Page 1
مقدِّمة المترجم
أقدِّم ترجمة«كنديد» لفولتير...
وُلد فولتير بباريس 1694، ومات فيها سنة 1778...
وُلد، وعُمِّد في غدِ يومِ وِلادته، وأُطلق عليه اسم فرنسوا ماري أَرُوِيه، فأَرُوِيه اسم أسرته وفرنسوا اسم والده وماري اسم أمِّه، فكان جامعًا للأسماء الثلاثة، والأبوان من بواتُو أصلًا، وأسرة أَرُوِيه كانت قبل وِلادته بجِيلينِ قد اتّخذت باريس لها مستقرًّا، وكان جَدّ الأسرة تاجرًا موفّقًا، ولم يكن فولتير ليعرِف أمّه جيّدًا، فقد ماتت أيام كان في السابعة من سِنِيه، وأمّا أبوه فقد مات سنة 1721 تاركًا له شيئًا من المال.
وكان أبوه فرنسوا موثّقًا(1) بباريس، وكانت أمّه صديقةً لعرَّابِة الأب شاتُونُوف. وهذا الكاهن هو الذي حبّب الأدب والدِّين الطبيعي إلى فولتير وعرّفه المجتمعَ الراقي منذ صباه فأبدى تفوُّقًا في القريض أيّام صغره بما يُثيرُ العجب.
ويُدخَل، ابنًا للعاشرة من عمره إلى كليّة لويس الأكبر التي كان يقوم بإدارتها أناسٌ من اليسوعيّين، ويبقَى فيها حتّى سنة 1711، وما عليه من مَيل إلى الدِّين الطبيعي ونزوع إلى الحريّة كان يحمله على الحطِّ من قيمة التربية اليسوعية.
غادر المدرسة وعاد إلى بيت أبيه في تلك السنة، فيشتدُّ الخلاف بينهما حول ما يُزَاوِل، فالابنُ يريد الأدب، والأبُ لا يعترف بالأدب مهنةً، ويُذعن الابن مؤقتًا فيعنى بالفقه ظاهرًا، ويُكِبُّ على الأدب حقيقةً.
وكان الأبُ «دو شاتُونوف» قد مات قبل أن يتمّ ابنه في العماد فولتير دراسته، ولكن بعد أن جعله ينتسب إلى منظّمة التانبل المشهورة، ويحاول أبوه أن يفصلَه عن هذه المنظمة؛ ليكون من أنصار المركيز دو شاتُونوف الذي هو أخٌ للأبِ دو شاتُونوف، وهنالك يتعرّف بالمدعوّة أولنب دونويه البروتستانية المُعسِرة التي هي بنْتٌ لسيدةٍ أديبة، فيحُول أبوه اقترانهما بعد وعيدٍ وحصول على أمرٍ بالقبض عليه لم ينفّذ، أجل، لقد أذعن الابن وتظاهر بالعمل في مكتب لأحد المحامين.
ويبلغ فولتير الثالثة والعشرين من سِنِيه، وتُنشر أُهجُوّة عن الوصيّ على العرش، وتُعزَى إلى فولتير على غير حقٍّ، فيُعتقل في الباستيل حيث قضى أحدَ عشرَ شهرًا، وحيث عزم على تغيير اسمه، فلمّا خرج من الباستيل عُرِف بفولتير بعد أن كان يُعرَف باسم أسرته «أرُويه» كما قدّمنا.
وليست هذه المرّة وحدها هي التي يُزجّ فيها بفولتير في الباستيل، فبعد ثمانية أعوام من ذلك التاريخ أهانه أحدُ الأشراف الفارسُ دو روهان، وأرسل من الأُجراء مَن يضربونه بالعِصِيّ، ويدعو فولتير دو روهان إلى المبارزة، ويرضى هذا الشريف الفارس بما دعاه إليه فولتير، ولكن فولتير يقابَل بالاعتقال في الباستيل في صباح اليوم المعيّن للمبارزة بدلًا منها، ويقضي في هذا المعتقل نصف عامٍ، فلمّا خرج من الباستيل هاجر إلى إنكلترة حيث أقام ثلاث سنين (1726 ـ 1729).
وقد تعلّم فولتير الإنكليزية أثناء إقامته بإنكلترة، واتصل بعلية القوم اتصالًا وثيقًا، وأُعجب بالدستور الإنكليزي وبتسامح الإنكليز الدينيّ وحريّتِهم السياسية أيّما إعجابٍ، وكان لأخلاق هؤلاء الناس وعاداتهم بالغُ الأثر فيه.
ويعود إلى باريس حاملًا في ذهنه كثيرًا من المشاريع في الحريّة السياسيّة والإصلاحات الدينية، فينشر في سنة 1734 كتابه «الرسائل الفلسفية» أو «الرسائل الإنكليزية» حيث أثنى على نظام ذلك البلد، فقال: «إنّ أميره البالغَ القدرةِ على صنع الخير مقيَّد اليدين في صنع الشر»، وفي هذا الكتاب يعرض فولتير نظريات الفيلسوف الإنكليزي لُوك ويحمل حملة شعواءَ على الاستبداد والتعصّب الديني وسلطان الإكليروس فيُعَدّ هذا الكتاب هدّامًا فتقضي المحكمة العليا (البرلمان) بجمع نُسخِه وإحراقها «لمخالفته للدِّين وحُسن الأخلاق»، ويُؤمر باعتقال فولتير، ولم ينجُ من السجن في الباستيل للمرّة الثالثة إلا بالفرار، ويقضي عامًا في دُوكيّة اللُّورين المستقلّة، ثم يُلغى أمر اعتقاله وتُطلَق له حرية العَود إلى باريس 1735.
وبعد عام، أي في سنة 1736، يَتَلقّى أوّل كتابٍ من ولىِّ عهد بروسية: فردريك، وتكثُر المراسلة بينهما، ويُنادى بفردريك ملكًا لبروسية ويحاوِل اجتذاب فولتير إليه في بُوتسدام، وهو لم يُجِب فردريك الأكبر إلى طلبه إلّا في سنة 1750، ففي هذه السنة غادر باريس إلى برلين حيث أقام ثلاث سنين، وقد أَجرَى فردريك الأكبر عليه راتبًا سنويًّا في هذه المدّة، وما كان فردريك ليقتصر على صلته الأدبية بفولتير مع ما كان يحبُوه به من رعاية شاملة، وما كان فولتير ليطيق مساواة أحدٍ به في الحظْوَة لدى ذاك العاهل، فيضيق كلٌّ منهما بصاحبه ذرعًا، وأخيرًا يُبلَّغ تشبيهَ فردريك له بالبرتقالة التي تُعصَر فيُطرحُ قشرها، فيجيب فولتير عن هذا بأنّه ما فتئ يُزيل الأقذار عن ثياب فردريك، ويترك فولتير بُوتِسدام في سنة 1753.
وكان فولتير قبل سنة 1735 يُعَدّ من ذوي النباهة فقط، فلا يُحسب من ذوي الخَطَر ولا ينظر إليه بعين الجِدّ، وأمّا في السنين العشرين التي عقبت سنة 1735 فكان من سماته البارزة أنّه مُدوِّن لوقائع لويسَ الخامسَ عشرَ بفرساي وضيفٌ كريم لدى فردريك الأكبر مع محاولته تمثيل دورٍ سياسيٍّ عنده، وقد عُنِي فولتير في هذا الدور من حياته بالعلوم والتاريخ والروايات المسرحية على الخصوص، فلم يبلغ الستين من عمره حتّى كان مخرجًا للنّاس كتب «عصر لويس الرابع عشر» و«الطبائع والأخلاق» و«الروايات»، وكان فولتير من طبقة البُرجوازية التي تَلِي طبقة الأشراف، وكان يرى تلافي هذا الفرق بالغنى، فلم يهمل مصالحه الماليّة، قال بُرونْتِير: «لقد أدرك فولتير أنّ تمثيل دورٍ في المجتمعات الراقية يتطلّب ثراءً عند عدم الانتساب إلى طبقة الأشراف»، ويضارب ويكسِب في المضاربة، ويُكتب له التوفيق في كثرة الربح من كتبه وأعماله المالية، فيبلغ دخله السنوي حين وفاته نحو 370 ألف فرنك من الذهب. ويغدو فولتير محلّ شبهةٍ لدى ملك فرنسة لويس الخامس عشر كما سبق أن ساءت صلاته بفردريك الأكبر، وقد صار من الثراء ما يَقدِر معه على ابتياع القصور، فاشترى قصر فِيرْنِه الواقع على حدود سويسرة والمُشرِف على بحيرة جنيف (1755) حتّي إذا ما أُمِر باعتقاله تمكّن من الفِرار، وقد أقام بهذا القصر حتّى قُبيل موته.
ولم يكن فولتير ليتمتّع بصحّةٍ جيّدة، وما لاقى في الحين بعد الحين من مِحَن كان يسوقه إلى الموت، ومن العجيب، مع ذلك، أن أبدى في السنين الثلاث والعشرين التي بقيت له من عمره نشاطًا عظيمًا على الرغم من مَشِيبه، فشنّ في هذه المرحلة الأخيرة من سِنِّه غارة شديدة على الاستبداد والتعذيب وعدم التسامح وجرائم التعصُّب ومظالم القضاء، وممّا حدث أن اتُّهِم تاجرٌ بروتستاني من تُولُوز اسمه كالاس بقتل ابنه فحَكَم البرلمان (المحكمة العليا) عليه بالإعدام ونُفِّذ الحكم فيه مع التعذيب سنة 1762، ويَطَّلع فولتير على براءة كالاس وعلى أنّ الابن مات منتحرًا وعلى ضلال القضاء فيشهر حربًا ضروسًا على ظلم المحكمة ويطالب بردّ اعتبار ذلك المسكين فيقضي برلمان باريس بهذا في سنة 1765، ويَحمِل فولتير على تعويض أسرة المظلوم، فينال لها من الحكومة مبلغًا من المال، ويتّفق له مثل هذا التوفيق في ردِّ اعتبار لَالِّي تولِندال في سنة 1778.
وفي ذلك الدور الأخير من حياته عاد لا يؤثِّر في الرأي العام بالكتب المطوَّلة، وإنّما صار يؤثِّر فيه، على العموم، بما كان يرسل من رسائل نُشرِت له منها عشرة آلاف، وبما كان يَنشر من كراريس وأضابيرَ لا يُحصى لها عدٌّ، فظهر معظمها بأسماءٍ مستعارة مستوحيًا فيها حوادث الساعة، وبذلك يكون قد قام بتمثيل دور أنشط الصحفيين الذين عُرِفوا حتّى ذلك الزمن وأشدِّهم لذعًا وأكثرهم لمعًا.
أقدِّم ترجمة«كنديد» لفولتير...
وُلد فولتير بباريس 1694، ومات فيها سنة 1778...
وُلد، وعُمِّد في غدِ يومِ وِلادته، وأُطلق عليه اسم فرنسوا ماري أَرُوِيه، فأَرُوِيه اسم أسرته وفرنسوا اسم والده وماري اسم أمِّه، فكان جامعًا للأسماء الثلاثة، والأبوان من بواتُو أصلًا، وأسرة أَرُوِيه كانت قبل وِلادته بجِيلينِ قد اتّخذت باريس لها مستقرًّا، وكان جَدّ الأسرة تاجرًا موفّقًا، ولم يكن فولتير ليعرِف أمّه جيّدًا، فقد ماتت أيام كان في السابعة من سِنِيه، وأمّا أبوه فقد مات سنة 1721 تاركًا له شيئًا من المال.
وكان أبوه فرنسوا موثّقًا(1) بباريس، وكانت أمّه صديقةً لعرَّابِة الأب شاتُونُوف. وهذا الكاهن هو الذي حبّب الأدب والدِّين الطبيعي إلى فولتير وعرّفه المجتمعَ الراقي منذ صباه فأبدى تفوُّقًا في القريض أيّام صغره بما يُثيرُ العجب.
ويُدخَل، ابنًا للعاشرة من عمره إلى كليّة لويس الأكبر التي كان يقوم بإدارتها أناسٌ من اليسوعيّين، ويبقَى فيها حتّى سنة 1711، وما عليه من مَيل إلى الدِّين الطبيعي ونزوع إلى الحريّة كان يحمله على الحطِّ من قيمة التربية اليسوعية.
غادر المدرسة وعاد إلى بيت أبيه في تلك السنة، فيشتدُّ الخلاف بينهما حول ما يُزَاوِل، فالابنُ يريد الأدب، والأبُ لا يعترف بالأدب مهنةً، ويُذعن الابن مؤقتًا فيعنى بالفقه ظاهرًا، ويُكِبُّ على الأدب حقيقةً.
وكان الأبُ «دو شاتُونوف» قد مات قبل أن يتمّ ابنه في العماد فولتير دراسته، ولكن بعد أن جعله ينتسب إلى منظّمة التانبل المشهورة، ويحاول أبوه أن يفصلَه عن هذه المنظمة؛ ليكون من أنصار المركيز دو شاتُونوف الذي هو أخٌ للأبِ دو شاتُونوف، وهنالك يتعرّف بالمدعوّة أولنب دونويه البروتستانية المُعسِرة التي هي بنْتٌ لسيدةٍ أديبة، فيحُول أبوه اقترانهما بعد وعيدٍ وحصول على أمرٍ بالقبض عليه لم ينفّذ، أجل، لقد أذعن الابن وتظاهر بالعمل في مكتب لأحد المحامين.
ويبلغ فولتير الثالثة والعشرين من سِنِيه، وتُنشر أُهجُوّة عن الوصيّ على العرش، وتُعزَى إلى فولتير على غير حقٍّ، فيُعتقل في الباستيل حيث قضى أحدَ عشرَ شهرًا، وحيث عزم على تغيير اسمه، فلمّا خرج من الباستيل عُرِف بفولتير بعد أن كان يُعرَف باسم أسرته «أرُويه» كما قدّمنا.
وليست هذه المرّة وحدها هي التي يُزجّ فيها بفولتير في الباستيل، فبعد ثمانية أعوام من ذلك التاريخ أهانه أحدُ الأشراف الفارسُ دو روهان، وأرسل من الأُجراء مَن يضربونه بالعِصِيّ، ويدعو فولتير دو روهان إلى المبارزة، ويرضى هذا الشريف الفارس بما دعاه إليه فولتير، ولكن فولتير يقابَل بالاعتقال في الباستيل في صباح اليوم المعيّن للمبارزة بدلًا منها، ويقضي في هذا المعتقل نصف عامٍ، فلمّا خرج من الباستيل هاجر إلى إنكلترة حيث أقام ثلاث سنين (1726 ـ 1729).
وقد تعلّم فولتير الإنكليزية أثناء إقامته بإنكلترة، واتصل بعلية القوم اتصالًا وثيقًا، وأُعجب بالدستور الإنكليزي وبتسامح الإنكليز الدينيّ وحريّتِهم السياسية أيّما إعجابٍ، وكان لأخلاق هؤلاء الناس وعاداتهم بالغُ الأثر فيه.
ويعود إلى باريس حاملًا في ذهنه كثيرًا من المشاريع في الحريّة السياسيّة والإصلاحات الدينية، فينشر في سنة 1734 كتابه «الرسائل الفلسفية» أو «الرسائل الإنكليزية» حيث أثنى على نظام ذلك البلد، فقال: «إنّ أميره البالغَ القدرةِ على صنع الخير مقيَّد اليدين في صنع الشر»، وفي هذا الكتاب يعرض فولتير نظريات الفيلسوف الإنكليزي لُوك ويحمل حملة شعواءَ على الاستبداد والتعصّب الديني وسلطان الإكليروس فيُعَدّ هذا الكتاب هدّامًا فتقضي المحكمة العليا (البرلمان) بجمع نُسخِه وإحراقها «لمخالفته للدِّين وحُسن الأخلاق»، ويُؤمر باعتقال فولتير، ولم ينجُ من السجن في الباستيل للمرّة الثالثة إلا بالفرار، ويقضي عامًا في دُوكيّة اللُّورين المستقلّة، ثم يُلغى أمر اعتقاله وتُطلَق له حرية العَود إلى باريس 1735.
وبعد عام، أي في سنة 1736، يَتَلقّى أوّل كتابٍ من ولىِّ عهد بروسية: فردريك، وتكثُر المراسلة بينهما، ويُنادى بفردريك ملكًا لبروسية ويحاوِل اجتذاب فولتير إليه في بُوتسدام، وهو لم يُجِب فردريك الأكبر إلى طلبه إلّا في سنة 1750، ففي هذه السنة غادر باريس إلى برلين حيث أقام ثلاث سنين، وقد أَجرَى فردريك الأكبر عليه راتبًا سنويًّا في هذه المدّة، وما كان فردريك ليقتصر على صلته الأدبية بفولتير مع ما كان يحبُوه به من رعاية شاملة، وما كان فولتير ليطيق مساواة أحدٍ به في الحظْوَة لدى ذاك العاهل، فيضيق كلٌّ منهما بصاحبه ذرعًا، وأخيرًا يُبلَّغ تشبيهَ فردريك له بالبرتقالة التي تُعصَر فيُطرحُ قشرها، فيجيب فولتير عن هذا بأنّه ما فتئ يُزيل الأقذار عن ثياب فردريك، ويترك فولتير بُوتِسدام في سنة 1753.
وكان فولتير قبل سنة 1735 يُعَدّ من ذوي النباهة فقط، فلا يُحسب من ذوي الخَطَر ولا ينظر إليه بعين الجِدّ، وأمّا في السنين العشرين التي عقبت سنة 1735 فكان من سماته البارزة أنّه مُدوِّن لوقائع لويسَ الخامسَ عشرَ بفرساي وضيفٌ كريم لدى فردريك الأكبر مع محاولته تمثيل دورٍ سياسيٍّ عنده، وقد عُنِي فولتير في هذا الدور من حياته بالعلوم والتاريخ والروايات المسرحية على الخصوص، فلم يبلغ الستين من عمره حتّى كان مخرجًا للنّاس كتب «عصر لويس الرابع عشر» و«الطبائع والأخلاق» و«الروايات»، وكان فولتير من طبقة البُرجوازية التي تَلِي طبقة الأشراف، وكان يرى تلافي هذا الفرق بالغنى، فلم يهمل مصالحه الماليّة، قال بُرونْتِير: «لقد أدرك فولتير أنّ تمثيل دورٍ في المجتمعات الراقية يتطلّب ثراءً عند عدم الانتساب إلى طبقة الأشراف»، ويضارب ويكسِب في المضاربة، ويُكتب له التوفيق في كثرة الربح من كتبه وأعماله المالية، فيبلغ دخله السنوي حين وفاته نحو 370 ألف فرنك من الذهب. ويغدو فولتير محلّ شبهةٍ لدى ملك فرنسة لويس الخامس عشر كما سبق أن ساءت صلاته بفردريك الأكبر، وقد صار من الثراء ما يَقدِر معه على ابتياع القصور، فاشترى قصر فِيرْنِه الواقع على حدود سويسرة والمُشرِف على بحيرة جنيف (1755) حتّي إذا ما أُمِر باعتقاله تمكّن من الفِرار، وقد أقام بهذا القصر حتّى قُبيل موته.
ولم يكن فولتير ليتمتّع بصحّةٍ جيّدة، وما لاقى في الحين بعد الحين من مِحَن كان يسوقه إلى الموت، ومن العجيب، مع ذلك، أن أبدى في السنين الثلاث والعشرين التي بقيت له من عمره نشاطًا عظيمًا على الرغم من مَشِيبه، فشنّ في هذه المرحلة الأخيرة من سِنِّه غارة شديدة على الاستبداد والتعذيب وعدم التسامح وجرائم التعصُّب ومظالم القضاء، وممّا حدث أن اتُّهِم تاجرٌ بروتستاني من تُولُوز اسمه كالاس بقتل ابنه فحَكَم البرلمان (المحكمة العليا) عليه بالإعدام ونُفِّذ الحكم فيه مع التعذيب سنة 1762، ويَطَّلع فولتير على براءة كالاس وعلى أنّ الابن مات منتحرًا وعلى ضلال القضاء فيشهر حربًا ضروسًا على ظلم المحكمة ويطالب بردّ اعتبار ذلك المسكين فيقضي برلمان باريس بهذا في سنة 1765، ويَحمِل فولتير على تعويض أسرة المظلوم، فينال لها من الحكومة مبلغًا من المال، ويتّفق له مثل هذا التوفيق في ردِّ اعتبار لَالِّي تولِندال في سنة 1778.
وفي ذلك الدور الأخير من حياته عاد لا يؤثِّر في الرأي العام بالكتب المطوَّلة، وإنّما صار يؤثِّر فيه، على العموم، بما كان يرسل من رسائل نُشرِت له منها عشرة آلاف، وبما كان يَنشر من كراريس وأضابيرَ لا يُحصى لها عدٌّ، فظهر معظمها بأسماءٍ مستعارة مستوحيًا فيها حوادث الساعة، وبذلك يكون قد قام بتمثيل دور أنشط الصحفيين الذين عُرِفوا حتّى ذلك الزمن وأشدِّهم لذعًا وأكثرهم لمعًا.
Page 2
وفي ذلك الدور الأخير من حياة فولتير يظهر كتابه «كنديد أو التفاؤل» الذي ملأ صيتُه الأجواء، وكان فولتير حين وضع هذا الكتاب في الرابعة والستين من سِنِيه، وقد نُشر في جنيف سنة 1759 خاليًا من اسم المؤلِّف والناشر، ولم يقُل فولتير أين وضع الكتاب ولا متى كتَبَه، وقد أُظهِر للناس مترجمًا عن الأنانية بقلم الدكتور رَالْف!...
وقد انتشر كتاب «كنديد» بسرعة هائلة، وأُعِيد طبعه باستمرار، حتّى إنّه وُجد له ثلاثَ عشرةَ طبعة مؤرّخة في سنة 1759، ولم يقتصر صيت الكتاب على فرنسة، بل عمَّ أرجاء الدنيا، وتُرجِم إلى أرقى لغات العالَم مرّاتٍ كثيرة.
وكان يسود العصر الذي ظهر فيه فولتير مبدأُ التفاؤل القائل «إنّ كلّ شيءٍ هو أحسنُ ما يكون في أحسن ما يمكن من العوالم»، وكان فليسوف ألمانية الشهير ليبِنتْز يحمل لواء هذا المذهب، وما كان يقع في العالم من مصائب وما يَحُلّ به من كوارث لا يجعل فيلسوفًا مفكّرًا مثل فولتير يقول بهذا الرأى، وممّا حدث أن أُصيبت أَشبُونة(2) في سنة 1755 بزلزالٍ هائلٍ جعل عاليَها سافلَها، وأن اشتعلتْ حربُ السنين السبع في سنة 1756 فأوْدَت بحياة عشرات الألوف من الناس، فهذان الحادثان وما إليهما هزّت جميع الافتراضات التفاؤلية هَزًّا عنيفًا فأتاحت لفولتير فرصة الحَمْلة على مذهب التفاؤل بلا هَوَادة فقال في كتاب «كنديد» كلمته وأذاع موعظته.
وفي كتاب «كنديد» جعل فولتير بنغلُوس بطل التفاؤل وجعل مارتنَ بطلَ التشاؤم، وما يُعارِض به فولتير تشاؤم مارتن وتفاؤل بنغلوس هو ما يعارِض به اللاهوتَ النصراني وتفاؤُلَ ليبنتْزَ الرواقى، وفي كتاب «كنديد» يجوب فولتير معظم أقطار العالم فيتجلّي اكتئابه النفسي حِيَال ما ينطوي عليه تاريخ العالَم من حروب وفظائع ومصائب ونوازل وأعمالٍ تُشَابِه ما يصدر عن المجانين.
وكاد فولتير يقضي بكتاب «كنديد» على مبدأ التفاؤل في العالم، فيه يَهدِم التفاؤل المطلق، وهو من أعظم كتب العالم حَملَة على هذا التفاؤل إن لم يكن أعظمَها، وكتاب «كنديد» مملوءٌ سُخرية وإبداعًا، ولا عجب، فالقلم بيد فولتير يجري ويضحك كما قال أناتول فرانس، وفي كتاب «كنديد» ترى فولتير أكثر الكتاب دُعابة مع بُعدِ غَورٍ في المقصد، ولا غَرْوَ، ففولتير في كتابه «كنديد» أعظم مَن يقوم بهذا الغرض.
وكتاب «كنديد» مؤلّف من جزأين(3)، فأمّا الجزء الأول فيوجد إجماعٌ على أنّه وُضع بقلم فولتير، وأمّا الجزء الثاني فقد ذهب كثير من النقّاد إلى أنّه من وَضْع كاتب آخر، ولذا يُرى اقتصار بعض الطبَعات وبعض الترجمات على الجزء الأول منه كما يرى اشتمال طبَعات أخرى وبعض ترجمات على الجزأين معًا، وذلك مع إشارة قسمٍ منها إلى هذا الأمر، ومهما يكن من أمر، فإنّ الجزء الثاني وُضع على نحو الجزء الأول وروحه، ولا يكاد الناقد النفّاذ يلمس فرقًا بينهما، وكيف يدرك هذا والجزء الثاني ينمّ على براعة ولباقة كالأوّل، وقد حفَزَنا هذا إلى ترجمة الجزء الثاني أيضًا إتمامًا للفائدة وإمتاعًا للقارئ العربي.
وإذا سألت عن مذهب فولتير السياسي واعتقاده الديني، أجبت بأنّ فولتير يقتصر، مثل مونتسكيو، على المطالبة بالإصلاح السياسي والديني وثَلْم شوكة الاستبداد، وهما في هذا على خلاف جان جاك روسّو الذي كان ينادي بضرورة تجديد الدولة والمجتمع تجديدًا كليًّا، وكان كلٌّ من فولتير ومونتسكيو راضيًا بالمجتمع الذي يعيش فيه، فلا يرغب في قلبه وإنّما يطلب الإصلاح، وكلاهما فُتِن بالدستور الإنكليزى، ولا سيّما تسامح الإنكليز الديني، وكان الدِّين أظهر ما عُنِي به فولتير وإن بحث في السياسة، وكانت السياسة أظهر ما عُنِي به مونتسكيو وإن بحث في الدِّين، وكلاهما ناهض عدمَ التسامح في جميع وجوهه كما ناهضا الاضطهاد والتفتيش والحروب الدينية، وطالب فولتير بإلغاء امتيازات الإكليروس، وطالب مونتسكيو بأن تكفَّ الكنيسة عن ظلم مخالفيها ومنكريها وبأن يكون الإكليروس أقلّ ثراء وسلطانًا.
حقًّا كانت فرنسة في عهد لويس الرابع عشر وعهد لويس الخامس عشر خاضعة لكنيسة متعصبة غير متسامحة ولمَلَكية مستبدّة، فلم تذُق طعم الحرية الدينية ولا طعم الحرية السياسية، فلم يُطِق الناس هذا الوضع، فظهرت في أوائل القرن الثامن عشر روح تذمُّر شديدٍ بين المثقّفين ضدّ الكنيسة والملكية، ولكن مع تعذُّر الجهر بالحملة على الدين والنظام القائم، وكان فولتير على رأس المتذمّرين، فلمّا عاد من إنكلترة بثّ كثيرًا من الانتقاد للدين والملكية في رواياته وتواريخه وقاموسه الفلسفي ورسائله، ولم ينفكَّ عن جهاده في هذا السبيل حتّى وفاته، وهو لم يحاول بهذا تأسيس نظام سياسي أو إقامة مذهب ديني، بل كان يرىد الإصلاح ما استطاع، وإن كان من القائلين بالدّين الطبيعي مع إنكار الوحى، وهو قد عُدّ بهذا هادمًا للنصرانية عدوًّا لها، ولا يعني هذا أنّه أراد إلغاء الدين، وإنما أراد دينًا بلا أسرار ولا رموز فيقتصر إكليروسه على تعليم الأخلاق، وعنده أنّ على الأمير أن يكون من تلاميذ الفلاسفة، فقد قال: «لا نقصد إشعالَ ثورةٍ كما في زمن لُوثر، ولكن نقصدُ إحداث ثورةٍ في نفوس مَن يقومون بالحُكم».
ويبلغ فولتير الثالثة والثمانين من سِنيه، ويعزم على السفر إلى باريس بعد أن كان العَود إليها حرامًا عليه في القسم الأخير من عهد لويس الخامس عشر، فلمّا جلس لويس السادس عشر على العرش مُهِّدت له سبيل دخولها، فقصد باريس وحضر تمثيل روايته إيرين، فلاقى أثناء سفره إلى العاصمة وإقامته بها، من الإجلال والتعظيم ما يفوق الوصف، ويمرض بباريس ويُتوفَّى فيها بعد أن لبث بها ثلاثة أشهر في هذه المرة، وتحظر السلطة على الصحف أن تتكلّم عن وفاته، ويرفض الإكليروس أن يُدفَن في قبر ويُهدِّد برمي جثمانه في مَطرَح القمامة بَيدَ أنّ أهله يتمكّنون من دفنه في سِلييرَ بِشَنْبانيه، ثم تشتعل الثورة الفرنسية فيُينقَلُ رفات هذا العظيم في سنة 1791 إلى مدفن العظماء «البانتيون» بباريس.
نابلس
عادل زعتير
وقد انتشر كتاب «كنديد» بسرعة هائلة، وأُعِيد طبعه باستمرار، حتّى إنّه وُجد له ثلاثَ عشرةَ طبعة مؤرّخة في سنة 1759، ولم يقتصر صيت الكتاب على فرنسة، بل عمَّ أرجاء الدنيا، وتُرجِم إلى أرقى لغات العالَم مرّاتٍ كثيرة.
وكان يسود العصر الذي ظهر فيه فولتير مبدأُ التفاؤل القائل «إنّ كلّ شيءٍ هو أحسنُ ما يكون في أحسن ما يمكن من العوالم»، وكان فليسوف ألمانية الشهير ليبِنتْز يحمل لواء هذا المذهب، وما كان يقع في العالم من مصائب وما يَحُلّ به من كوارث لا يجعل فيلسوفًا مفكّرًا مثل فولتير يقول بهذا الرأى، وممّا حدث أن أُصيبت أَشبُونة(2) في سنة 1755 بزلزالٍ هائلٍ جعل عاليَها سافلَها، وأن اشتعلتْ حربُ السنين السبع في سنة 1756 فأوْدَت بحياة عشرات الألوف من الناس، فهذان الحادثان وما إليهما هزّت جميع الافتراضات التفاؤلية هَزًّا عنيفًا فأتاحت لفولتير فرصة الحَمْلة على مذهب التفاؤل بلا هَوَادة فقال في كتاب «كنديد» كلمته وأذاع موعظته.
وفي كتاب «كنديد» جعل فولتير بنغلُوس بطل التفاؤل وجعل مارتنَ بطلَ التشاؤم، وما يُعارِض به فولتير تشاؤم مارتن وتفاؤل بنغلوس هو ما يعارِض به اللاهوتَ النصراني وتفاؤُلَ ليبنتْزَ الرواقى، وفي كتاب «كنديد» يجوب فولتير معظم أقطار العالم فيتجلّي اكتئابه النفسي حِيَال ما ينطوي عليه تاريخ العالَم من حروب وفظائع ومصائب ونوازل وأعمالٍ تُشَابِه ما يصدر عن المجانين.
وكاد فولتير يقضي بكتاب «كنديد» على مبدأ التفاؤل في العالم، فيه يَهدِم التفاؤل المطلق، وهو من أعظم كتب العالم حَملَة على هذا التفاؤل إن لم يكن أعظمَها، وكتاب «كنديد» مملوءٌ سُخرية وإبداعًا، ولا عجب، فالقلم بيد فولتير يجري ويضحك كما قال أناتول فرانس، وفي كتاب «كنديد» ترى فولتير أكثر الكتاب دُعابة مع بُعدِ غَورٍ في المقصد، ولا غَرْوَ، ففولتير في كتابه «كنديد» أعظم مَن يقوم بهذا الغرض.
وكتاب «كنديد» مؤلّف من جزأين(3)، فأمّا الجزء الأول فيوجد إجماعٌ على أنّه وُضع بقلم فولتير، وأمّا الجزء الثاني فقد ذهب كثير من النقّاد إلى أنّه من وَضْع كاتب آخر، ولذا يُرى اقتصار بعض الطبَعات وبعض الترجمات على الجزء الأول منه كما يرى اشتمال طبَعات أخرى وبعض ترجمات على الجزأين معًا، وذلك مع إشارة قسمٍ منها إلى هذا الأمر، ومهما يكن من أمر، فإنّ الجزء الثاني وُضع على نحو الجزء الأول وروحه، ولا يكاد الناقد النفّاذ يلمس فرقًا بينهما، وكيف يدرك هذا والجزء الثاني ينمّ على براعة ولباقة كالأوّل، وقد حفَزَنا هذا إلى ترجمة الجزء الثاني أيضًا إتمامًا للفائدة وإمتاعًا للقارئ العربي.
وإذا سألت عن مذهب فولتير السياسي واعتقاده الديني، أجبت بأنّ فولتير يقتصر، مثل مونتسكيو، على المطالبة بالإصلاح السياسي والديني وثَلْم شوكة الاستبداد، وهما في هذا على خلاف جان جاك روسّو الذي كان ينادي بضرورة تجديد الدولة والمجتمع تجديدًا كليًّا، وكان كلٌّ من فولتير ومونتسكيو راضيًا بالمجتمع الذي يعيش فيه، فلا يرغب في قلبه وإنّما يطلب الإصلاح، وكلاهما فُتِن بالدستور الإنكليزى، ولا سيّما تسامح الإنكليز الديني، وكان الدِّين أظهر ما عُنِي به فولتير وإن بحث في السياسة، وكانت السياسة أظهر ما عُنِي به مونتسكيو وإن بحث في الدِّين، وكلاهما ناهض عدمَ التسامح في جميع وجوهه كما ناهضا الاضطهاد والتفتيش والحروب الدينية، وطالب فولتير بإلغاء امتيازات الإكليروس، وطالب مونتسكيو بأن تكفَّ الكنيسة عن ظلم مخالفيها ومنكريها وبأن يكون الإكليروس أقلّ ثراء وسلطانًا.
حقًّا كانت فرنسة في عهد لويس الرابع عشر وعهد لويس الخامس عشر خاضعة لكنيسة متعصبة غير متسامحة ولمَلَكية مستبدّة، فلم تذُق طعم الحرية الدينية ولا طعم الحرية السياسية، فلم يُطِق الناس هذا الوضع، فظهرت في أوائل القرن الثامن عشر روح تذمُّر شديدٍ بين المثقّفين ضدّ الكنيسة والملكية، ولكن مع تعذُّر الجهر بالحملة على الدين والنظام القائم، وكان فولتير على رأس المتذمّرين، فلمّا عاد من إنكلترة بثّ كثيرًا من الانتقاد للدين والملكية في رواياته وتواريخه وقاموسه الفلسفي ورسائله، ولم ينفكَّ عن جهاده في هذا السبيل حتّى وفاته، وهو لم يحاول بهذا تأسيس نظام سياسي أو إقامة مذهب ديني، بل كان يرىد الإصلاح ما استطاع، وإن كان من القائلين بالدّين الطبيعي مع إنكار الوحى، وهو قد عُدّ بهذا هادمًا للنصرانية عدوًّا لها، ولا يعني هذا أنّه أراد إلغاء الدين، وإنما أراد دينًا بلا أسرار ولا رموز فيقتصر إكليروسه على تعليم الأخلاق، وعنده أنّ على الأمير أن يكون من تلاميذ الفلاسفة، فقد قال: «لا نقصد إشعالَ ثورةٍ كما في زمن لُوثر، ولكن نقصدُ إحداث ثورةٍ في نفوس مَن يقومون بالحُكم».
ويبلغ فولتير الثالثة والثمانين من سِنيه، ويعزم على السفر إلى باريس بعد أن كان العَود إليها حرامًا عليه في القسم الأخير من عهد لويس الخامس عشر، فلمّا جلس لويس السادس عشر على العرش مُهِّدت له سبيل دخولها، فقصد باريس وحضر تمثيل روايته إيرين، فلاقى أثناء سفره إلى العاصمة وإقامته بها، من الإجلال والتعظيم ما يفوق الوصف، ويمرض بباريس ويُتوفَّى فيها بعد أن لبث بها ثلاثة أشهر في هذه المرة، وتحظر السلطة على الصحف أن تتكلّم عن وفاته، ويرفض الإكليروس أن يُدفَن في قبر ويُهدِّد برمي جثمانه في مَطرَح القمامة بَيدَ أنّ أهله يتمكّنون من دفنه في سِلييرَ بِشَنْبانيه، ثم تشتعل الثورة الفرنسية فيُينقَلُ رفات هذا العظيم في سنة 1791 إلى مدفن العظماء «البانتيون» بباريس.
نابلس
عادل زعتير
Page 3
الفصل الأول
كيف نُشِّئ كنديد في قصرٍ جميلٍ وطُردَ منه
كان يقيم بقصر السيد البارون ثَندِرتِن ترُنْك في فِستِفَالْية غلامٌ حبَته الطبيعة أكثر السجايا دَماثة، وكانت سيماه تدلُّ على روحه، وكان على شيء من إصابة الرأي مع أبسط ما يمكن من نفس، وأظنّ أنّ هذا سبب تسميته كنديد، وكانت تساور الخَدَمَ القدماء في المنزل شُبهةٌ في كونه ابنًا لأخت السيد البارون ولرجل صالح شريف من الجِوار، ولم ترغب هذه الآنسة في الزواج به قطّ؛ لأنّه لم يستطع أن يُثبتَ غير واحد وسبعين جيلًا من أجيال الشرف لضياع بقيةِ شجرة نسبه بتلفٍ من الزمن.
وكان السيد البارون من أقوى سِنيورات فستفالية؛ لأنّ لقصره بابًا ونوافذ، ولأنّ بَهْوَه الكبير مزيّن بطنافس أيضًا، وكان يتألّف من كلاب حظائره سِربٌ للصيد عند الحاجة، وكان سُوّاسُه مكَلِّبيه(4) وكان قَسُّ القرية كاهنَه الأكبر، وكان الجميع يدعونه «مولانا» فيضحكون من قِصصه.
وكانت السيدة البارونة، التي تزنُ من الأرطال نحوَ ثلاثمِئة وخمسين، تُوجب لنفسها احترامًا كبيرًا بهذا، وما كانت تقوم به من إكرامٍ للزائرين يجعلها موضعَ أعظم تبجيل أيضًا، وكانت ابنتها كُونيغُوند، البالغة من العمر سبعَ عشرةَ سنة، مشربة بحمرة ناضرة بادنةً فاتنة، وكان ابن البارون يبدو سرَّ أبيه، وكان المُعلّم بنغلُوس وَحىَ البيت، فيستمع كنديد الصغير لدروسه بكلّ ما ينطوي عليه سنُّه وطبعه من سذَاجة.
وكان بنغلوس يعلّم ما بعد الطبيعة وعلم اللّاهوت وعلم الهيئة، فيثبت، بما يُثير العَجَب، أنّه لا معلول بلا علّة، وأن قصر مولانا البارون أجمل القصور في هذا العالم الذي هو أحسن ما يُمكن من العوالم، وأنّ السيدة أصلح بارونة يُمكن أن تكون.
وكان يقول: «لقد ثَبَت أنّ الأشياء لا يمكن أن تكون غير ما هي عليه، وذلك لأنّ كلّ شيء إذْ صُنِع لغايةٍ كان كلّ شيء لأصلح غاية بحكم الضرورة، فلاحظوا أنّ الأنوف صُنِعت لوضع نظّارات، ولذا فإنّ لدينا نظّارات، وأنّ السيقان صُنعت لتُسروَل ولذا فإن لدينا سراويل، وأن الحجارة خُلِقت لتُنحَت وتُبنى بها قصورٌ، ولذا فإنّ لمولانا قصرًا رائعًا جدًّا، ولا عجب، فيجب أن يكون بارون الإقليم الأكبرُ أحسنَ الناس منزلًا، وبما أنّ الخنازير خُلقت لتُؤكَل فإنّنا نأكل لحم خنزير في جميع السنة، ومن ثمّ كان من الهُراء زعم مَن قال إنّ كلّ شيء حَسن، فيجب أن يقول إنّه على أحسن ما يكون».
وكان كنديد يستمع مُنتبِهًا، وكان يصدِّق مع السذاجة، وذلك لأنّه يجد الآنسة كونيغوند جميلةً إلى الغاية وإن لم يكن من الجرأة ما يبوح لها بذلك، وكان يحكم بأنّ أُولى درجات السعادة هي أن يُولَد الإنسان بارون ثَندِرْتن ترُنك، وبأنّ ثانية درجات السعادة هي أن يكون الإنسانُ الآنسةَ كونيغوند، وبأنّ درجتها الثالثة أن يراها كلّ يوم، وبأنّ درجتها الرابعة أن يستمع للمعلّم بنغلوس الذي هو فيلسوف الإقليم الأعظم، ومن ثمّ أعظم فلاسفة الأرض طرًّا.
وبَينَا كانت كونيغوند تتنزّه، ذات يوم، بالقرب من القصر، في الغابة الصغيرة المسمّاة حديقة، أبصرت الدكتور بنغلوس وهو يؤدّي بين الدَّغل(5) درسًا في الفيزياء التجريبية إلى خادمة أمّها، إلى هذه الخادمة الصغيرة السمراء المِذعان(6) البالغة الظَّرف، وإذ إنّ الآنسة كونيغوند ذات مَيلٍ كثير إلى العلوم فإنّها لاحظت، من غير أن تنطق بكلمة ما شاهدته من تجارب مكرَّرة، ورأت بوضوح ما عند الدكتور من سببٍ كافٍ، كما رأت المعلولات والعلل، وانصرفت مضطربة جدًّا، مفكّرة جدًّا، شديدة الرغبة في أن تكون عالمة، مبصرة إمكان كونها سببًا كافيًا للشابّ كنديد الذي يمكنه أن يكون سببًا كافيًا لها أيضًا.
لاقت كنديد وهي راجعة إلى القصر فاحمرّ وجهها خجلًا كما احمرّ وجه كنديد، وقد تمنّت له نهارًا سعيدًا بصوت متهدِّج، وقد كلّمها كنديد من غير أن يعرف ما قال، ولمّا كان الغد تناول الجميع الغداء وغادروا مائدة الطعام، وجد كنديد وكونيغوند نفسيهما وراء حاجز، فأسقطت كونيغوند منديلَها، فالتقطه كنديد، فتناولت يدَه بسلامة قلب، وقبّل الفتى يد الفتاة ببساطة مع نشاط ولُطف وظرْف خاصّ، وتلتقي شفاهُهما وتلتهب أعينها، وتصطكّ ركبهما، وتضِلّ أيديهما، ويمرّ السيد البارون ثَندِرتن تُرنك بجانب الحاجز، ويشاهد هذه العلّة وهذا المعلول فيطرد كنديد من القصر راكلًا إيّاه من الخلف بشدّة، ويُغمَى على كونيغوند، وتُفيق، وتَلطِمها السيدة البارونة، ويستحوذ ذعرٌ على الجميع في أجمل ما يُمكن أن يكون من القصور وأبهج ما يُمكن أن يُشاد منها
كيف نُشِّئ كنديد في قصرٍ جميلٍ وطُردَ منه
كان يقيم بقصر السيد البارون ثَندِرتِن ترُنْك في فِستِفَالْية غلامٌ حبَته الطبيعة أكثر السجايا دَماثة، وكانت سيماه تدلُّ على روحه، وكان على شيء من إصابة الرأي مع أبسط ما يمكن من نفس، وأظنّ أنّ هذا سبب تسميته كنديد، وكانت تساور الخَدَمَ القدماء في المنزل شُبهةٌ في كونه ابنًا لأخت السيد البارون ولرجل صالح شريف من الجِوار، ولم ترغب هذه الآنسة في الزواج به قطّ؛ لأنّه لم يستطع أن يُثبتَ غير واحد وسبعين جيلًا من أجيال الشرف لضياع بقيةِ شجرة نسبه بتلفٍ من الزمن.
وكان السيد البارون من أقوى سِنيورات فستفالية؛ لأنّ لقصره بابًا ونوافذ، ولأنّ بَهْوَه الكبير مزيّن بطنافس أيضًا، وكان يتألّف من كلاب حظائره سِربٌ للصيد عند الحاجة، وكان سُوّاسُه مكَلِّبيه(4) وكان قَسُّ القرية كاهنَه الأكبر، وكان الجميع يدعونه «مولانا» فيضحكون من قِصصه.
وكانت السيدة البارونة، التي تزنُ من الأرطال نحوَ ثلاثمِئة وخمسين، تُوجب لنفسها احترامًا كبيرًا بهذا، وما كانت تقوم به من إكرامٍ للزائرين يجعلها موضعَ أعظم تبجيل أيضًا، وكانت ابنتها كُونيغُوند، البالغة من العمر سبعَ عشرةَ سنة، مشربة بحمرة ناضرة بادنةً فاتنة، وكان ابن البارون يبدو سرَّ أبيه، وكان المُعلّم بنغلُوس وَحىَ البيت، فيستمع كنديد الصغير لدروسه بكلّ ما ينطوي عليه سنُّه وطبعه من سذَاجة.
وكان بنغلوس يعلّم ما بعد الطبيعة وعلم اللّاهوت وعلم الهيئة، فيثبت، بما يُثير العَجَب، أنّه لا معلول بلا علّة، وأن قصر مولانا البارون أجمل القصور في هذا العالم الذي هو أحسن ما يُمكن من العوالم، وأنّ السيدة أصلح بارونة يُمكن أن تكون.
وكان يقول: «لقد ثَبَت أنّ الأشياء لا يمكن أن تكون غير ما هي عليه، وذلك لأنّ كلّ شيء إذْ صُنِع لغايةٍ كان كلّ شيء لأصلح غاية بحكم الضرورة، فلاحظوا أنّ الأنوف صُنِعت لوضع نظّارات، ولذا فإنّ لدينا نظّارات، وأنّ السيقان صُنعت لتُسروَل ولذا فإن لدينا سراويل، وأن الحجارة خُلِقت لتُنحَت وتُبنى بها قصورٌ، ولذا فإنّ لمولانا قصرًا رائعًا جدًّا، ولا عجب، فيجب أن يكون بارون الإقليم الأكبرُ أحسنَ الناس منزلًا، وبما أنّ الخنازير خُلقت لتُؤكَل فإنّنا نأكل لحم خنزير في جميع السنة، ومن ثمّ كان من الهُراء زعم مَن قال إنّ كلّ شيء حَسن، فيجب أن يقول إنّه على أحسن ما يكون».
وكان كنديد يستمع مُنتبِهًا، وكان يصدِّق مع السذاجة، وذلك لأنّه يجد الآنسة كونيغوند جميلةً إلى الغاية وإن لم يكن من الجرأة ما يبوح لها بذلك، وكان يحكم بأنّ أُولى درجات السعادة هي أن يُولَد الإنسان بارون ثَندِرْتن ترُنك، وبأنّ ثانية درجات السعادة هي أن يكون الإنسانُ الآنسةَ كونيغوند، وبأنّ درجتها الثالثة أن يراها كلّ يوم، وبأنّ درجتها الرابعة أن يستمع للمعلّم بنغلوس الذي هو فيلسوف الإقليم الأعظم، ومن ثمّ أعظم فلاسفة الأرض طرًّا.
وبَينَا كانت كونيغوند تتنزّه، ذات يوم، بالقرب من القصر، في الغابة الصغيرة المسمّاة حديقة، أبصرت الدكتور بنغلوس وهو يؤدّي بين الدَّغل(5) درسًا في الفيزياء التجريبية إلى خادمة أمّها، إلى هذه الخادمة الصغيرة السمراء المِذعان(6) البالغة الظَّرف، وإذ إنّ الآنسة كونيغوند ذات مَيلٍ كثير إلى العلوم فإنّها لاحظت، من غير أن تنطق بكلمة ما شاهدته من تجارب مكرَّرة، ورأت بوضوح ما عند الدكتور من سببٍ كافٍ، كما رأت المعلولات والعلل، وانصرفت مضطربة جدًّا، مفكّرة جدًّا، شديدة الرغبة في أن تكون عالمة، مبصرة إمكان كونها سببًا كافيًا للشابّ كنديد الذي يمكنه أن يكون سببًا كافيًا لها أيضًا.
لاقت كنديد وهي راجعة إلى القصر فاحمرّ وجهها خجلًا كما احمرّ وجه كنديد، وقد تمنّت له نهارًا سعيدًا بصوت متهدِّج، وقد كلّمها كنديد من غير أن يعرف ما قال، ولمّا كان الغد تناول الجميع الغداء وغادروا مائدة الطعام، وجد كنديد وكونيغوند نفسيهما وراء حاجز، فأسقطت كونيغوند منديلَها، فالتقطه كنديد، فتناولت يدَه بسلامة قلب، وقبّل الفتى يد الفتاة ببساطة مع نشاط ولُطف وظرْف خاصّ، وتلتقي شفاهُهما وتلتهب أعينها، وتصطكّ ركبهما، وتضِلّ أيديهما، ويمرّ السيد البارون ثَندِرتن تُرنك بجانب الحاجز، ويشاهد هذه العلّة وهذا المعلول فيطرد كنديد من القصر راكلًا إيّاه من الخلف بشدّة، ويُغمَى على كونيغوند، وتُفيق، وتَلطِمها السيدة البارونة، ويستحوذ ذعرٌ على الجميع في أجمل ما يُمكن أن يكون من القصور وأبهج ما يُمكن أن يُشاد منها
Page 4
الفصل الثاني
ما حدث لكنديد بين البُلغار
طُرد كنديد من فردوس الأرض فسار طويلًا على غير هُدًى باكيًا رافعًا عينيه إلى السماء محوِّلًا إيّاهما، في الغالب، نحو القصر الأروع المشتمل على أجمل بارونة صغيرة، وقد نام بين أخدودينِ في الحقول من غير أن يتناول العشاء، وقد كان الثلج يتساقط رُضابًا(7)، ويبدو كنديد في الغد مرتعد الفرائص بردًا فيجرّ نفسه إلى المدينة المجاورة المسمّاة فَلْدبِرغُوف ترَارْبك دِكْدُورْف صفرَ اليد ميِّتًا جوعًا وتعبًا ويقف حزينًا عند باب حانة، ويلاحظه رجلان لابسان ثيابًا زرقًا فيقول أحدهما للآخر: «ذاك شابّ، يا رفيقي، حسن التكوين مقبول القامة»، ويتقدّمان نحو كنديد ويدعوانه إلى الغداء بأدب جمّ، فيقول لهما بتواضع فتّان: «أي سيديَّ، إنّكما تبالغان في إكرامي، ولكن ليس عندي ما أدفع به حصّتي»، فيقول أحد اللابسينِ ثيابًا زرقًا(8): «آه، سيدي، إنّ مَن له مثلُ وجهك وفضلك لا يدفع شيئًا، ألا تبلغ قامتك خمس أقدام وخمسَ بوصات؟» ويقول مع حَنو رأسٍ: «أجل، أيّها السيدان، ذلكما قَوامي»، ويقولان: «آه، أيّها السيد، اجلس حول المائدة، لن نطيق وجود رجل مثلك يُعوِزه المال فضلًا عن أنّنا لا نكلفك بدفع شيء، فقد خُلق الناس ليتعاونوا»، ويقول كنديد: «الحقّ كما تقولان، وهذا الذي كان السيد بنغلوس يقوله لي دائمًا، وأرى كلّ شيء على أحسن ما يكون»، ويرجوان أن يَقبل منهما بعض الدراهم، فيأخذها، ويريد أن يُعطِي سندًا بذلك، فلا يُوافق على هذا مطلقًا، ويجلس الجميع حول المائدة، ويُسأل: «ألا تحبّ حبًّا رقيقًا» ويجيب: «وَي! أجل، أحبُ الآنسة كونيغوند حبًّا رقيقًا»، ويقول له أحد ذينك السيدين: «لا، إنّنا نسألك عن حبّك لملك البلغار حبًّا رقيقًا»، ويقول: «كلّا؛ لأنّني لم أره قطّ»، «ـ كيف! هو أكثر الملوك فتنة، فيجب أن يُشرب نخبه»، «ـ وي! سمعًا وطاعةً أيّها السيدان»، ويشرب، ويقال له: «كفى، أنت الآن سند البلغار وحاميهم وبطلهم، وقد نلت حظًّا وضمنت مجدًا»، وتُقيّد رجلاه بالحديد حالًا، ويُؤتى به إلى الكتيبة ويُؤمر بالالتفات يمينًا وشمالًا وبرفع المِدَكّ ووضعه وبتسديد البندقية وإطلاق النار ومضاعفة الخَطو، ويضرب بالعصا ثلاثين مرّةً، وفي الغد يتحسّن في التدريب قليلًا فلا يتلقّى غير عشرين ضربة، ويتلقّى عشر ضربات فقط بعد يومين فيَعُدُّه رفقاؤه من الأعاجيب.
بُهت كنديد، ولم يكشف جيّدًا بعدُ كيف أنّه بطل، ويعِنّ في يوم من الربيع أن يتنزّه وأن يمضي قُدُمًا معتقدًا أنّ استخدام الإنسان لساقَيه كما يروقه امتيازٌ للنوع البشري كما هو امتيازٌ للنوع الحيواني، ولم يكد يسير فرسخين حتّى أدركه أربعة أبطال يبلغ طول الواحد منهم ستّ أقدام، فأوثقوه، وأتَوا به إلى سجن مظلم، ويُسأل قضائيًّا عن اختياره بين أن يُجلد ستًّا وثلاثين مرّة من قِبلِ كلّ جندي في الكتيبة وأن يتلقّى في دماغه اثنتي عشرة رصاصة دَفعة واحدة، وهو، على ما كان من احتجاجه بأنّ للنّاس إرادةً حرّةً فلا يريد هذا ولا ذاك، لا بُدّ من الاختيار، فأراد، بما أنعم الربُّ عليه من حريّة كما تُسمّى، معاناة السياط ستًّا وثلاثين مرّة، ولم يحتمل غير جولتينِ، وكانت الكتيبة مؤلّفة من ألفَي رجل. فأصابته بأربعة آلاف جلدة أسفرت عن كشف عضله وعصبه فيما بين نُقرَته(9) ومقعده، وبما أنّه عاد لا يُطيق أكثر من ذلك، وبما أنّهم كادوا يبدءون بالجولة الثالثة، التمس ضارعًا أن يُحسَن إلىه بتحطيم رأسه، فنال هذا اللطف، وتُعَصَّب عيناه ويُقعَد على ركبتيه، ويمرّ ملك البُلغار في تلك الدقيقة ويَسأل عن جناية المحكوم عليه بالموت، ويدرك الملك، بما فُطِر عليه من عبقرية عظيمة، وبما علم عن كنديد، أنّه فتى من علماء ما بعد الطبيعة جاهلٌ كلّ الجهل لأمور هذه الدنيا، فيعفو عنه برأفة تُحمد له في جميع الصحف وعلى مرّ القرون، ويُشفى كنديد في ثلاثة أسابيع على يد جراح جريء استعمل ما نصّ عليه ذيسقوريذس من مراهم، ويكتسى قليل جلدٍ، ويستطيع المشي في وقت سار فيه ملك البلغار لمقاتلة ملك الآبار.
ما حدث لكنديد بين البُلغار
طُرد كنديد من فردوس الأرض فسار طويلًا على غير هُدًى باكيًا رافعًا عينيه إلى السماء محوِّلًا إيّاهما، في الغالب، نحو القصر الأروع المشتمل على أجمل بارونة صغيرة، وقد نام بين أخدودينِ في الحقول من غير أن يتناول العشاء، وقد كان الثلج يتساقط رُضابًا(7)، ويبدو كنديد في الغد مرتعد الفرائص بردًا فيجرّ نفسه إلى المدينة المجاورة المسمّاة فَلْدبِرغُوف ترَارْبك دِكْدُورْف صفرَ اليد ميِّتًا جوعًا وتعبًا ويقف حزينًا عند باب حانة، ويلاحظه رجلان لابسان ثيابًا زرقًا فيقول أحدهما للآخر: «ذاك شابّ، يا رفيقي، حسن التكوين مقبول القامة»، ويتقدّمان نحو كنديد ويدعوانه إلى الغداء بأدب جمّ، فيقول لهما بتواضع فتّان: «أي سيديَّ، إنّكما تبالغان في إكرامي، ولكن ليس عندي ما أدفع به حصّتي»، فيقول أحد اللابسينِ ثيابًا زرقًا(8): «آه، سيدي، إنّ مَن له مثلُ وجهك وفضلك لا يدفع شيئًا، ألا تبلغ قامتك خمس أقدام وخمسَ بوصات؟» ويقول مع حَنو رأسٍ: «أجل، أيّها السيدان، ذلكما قَوامي»، ويقولان: «آه، أيّها السيد، اجلس حول المائدة، لن نطيق وجود رجل مثلك يُعوِزه المال فضلًا عن أنّنا لا نكلفك بدفع شيء، فقد خُلق الناس ليتعاونوا»، ويقول كنديد: «الحقّ كما تقولان، وهذا الذي كان السيد بنغلوس يقوله لي دائمًا، وأرى كلّ شيء على أحسن ما يكون»، ويرجوان أن يَقبل منهما بعض الدراهم، فيأخذها، ويريد أن يُعطِي سندًا بذلك، فلا يُوافق على هذا مطلقًا، ويجلس الجميع حول المائدة، ويُسأل: «ألا تحبّ حبًّا رقيقًا» ويجيب: «وَي! أجل، أحبُ الآنسة كونيغوند حبًّا رقيقًا»، ويقول له أحد ذينك السيدين: «لا، إنّنا نسألك عن حبّك لملك البلغار حبًّا رقيقًا»، ويقول: «كلّا؛ لأنّني لم أره قطّ»، «ـ كيف! هو أكثر الملوك فتنة، فيجب أن يُشرب نخبه»، «ـ وي! سمعًا وطاعةً أيّها السيدان»، ويشرب، ويقال له: «كفى، أنت الآن سند البلغار وحاميهم وبطلهم، وقد نلت حظًّا وضمنت مجدًا»، وتُقيّد رجلاه بالحديد حالًا، ويُؤتى به إلى الكتيبة ويُؤمر بالالتفات يمينًا وشمالًا وبرفع المِدَكّ ووضعه وبتسديد البندقية وإطلاق النار ومضاعفة الخَطو، ويضرب بالعصا ثلاثين مرّةً، وفي الغد يتحسّن في التدريب قليلًا فلا يتلقّى غير عشرين ضربة، ويتلقّى عشر ضربات فقط بعد يومين فيَعُدُّه رفقاؤه من الأعاجيب.
بُهت كنديد، ولم يكشف جيّدًا بعدُ كيف أنّه بطل، ويعِنّ في يوم من الربيع أن يتنزّه وأن يمضي قُدُمًا معتقدًا أنّ استخدام الإنسان لساقَيه كما يروقه امتيازٌ للنوع البشري كما هو امتيازٌ للنوع الحيواني، ولم يكد يسير فرسخين حتّى أدركه أربعة أبطال يبلغ طول الواحد منهم ستّ أقدام، فأوثقوه، وأتَوا به إلى سجن مظلم، ويُسأل قضائيًّا عن اختياره بين أن يُجلد ستًّا وثلاثين مرّة من قِبلِ كلّ جندي في الكتيبة وأن يتلقّى في دماغه اثنتي عشرة رصاصة دَفعة واحدة، وهو، على ما كان من احتجاجه بأنّ للنّاس إرادةً حرّةً فلا يريد هذا ولا ذاك، لا بُدّ من الاختيار، فأراد، بما أنعم الربُّ عليه من حريّة كما تُسمّى، معاناة السياط ستًّا وثلاثين مرّة، ولم يحتمل غير جولتينِ، وكانت الكتيبة مؤلّفة من ألفَي رجل. فأصابته بأربعة آلاف جلدة أسفرت عن كشف عضله وعصبه فيما بين نُقرَته(9) ومقعده، وبما أنّه عاد لا يُطيق أكثر من ذلك، وبما أنّهم كادوا يبدءون بالجولة الثالثة، التمس ضارعًا أن يُحسَن إلىه بتحطيم رأسه، فنال هذا اللطف، وتُعَصَّب عيناه ويُقعَد على ركبتيه، ويمرّ ملك البُلغار في تلك الدقيقة ويَسأل عن جناية المحكوم عليه بالموت، ويدرك الملك، بما فُطِر عليه من عبقرية عظيمة، وبما علم عن كنديد، أنّه فتى من علماء ما بعد الطبيعة جاهلٌ كلّ الجهل لأمور هذه الدنيا، فيعفو عنه برأفة تُحمد له في جميع الصحف وعلى مرّ القرون، ويُشفى كنديد في ثلاثة أسابيع على يد جراح جريء استعمل ما نصّ عليه ذيسقوريذس من مراهم، ويكتسى قليل جلدٍ، ويستطيع المشي في وقت سار فيه ملك البلغار لمقاتلة ملك الآبار.
Page 5
الفصل الثالث
كيف نجا كنديد من البُلغار وما وقع له
لم يكن مثلَ الجيشين شيء روعة ونشاطًا وبهاءً وحُسن تنظيم، وكان يتألّف من الأبواق والمزامير والنايات والطبول والمدافع انسجامٌ لم يوجد له نظير في جهنّم، وأول ما صنعته المدافع هو أنها صَرَعت نحو ستّة آلاف رجل من كلّ جانب، ثم قضى إطلاق البنادق على ما بين تسعة آلاف وغد وعشرة آلاف وغد من أصلح العوالم كانوا يفسدون وجهه، وكانت الحِراب سببًا كافيًا لهلاك بضعة آلاف من الناس، ويمكن تقدير جميع ذلك بثلاثين ألفًا من النفوس، ويرتجف كنديد، مثل فيلسوف، فيختفي ما استطاع في أثناء هذا المجزِر البَطَلي.
وأخيرًا بينا كان كلُّ من الملِكين يأمر بأن تُرتَّل تسبحَة الشكر في معسكره عَزَم كنديد على الذهاب إلى مكان آخر لينظر في المعلولات والعلل، ويَمُرُّ على أكداس القتلى والمحتضرين، ويبلغ في بَدء الأمر قرية مجاورة تحوّلت إلى رماد، وهذه قرية آباريّة حرّقها البلغار وفق قوانين الحقّ العام، وهنا شيوخ أُمعِن في ضربهم فينظرون إلى نسائهم اللائي ذُبِحن ممسكاتٍ أولادهنّ عند ثدِيِّهن الدامية، وهناك فتيات مبقورات البطون يَلفِظن أنفاسَهن الأخيرة بعد أن قَضَى بعض الأبطال أوطارهم الطبيعية منهنّ، وهنالك أخريات نصفُ مُحرَّقات يصرخن للإجهاز عليهن، وتوجد أدمغة منثورة على الأرض بجانب ذرعان مقطّعةٍ وسيقان مبتورة.
ويفرُّ كنديد إلى قرية أخرى بأسرع ما يمكن، وهذه قرية من أملاك البلغار عاملها أبطال الآبار بمثل ما عامل به البلغارُ تلك القرية، ويمشي كنديد، دائمًا، على أشلاءٍ مرتجّة، أو من بين أنقاض، وأخيرًا ينتهي إلى ما وراء ساحة الحرب حاملًا قليلًا من الزاد في خرجه غير ناسٍ الآنسة كونيغوند مطلقًا، وتُعوِزه المِيرَة حين وصوله إلى هولندة، ولكن بما أنّه سمع قولًا عن كون جميع الناس أغنياء نصارى في هذا البلد لم يشُكّ في أنه سيلقى حسن معاملة منهم كما عومل في قصر البارون قبل أن يطرد منه في سبيل عيني الآنسة كونيغوند الجميلتين.
ويسأل كثيرًا من ذوي الرَّصانة أن يعطوه صدقة فيجمعون على الجواب بأنّه إذا داوم على هذه الحرفة حُبِس في دار للإصلاح يُعلَّم فيها كيف يعيش.
ثم يقصِد رجلًا تكلّم ساعةً كاملة عن الإحسان في مجلس كبير، وينظر هذا الخطيب إليه شزرًا ويقول له: «لمَ أتيت إلى هنا؟ ألغَرَض صالح؟»، ويجيب كنديد بقوله متواضعًا: «لا معلول بلا علّة، وكلّ متسلسل بحكم الضرورة مُنظَّم على أحسن ما يمكن، وكان لا بدّ من طردي من عند الآنسة كُونِيغُوند، وكان لا بدّ من جَلْدِي ومن طلب خبزي حتّى أقدر على كسبه، وما كان هذا كلّه ليقع على وجه آخر»، ويقول الخطيب له: «أتعتقد، يا صاحبي، أنّ البابا عدوّ المسيح؟»، ويجيب كنديد بقوله: «لم أسمع بهذا قبل الآن، وسواء أكان البابا هكذا أم لم يكن فإنّ القوت يُعوِزني»، ويقول الخطيب: «أنت لا تستحقّ أن تأكل منه، فاذهب أيّها الوغد، اذهب أيّها المسكين، ولا تدنُ منّي أبدًا» وتُخرِج امرأة الخطيب رأسها من النافذة، وتقول إذ ترى رجلًا لا يعتقد أنّ البابا عدوّ المسيح: «يا ربّ! يا غيرة النساء البالغة على الدِّين!».
ويرى رجل لم يُعمّد قطّ، رجل تعميدي صالح، رجل اسمه جاك، سوءَ ما عومل به أحد إخوانه، قسوة ما عومل به مخلوق ذو رجلين، ذُلّ ما عومل به موجود بلا ريش، إنسان ذو روح، فيأتى به إلى بيته وينظّفه، ويعطيه خبزًا وجعَة ويقدّم إليه فلورينين، ويريد أيضًا، أن يعلّمه العمل في مصانعه الهولندية التي تصنع فيها نسائج فارسيّة، ويسجد كنديد أمامه تقريبًا ويقول بصوت عالٍ: «أصاب المعلم بنغلوس في قوله لي إنّ كلّ شيء في هذا العالم يسير على أحسن ما يكون، فما لاقيت من كرمك المتناهي كان له من الأثر البالغ في نفسي ما هو أعظم من قسوة ذلك السيد ذي الحُلّة السوداء وقسوة السيدة زوجته».
وبينما كان يتنزّه في الغد لاقى سائلًا مستورًا ببُثُور مُطفأ العينين مقرّض الأرنبة(10) مُعوَجّ الفم أسود الأسنان أبحَّ الصوت، وكان هذا المسكين يألم من سعال شديد، فيبصق في كلّ سَعلَة سنًّا.
كيف نجا كنديد من البُلغار وما وقع له
لم يكن مثلَ الجيشين شيء روعة ونشاطًا وبهاءً وحُسن تنظيم، وكان يتألّف من الأبواق والمزامير والنايات والطبول والمدافع انسجامٌ لم يوجد له نظير في جهنّم، وأول ما صنعته المدافع هو أنها صَرَعت نحو ستّة آلاف رجل من كلّ جانب، ثم قضى إطلاق البنادق على ما بين تسعة آلاف وغد وعشرة آلاف وغد من أصلح العوالم كانوا يفسدون وجهه، وكانت الحِراب سببًا كافيًا لهلاك بضعة آلاف من الناس، ويمكن تقدير جميع ذلك بثلاثين ألفًا من النفوس، ويرتجف كنديد، مثل فيلسوف، فيختفي ما استطاع في أثناء هذا المجزِر البَطَلي.
وأخيرًا بينا كان كلُّ من الملِكين يأمر بأن تُرتَّل تسبحَة الشكر في معسكره عَزَم كنديد على الذهاب إلى مكان آخر لينظر في المعلولات والعلل، ويَمُرُّ على أكداس القتلى والمحتضرين، ويبلغ في بَدء الأمر قرية مجاورة تحوّلت إلى رماد، وهذه قرية آباريّة حرّقها البلغار وفق قوانين الحقّ العام، وهنا شيوخ أُمعِن في ضربهم فينظرون إلى نسائهم اللائي ذُبِحن ممسكاتٍ أولادهنّ عند ثدِيِّهن الدامية، وهناك فتيات مبقورات البطون يَلفِظن أنفاسَهن الأخيرة بعد أن قَضَى بعض الأبطال أوطارهم الطبيعية منهنّ، وهنالك أخريات نصفُ مُحرَّقات يصرخن للإجهاز عليهن، وتوجد أدمغة منثورة على الأرض بجانب ذرعان مقطّعةٍ وسيقان مبتورة.
ويفرُّ كنديد إلى قرية أخرى بأسرع ما يمكن، وهذه قرية من أملاك البلغار عاملها أبطال الآبار بمثل ما عامل به البلغارُ تلك القرية، ويمشي كنديد، دائمًا، على أشلاءٍ مرتجّة، أو من بين أنقاض، وأخيرًا ينتهي إلى ما وراء ساحة الحرب حاملًا قليلًا من الزاد في خرجه غير ناسٍ الآنسة كونيغوند مطلقًا، وتُعوِزه المِيرَة حين وصوله إلى هولندة، ولكن بما أنّه سمع قولًا عن كون جميع الناس أغنياء نصارى في هذا البلد لم يشُكّ في أنه سيلقى حسن معاملة منهم كما عومل في قصر البارون قبل أن يطرد منه في سبيل عيني الآنسة كونيغوند الجميلتين.
ويسأل كثيرًا من ذوي الرَّصانة أن يعطوه صدقة فيجمعون على الجواب بأنّه إذا داوم على هذه الحرفة حُبِس في دار للإصلاح يُعلَّم فيها كيف يعيش.
ثم يقصِد رجلًا تكلّم ساعةً كاملة عن الإحسان في مجلس كبير، وينظر هذا الخطيب إليه شزرًا ويقول له: «لمَ أتيت إلى هنا؟ ألغَرَض صالح؟»، ويجيب كنديد بقوله متواضعًا: «لا معلول بلا علّة، وكلّ متسلسل بحكم الضرورة مُنظَّم على أحسن ما يمكن، وكان لا بدّ من طردي من عند الآنسة كُونِيغُوند، وكان لا بدّ من جَلْدِي ومن طلب خبزي حتّى أقدر على كسبه، وما كان هذا كلّه ليقع على وجه آخر»، ويقول الخطيب له: «أتعتقد، يا صاحبي، أنّ البابا عدوّ المسيح؟»، ويجيب كنديد بقوله: «لم أسمع بهذا قبل الآن، وسواء أكان البابا هكذا أم لم يكن فإنّ القوت يُعوِزني»، ويقول الخطيب: «أنت لا تستحقّ أن تأكل منه، فاذهب أيّها الوغد، اذهب أيّها المسكين، ولا تدنُ منّي أبدًا» وتُخرِج امرأة الخطيب رأسها من النافذة، وتقول إذ ترى رجلًا لا يعتقد أنّ البابا عدوّ المسيح: «يا ربّ! يا غيرة النساء البالغة على الدِّين!».
ويرى رجل لم يُعمّد قطّ، رجل تعميدي صالح، رجل اسمه جاك، سوءَ ما عومل به أحد إخوانه، قسوة ما عومل به مخلوق ذو رجلين، ذُلّ ما عومل به موجود بلا ريش، إنسان ذو روح، فيأتى به إلى بيته وينظّفه، ويعطيه خبزًا وجعَة ويقدّم إليه فلورينين، ويريد أيضًا، أن يعلّمه العمل في مصانعه الهولندية التي تصنع فيها نسائج فارسيّة، ويسجد كنديد أمامه تقريبًا ويقول بصوت عالٍ: «أصاب المعلم بنغلوس في قوله لي إنّ كلّ شيء في هذا العالم يسير على أحسن ما يكون، فما لاقيت من كرمك المتناهي كان له من الأثر البالغ في نفسي ما هو أعظم من قسوة ذلك السيد ذي الحُلّة السوداء وقسوة السيدة زوجته».
وبينما كان يتنزّه في الغد لاقى سائلًا مستورًا ببُثُور مُطفأ العينين مقرّض الأرنبة(10) مُعوَجّ الفم أسود الأسنان أبحَّ الصوت، وكان هذا المسكين يألم من سعال شديد، فيبصق في كلّ سَعلَة سنًّا.
Page 6
الفصل الرابع
كيف لاقى كنديد معلّمه القديم
في الفلسفة: الدكتور بنغلوس وما وقع له
هزّت الشفقة كنديد أكثرَ من أن تهُزَّه النّفْرَة فأعطى هذا السائلَ الهائل ذينك الفلورينَين اللذين قد أخذهما من التعميدي الصالح: جاك، ويُصوِّب هذا الهزيل نظره إليه ويسكُب عبرات، ويعانقه، فيتراجع كنديد مذعورًا.
قال البائس للبائس الآخر: «واهًا! أَعُدتَ لا تعرف بنغلوسك العزيز؟»، «ـ ماذا أسمع؟ أنت معلّمي العزيز! أنت في هذه الحال الفظيعة! أيُّ بلاءٍ ألمَّ بك إذن؟ ما السبب في أنك عدتَ لا تكون في أجمل القصور؟ ما خبر الآنسة كونيغوند التي هي درّة الفتيات طرفة الطبيعة؟»، فقال بنغلوس: «أنا منهوك»، فأخذه كنديد من فوره على مراح التعميدي حيث أكل قليل خبز، ولما صحّ بنغلوس قال له كنديد: «خيرًا ! كونيغوند؟»، فقال بنغلوس: «لقد ماتت»، ويُغمَى على كنديد عند سماع هذه الكلمة فيعيد صديقه إليه وعيه بقليل من الخلِّ الرديء الذي وجد في المرَاح عَرضًا، ويفتح كنديد عينيه ويقول: «ماتت كونيغوند! آه! أين أنتِ يا خير الناس؟ ولكن بأيّ مرض ماتت؟ ألأنّها رأتني أُطرد بضربات الرجل من القصر الجميل الذي يملكه أبوها السيّد؟» فقال بنغلوس: «كلّا، بل بقر بطنَها جنودٌ من البُلغار بعد أن اغتصبوها ما استطاعوا وكسروا رأس السيّد البارون الذي أراد الدفاع عنها، وقطّعوا السيدة البارونة إرْبًا إرْبًا، وصُنع بتلميذي المسكين كما صُنع بأخته، وأمّا القصر فلم يبقَ منه حجر على حجر، ولم يبق نِبْر(11) ولا ضأن ولا بطّ ولا شجر، غير أنّه انتقم لنا، فقد أصاب الآبارُ بمثل ذلك السوء بارونيّةً مجاورة يملكها سنيور بلغاري».
ويسمع كنديد هذا الكلام فيُغمى عليه أيضًا، ويعود إليه وعيه، ويقول كلّ ما يجب أن يقول، ويبحث عن العلّة والمعلول وعن السبب الكافي الذي نزل به بنغلوس إلى مثل تلك الحال المبكية كثيرًا، فيقول بنغلوس: «آه! ذلك هو الحبّ، الحبّ المفرج لكرب الجنس البشري والحافظ للكون، الحبّ الناعم الذي هو روح جميع الموجودات الحاسّة»، ويقول كنديد: «يا حسرتا! عرفت هذا الحبّ، هذا المسيطر على القلوب، هذا الروح لروحنا، هذا الذي لم يأتني بغير قُبلةٍ وعشرين ركلة على استي، فكيف أدّت هذه العلّة الرائعة إلى هذا المعلول المرذول بهذا المقدار؟».
ويجيبه بنغلوس بهذه الكلمات: «أي كنديدي العزيز! أنت تذكر باكتّ، هذه الخادمة الحسناء لدى بارونتنا المبجّلة، فقد ذقت بين ذراعيها ملاذ الجنة التي أدّت إلى ما يفترسني من آلام الجحيم كما ترى، وقد كانت مصابة بها ومن المحتمل أن ماتت بها، وقد نالت باكت هذه الهدية من راهب علَّامة أتى بها من منبعها، وذلك أنّها انتقلت إليه من كُونتسةٍ عجوز كانت قد أخذتها من قائد فرسان مدين بها لمركيزة تَلقَّتها من خادم أمير تناولها من يسُوعي حديث عهد بالرهبانية فانتهت إليه من أحد أصحاب كرستُوف كولنبس توًّا، وأمّا أنا فلن أُنعم بها على أحد لأنني أقضي نحبي».
كنديد صارخًا: «أي بنغلوس! تلك سلسلة نسب غريبة! ألم يكن الشيطان أصلًا لها؟»
الرجل الكبير مجيبًا: «كلّا، هذا أمر لازم في أصلح العالمينَ، هذا عنصر ضرورى، فلو لم يُصَب صاحب كولنبس بهذا الداء في جزيرة بأمريكة، بهذا المرض الذي يفسد أصل النسل، بهذا الوصب الذي يعوق النسل في الغالب، بهذا العياء المخالف لغرض الطبيعة كما هو واضح، ما كانت عندنا شكولاته ولا دودة قرمز، وممّا يلاحظ أيضًا كون هذا المرض في قارتنا لا يزال خاصًّا بنا كالجَدَل، فلمّا يعرفه الترك والهنود والفرس والصينيون والسياميون واليابانيون، ولكنّه يوجد سبب يكفي لمعرفتهم إيّاه بدورهم في بضعة قرون، وريثما يقع ذلك نقول إنّه تقدّم تقدُّمًا عجيبًا بيننا، ولا سيّما في تلك الجيوش العظيمة المؤلّفة من مرتزقة صالحين حَسَني التنشئة يقرِّرون مصير الدول، فيمكن أن يقال مع التوكيد إنّه إذا ما اصطفّ ثلاثون ألف مقاتل لخوض معركة وكان يقابلهم من الكتائب ما يشتمل على مثل هذا العدد من المقاتلة وُجد في كلّ من الفريقين نحو عشرين ألف مصاب بالزهري».
ويقول كنديد: «هذا أمر عجيب، ولكن يجب أن تُشفى»، ويقول بنغلوس: «كيف أقدر على ذلك؟ إنّني لا أملك فلسًا يا صديقي، ولا يتمّ فصدٌ، ولا حقن، لإنسان في جميع هذه الدنيا من غير أن يدفع مالًا أو من غير أن يوجد من يدفع عنه مالًا».
وتحثّ هذه الكلمة كنديد، فيذهب ويرتمي على قدمي التعميدي المحسن إليه: جاك، ويصف له ما صار إليه صديقه من حال وصفًا مؤثّرًا جدًّا، فلم يتردّد هذا الرجل الطيب في إيواء الدكتور بنغلوس، ويشفيه على نفقته، ولم يفقد بنغلوس في هذه المعالجة غير عينٍ وغير أذنٍ، وكان بنغلوس حسن الخطّ، تامّ المعرفة بالحساب، فعيَّنه التعميدي، جاك، ممسكًا لدفاتره، ويمضي شهران فيضطّر جاك إلى الذهاب إلى أَشبُونة من أجل أعماله التجارية ويأخذ معه فيلسوفَيه في السفينة، ويفصِّل له بنغلوس كيف أنّ كلّ شيءٍ جُعل على أحسن ما يكون، ولم يكن جاك على هذا الرأى، فقال: «لا بدّ من أن يكون الناس قد أفسدوا الطبيعة قليلًا، وذلك لأنّهم لم يولدوا ذئابًا، فصاروا ذئابًا، ولم يعطهم الربّ مدافع من عيار أربع وعشرين، ولم يعطهم الربّ حرابًا، فصنعوا مدافع وحرابًا ليبيد بعضهم بعضًا، وأستطيع أن أشير إلى الإفلاسات وإلى القضاء الذي يقبض على أموال المفلسين ليُحرَمَه الدائنون»، فأجابه الدكتور الأعور بقوله: «كان جميع هذا ضروريًّا، فعن المصائب الخاصّة ينشأ الخير العام، وإن شئت فقل إنّ المصائب الخاصّة كلّما زادت تحسّن كلُّ شيء». وبينا كان يُبرهن، أَظلَم الهواء وهبّت الرياح من جهات العالم الأربع، فهوجمت السفينة بأفظع عاصفة إزاءَ ميناء أشبُونة.الفصل الخامس
كيف لاقى كنديد معلّمه القديم
في الفلسفة: الدكتور بنغلوس وما وقع له
هزّت الشفقة كنديد أكثرَ من أن تهُزَّه النّفْرَة فأعطى هذا السائلَ الهائل ذينك الفلورينَين اللذين قد أخذهما من التعميدي الصالح: جاك، ويُصوِّب هذا الهزيل نظره إليه ويسكُب عبرات، ويعانقه، فيتراجع كنديد مذعورًا.
قال البائس للبائس الآخر: «واهًا! أَعُدتَ لا تعرف بنغلوسك العزيز؟»، «ـ ماذا أسمع؟ أنت معلّمي العزيز! أنت في هذه الحال الفظيعة! أيُّ بلاءٍ ألمَّ بك إذن؟ ما السبب في أنك عدتَ لا تكون في أجمل القصور؟ ما خبر الآنسة كونيغوند التي هي درّة الفتيات طرفة الطبيعة؟»، فقال بنغلوس: «أنا منهوك»، فأخذه كنديد من فوره على مراح التعميدي حيث أكل قليل خبز، ولما صحّ بنغلوس قال له كنديد: «خيرًا ! كونيغوند؟»، فقال بنغلوس: «لقد ماتت»، ويُغمَى على كنديد عند سماع هذه الكلمة فيعيد صديقه إليه وعيه بقليل من الخلِّ الرديء الذي وجد في المرَاح عَرضًا، ويفتح كنديد عينيه ويقول: «ماتت كونيغوند! آه! أين أنتِ يا خير الناس؟ ولكن بأيّ مرض ماتت؟ ألأنّها رأتني أُطرد بضربات الرجل من القصر الجميل الذي يملكه أبوها السيّد؟» فقال بنغلوس: «كلّا، بل بقر بطنَها جنودٌ من البُلغار بعد أن اغتصبوها ما استطاعوا وكسروا رأس السيّد البارون الذي أراد الدفاع عنها، وقطّعوا السيدة البارونة إرْبًا إرْبًا، وصُنع بتلميذي المسكين كما صُنع بأخته، وأمّا القصر فلم يبقَ منه حجر على حجر، ولم يبق نِبْر(11) ولا ضأن ولا بطّ ولا شجر، غير أنّه انتقم لنا، فقد أصاب الآبارُ بمثل ذلك السوء بارونيّةً مجاورة يملكها سنيور بلغاري».
ويسمع كنديد هذا الكلام فيُغمى عليه أيضًا، ويعود إليه وعيه، ويقول كلّ ما يجب أن يقول، ويبحث عن العلّة والمعلول وعن السبب الكافي الذي نزل به بنغلوس إلى مثل تلك الحال المبكية كثيرًا، فيقول بنغلوس: «آه! ذلك هو الحبّ، الحبّ المفرج لكرب الجنس البشري والحافظ للكون، الحبّ الناعم الذي هو روح جميع الموجودات الحاسّة»، ويقول كنديد: «يا حسرتا! عرفت هذا الحبّ، هذا المسيطر على القلوب، هذا الروح لروحنا، هذا الذي لم يأتني بغير قُبلةٍ وعشرين ركلة على استي، فكيف أدّت هذه العلّة الرائعة إلى هذا المعلول المرذول بهذا المقدار؟».
ويجيبه بنغلوس بهذه الكلمات: «أي كنديدي العزيز! أنت تذكر باكتّ، هذه الخادمة الحسناء لدى بارونتنا المبجّلة، فقد ذقت بين ذراعيها ملاذ الجنة التي أدّت إلى ما يفترسني من آلام الجحيم كما ترى، وقد كانت مصابة بها ومن المحتمل أن ماتت بها، وقد نالت باكت هذه الهدية من راهب علَّامة أتى بها من منبعها، وذلك أنّها انتقلت إليه من كُونتسةٍ عجوز كانت قد أخذتها من قائد فرسان مدين بها لمركيزة تَلقَّتها من خادم أمير تناولها من يسُوعي حديث عهد بالرهبانية فانتهت إليه من أحد أصحاب كرستُوف كولنبس توًّا، وأمّا أنا فلن أُنعم بها على أحد لأنني أقضي نحبي».
كنديد صارخًا: «أي بنغلوس! تلك سلسلة نسب غريبة! ألم يكن الشيطان أصلًا لها؟»
الرجل الكبير مجيبًا: «كلّا، هذا أمر لازم في أصلح العالمينَ، هذا عنصر ضرورى، فلو لم يُصَب صاحب كولنبس بهذا الداء في جزيرة بأمريكة، بهذا المرض الذي يفسد أصل النسل، بهذا الوصب الذي يعوق النسل في الغالب، بهذا العياء المخالف لغرض الطبيعة كما هو واضح، ما كانت عندنا شكولاته ولا دودة قرمز، وممّا يلاحظ أيضًا كون هذا المرض في قارتنا لا يزال خاصًّا بنا كالجَدَل، فلمّا يعرفه الترك والهنود والفرس والصينيون والسياميون واليابانيون، ولكنّه يوجد سبب يكفي لمعرفتهم إيّاه بدورهم في بضعة قرون، وريثما يقع ذلك نقول إنّه تقدّم تقدُّمًا عجيبًا بيننا، ولا سيّما في تلك الجيوش العظيمة المؤلّفة من مرتزقة صالحين حَسَني التنشئة يقرِّرون مصير الدول، فيمكن أن يقال مع التوكيد إنّه إذا ما اصطفّ ثلاثون ألف مقاتل لخوض معركة وكان يقابلهم من الكتائب ما يشتمل على مثل هذا العدد من المقاتلة وُجد في كلّ من الفريقين نحو عشرين ألف مصاب بالزهري».
ويقول كنديد: «هذا أمر عجيب، ولكن يجب أن تُشفى»، ويقول بنغلوس: «كيف أقدر على ذلك؟ إنّني لا أملك فلسًا يا صديقي، ولا يتمّ فصدٌ، ولا حقن، لإنسان في جميع هذه الدنيا من غير أن يدفع مالًا أو من غير أن يوجد من يدفع عنه مالًا».
وتحثّ هذه الكلمة كنديد، فيذهب ويرتمي على قدمي التعميدي المحسن إليه: جاك، ويصف له ما صار إليه صديقه من حال وصفًا مؤثّرًا جدًّا، فلم يتردّد هذا الرجل الطيب في إيواء الدكتور بنغلوس، ويشفيه على نفقته، ولم يفقد بنغلوس في هذه المعالجة غير عينٍ وغير أذنٍ، وكان بنغلوس حسن الخطّ، تامّ المعرفة بالحساب، فعيَّنه التعميدي، جاك، ممسكًا لدفاتره، ويمضي شهران فيضطّر جاك إلى الذهاب إلى أَشبُونة من أجل أعماله التجارية ويأخذ معه فيلسوفَيه في السفينة، ويفصِّل له بنغلوس كيف أنّ كلّ شيءٍ جُعل على أحسن ما يكون، ولم يكن جاك على هذا الرأى، فقال: «لا بدّ من أن يكون الناس قد أفسدوا الطبيعة قليلًا، وذلك لأنّهم لم يولدوا ذئابًا، فصاروا ذئابًا، ولم يعطهم الربّ مدافع من عيار أربع وعشرين، ولم يعطهم الربّ حرابًا، فصنعوا مدافع وحرابًا ليبيد بعضهم بعضًا، وأستطيع أن أشير إلى الإفلاسات وإلى القضاء الذي يقبض على أموال المفلسين ليُحرَمَه الدائنون»، فأجابه الدكتور الأعور بقوله: «كان جميع هذا ضروريًّا، فعن المصائب الخاصّة ينشأ الخير العام، وإن شئت فقل إنّ المصائب الخاصّة كلّما زادت تحسّن كلُّ شيء». وبينا كان يُبرهن، أَظلَم الهواء وهبّت الرياح من جهات العالم الأربع، فهوجمت السفينة بأفظع عاصفة إزاءَ ميناء أشبُونة.الفصل الخامس
Page 7
الفصل الخامس
عاصفة وغرق وزلزلة
وما وقع للدكتوربنغلوس وكنديد والتعميدى: جاك
لم يكن عند نصف المسافرين الخائرين من القوّة ما يجزعون معه حتّى مِن الخطر، وذلك لما حدث لهم من إغماء بسبب هذه الغموم التي أصاب ترنُّح السفينة بها الأعصاب وجميع أمزجة الأبدان فهُزّت على وجوه مختلفة، وأمّا النصف الآخر فكان يصلّي ويستغيث، وقد مُزّقت الأشرعة وكُسرت الصواري وخُرقت السفينة، وقد كان يعمل من يستطيع العمل، ولا يرى مَن يتفاهم ولا مَن يقود، وقد كان التعميدي على ظهر المركب، فيساعد قليلًا على الإدارة، ويضربه ملَّاح غضبان ضربًا شديدًا ويطرحه على الألواح، ويصاب هذا النوتيُّ برجفة عنيفة فيسقط بها خارج السفينة، ويكون رأسه أول ما يسقط، ويظلّ معلّقًا متعلِّقًا في قسم من الصاري المُحطَّم، ويهرع جاك الصالح إلى مساعدته ويعينه على الصعود، وكان من الجُهد الذي بَذل أن تدهور في البحر على مرأى من البحّار الذي تركه يَهلِك من غير أن يتفضّل حتّى بالنظر إليه، ويدنو كنديد ويبصر المحسن إليه الذي ظهر ثانية، والذي ابتلعه اليمُّ إلى الأبد ويريد أن يُلقيَ نفسه في البحر وراءه، ويمنعه الفيلسوف بنغلوس من هذا مثبتًا له أنّ خليج أشبُونة كُوِّن تكوينًا خاصًّا ليغرق فيه ذاك التعميدي، وبينا كان يبرهن على هذا الأمر «البديهي» انشقت السفينة فهلك الجميع خلا بنغلوس وكنديد وذاك النوتيّ الجافي الذي أوجب غرق التعميدي الفاضل، ويوفّق هذا اللئيم للسباحة حتّى الساحل الذي حمل إليه بنغلوس وكنديد على لَوحٍ.
ويعود إليهما بعض الصحو فيسيران نحو أشبُونة، وقد بقي عندهما من الدراهم القليلة ما كانا يرجوان معه أن ينجُوا من الجوع بعد أن سلِما من العاصفة.
ولم تكد أقدامهما تطأ مدينة أشبُونة باكيَينِ ذلك المنعمَ عليهما حتّى شعرا بزلزلٍة(12) تحت خطواتهما، ويرتفع البحر فائرًا من الميناء ويحطّم المراكب الراسية، وتغطِّي الشوارع والميادين العامّة زوابعُ من اللّهب والرماد، وتنهار البيوت، وتسقط السُّقُف على الأُسُس، وتُفرَّق الأسس، وينسحق تحت الأنقاض ثلاثون ألفَ ساكنٍ من كلّ سنٍّ وجنس، ويقول الملّاح وهو يَصفِر مقسمًا: «يوجد ما يُلتقط هنا»، ويقول بنغلوس: «ما يمكن أن يكون السبب الكافي لهذا الحادث؟» ويصرخ كنديد قائلًا: «هذا آخر أيام الدنيا!»، ويركض الملّاح من فوره بين الأنقاض، ويقتحم الموت بحثًا عن المال، ويجد مالًا ويقبض عليه، ويَثمَل، وينام مخمورًا، ويشتري، راضيًا، ألطاف أول فتاة يُلاقيها فوق أنقاض البيوت المهدومة وبين المحتضرين والموتى، ومع ذلك فقد جرّه بنغلوس من كمّه وقال له: «ليس هذا عملًا صالحًا يا صاحبي، وأراك غافلًا عن الحقّ العام مختارًا أسوأ الأوقات»، ويجيب الملّاح عن هذا بقوله: «يا لَلقرد، إنّي نوتيّ، وقد وُلدتُ في بَتَافيا، ودُستُ الصليب أربع مرّات(13) في رحلاتي الأربع إلى اليابان، فلست بالرجل الذي يبالي بحقّك العام!».
وجرح بعض الشظايا من الحجارة كنديد، فانبطح في الشارع، وستر بالأنقاض، فقال بنغلوس: «آه! أحضر قليل خمر وزيت، فأنا أموت»، فأجاب بنغلوس بقوله: «ليست هذه الزلزلة شيئًا جديدًا، فلقد عانت مدينة لِيمَا بأمريكة عين الهزّات في العام الماضي، وتنشأ ذات المعلولات عن ذات العلل، ولا ريب في وجود سلسلة من الكبريت تحت الأرض بين ليما وأشبُونة»، ويقول كنديد: «لا شيء أكثر احتمالًا من هذا، ولكن بالله عليك أن تُحضر لي قليل زيت وخمر»، ويجيب الفيلسوف قائلًا: «ما تعني بقولك محتمل؟ فالأمر ثابت عندي»، ويفقد كنديد شعوره، ويأتيه بنغلوس بماء قليل من عين قريبة.
ويجدان في الغَد بعض الزاد بانسيابهما بين الأنقاض فيُقوّمان به بعض أَوَدهما، ثم يعملان كالآخرين في الترويح عن الأهلين الذين نجوا من الموت، وممّا حدث أنّ بعض المواطنين الذين أعاناهم قدّموا إليهما غداء يُعدّ أحسن ما يمكن في مثل هذه النكبة، أجل، كان الطعام كئيبًا ما كان الضيوف يُبلِّلون خبزهم بدموعهم، بيد أنّ بنغلوس ألقى سلوانًا في نفوسهم عندما ذكر لهم مؤكدًا أنّ الأمور لم تكن لتحدث على غير ما تمّ، وقد قال لهم: «وذلك لأنّ جميع ما حدث هو أحسن ما يكون، وذلك لأنّه وجد بركان في أشبُونة لم يمكن أن يكون في مكان آخر، وذلك لأنّ من المُحال أن تقع الأمور في مكان غير الذي وقعت فيه، وذلك لأنّ كلّ شيء حسن».
ووُجد بجانبه رجلٌ أسودُ قصير موظَّف لدى محكمة التفتيش، فتناول هذا الرجل الكلام وقال بأدب: «يظهر أنّ هذا السيّد لا يؤمن بالخطيئة الأصلية، فإذا كان كلّ شيء على أحسن ما يكون لم تكن هنالك زلّة ولا جزاء».
ويجيب بنغلوس بأدبٍ أعظمَ من ذلك إذ يقول: «أطلب عفوك متواضعًا يا صاحب السعادة وأقول إنّ زلّة الإنسان واللعنة تدخُلان ضمن أحسن العالمين بحكم الضرورة»، ويقول الموظّف: «ألا تعتقد الإرادة أيّها السيّد؟»، ويقول بنغلوس: «عفوًا يا صاحب السعادة يمكن الإرادة أن تكون مع الوجوب المطلق، فمن الوجوب أن نكون ذوي اختيار وذلك لأنّ الإرادة المقدّرة...»، وبينا كان بنغلوس في وسط جملته أشار الموظّف برأسه إلى خادمه المسلَّح الذي كان يَصُبُّ له خمر بُورتو أو أُوبُورتو.
عاصفة وغرق وزلزلة
وما وقع للدكتوربنغلوس وكنديد والتعميدى: جاك
لم يكن عند نصف المسافرين الخائرين من القوّة ما يجزعون معه حتّى مِن الخطر، وذلك لما حدث لهم من إغماء بسبب هذه الغموم التي أصاب ترنُّح السفينة بها الأعصاب وجميع أمزجة الأبدان فهُزّت على وجوه مختلفة، وأمّا النصف الآخر فكان يصلّي ويستغيث، وقد مُزّقت الأشرعة وكُسرت الصواري وخُرقت السفينة، وقد كان يعمل من يستطيع العمل، ولا يرى مَن يتفاهم ولا مَن يقود، وقد كان التعميدي على ظهر المركب، فيساعد قليلًا على الإدارة، ويضربه ملَّاح غضبان ضربًا شديدًا ويطرحه على الألواح، ويصاب هذا النوتيُّ برجفة عنيفة فيسقط بها خارج السفينة، ويكون رأسه أول ما يسقط، ويظلّ معلّقًا متعلِّقًا في قسم من الصاري المُحطَّم، ويهرع جاك الصالح إلى مساعدته ويعينه على الصعود، وكان من الجُهد الذي بَذل أن تدهور في البحر على مرأى من البحّار الذي تركه يَهلِك من غير أن يتفضّل حتّى بالنظر إليه، ويدنو كنديد ويبصر المحسن إليه الذي ظهر ثانية، والذي ابتلعه اليمُّ إلى الأبد ويريد أن يُلقيَ نفسه في البحر وراءه، ويمنعه الفيلسوف بنغلوس من هذا مثبتًا له أنّ خليج أشبُونة كُوِّن تكوينًا خاصًّا ليغرق فيه ذاك التعميدي، وبينا كان يبرهن على هذا الأمر «البديهي» انشقت السفينة فهلك الجميع خلا بنغلوس وكنديد وذاك النوتيّ الجافي الذي أوجب غرق التعميدي الفاضل، ويوفّق هذا اللئيم للسباحة حتّى الساحل الذي حمل إليه بنغلوس وكنديد على لَوحٍ.
ويعود إليهما بعض الصحو فيسيران نحو أشبُونة، وقد بقي عندهما من الدراهم القليلة ما كانا يرجوان معه أن ينجُوا من الجوع بعد أن سلِما من العاصفة.
ولم تكد أقدامهما تطأ مدينة أشبُونة باكيَينِ ذلك المنعمَ عليهما حتّى شعرا بزلزلٍة(12) تحت خطواتهما، ويرتفع البحر فائرًا من الميناء ويحطّم المراكب الراسية، وتغطِّي الشوارع والميادين العامّة زوابعُ من اللّهب والرماد، وتنهار البيوت، وتسقط السُّقُف على الأُسُس، وتُفرَّق الأسس، وينسحق تحت الأنقاض ثلاثون ألفَ ساكنٍ من كلّ سنٍّ وجنس، ويقول الملّاح وهو يَصفِر مقسمًا: «يوجد ما يُلتقط هنا»، ويقول بنغلوس: «ما يمكن أن يكون السبب الكافي لهذا الحادث؟» ويصرخ كنديد قائلًا: «هذا آخر أيام الدنيا!»، ويركض الملّاح من فوره بين الأنقاض، ويقتحم الموت بحثًا عن المال، ويجد مالًا ويقبض عليه، ويَثمَل، وينام مخمورًا، ويشتري، راضيًا، ألطاف أول فتاة يُلاقيها فوق أنقاض البيوت المهدومة وبين المحتضرين والموتى، ومع ذلك فقد جرّه بنغلوس من كمّه وقال له: «ليس هذا عملًا صالحًا يا صاحبي، وأراك غافلًا عن الحقّ العام مختارًا أسوأ الأوقات»، ويجيب الملّاح عن هذا بقوله: «يا لَلقرد، إنّي نوتيّ، وقد وُلدتُ في بَتَافيا، ودُستُ الصليب أربع مرّات(13) في رحلاتي الأربع إلى اليابان، فلست بالرجل الذي يبالي بحقّك العام!».
وجرح بعض الشظايا من الحجارة كنديد، فانبطح في الشارع، وستر بالأنقاض، فقال بنغلوس: «آه! أحضر قليل خمر وزيت، فأنا أموت»، فأجاب بنغلوس بقوله: «ليست هذه الزلزلة شيئًا جديدًا، فلقد عانت مدينة لِيمَا بأمريكة عين الهزّات في العام الماضي، وتنشأ ذات المعلولات عن ذات العلل، ولا ريب في وجود سلسلة من الكبريت تحت الأرض بين ليما وأشبُونة»، ويقول كنديد: «لا شيء أكثر احتمالًا من هذا، ولكن بالله عليك أن تُحضر لي قليل زيت وخمر»، ويجيب الفيلسوف قائلًا: «ما تعني بقولك محتمل؟ فالأمر ثابت عندي»، ويفقد كنديد شعوره، ويأتيه بنغلوس بماء قليل من عين قريبة.
ويجدان في الغَد بعض الزاد بانسيابهما بين الأنقاض فيُقوّمان به بعض أَوَدهما، ثم يعملان كالآخرين في الترويح عن الأهلين الذين نجوا من الموت، وممّا حدث أنّ بعض المواطنين الذين أعاناهم قدّموا إليهما غداء يُعدّ أحسن ما يمكن في مثل هذه النكبة، أجل، كان الطعام كئيبًا ما كان الضيوف يُبلِّلون خبزهم بدموعهم، بيد أنّ بنغلوس ألقى سلوانًا في نفوسهم عندما ذكر لهم مؤكدًا أنّ الأمور لم تكن لتحدث على غير ما تمّ، وقد قال لهم: «وذلك لأنّ جميع ما حدث هو أحسن ما يكون، وذلك لأنّه وجد بركان في أشبُونة لم يمكن أن يكون في مكان آخر، وذلك لأنّ من المُحال أن تقع الأمور في مكان غير الذي وقعت فيه، وذلك لأنّ كلّ شيء حسن».
ووُجد بجانبه رجلٌ أسودُ قصير موظَّف لدى محكمة التفتيش، فتناول هذا الرجل الكلام وقال بأدب: «يظهر أنّ هذا السيّد لا يؤمن بالخطيئة الأصلية، فإذا كان كلّ شيء على أحسن ما يكون لم تكن هنالك زلّة ولا جزاء».
ويجيب بنغلوس بأدبٍ أعظمَ من ذلك إذ يقول: «أطلب عفوك متواضعًا يا صاحب السعادة وأقول إنّ زلّة الإنسان واللعنة تدخُلان ضمن أحسن العالمين بحكم الضرورة»، ويقول الموظّف: «ألا تعتقد الإرادة أيّها السيّد؟»، ويقول بنغلوس: «عفوًا يا صاحب السعادة يمكن الإرادة أن تكون مع الوجوب المطلق، فمن الوجوب أن نكون ذوي اختيار وذلك لأنّ الإرادة المقدّرة...»، وبينا كان بنغلوس في وسط جملته أشار الموظّف برأسه إلى خادمه المسلَّح الذي كان يَصُبُّ له خمر بُورتو أو أُوبُورتو.
Page 8
الفصل السّادس
كيف صدر حُكم تفتيشيّ رائع
لمنع الزلازل وكيف جُلِد كنديد على أَلْيَيْه
لم يجد حكماء البلد، بعد الزلزلة التي قضت على ثلاثة أرباع أشبُونة، وسيلة أشدّ فعلًا لمنع وقوع خراب شامل من منح الأمة حكمًا تفتيشيًّا(14) رائعًا، فقد قضت جامعة قُلُمرِيَة بأنّ منظر أناسٍ قليلين يُحرَّقون بالنار في احتفال كبير ينطوي على سِرّ مضمون يمنع الأرض من الاهتزاز.
وكان قد قُبض على رجلٍ من بِسقاية ثَبَت تزوُّجه بشَبِينَته وعلى رجلين من البرتغال أكلا فرخة مع نزع شحمها، ويقيّد الدكتور بنغلوس وتلميذه كنديد بعد الغداء، ويُقيّد الأول لأنّه تكلّم، ويقيد الآخر لأنّه استمع له سماع استحسان، ويوضع الاثنان على انفراد في منزلين باردين إلى الغاية، في منزلين لم يُعنَتا بالشمس قطُّ، وتمضي ثمانية أيّام فيُلبَسان ثوبين بنِدِكتيين، ويُزيّن رأساهما بتاجينِ من ورق، فأمّا تاج كنديد وثوبه فملوَّنان بلهبٍ مقلوب وبشياطين لا أذناب لها ولا مخالب، وأمّا شياطين بنغلوس فذوو مخالب وأذناب مع لهب مستقيم، ويسيران في موكب لابسين على هذا الوجه، ويستمعان لوعظ مؤثّر جدًّا تعقبه موسيقا كنسية جميلة، ويجلد كنديد على أَليَيه مع الإيقاع أثناء الإنشاد، ويُحرَّق البسقائي والرجلان اللذان لم يريدا أن يأكلا شحمًا، ويُشنق بنغلوس على خلاف العادة، وفي اليوم ذاته تُزلزل الأرض مجدّدًا مع صوت هائل.
ويقول كنديد في نفسه مذعورًا حائرًا مضطربًا داميًا مرتجفًا: «إذا كان هنا أحسن ما يمكن من العوالم فما تكون العوالم الأخرى؟ لأدعْ أمر جَلْدي على أَلْيَيَّ يمرّ، فلقد جُلدت عند البلغار، ولكن، يا أسَفَا عليك أيّها العزيز بنغلوس، يا أعظم الفلاسفة! أَوَ كان يجب أن أراك مشنوقًا من غير أن أعرف السبب؟ يا أسفا عليك أيّها التعميديّ العزيز الذي هو أطيب الناس! أَوَ كان يجب أن تغرق في الميناء؟ يا أسفا عليك أيُّتها الآنسة كونيغوند التي هي درّة الفتيات! أَوَ كان يجب أن يُبقر بطنك؟».
انصرف ولم يكد يحمل نفسه، وكان مبشّرًا مضروبًا على أَلْيَيْه مغفورًا له مباركًا، وكان ذلك حينما دنت منه امرأة مُسنَّة وقالت له: «تشجَّع يا ولدي واتَّبعْني».
كيف صدر حُكم تفتيشيّ رائع
لمنع الزلازل وكيف جُلِد كنديد على أَلْيَيْه
لم يجد حكماء البلد، بعد الزلزلة التي قضت على ثلاثة أرباع أشبُونة، وسيلة أشدّ فعلًا لمنع وقوع خراب شامل من منح الأمة حكمًا تفتيشيًّا(14) رائعًا، فقد قضت جامعة قُلُمرِيَة بأنّ منظر أناسٍ قليلين يُحرَّقون بالنار في احتفال كبير ينطوي على سِرّ مضمون يمنع الأرض من الاهتزاز.
وكان قد قُبض على رجلٍ من بِسقاية ثَبَت تزوُّجه بشَبِينَته وعلى رجلين من البرتغال أكلا فرخة مع نزع شحمها، ويقيّد الدكتور بنغلوس وتلميذه كنديد بعد الغداء، ويُقيّد الأول لأنّه تكلّم، ويقيد الآخر لأنّه استمع له سماع استحسان، ويوضع الاثنان على انفراد في منزلين باردين إلى الغاية، في منزلين لم يُعنَتا بالشمس قطُّ، وتمضي ثمانية أيّام فيُلبَسان ثوبين بنِدِكتيين، ويُزيّن رأساهما بتاجينِ من ورق، فأمّا تاج كنديد وثوبه فملوَّنان بلهبٍ مقلوب وبشياطين لا أذناب لها ولا مخالب، وأمّا شياطين بنغلوس فذوو مخالب وأذناب مع لهب مستقيم، ويسيران في موكب لابسين على هذا الوجه، ويستمعان لوعظ مؤثّر جدًّا تعقبه موسيقا كنسية جميلة، ويجلد كنديد على أَليَيه مع الإيقاع أثناء الإنشاد، ويُحرَّق البسقائي والرجلان اللذان لم يريدا أن يأكلا شحمًا، ويُشنق بنغلوس على خلاف العادة، وفي اليوم ذاته تُزلزل الأرض مجدّدًا مع صوت هائل.
ويقول كنديد في نفسه مذعورًا حائرًا مضطربًا داميًا مرتجفًا: «إذا كان هنا أحسن ما يمكن من العوالم فما تكون العوالم الأخرى؟ لأدعْ أمر جَلْدي على أَلْيَيَّ يمرّ، فلقد جُلدت عند البلغار، ولكن، يا أسَفَا عليك أيّها العزيز بنغلوس، يا أعظم الفلاسفة! أَوَ كان يجب أن أراك مشنوقًا من غير أن أعرف السبب؟ يا أسفا عليك أيّها التعميديّ العزيز الذي هو أطيب الناس! أَوَ كان يجب أن تغرق في الميناء؟ يا أسفا عليك أيُّتها الآنسة كونيغوند التي هي درّة الفتيات! أَوَ كان يجب أن يُبقر بطنك؟».
انصرف ولم يكد يحمل نفسه، وكان مبشّرًا مضروبًا على أَلْيَيْه مغفورًا له مباركًا، وكان ذلك حينما دنت منه امرأة مُسنَّة وقالت له: «تشجَّع يا ولدي واتَّبعْني».
Page 9
الفصل السابع
كيف عُنيت عجوز بكنديد
وكيف وجد مَن كان يحبّ
لم يتشجَّع كنديد قطّ، ولكنّه تبع العجوز إلى خِربة، فتعطيه وعاء مرهم ليَدْلُك نفسه، وتترك له ما يأكل ويشرب، وتريه فراشًا صغيرًا نظيفًا يوجد بجانبه ثوب كامل، وتقول له: «كل واشرب ونم، وكن في حِرز عذراء أتُوكا ومولانا القديس أنطوان البادُوِيّ ومولانا القديس جاك الكُنيُوستلِّيِّ، وسأعود غدًا»، ويستمرّ دهش كنديد من كلّ ما رأى وما قاسى، وأكثر من هذا دهشُه من إحسان العجوز، فيريد أن يقبّل يدها، فتقول: «ليست يدي هي التي يجب أن تقبّل، سأعود غدًا، ادْلُك نفسك بالمرهم وكُل ونَم».
أكل كنديد ونام مع جميع تلك المصائب، وفي الغد تأتيه العجوز بالفطور، وتكشف عن ظهره وتَدْلُكه بمرهم آخر، ثم تأتيه بالغداء، ثم ترجع إليه مساء جالبة العشاء له، ولمّا كان اليوم التالي قامت بذات الأعمال أيضًا، وما فتئ كنديد يسأل: «مَن أنت، مَن ذا الذي ألهمك هذا الصلاح البالغ؟ أيّ شكرانٍ يمكنني أن أقابلك به؟»، ولا تجيب العجوز الصالحة عن ذلك بشيء، وتعود مساءً من غير أن تكون جالبة عشاء، وتقول له: «تعال معي، ولا تنطق بكلمة»، وتأخذه من ذراعه وتسير معه في الحقول المجاورة نحو ربع مَيل، ويصلان إلى منزل منعزل محاط بحدائق وقنوات، وتقرع العجوز بابًا صغيرًا، فيفتح، وتأتي بكنديد من سلّم سرّي إلى غرفة مذهّبة، وتتركه على متّكأ من ديباج وتغلق الباب وتنصرف، ويظنّ كنديد أنّه يحلم، وتتمثّل له حياته حُلمًا مزعجًا، ويرى الساعة الحاضرة حلمًا لذيذًا.
وتظهر العجوز من فورها مرّة أخرى، وكانت تسند بمشقة امرأةً مرتعشةً مبرقعة ذات قامة رائعة وذات جواهر ساطعة، وتقول العجوز لكنديد: «ارفع هذا البرقع»، ويتقدّم الرجل الشابّ، ويرفع البرقع متهيِّبًا، يا لَها من ساعة! يا لَها من مفاجأة! يظن أنّه يرى الآنسة كونيغوند، لقد رآها فعلًا، هي هي، وتخور قواه، ولم يستطع أن ينطق بكلمة، ويقع على قدميها، وتقع كونيغوند على المُتّكأ، وتُسعفها العجوز بسوائل روحية، ويعود إحساسهما إليهما، ويأخذان في الحديث، وأوّل ما صدر عنهما كلام متقطّع وأسئلة وأجوبة متداخلة وتنهّدات وعبرات وصيحات، وتوصيهما العجوز بأن يكونا أقلّ ضوضاء وتدعهما وحدهما، ويقول كنديد: «ماذا! أأنت؟ لا تزالين حيّة! أجدك في البرتغال! إذن، لم تُغتصبي! لم يُبقَر بطنك قطّ خلافًا لما رواه لي الفيلسوف بنغلوس مؤكِّدًا!»، وتقول كونيغوند الحسناء: «أجل، لقد وقع ذلك، غير أنّ هذين الحادثين لا يفضيان إلى الموت في كلّ وقت»، «ـ ولكن، ألم يقتل أبوك وأمك؟»، وتقول كونيغوند باكية: «بلى، لقد قُتلا»، «ـ وأخوك؟»، «ـ لقد قتل أيضًا»، «ـ ولم أنت في البرتغال؟ وكيف علمت أنني في هذا البلد؟ وبأيّ مغامرة غريبة أَوْجَبْتِ سوقي إلى هذا المنزل؟» وتجيب السيدة: «سأقصّ عليك جميع هذا، ولكنّه يجب قبل أن أفعل هذا أن تنبئني بجميع ما وقع لك منذ القُبلة البريئة التي طبعتها عليّ وما تلقّيته من ركلات».
ويطيع كنديد مع احترام عميق، وعلى ما كان من اضطرابه، ومن ضعف وارتجاف في صوته. وعلى ما بقي من ألم في فقاره، فإنه قصّ عليها، بأبسط ما يمكن، جميع ما ابتلي به منذ افتراقهما، وترفع كونيغوند عينيها إلى السماء وتسكب عَبَرات حزنًا على موت التعميدي الصالح وعلى موت بنغلوس، ثم حدّثت بهذه العبارات كنديد الذي لم تفته أيّ كلمة والذي كان يلتهمها بعينيه.
كيف عُنيت عجوز بكنديد
وكيف وجد مَن كان يحبّ
لم يتشجَّع كنديد قطّ، ولكنّه تبع العجوز إلى خِربة، فتعطيه وعاء مرهم ليَدْلُك نفسه، وتترك له ما يأكل ويشرب، وتريه فراشًا صغيرًا نظيفًا يوجد بجانبه ثوب كامل، وتقول له: «كل واشرب ونم، وكن في حِرز عذراء أتُوكا ومولانا القديس أنطوان البادُوِيّ ومولانا القديس جاك الكُنيُوستلِّيِّ، وسأعود غدًا»، ويستمرّ دهش كنديد من كلّ ما رأى وما قاسى، وأكثر من هذا دهشُه من إحسان العجوز، فيريد أن يقبّل يدها، فتقول: «ليست يدي هي التي يجب أن تقبّل، سأعود غدًا، ادْلُك نفسك بالمرهم وكُل ونَم».
أكل كنديد ونام مع جميع تلك المصائب، وفي الغد تأتيه العجوز بالفطور، وتكشف عن ظهره وتَدْلُكه بمرهم آخر، ثم تأتيه بالغداء، ثم ترجع إليه مساء جالبة العشاء له، ولمّا كان اليوم التالي قامت بذات الأعمال أيضًا، وما فتئ كنديد يسأل: «مَن أنت، مَن ذا الذي ألهمك هذا الصلاح البالغ؟ أيّ شكرانٍ يمكنني أن أقابلك به؟»، ولا تجيب العجوز الصالحة عن ذلك بشيء، وتعود مساءً من غير أن تكون جالبة عشاء، وتقول له: «تعال معي، ولا تنطق بكلمة»، وتأخذه من ذراعه وتسير معه في الحقول المجاورة نحو ربع مَيل، ويصلان إلى منزل منعزل محاط بحدائق وقنوات، وتقرع العجوز بابًا صغيرًا، فيفتح، وتأتي بكنديد من سلّم سرّي إلى غرفة مذهّبة، وتتركه على متّكأ من ديباج وتغلق الباب وتنصرف، ويظنّ كنديد أنّه يحلم، وتتمثّل له حياته حُلمًا مزعجًا، ويرى الساعة الحاضرة حلمًا لذيذًا.
وتظهر العجوز من فورها مرّة أخرى، وكانت تسند بمشقة امرأةً مرتعشةً مبرقعة ذات قامة رائعة وذات جواهر ساطعة، وتقول العجوز لكنديد: «ارفع هذا البرقع»، ويتقدّم الرجل الشابّ، ويرفع البرقع متهيِّبًا، يا لَها من ساعة! يا لَها من مفاجأة! يظن أنّه يرى الآنسة كونيغوند، لقد رآها فعلًا، هي هي، وتخور قواه، ولم يستطع أن ينطق بكلمة، ويقع على قدميها، وتقع كونيغوند على المُتّكأ، وتُسعفها العجوز بسوائل روحية، ويعود إحساسهما إليهما، ويأخذان في الحديث، وأوّل ما صدر عنهما كلام متقطّع وأسئلة وأجوبة متداخلة وتنهّدات وعبرات وصيحات، وتوصيهما العجوز بأن يكونا أقلّ ضوضاء وتدعهما وحدهما، ويقول كنديد: «ماذا! أأنت؟ لا تزالين حيّة! أجدك في البرتغال! إذن، لم تُغتصبي! لم يُبقَر بطنك قطّ خلافًا لما رواه لي الفيلسوف بنغلوس مؤكِّدًا!»، وتقول كونيغوند الحسناء: «أجل، لقد وقع ذلك، غير أنّ هذين الحادثين لا يفضيان إلى الموت في كلّ وقت»، «ـ ولكن، ألم يقتل أبوك وأمك؟»، وتقول كونيغوند باكية: «بلى، لقد قُتلا»، «ـ وأخوك؟»، «ـ لقد قتل أيضًا»، «ـ ولم أنت في البرتغال؟ وكيف علمت أنني في هذا البلد؟ وبأيّ مغامرة غريبة أَوْجَبْتِ سوقي إلى هذا المنزل؟» وتجيب السيدة: «سأقصّ عليك جميع هذا، ولكنّه يجب قبل أن أفعل هذا أن تنبئني بجميع ما وقع لك منذ القُبلة البريئة التي طبعتها عليّ وما تلقّيته من ركلات».
ويطيع كنديد مع احترام عميق، وعلى ما كان من اضطرابه، ومن ضعف وارتجاف في صوته. وعلى ما بقي من ألم في فقاره، فإنه قصّ عليها، بأبسط ما يمكن، جميع ما ابتلي به منذ افتراقهما، وترفع كونيغوند عينيها إلى السماء وتسكب عَبَرات حزنًا على موت التعميدي الصالح وعلى موت بنغلوس، ثم حدّثت بهذه العبارات كنديد الذي لم تفته أيّ كلمة والذي كان يلتهمها بعينيه.
Page 10
الفصل الثامن
قصة كونيغوند
«كنت في سريري، وكنت نائمة نومًا عميقًا عندما شاء الربّ أن يرسل البلغار إلى قصر ثَندِرتِن ترُنك، إلى قصرنا الجميل هذا، فذبحوا أبي وأخي، وقطّعوا أمّي إرْبًا إرْبًا، ويبصر بلغاري، بالغ من الطول ستّ أقدام، أنّني فقدت صوابي عند هذا المنظر فأخذ يغتصبني فعاد إليّ بهذا صوابي، واسترددتُ بهذا مشاعري، فصحت، وهجت، وعضضت، وخمشت، وأردت قلع عينَي هذا البلغاري الطويل غير عارفة بأنّ ما حدث في قصر أبي كان من العادة، ويطعنني هذا البهيميُّ في خاصرتي اليسرى بسكين طعنة لا يزال أثرها باديًا»، فيقول الساذج كنديد: «يا حسرتا! أرجو أن أرى هذا الأثر»، وتقول كونيغوند: «أجل، ستراه، ولكن، لنواصل الحديث»، ويقول كنديد: «واصلي».
فوصلت بين طرفي قصتها بما يأتي: «ويدخل قائد بلغارى، ويراني دامية، ولم يرتبك الجندي، ويغضب القائد من قلّة احترام هذا البهيمي له، ويقتله على جسمي، ثم يأمر بضمد جرحي ويأتي بي إلى معسكره أسيرة حرب، وكنت أغسل ما عنده من قمصان قليلة وكنت أطبخ له، ويجدني جميلة جدًّا، ويجب أن يُسلَّم بهذا، ولا أنكر أنّه كان حسن القوام أبيض الإهاب ناعمه، فإذا عدوت هذا وجدته قليل الذكاء قليل الفلسفة، ومن الواضح أنّه لم ينشأ من قبل الدكتور بنغلوس، وتمضي ثلاثة أشهر فينفد جميع ماله، وتعافني نفسه، ويبيعني من يهودي اسمه دون إيساشار الذي كان يتاجر في هولندة والبرتغال ويحبّ النساء بولع، ويتعلّق هذا اليهودي كثيرًا فيَّ، ولكنّه لم يقدر على الفوز بي، فقد قاومته أكثر من مقاومتي الجندي البُلغاري، فقد تُغتصب المرأة الصالحة مرّة، ولكن فضيلتها تثبت بهذا، وقد أتى اليهودي بي إلى هذا المنزل الريفي الذي تراه ليتغلّب عليَّ، وقد كنت أعتقد، حتّى ذلك الحين، أنّه لا شيء على الأرض رائع كقصر ثندرتن ترنك، فزال وهمي.
«ويراني قاضي التفتيش الأكبر في القدّاس ذات يوم ويحدّق إليَّ كثيرًا، ويرسل مَن يبلّغني أنّه يريد أن يكلّمني في أمور سريّة، ويؤتى بي إلى قصره وأخبره عن أصلِي، ويقول إنّه لا يناسب مقامي مطلقًا أن أكون مِلك يهودي، ويقترح على دون إيساشار أن يتنَزّل عني لسيادته، ويكون دون إيساشار صيرفيًّا للبلاط نافذًا فلا يوافق، ويهدّده ذاك القاضي بحُكمٍ تفتيشي، وأخيرًا يخاف اليهودي فيعقد صفقة أكون بها مع المنزل ملكًا للاثنين، فتكون أيام الاثنين والأربعاء والسبت لليهودي، وتكون أيام الأسبوع الأخرى لقاضي التفتيش، وقد مضت ستة أشهر على هذا العهد، ولم تُقضَ الأمور من غير نزاع، فممّا يحدث في الغالب ألّا يقطع في كون ليلة السبت أو الأحد خاضعة للشرع القديم أو الشرع الجديد، وأمّا أنا فقد قاومت كلا الشرعين حتّى الآن، وأظنّ أنّ هذا سبب بقائي محبوبة دائمًا.
«ثم راق مولانا القاضي أن ينفذ حكمًا تفتيشيًّا دفعًا لآفة الزلازل وتخويفًا لدون إيساشار، فشرفني بالدعوة إلى ذلك، وقد أُعدّ لي مقعدٌ رائع، وقد قُدِّم إلى السيدات بعض المرطبات بين القدّاس والتنفيذ، والحقّ أنّه اعتراني ارتجافٌ عندما رأيت إحراق ذينك اليهوديينِ وذاك البسقائي الصالح الذي تزوّج شبينته، ولكن يا لَشدّة ما أصابني من دهشة وذعر واضطراب عندما رأيت وجهًا يشابه وجه بنغلوس في ثوب بِنِدِكتِي وتحت تاج! وقد فركت عينيَّ ونظرت بدقّة فرأيت شَنقَه، فخارت قواي، ولم أكد أستردّ شعوري حتّى رأيتك عاريًا، فكان بهذا تمام اشمئزازي وذعري وألمي وقنوطي، وأقول لك، والحقّ أقول، إنّ إهابك أشدّ بياضًا مع حُمرة من إهاب صاحبي القائد البلغاري، وقد ضاعف هذا المنظر جميع ما كان يسحقني ويقضمني من المشاعر، وقد صرخت، وقد حاولت أن أقول: «مهلًا أيُّها البرابرة!»، غير أنّ صوتي خانني، وكانت صرخاتي لا تُجدي نفعًا لو صحت، ولمّا تمّ جلدك على ألييك قلت في نفسي: ما الذي جاء بالحبيب كنديد وبالحكيم بنغلوس إلى أشبُونة حتّي يُجلَد أحدهما مئة جلدةٍ وحتّي يُشنَق الآخر بأمرٍ من مولانا قاضي التفتيش الذي أعدّ محبوبته المفضّلة؟ ولذا يكون بنغلوس قد خادعني بقسوة عندما كان يقول لي إنّ كلّ شيء في العالم يسير على خير ما يكون.
«وأكون مضطربةً حائرةً خائرةً تارةً، وأكاد أموت ضعفًا تارةً أخرى، ولا غَرو، فقد زخر رأسي بقتل أبي وأمي وأخي وبتطاول الجندي البُلغاري البغيض وطعنه إيّاي بالسكين وباسترقاقي وطِهَايتي وبالقائد البُلغاري وبدون إيسَّاشار الكريه وبقاضي التفتيش القبيح وبشنق الدكتور بنغلوس وبنشيد «ارحمني» الكنسي الذي كنت تُجلَد على ألْيَيك في أثنائه، ولا سيّما تلك القبلة التي منحتك إيّاها خلف الحاجز في آخر يوم رأيتك فيه، وأحمد الله الذي ردّك إليّ بعد ابتلاء كثير، وأُوصِي عجوزي بأن تُعنى بك، وبأن تجيء بك إلى هنا عند قدرتها على ذلك، فتجيد تنفيذ وصيتي، وأجد لذّة تفوق الوصف بأن أراك ثانية فأسمعك وأتحدّث إليك، ولا بدّ أنّك جائع جوعًا شديدًا، وشهوة الطعام قويّة عندي، فلنبدأ بالعشاء».
ويجلس الاثنان حول المائدة، ويعودان بعد العشاء إلى ذلك المتّكأ الجميل الذي تكلّمنا عنه، ويكونان عليه عندما وصل السنيور دون إيسّاشار الذي هو أحد صاحبي المنزل، فاليوم يوم السبت، وقد حضر ليتمتّع بحقّه ويُعرب عن ناعم حبِّه.
قصة كونيغوند
«كنت في سريري، وكنت نائمة نومًا عميقًا عندما شاء الربّ أن يرسل البلغار إلى قصر ثَندِرتِن ترُنك، إلى قصرنا الجميل هذا، فذبحوا أبي وأخي، وقطّعوا أمّي إرْبًا إرْبًا، ويبصر بلغاري، بالغ من الطول ستّ أقدام، أنّني فقدت صوابي عند هذا المنظر فأخذ يغتصبني فعاد إليّ بهذا صوابي، واسترددتُ بهذا مشاعري، فصحت، وهجت، وعضضت، وخمشت، وأردت قلع عينَي هذا البلغاري الطويل غير عارفة بأنّ ما حدث في قصر أبي كان من العادة، ويطعنني هذا البهيميُّ في خاصرتي اليسرى بسكين طعنة لا يزال أثرها باديًا»، فيقول الساذج كنديد: «يا حسرتا! أرجو أن أرى هذا الأثر»، وتقول كونيغوند: «أجل، ستراه، ولكن، لنواصل الحديث»، ويقول كنديد: «واصلي».
فوصلت بين طرفي قصتها بما يأتي: «ويدخل قائد بلغارى، ويراني دامية، ولم يرتبك الجندي، ويغضب القائد من قلّة احترام هذا البهيمي له، ويقتله على جسمي، ثم يأمر بضمد جرحي ويأتي بي إلى معسكره أسيرة حرب، وكنت أغسل ما عنده من قمصان قليلة وكنت أطبخ له، ويجدني جميلة جدًّا، ويجب أن يُسلَّم بهذا، ولا أنكر أنّه كان حسن القوام أبيض الإهاب ناعمه، فإذا عدوت هذا وجدته قليل الذكاء قليل الفلسفة، ومن الواضح أنّه لم ينشأ من قبل الدكتور بنغلوس، وتمضي ثلاثة أشهر فينفد جميع ماله، وتعافني نفسه، ويبيعني من يهودي اسمه دون إيساشار الذي كان يتاجر في هولندة والبرتغال ويحبّ النساء بولع، ويتعلّق هذا اليهودي كثيرًا فيَّ، ولكنّه لم يقدر على الفوز بي، فقد قاومته أكثر من مقاومتي الجندي البُلغاري، فقد تُغتصب المرأة الصالحة مرّة، ولكن فضيلتها تثبت بهذا، وقد أتى اليهودي بي إلى هذا المنزل الريفي الذي تراه ليتغلّب عليَّ، وقد كنت أعتقد، حتّى ذلك الحين، أنّه لا شيء على الأرض رائع كقصر ثندرتن ترنك، فزال وهمي.
«ويراني قاضي التفتيش الأكبر في القدّاس ذات يوم ويحدّق إليَّ كثيرًا، ويرسل مَن يبلّغني أنّه يريد أن يكلّمني في أمور سريّة، ويؤتى بي إلى قصره وأخبره عن أصلِي، ويقول إنّه لا يناسب مقامي مطلقًا أن أكون مِلك يهودي، ويقترح على دون إيساشار أن يتنَزّل عني لسيادته، ويكون دون إيساشار صيرفيًّا للبلاط نافذًا فلا يوافق، ويهدّده ذاك القاضي بحُكمٍ تفتيشي، وأخيرًا يخاف اليهودي فيعقد صفقة أكون بها مع المنزل ملكًا للاثنين، فتكون أيام الاثنين والأربعاء والسبت لليهودي، وتكون أيام الأسبوع الأخرى لقاضي التفتيش، وقد مضت ستة أشهر على هذا العهد، ولم تُقضَ الأمور من غير نزاع، فممّا يحدث في الغالب ألّا يقطع في كون ليلة السبت أو الأحد خاضعة للشرع القديم أو الشرع الجديد، وأمّا أنا فقد قاومت كلا الشرعين حتّى الآن، وأظنّ أنّ هذا سبب بقائي محبوبة دائمًا.
«ثم راق مولانا القاضي أن ينفذ حكمًا تفتيشيًّا دفعًا لآفة الزلازل وتخويفًا لدون إيساشار، فشرفني بالدعوة إلى ذلك، وقد أُعدّ لي مقعدٌ رائع، وقد قُدِّم إلى السيدات بعض المرطبات بين القدّاس والتنفيذ، والحقّ أنّه اعتراني ارتجافٌ عندما رأيت إحراق ذينك اليهوديينِ وذاك البسقائي الصالح الذي تزوّج شبينته، ولكن يا لَشدّة ما أصابني من دهشة وذعر واضطراب عندما رأيت وجهًا يشابه وجه بنغلوس في ثوب بِنِدِكتِي وتحت تاج! وقد فركت عينيَّ ونظرت بدقّة فرأيت شَنقَه، فخارت قواي، ولم أكد أستردّ شعوري حتّى رأيتك عاريًا، فكان بهذا تمام اشمئزازي وذعري وألمي وقنوطي، وأقول لك، والحقّ أقول، إنّ إهابك أشدّ بياضًا مع حُمرة من إهاب صاحبي القائد البلغاري، وقد ضاعف هذا المنظر جميع ما كان يسحقني ويقضمني من المشاعر، وقد صرخت، وقد حاولت أن أقول: «مهلًا أيُّها البرابرة!»، غير أنّ صوتي خانني، وكانت صرخاتي لا تُجدي نفعًا لو صحت، ولمّا تمّ جلدك على ألييك قلت في نفسي: ما الذي جاء بالحبيب كنديد وبالحكيم بنغلوس إلى أشبُونة حتّي يُجلَد أحدهما مئة جلدةٍ وحتّي يُشنَق الآخر بأمرٍ من مولانا قاضي التفتيش الذي أعدّ محبوبته المفضّلة؟ ولذا يكون بنغلوس قد خادعني بقسوة عندما كان يقول لي إنّ كلّ شيء في العالم يسير على خير ما يكون.
«وأكون مضطربةً حائرةً خائرةً تارةً، وأكاد أموت ضعفًا تارةً أخرى، ولا غَرو، فقد زخر رأسي بقتل أبي وأمي وأخي وبتطاول الجندي البُلغاري البغيض وطعنه إيّاي بالسكين وباسترقاقي وطِهَايتي وبالقائد البُلغاري وبدون إيسَّاشار الكريه وبقاضي التفتيش القبيح وبشنق الدكتور بنغلوس وبنشيد «ارحمني» الكنسي الذي كنت تُجلَد على ألْيَيك في أثنائه، ولا سيّما تلك القبلة التي منحتك إيّاها خلف الحاجز في آخر يوم رأيتك فيه، وأحمد الله الذي ردّك إليّ بعد ابتلاء كثير، وأُوصِي عجوزي بأن تُعنى بك، وبأن تجيء بك إلى هنا عند قدرتها على ذلك، فتجيد تنفيذ وصيتي، وأجد لذّة تفوق الوصف بأن أراك ثانية فأسمعك وأتحدّث إليك، ولا بدّ أنّك جائع جوعًا شديدًا، وشهوة الطعام قويّة عندي، فلنبدأ بالعشاء».
ويجلس الاثنان حول المائدة، ويعودان بعد العشاء إلى ذلك المتّكأ الجميل الذي تكلّمنا عنه، ويكونان عليه عندما وصل السنيور دون إيسّاشار الذي هو أحد صاحبي المنزل، فاليوم يوم السبت، وقد حضر ليتمتّع بحقّه ويُعرب عن ناعم حبِّه.