميني بأنها لا تتجاوزني بكثير من السنوات عمرًا، لكن الاحتراف تتقنه حتى التفاتاتها، وأحسّني - رغم تغريدي الكثير بنضجي - أجلس إلى جانبها كطفلة تدهشها لعبة خلف زجاج دكّان مغلق، تنتظر إشارة الدخول للتشبّث بالدمية ؛ فلا تبرح أرضها حتى تنالها·
لا أعرف أيَّ سرٍّ وراء اهتمامي المزعج بسارّة، ولم أقدر على مبادرة كسر الجمود بيننا، فهي هنا لتلقيني أبجديات تمرّسها المزعوم من والدي، ولهذا كنت مقيّدة بمقعد التلميذ الواجب إثبات جدارته بالدروس القيّمة المقدّمة له·
لم يطلْ صمتنا حتى بادرتني:
- إنّ لـ جعفر شخصيّة متفرّدة، أغبطك أبوّته·
Page 4
كان تلفظها باسمه دون تكلّف كفيل برزوح جبال الامتعاض على قلبي، لم أجب سوى بابتسامة مجاملة، وتمتمت شكرًا من طرف فمي·
كانت مسترخية أكثر مني، مستريحة على المقعد الجلدي في غرفة المكتب، بساقين متعانقتين· ما استطعت حينها أن أحزر لو كانت تتكلف في حضوري لتبدو بهذه البساطة والأريحية أم أن السجية تقودها في كلّ انفعال لها· ما عرفته أمراً واحداً فقط·· وهو أن صوتًا داخليًّا ألحّ على تنحية جنون أفكاري إلى حيث لا رجعة، وتشريع قلبي للقادم منها·
- لماذا اخترتِ مجال الصحافة يا لِيلِي ؟
كان سؤالها الأول بعد ارتشافة من كوب قهوتها· جمعتني بها في المقهى المفضّل لديها· في زاوية بين مجموعة محال، في ركن استغربت وجوده وهدوءه وعدم لمحي إياه مسبقًا لولا دعوتها في ذلك اليوم· جلسَتْ على الكرسي المقابل لي، وبيننا طاولة تحمل مجموعة الورق ونسخة من عدد الصحيفة التي تعمل بها، كوبيْ القهوة وبعض البسكويت· صمتُّ لبرهة، وفي محاولة لإدهاشها وإرضائي، أجبت··
- لأسابق الحقيقة وأسبقها، وعند الضوء أكاشفها وأكشفها للملأ··
والحقيقة ما كنت أعرف لم اخترت مجال الإعلام تحديدًا، لولا حاجة لتخصّص لا يعرف الروتين الذي ما كنت لأدعه يلتهم حياتي·
ابتسمَتْ رافعة خصلة من شعرها· بقيتْ محدقةً في كوب القهوة· كنتُ أنتظر منها رأيًا بأسباب اختياري للمجال التي رنّت في فسحة المقهى الصغير· عاودتْ سارّة النظر لعينيَّ وسألت··
- لأيّ مدى يمكن أن يطال سعيك لأجل الحقيقة ؟
- ليس من مدى يا سارة! إلى حيث يتطلّب الأمر مني··
ربّتتْ على كفي بمبادرة ودودة مباغتة، لملمتْ حيرتي بدعوة لبَدء الدرس الصحفي، ومديح أمطره إعجابها بحماستي قالت : لم أتصور حجم جدّيتك، وختمت : بعد الدروس النظريّة والتدريبات العملية ستنالين حصّتك من تحقيق صحفي ممتع يرضي طموحك، ويلتقي بمبادئك، وستساهمين في كشف الحقيقة·
Page 5
مضى أسبوعان على تعرّفي بها، كنّا نلتقي يوميًّا بشكل شبه مستمر في المقهى، أو حين التغيير في مكتبها في مبنى الجريدة، كنت معها بكل انتباهي واهتمامي، بروعة نقلها للمعلومة، سلاسة حديثها، وكمّ المعلومات الذي تهديني إياه· أدهشتني، وأنا التي اعتدت التهام الكتب منذ صغري، لكنّ ملكة الحفظ لديها فاقت ذاكرتي المزدحمة دومًا بتفاصيل تنهشها يوميّاتي الحافلة·
مع انقضاء الأسبوعين كان موعد مفاجئ لرحلة عمل لـ جعفر· هذه الرحلات التي منعتني دراستي من مرافقته خلالها إلا إن صادفت إجازة دراسية· غيابه الذي يقع طامّة مستمرة على قلبي·· الذي يلوّح بعودة لبيت القادسية حيث أمي العُودة وبقية العائلة· فالشقة - وهي دور أول من بيت واقع على سواحل الفنطاس - تُحرم على فتاة حين بُعد والدها، فيكون سكني في البيت الكبير، خاصّة بعد أن استقر أصحاب البيت الذين اعتادوا السكن في دوره الأرضي بعيدًا عن الكويت بعد حصول والدهم على فرصة عمل مغرية نادرًا ما تجيء لشرق أوسطي، فصار البيت شبه خاو، لا تعود تفاعلات علاقات الجيرة فيه إلا حين زيارتهم للبلد وذلك ما كان يحدث نادرًا· مبيتي عند أهل أبي قد اختلف عن المرّات السابقة، فبقائي جاء بقرار منّي رغم إجازتي، لاستكمال دروس صارت تحوك الكثير من التساؤلات في داخلي، وتشعل بي رغبة للنهل أكثر منها·
سارّة التي حرصتُ في تلك الفترة على إقصائها بعيدًا - رغم قربها اليوميّ - عن تفاصيل حياتي، والتي أتحاشى حتى مجرّد العبور بحديث قد يفضي لدعوتها لمسكننا أو حتى التلميح لعنوانه·· كانت تذرف حزنًا فاضحًا حين أخبرتها بتغيبي ليومين، وبأسبابه· خيوط التوجّس عُقدت في قلبي، لكنّي تجاهلت المرسوم في عينيها وودعتها بحزم، حتى اللقاء القادم·
عندما انفردت بأبي، أرافقه للمطار مع تراكض موعد سفره اقترابًا، بقي السؤال يضغط على نبضي، فيستحيل معه تنفّسي· حسمتُ تردّدي - إذ كنا نتجول في السوق الحرّة في المطار - فالتفتُّ لمواجهته·· وبابتسامة ودٍّ مقصودة··
- بابا، من هي سارّة وكيف التقيتَ بها ؟
- صحفيّة ؛ أجرتْ معي حوارًا ذات يوم·
جاء جوابه باردًا، كمن تدرّب على لفظه مرّات عدّة·
Page 6
أذكر ذاك الحلم جيدًا· وأذكر اعتصار أمّي لي في احتضان، لازلت أشعر دفئه· كنت وسط ساحة لا متناهية البياض، وكانت أمي بابتسامتها في جهة هيّئ إليّ أنها حدودها·· أسير، أتوق إلى الارتماء بين ذراعيها، لكنّ المسافة لا تنتهي· بلهاثي أكون فجأة أمامها·
- ما رأيك أن نلعب؟
أومأتُ بحماسة الموافقة··
ولم تزدْ على ذلك· صارت ترتفع، وأنا، كخبيرة بشروط اللعبة، أقفز متلهّفة للإمساك بها، أصطاد ذيل ثوبها الأبيض الواسع فتهبط بهدوء وتصفّق لي دون أن يصلني صوت ضربات كفّيها· وتعاود الارتفاع وأتلقّفها كالمنتصر··
ترتفع·· وتهبط·· ترتفع وتهبط، ترتفع·· وتُشلُّ صرختي·
كنت ابنة الخمسة أعوام· وكان بانتظاري يوم رياض أطفال حافل، افتتحته بعتاب مرير ودموع شقيّة، ودَثّرَتْهُ أمي بالاحتضان وغناء ساحر غسلني تمامًا·
ما كنت أعرف أن الحلم كان النبوءة· اليقين الأقسى هو أن رحيلها أزف مع إتمامي سنواتي العشر·· بمرض نهش صدرها الملاذ، وسلب تورّدها وضحكتها، وما ترك على فراشها سوى ذبول لم يَلحقْ بذكراها أبدًا·
لفرط دمعه، خلت أن يُتمَ أبي أشدّ قساوة مني· ورغم الصلح العميق الذي تمّ بيننا، ما زال التساؤل القديم يرنّ أحيانًا كلعنة: كيف استطاع ذلك؟
كيف تأبّط الغياب وخلّفني في البيت الكبير الذي ضاق حد الاختناق على حلمي· كيف لأربعة شهور مريرة تسكّعَ في شوارع بيروت، فيما كنت المرميّة بين خرافات العودة، والصارم من قوانين عمّي القاطن معنا· بقلبي الموجوع للفقد، جنون الحياة الجديدة / الغريبة، وقادم يرتدي الغموض· كنت عجينة في طور الاختمار وتنتظر تشكيلها لتُخبز، وكانت العواصف في عينيه على أشدها، فغاب·· وغاب عني الفرح·
قد غادرنا العائلة في الكويت لرحلة طويلة لعلاج أمي· كان العام 90 في منتصفه، وهربنا من صيفه ومن قدره المترصّد في شماله· كنت بعيدة عن معاناة تلك السبعة أشهر، لكنّ مَرارًا رافقني وأبي وأسرة أمي لخمس سنوات قضيناها بين مشافي أميركا متنقلين· تركنا أسرة الكويت بملامحَ ترفضنا، لكنّها متعاطفة قليلاً مع جعفر، وعدنا بنبض ناقص، قادم غامض، واستقبلتنا وجوه صعُب عليّ التعرف بها من جديد· ذاك عُمْرٌ لوّح خلاله الجميع بعلم أميركا عدا عمي، الذي ضاق بنا وما زال·
Page 7
بعد يومين، كنت أصافح سارّة لالتقائنا مجددًا·
كانت كلّ واحدة منا نصف غائبة وبفكر ساه· أنا بهمّ البيت الكبير وقلق الهاتف الذي وصلني من شريفة ابنة عمي· وهي، بعينين زائغتين أَعَدتّهُما للوعي بحثِّي لها أن نبدأ الدرس· كنتُ بحاجة للخروج من أزمة التفكير، والانشغال عن اللاحق من الهمّ·
بَدأَتْ بما خالف خطّة التدريب· قفزَتْ لتفاصيل اللقاءات الصحفية· أخبرتني عن أهمية الذهن المتحفّز والإنصات المتيقّظ قبل أي مقاطعة أو سؤال· وضّحتْ لي قدسيّة المصداقيّة في نقل ما أحصل عليه من معلومات، والوفاء لطلبات الضيف حين التردّد في نشر بعض الأمور الشخصيّة مهما أغرتني الخبطة الصحفيّة بعكس ذلك· وأن إنسانيتي تجيء قبل كل شيء·· إلاّ حين التصادم مع الحقيقة، فإن الحق عام بمعرفتها ويخرج عن نطاق قرار شخصيّ· لـسارّة مبادئ تطابق فكر والديّ والكثير من توجهاتي التي هي في طور الثبات·
مع استمرارها بالحديث تراخت حبال التشنّج التي التقيتُها بها· عادت إليّ ابتسامتي، وما فتئتُ أومئ برأسي إعجابًا بما تنقله لي من أبجديات التحاور، وفطنة الأسئلة التي تُطرح لهدف ولا تجيء اعتباطًا ولا حشوًا لحديث مفتعل·
كنت أضع شخبطاتي على ورقة تكليف مصغّر منها· أبحث عن شخصيّة عامّة وأحضّر للقاء صحفي معها، كان يجب أن نتّفق قبل افتراقنا حول من سألتقي، لتقوم هي بتقييم إعدادي للأسئلة·
وضعتْ كوب القهوة بعد ارتشافة صغيرة، وانتشلتني من لجّة التفكير بمناورة ما توقعتها··
- تشبهين والدك كثيرًا· لك اتّساع عينيه، وبيضاويّة وجهه، لكنّ تلوّنك فأظنه موروثًا عن أمك·
رفعتُ رأسي ببطء، وابتسمتُ بخجل· إنها تتناولني بالحديث ووالديّ وتلوّني· والمشاهد ومضات تصعق الذاكرة، وتأخذني بعيدًا عنها· سهوتُ فأيقظتني··
- هل تحملين صورة لأمك ؟
Page 8
- أيّة صورة تقصدين ؟
ولم تهدني جوابًا سوى حيرة مطلّة من قسماتها الهادئة· ضحكتُ لهلوستي وشرعت بإخراج صورة لـ ماريا· محتفظة بابتسامتي ككل المرات التي يحملني بها الحديث عن أمي، قدّمتها لـ سارّة·
دهشتها المطلّة عبر المرفوع من حاجبيها اعتصرت قلبي· لم أكن واثقة إلى أي الدروب سيفضي حديثنا، وإن كنت أعشق الحديث عن أمي، لكن مع سارّة·· لأول مرة نتداول أمورًا شخصيّة، والمربك أنها أمور تخصّني، وكأنّني تحت ضوء كاشف يذيبني رهبة، يميل متسلّطًا عليّ فأصغر ويكبر ظلّي ويتمدّد·
- هل هي صورة قديمة ؟ تبدو شابة ولولا أخبرتني أنها أمك لظننتها أختك الكبرى!
- هي الأم والأخت والصديقة والابنة!
- هنيئًا لك رسوخ هذه العلاقة ! ما اسمها ؟
- ماريا
- الله! أطالبك بتعريفي إليها·
وابتسمتُ بوهن·
أيعقل أن لا تكون على دراية بترمّل جعفر؟
قد تخطيتُ رحيل أمي المبكر بعسر شديد· ورغم تماسكي الظاهر، إلاّ أن ذكرها يهزني بمزيج من اشتياق، حب، حزن عميق وغضب طفولي قديم، فرّغته بدموع حانقة على الله وتدابيره التي لم يُرضها سوى إطفاء الشمعة الدليل في عينيّ، وتركي في دائرة مبتورة لن يرتق اكتمالها أي بشر· انطفاؤها البطيء من حياتي أضاعني في بحور من الأسئلة· فماذا يعني أن أكون طفلة وحيدة تنال أكثر من حصتها في الدلال، لأم ملائكية تملأ البيت بروحها الأعذب وتمنح أسرتها غير الاعتيادي من اليوميات المبهجة، وأب وسيم يسابق النجاح بصدر مشرع للحياة، وقلب يستوعب كل جنوني ورغباتي وفطرتي!
ماذا يعني أن تكون الشقة الواسعة الأنيقة ببساطتها محتشدةً بالأرواح الطيبة دائمًا، زوار غير منقطعين بثقافات وألوان شتّى، باحتفالنا مع كل الأصدقاء بمختلف المناسبات الدينية، الوطنية والشخصية· ويكون عشنا مرتعًا لفرحهم· أن نكون حضنًا لكل فكر وتوجّه وثقافة، ثم بعد ذلك لا تبقى سوى آثار العابرين وقصاصات الذاكرة مثبّتة في كل ركن وزاوية، على قطع الأثاث، البيانو، على الستائر والنوافذ، والشرفة التي احتضنت الكثير الصعب توثيقه!
Page 9
لم النبش يا سارّة· إن ودّك يربكني، واختلاجات البوح تدعوني لتسريبه لك· وتودّين التعرّف إليها·· كيف أقدمها إليكِ ؟، بصورة انطوت على ملامحها عشر سنوات، وروح استعاده نافخُهُ، جسد طالبت به الأرض الأم، ودثّره الرمل الملتحف بزهور اللِّيلِي·
بالابتسامة نفسها، قدّمتُ الرد المكرور··
- منذ أكثر من عشر سنوات انتزعها المرض، لكني متأكدة أنها كانت ستفرح بالتقائك·
أشفقت عليها فورة حزنها· طمأنتها، وتقبلتُ عرضها الطيب للإنصات لي وقتما استدعت الحاجة، عرضًا اعتدته من الكثيرين الذين يختفون بعده مباشرة· سارّة قدّمت لي نفسها أختًا وصديقةً وفيّة، وسندًا يمكن الوثوق به، وضغطت على كفي بودّ·
استأذنتها، كان ميعاد زيارة شريفة قد اقترب· وقبل أن أهم بالمغادرة، ناولتني مغلفًا بداخله سيكون اسم الشخصية التي سأضع لها أسئلة المحاورة·
لا أدري كيف عُدتُ ليقْظتي وأنا أركن السيارة أمام باب البيت الكبير· إنّ الوعي حين تَخلّيه عنا يُلزم الروح الأوفى بأن يقتادنا بكل المحبة لوجهتنا· قد سلّمتُّ يقيني له طوال الطريق، وتركت لعقلي احتراف الطحن تكرارًا لحبوب الذاكرة·
لا أدري بأيّ وجه ستأتيني شريفة، وكم مقدار الوجع الذي ستذرفه كعادتها في حضني· لكني دومًا بكامل استعدادي لاحتوائها· في داخلي يقين من أنني أعبر حياتها لأمتص السمّ من أطرافها، وأرميه بعيدًا فتعود لها مجددًا الحياة، وتقوى على الاستمرار·
صرت مؤمنة بأن بُعدنا وقلّة بياتي عند العُودة تكفّلا بتقريبنا مجدّدًا، ومحو الألم من ذاكرة لازالت تحتفظ بكل مشاهد الفواجع في ذلك البيت·
لشريفة شقاوة تجاوزت براءة طفولتي، وحساسيّتي المفرطة· إني أدين لها بكثير من النضج المبكّر الذي أطعمتني إياه دون قصد من تجاربها ومعاناتها·
شريفة ابنة عمّي عبد الله، القاطن مع العُود والعُودة في البيت الكبير، عمّي النقيض لوالدي· لم ينعدم الشبه بينهما بالشكل فقط، بل تعدى ذلك ليشمل الطباع والقلب والعاطفة، كانا بغير نقاط التقاء فيما بينهما·
كثيرًا ما رمت شريفة حسدها إليّ، لأنني ابنة جعفر وماريا، وتمنّت بكلّ حرقة قلبها بعد كل صرخة أو ضربة من عمّي لو كانت هي مكاني وتبادلنا الأدوار· كنت أتساءل، أيّ إغراء يلتمع على سطح التيتّم المبكّر والاغتراب!
Page 10
شريفة الأقرب لكل تفاصيل الطفولة، اللهو وتبادل اللعب حين تهديني دمية أقلّ جمالاً مما لديّ مقايضة بها وأرضى محبّة لها لأنها صديقتي الوحيدة في حينها، بينما هي تظنّ بأنّ مقلبها نجح· بكل أحاديثها المغامرة والمستكشفة لأسرار العائلة، همساتهم تنقلها إليّ بحماسة من عثر على كنزٍ ثمين! والاستحمام المشترك نكتشف عبره الحميم من لحمنا ولا تتوانى خلاله من تعريفي بطريقة لذّة عابرة حين تسلّط رشّاش الماء بين فخذيها، وتغيب في ضحكة داعرة تحاول عبرها إثبات أنها أكبر وأكثر معرفة مني· شريفة التي لم تكن لتشي بالمودة التي تقاسمتُها مع أخيها أحمد، التي انصهرتُ معها في حزنها وتشاطرت الغرفة والكثير من تنهّدات البنات الحالمات معها، هي نفسها كانت خيبتي الأولى·
في عينيها عرفت معنى أن يدوس الضعيف على من هو أضعف منه لينجو، معنى الانكسار والوشاية الكاذبة للمنكسرين حصادًا لأمن مؤقت· لو كنت أعرف أن دعوتها لمشاهدة فيلم ناديا الجندي الضائعة والذي لا علم لي من أين أحضرتْ نسخته، أن تلك المشاهدة ستفضي لكلّ كمّ القهر الذي تجرّعته لما طاوعتها· كنا في عمر البلوغ الأقسى، وبفاهين مشدوهين·· تراقب كلّ منّا تلوّي الراقصة، وكان القدر كعادته يختار المشاهد بعناية فائقة مع توقيت دخول عمّي علينا في غرفة كل يوم، رغم انعدام وضوح الصوت الذي أخفضناه حدّ الكتمان، لكن··
متأهبة لهكذا غزو، صرخت شريفة بالتخلّي، وأشارت إليّ قبل هروبها على أنّني صاحبة الفيلم والفكرة!
كانت المتكفّلة بالصرخة الأولى التي تطالني من العم عبد الله، لم يضربني، لكنه دفعني وهزني من ذراعي بكل الإذلال· من بين شهقات المهانة تمتمت بأن ولا حتّى أبي قد·· ولئلاّ أكمل أخرسني··
- ولهذا صرتِ عديمة تربية!
لذت بفراشي ودموعي·
ثم بكثير من الحزن وقليل من الذنب جاءتني شريفة بماء وعصير ليمون وارتعاش ندم مفتعل مطلّ من عينيها يودّ لو تزاح الغمامة سريعا فنعود كما كنّا··
- لَيلَى، سامحيني· صرخته عليك أهون من ضربي بالعصا·
ولم أرد··