الإهــداء
إلى الأفذاذِ صُنَّاع هذه الحكايات الشيقة
الذين آثروا أن تظلَّ أسماؤهم طيَّ النسيان
في حين ظلُّ ما أبدعته مخيلتُهم
يخترق العصورَ والحدودَ والحواجز
مقدمًا لنا وللأجيال من قبلنا ومن بعدنا
عُصارةَ خبراتِ الحياة
عبر أخيلةٍ ملونةٍ مجنّحة...
مقدمة
تمتلك الحكاية الشعبية من المزايا والسمات ما يجعلها تتنقل بحُرِّية شبه مطلقة عبر حواجز اللغة والجغرافيا والزمن، ولعل من أبرز مقوماتها أن جميعها يجنح نحو السهولة والسلاسة، بالإضافة إلى عمق المعنى ورسوخ الدلالة للتعبير عن الفكرة المراد إيصالها، وربما لا نجد على الإطلاق شعبًا من الشعوب أو أمةً من الأمم لا يعتز أفرادها بحكايات أسلافهم ومروياتهم فِي الماضي البعيد أو القريب، يتلاقفونها جيلاً بعد جيل، ثم لتصبح بعد ذلك جزءًا ومكوِّنًا أساسيًا من الذاكرة الجمعية، يختزن ما تواضع عليه الناس فِي مراحل زمنية معينة من قيم وأخلاقيات وأفكار وتطلعات ورؤى، بل وحتى خيال خصبٍ أيضًا.. وبهذا المعنى، فإن الحكاية الشعبية من شأنها أن تحمل ملامح المجتمعات عبر عصورهم المختلفة، وما يحيط بهم من تضاريس بيئية وجغرافية ومناخية.
يشير الباحثون إلى أن الحكاية الشعبية ظلَّت عبر العصور والحقب تمثِّل التسلية الأولى والمثلى للمجتمعات، وبصفة خاصة فِي أوقات الفراغ، وعندما يحلُّ الليل، حيث كان الأفراد يتحلقون حول النار المشتعلة تحصلاً للدفء فِي الشتاء أو الإنارة تارة أخرى، على شكل مجموعات عائلية أو قبلية أو صداقية، وكانوا فِي تجمعاتهم الصغيرة تلك يحتاجون إلى تزجية أوقاتهم الطويلة فِي الحديث، فأخذوا فِي باديء الأمر يتداولون سير آبائهم وأجدادهم ممن لدى بعضهم مآثر بطولية، وبمرور الزمن وتوالي الحقب، اخترع مثقفوهم آنذاك الحكاية، ثم أنهم وجدوا أنهم يحتاجون إلى أن يجروا تغييرات معينة فِي تفاصيلها بغية جعلها أكثر إثارة وتشويقًا لدى متلقيها، وبذلك دخل عنصر الخيال لأول مرة، فاستمرأته الأقوام وأخذت تستزيد منه، فاستجاب الرواة الجدد وواضعو هذه الحكايات لهذا التوجه، فأخذت تخرج من بين أيديهم بضاعة أكثر حذقًا ودقة وإتقانًا.
يرصد الباحثون أن العوامل الحاسمة الأخرى لإطراد نمو هذه الحكايات، تمثلت بدرجة أساس فِي التجارة أو الحروب أو التبشير الديني أو السفر لغرض طلب العلم، هذه العناصر التي ما لبثت أن أصبحت من الروافد القوية للحكاية أخذًا وعطاءً، واضطلع الرواة بمهمة الحذف أو الإضافة أو تغيير الأسماء والأمكنة إن تطلب الأمر ذلك، ولعل هذا هو من المزايا الأساسية للحكاية الشعبية.
يقول د. عبد الحميد يونس قي كتابه (الحكاية الشعبية) الصادر عن الهيئة المصرية الكتاب بمصر؛
"... والعلماء يتفقون أو يكادون، على أن نسبه الحكاية إلى هذا المؤلف أو ذاك لا تعني شيئًا بالنسبة لشعبيتها، لأن الفيصل فِي ذلك إنما يقوم على استقبال الطبقات الشعبية لها وترديدها إياها، وبذلك تخرج من جمود التدوين ومن طابع العبقرية الذاتية إلى التنقل المتسم بالمرونة ".
وقد وجد الباحثون أن هناك أنماطًا معينة من الحكايات، وهي؛
أولاً؛ حكاية الحيوان، والتي تعدُّ من أقدر أشكال الحكايات الشعبية وكونها الأقدم على الإطلاق، وهي تستهدف فِي الغالب غاياتٍ أخلاقية، ولعل من أقدمها حكايات (كليلة ودمنة) المنسوبة للحكيم الهندي بيدبا، وكذلك حكايات إيسوب الإغريقي.
ثانيًا؛ حكايات الجان والعفاريت التي تظهر فِي الموروث الشعبي العراقي عبر ثيمة (السعلوة) أو الغول أو الطنطل وغيرها.
ثالثًا؛ حكايات السير الشعبية الطويلة التي كانت تقدَّم إلى الناس وفق طقوس خاصة على لسان (القَصّخون) ومن أمثلتها (حكايات عنترة بن شداد) و(حكايات الزير سالم) و(أبي زيد الهلالي) و( سيف بن ذي يزن) وسواهم... ونحن فِي كتابنا هذا لسنا بصدد إيراد مثل هذه المحكيات.
رابعًا؛ حكايات الشطار والمتعلقة بالفتوة، وهي ذاتها حكايات اللص الشريف فِي الغرب، ولدينا فِي العراق العديد من أمثلة هذه الحكايات التي يستند الكثير منها على أسس واقعية، ومن نماذجها الحكايات المتعلقة ببعض الولاة العثمانيين الذين حكموا العراق كسليمان باشا الملقب ب (أبو ليله) والذي حكم العراق فِي العام 1749 وعمر باشا وغيرهما... أو تلك التي تتحدث عن بطولات بعض الأشقياء المعروفين كإبراهيم ابن عبدكة.
نشير هنا إلى أن عملنا فِي هذا الكتاب كان مضنيًا وشاقًا، وقد احتجنا إلى مزيد من الصبر والوقت والتقصي والانتقاء بين كمٍّ هائلٍ من الحكايات التي عثرنا عليها فِي مظانها المختلفة، ونظرنا فيها نظرة تفحص وتمعن، فأعدنا صياغة الكثير من الجُمل والعنوانات التي وجدنا أنها بحاجة إلى ذلك، وحذفنا ما رأينا أنه زائد ويصيب النص بالترهل.
على أنني أودُّ التنويه هنا بصفة خاصة أن جميع هذه الحكايات، هي حصيلة كدِّي الدؤوب وعملي المتواصل ولعدة أعوام فِي إذاعة المستقبل ببغداد، للأعوام من 2007 وحتى 2011، حيث اضطلعت المذيعة القديرة والسيدة الفاضلة "هدى رمضان" بتقديمها بصوتها الرخيم فأضفتْ عليها من روحها البغدادية الأصيلة وذوقها المتميز الشيء الكثير.
أحمد الحلي
الهرُّ و بنت الشوَّاك
مات شوَّاك وترك ثلاثَ بناتٍ وأمهن في كوخ، وسمعت الأخت الصغرى إن ثمة قصرًا فخمًا في المدينة سيُباع، فذهبت إلى هنالك خلسة وابتاعته بثمنٍ عالٍ جدًا (إلا أنه مؤجل) وبكت الأم كثيرًا لهذه الورطة، فمن أين سيدفعنَّ الثمن، لقد كذبت الابنة وورطت نفسها مرة أخرى.
وأخيرًا ذهبن إلى القصر، ووجدنَّ فيه قبقابًا عتيقًا، فلبسنه بالتناوب وأخذن يقرقعن فيه ليظن الجيران أنهن مشغولات بتنظيف القصر... وعند الغداء بعث الجيران صينية كبيرة مليئة بأشهى أنواع الطعام، ولما دخل الخادم بالصينية اختبأن لئلا يراهن.
غير أن الجيران جاؤوا يسألون أين رب المنزل، فقلنَّ لهم، إن زوج الصغرى تاجر وهو الآن على سفر.
وبعد أن تناولنَّ الغداء جاء هِـرٌّ وتركنَّ له بعض الطعام فتناوله، وترك لهنَّ درة كالبيضة... وبعث لهنَّ الجار الآخر بطعام، فوضع الهر في اليوم الثاني بيضةً أخرى... وتكرَّر هذا الأمر سبعة أيام، فأخذت الفتاة الصغرى الدُرَّر وباعتها في سوق المجوهرات بمئات الليرات، ودفعت ثمن البيت وأثثته تأثيثًا فاخرًا.
وقالت الصغرى في نفسها، إني أودُّ أن أرى أين يذهب هذا الهر ؟ فتبعته عن بُعدٍ... وسار الهِرُّ في طُرقٍ ملتوية حتى دخل بستانًا مهجورًا، ودخلت وراءه واختبأت في ركن لا يراها أحد فيه، فنزع الهر ثوبه فبدا شابًا بشريًا وسيمًا، ثم فكَّ علبة صغيرة مربوطة في زنده وفتحها فخرجت أجمل فتاة (وكانت زوجته) وأسندت رأسه على فخذها وراحت تقص عليه أجمل القصص حتى نام، فرفعت رأسه ووضعته على وسادة وتركت القصر فتبعتها الفتاة الصغرى، حتى رأتها تصل إلى خرائب مهجورة، واستقبلها شاب ماجن وشابات أخريات فزجروها لأنها تأخرت، فقالت لصاحبها الشاب الماجن، إنها لم تستطع أن تنيم زوجها إلا قبل قليل، وشتمت زوجها ورقصت معهم حتى أعياها التعب، وعادت فأيقظت زوجها بأعذب الكلمات والقُبل.
وفي اليوم التالي، أقام الشاب وليمة دعا إليها أصدقاءه الشباب وزوجاتهم في حديقة القصر، فأكلوا وضحكوا ورقصوا رقصًا عنيفًا، فتناولت بنت الشواك عظمة من بقايا الطعام ورمت بها زوجة الهر الخائنة، وفقأت عينها، فصاحت الزوجة من هول الألم، فاجتمع الحاضرون حولها، ووجدتها الفتاة فرصة سانحة للهرب.
وخرج الهِرُّ من قصره بعد ذلك، ولكن في هيئة رجل كهل هذه المرة، وحمل خرجًا مليئًا بالدرر وآخر مليئًا بالحاجيات المنزلية وراح ينادي في الأزقة:
- منو يحجي لي على جرح كلبي أنطيه هذا الخُرج اللي كله درر !
فخرجتْ النساء وأخذنَّ يقصصنَّ عليه حكايات بعيدة عن الموضوع، فكان يعطي كل واحدة منهن حاجة منزلية كالإبر والملاعق والبهارات.... الخ مكافأة لهن، إلى أن وصل إلى قصر بنات الشواك، فعرفته الصغرى، وحكت له حكايته كما وقعت إلى أن وصلت إلى الجملة الأخيرة: ((وتناولتُ العظمة وفقأتُ عين زوجتك )) !
فخرج الشاب إلى البرية وفتح العلبة وأخرج زوجته وأحرقها، وعاد إلى بنت الشوّاك وتزوجها بعد أن عاد شابًا جميلاً، فقالت الشقيقات لجيرانهن لقد عاد زوج أختنا التاجر من رحلته.
إبليس و الفلاح
اتفق فلاحٌ مع إبليس أن يزرعا اللفت (أي الشلغم)، فحرثا الأرض وبذرا البذور وسقياها، وانتظرا حتى خرجت الأوراق الخضر ونضج اللفت وجلسا لاقتسام الحاصل، فقال الفلاح لإبليس: لك الأوراق الخضر الكبيرة ولي الجذور التي في الأرض، فوافق إبليس، لأنه لم يكن يحب العمل ومشاقه.. فحفر الفلاح الأرض واستخرج ما تحت الأرض، وجمعا الحاصل واقتسما حصتيهما، وذهب كلٌّ إلى سبيله، ففطن إبليس إلى أنه قد غُلب على أمره، وأن الإنسان قد خدعه واستحوذ على الحاصل النافع، فقرَّر أن لا يتركه وأن ينتقم منه في الموسم القادم...
فلما حلَّ الربيع اتفقا أن يزرعا شعيرَا، وحرثا الأرض وبذرا البذور وسقياها، وانتظرا حتى خرجت النباتات الخضر، فباغت إبليس الفلاح قائلاً: كانت حصتك تلك المرة مما هو تحت الأرض وحصتي مما هو فوق الأرض فخذ هذه المرة ما هو فوق الأرض واترك لي ما هو تحت الأرض.
ولمَّا نضجت السنابل وصارت صفراء، حصدا زرعهما واقتسما الحاصل، فصار للرجل السنابل ولإبليس الجذور.
وفحوى هذه الحكاية ومغزاها أن صاحب المهنة يعرف خفايا حرفته أكثر من سواه وأنه لا أحد يستطيع أن يتغلب عليه؛ حتى ولو كان إبليس نفسه.
الأقـراط
كان هناك شخصٌ اسمه "علي" اشترى زوجًا من الأقراط الماسية، فطلب من أمه أن تخطب له الفتاة التي يضيء خدَّاها ويشرقان كما يُشرق الماس نفسه، فأخذتْ الأم تطوف من بيت إلى بيت، تعلِّق الأقراط على جيد الصبايا، إلا أنها لم تجد الفتاة المرجوة في المدينة كلها، وعادت الأم إلى ابنها وقالت له: لقد طفتُ جميع البيوت، ولم يتبقَّ سوى بيت بعيد عن المدينة يسكنه أحد الفقراء، فأصرَّ علي أن تذهب أمه إلى ذلك البيت...
دخلتْ الأم إلى ذلك البيت، فوجدتْ بنتًا يُضيءُ وجهها كالقمر تنقي الشعير من الشوائب في طبق وقد تناثر الغبار على خديها فصار كـالبودرة، وبالرغم من ذلك راح خدَّاها يشعان كالماس بل أجمل منه، وقد عرفت الأم أن الفتاة هي ابنة عم علي ففرحت بها وأعطتها الأقراط نيشانا لها وعادت إلى ابنها تخبره بالخبر.
ومرَّت أيام، وكان علي جالسًا في المقهى، فمرَّ من أمامه موكب (أي حملة) عروس، وسأل علي فقيل له؛ إنها حملة بنت تاجر إلى عريسها. فاغتاظ حينها وحزن وذهب إلى أمه يطلب إليها أن تستعيد الأقراط من ابنة عمه الفقير فهو ابن تاجر ويرغب في زوجة يستطيع أبوها أن يقدِّم له (حملة) يفخر بها أمام أقرانه من الشبان، فماذا تستطيع ابنة عمه الفقيرة هذه ؟!
وأمضت ابنة العم أيامها وليإليها باكية تندب حظها العاثر، وفي هذه الأثناء مرَّ بهم درويش وسألهم عن مصابهم، فقصوا عليه الخبر، فعرض عليهم أن يتزوج البنت، فوافقوا.
أما علي فقد خطب ابنة تاجر غني، قدّمت له حملة فاخرة، غير أن البنت لم تكن جميلة، وحضرت ابنة عمه حفلة العرس، فترك الحاضرون العروس وتوجهوا بأنظارهم إلى ابنة عم علي، وعتبت الأم على ابنها، فطلب علي رؤيتها، فلما رآها انبهر بجمالها وتعلق قلبه بها تعلقًا شديدًا، وقرَّر أن يتزوجها في الحال وأن لا يدعها تخرج من بيته، ولكنها أوضحت له أنها متزوجة ولا يمكن لا شرعًا ولا عُرفًا أن يتم لـ علي ما يريد.
إلا أن علي اختطفها عنوة مدعيًا أنها ابنة عمه ولا يمكن لأحد أن يأخذها منه، فاشتكى أهلها في الحال لدى حاكم المدينة، فظهر أن الدرويش الفقير الذي تزوجها هو حاكم المدينة نفسه، وقد جاءهم متنكرًا ولم يفصح عن شخصيته إلا حين جاءت قضية زوجته أمامه... فردَّ عليًا بطبيعة الحال.
وعادت الأفراح عند أهل الفتاة بعد أن عرفوا الحقيقة.
والمغزى من هذه الحكاية، أن على الإنسان أن يتروّى في نظره إلى الأمور الخطيرة قبل أن يتخذ قرارًا بشأنها، وأن الفرصة إذا ضاعت من المرء فإنها لن تعود.
الطائر السحري
(1)
كان في قديم الزمان طائرٌ سِحريٌّ يعيش في غابات الجبال، ولم يكن هذا الطائر جميلاً وذكيًا وسريعَ البديهة فقط، بل حظي بموهبة الكلام البشري، وقد حاول كثيرٌ من الملوك والأباطرة والأمراء والأثرياء ومن مختلف البلدان أن يصطادوه، وقد بلغ الأمر ببعضهم أنهم ذهبوا بأنفسهم لاصطياده، إلا أن جهودهم جميعًا باءت بالفشل.
وبلغتْ أنباء ذلك الطائر أسماع أحد الأمراء، فقال لمحدِّثه:
- إنه حقًا لطائر عجيب !
ثم أردف قائلاً:
- ولكنني على يقين بأني قادر على الإمساك به...
ثم انطلق نحو غابات الجبال حتى بلغ شجرة الصنوبر العتيقة التي قيل إن عشَّ الطائر موجود فيها، وبالفعل فقد وجد الطائر السحري واقفًا بين أغصانها الخضر الكثيفة، ولم يشعر الطائر بشيء من الخوف ولم يحاول الهرب، وسمح لهم أن يمسكوا به دون أدنى مقاومة... وفرح الأمير فرحًا عظيمًا، وفي طريق عودته إلى وطنه وأثناء مرورهم في الممر الجبلي قال له الطائر: يا صاحب السمو، قد تكون مسكتني دون عناء كبير ولكنني أحذرك؛ يجب أن لا تصدر منك في أثناء الطريق تحسّرات أو تكون فترة صمت، وإلا فإني سأطير في مثل رمشة عين، لذا يجب أن يتحدَّث أحدنا بشيء أثناء سيرنا..
قال الأمير: حسنًا إذن، تحدَّث أنت بشيء..
قال الطائر: حسنًا، أودُّ أن أروي لجلالتكم قصّة... كان لدى صيَّاد ماهر كلبٌ أمين، خرج الصيَّاد يومًا مع كلبه، والتقى في أحد الوديان بعربة يجرُّها ثور محمَّلة بالذهب والفضة وأشياء أخرى ثمينة، كانت العربة قد انكسرت وجلس صاحبها مغمومًا، ألقى الصيَّاد التحية على صاحب العربة فردَّ هذا على تحيته، وراح الاثنان يتحدثان لبرهة من الوقت، قال صاحب العربة؛ أودُّ يا صديقي أن أذهب إلى القرية القريبة لأجلب بديلاً عن الجزء الذي انكسر، وأرجو منك أن تبقى هنا مع كلبك ريثما أعود... قال الصياد: بالتأكيد سأفعل ذلك...
فرح صاحب العربة لذلك وانطلق في طريقه الجبلي، وظل الصياد ينتظر حتى مغيب الشمس، إلا أن صاحب العربة لم يحضر، ففكَّر في نفسه: إن أمي ضعيفة البصر وأخشى أنها لا تستطيع أن تطبخ لنفسها شيئًا تأكله، وهي جائعة منذ الصباح ولحد الآن، فقال لكلبه: ابقَ أنت هنا واحرس العربة حتى يعود صاحبها، وحذار من اللصوص... واتبع الكلب تعليمات سيده بأمانة وراقب الثور لئلا يبتعد وأخذ يدور حوله مثل حارس ليلي يقظ حي الضمير... وذهب الصياد إلى قُرى كثيرة، إلا أنه لم يجد بديلاً عن العتلة المكسورة إلا بعد حلول الظلام، وعندما عاد وجد أن الصياد قد ذهب تاركًا كلبه الأمين يحرس العربة، وتفقَّد الكنز فوجد أنه لم يؤخذ منه شيء، وأثنى على الكلب وأعطاه قطعة من الفضة مكافأة له، وقال له اذهب إلى بيت صاحبك...
وبعد أن وصل الكلب كان الصياد بانتظاره لدى باب البيت، وعندما رأى الكلب سيده، ألقى من فمه قطعة الفضة على الأرض فاستشاط الصياد غضبًا عندما رأى الفضة، وقال: قلتُ لك احرس أشياء صاحب العربة لا أن تسرقه... وتناول هراوة وأهوى بها ضربًا على الكلب حتى مات...
فقال الأمير: واحسرتاه ! يا له من صياد متهور ما أشد خطأه في قتل مثل هذا الكلب الأمين.. وتنهَّد تنهيدة عميقة.
فقال الطائر السحري:أترى ؟! إنك تحسَّرتَ !... ثم أنه للحال انفلت وطار وحلَّق بعيدًا.
ولام الأمير نفسه وقال: واحسرتاه ! لماذا تراني نسيت تحذير الطائر لي من أن لا أتحسر...
ثم أنه عاد إلى الغابات الجبلية واستطاع أن يصيد الطائر مرة أخرى، وفي الطريق قال الطائر: دعني أروي لك حكاية أخرى.. كان عند امرأة قطة مخلصة، وفي ذات يوم ذهبت المرأة إلى البئر لتجلب الماء، وقبل أن تخرج أوصت القطة أن تهتم بالطفل الذي في المهد، وعندما خرجت المرأة تمددت القطة بجانب المهد وأخذت تطرد الذباب والبعوض عنه، وسرعان ما خرج جرذ من وراء الباب وحاول أن يتسلل ويعض أذن الطفل، ولكن القط طرد الجرذ من الحجرة بسرعة.. وأثناء المطاردة جاء جرذ آخر وقطع أذن الطفل، فانفجر الطفل باكيًا من الألم، وعاد القط مسرعًا وأمسك بالجرذ الثاني وقتله، ثم جلس بجانب المهد مرة أخرى، وعادت الأم في تلك اللحظة، فوجدت القط يلعق الدم من أذن صغيرها، ولم تستطع السيطرة على غضبها وصاحت: أوصيتك أن تهتم بالطفل ولكنك اقتطعت أذنه أيها الشرير !... وأحضرت هراوة وراحت تضرب القط حتى مات، ولكنها عندما رأت الجرذ الميت وفي فمه أذن طفلها، أدركت مدى الخطأ الذي اقترفته، وانخرطت باكية...
فتنهد الأمير وقال: واحسرتاه ! يا له من قط مسكين !
وما أن تحسّر الأمير حتى انفلت الطائر وخفق بجناحيه وحلّق بعيدًا..
وعاد الأمير مرة ثانية إلى غابات الشمال البعيدة لمطاردته، وبالفعل استطاع أن يمسك به للمرة الثالثة، وعاد يسير في الطريق الملتوية، وحكى الطائرُ السحري له حكاية أخرى... في إحدى السنوات لم تمطر السماء أبدًا، وهرب من المجاعة أحد الأشخاص، كانت الشمس شديدة الحرارة، فشعر الرجل بظمأ شديد ولم يستطع المشي من شدة العطش فجلس تحت صخرة ناتئة من الجبل في انتظار الموت ليأتي ويأخذ روحه، ولكنه ما لبث أن سمع صوت قطرات تتساقط من أعلى وتقع قريبًا منه، فعادت إليه قوته من فرط فرحه وأمسك بالوعاء الذي كان يحمله واستطاع أن يجمع نصفه بالماء، وكان على وشك أن يشرب عندما انقض غرابٌ فجأة وضرب الوعاء بجناحه، فغضب الرجل غضبًا شديدًا وصاح: لقد رحمني ربي وأعطاني ماءً جمعته قطرة فقطرة ثم يأتي ذلك الغراب الشرير ويسفحه كله !.. وتناول حجرًا وركض وراء الغراب وضربه فقتله.. وصعد ليرى الغراب الميت فوجد ينبوعًا صغيرًا يخرج ماؤه من شق صخرة في الجبل، ففرح فرحًا شديدًا وشرب من الماء حتى ارتوى وعاد إلى مجلسه السابق، وتناول زوّادته، وكان على وشك أن يستأنف رحلته حين نظر إلى الأعلى ورأى أفعى كبيرة جدًا نائمة على قمة الصخرة وكان السم يقطر من فمها، فقال: آه ! إذن فقد كان الذي جمعته سُمًّا! وقد أنقذ الغراب حياتي... وبكى نادمًا على فعلته.
فصاح الأمير: واحسرتاه ! ياللغراب المسكين ! ضحَّى بحياته لإنقاذ قاتله !.
فقال الطائر: أراك تحسَّرتَ مرة أخرى... وحلَّق مبتعدًا.
قال الأمير: واحسرتاه حقًا ! فإن هذا الطائر أذكى من أن يكون معنا.
ثم عاد الأمير إلى بلاده...
الدجاجة المسحورة
كان يا ما كان في قديم الزمان، أن هناك امرأة كانت تعيش لوحدها، فاشترت دجاجة لتؤنسها ولكي تستفيد من بيضها.
اعتادت هذه المرأة أن تخرج بين يوم وآخر إلى السوق لتشتري ما تحتاجه من غذاء وحاجيات. وعند خروجها تقوم الدجاجة بنزع جلدها وهو الريش وتظهر على هيئة فتاة جميلة وتشرع بتنظيف البيت وترتيبه، وبعد الانتهاء من التنظيف تخرج إلى الساقية القريبة لتغتسل وفي الجانب الآخر من الساقية كان يوجد بستان الملك، وبعدها تعود إلى البيت مسرعة وتلبس ثوبها أي الريش وتجلس في مكانها وتأخذ تقوقي، وعندما تعود صاحبة البيت من السوق تشاهد الدجاجة في مكانها ولكنها تعجب من تنظيف البيت وترتيبه واستمرت هذه الحال معها لوقت ليس بالقصير.
وفي أحد الأيام، وعند وصول الفتاة إلى الساقية شاهدها البستاني، فتعجب من جمالها، وما إن وقعت عيناها عليه حتى تمتمت بالعبارة التالية : " شندل مندل صير بستوكة وتدندل "، وفي الحال انقلب البستاني رأسه إلى الأسفل ورجلاه إلى الأعلى، ويبقى البستاني على هذا الوضع حتى تعود الفتاة إلى البيت فيعود هو إلى حالته الطبيعية.
في يوم من الأيام، كان ابن الملك يتجول في البستان فوقعت عيناه على البستاني وهو يقف بهذه الحالة المعكوسة، وبعد أن استعاد وضعه الطبيعي سأله ابن الملك ما الذي جرى له، فقص عليه البستاني القصة، تأتي فتاة جميلة لتغتسل في الساقية وعندما تشاهدني تقول لي : " شندل مندل صير بستوكة وتدندل " فأجد نفسي متدليًا بالمقلوب حتى لا أراها إلى أن تغادر الساقية فأعود إلى حالتي الطبيعية.
وعندما سمع ابن الملك هذه القصة الغريبة، قرَّر أن يشاهد هذه الفتاة دون أن تعلم فاختبأ في مكان لكي يتأكد من كلام البستاني، وبالفعل جاءت الفتاة وحصل الذي كان يحصل في كل مرة، فاندهش ابن الملك وصدّق كلام البستاني، وذهب وراء الفتاة إلى أن دخلت البيت، فقرر أن يخطبها، وطرق الباب فخرجت له المرأة العجوز، فعرض عليها أن يخطب ابنتها وعرّفها على نفسه بأنه ابن الملك، فقالت له المرأة العجوز، ليس عندي في البيت أية فتاة، فقط تعيش معي في هذا البيت دجاجة ويمكنك أن تسمعها تقوقي.
رجع ابن الملك إلى بستان أبيه حائرًا لا يدري ماذا يفعل، خاصة بعد أن وقع قلبه في غرام الفتاة، إلا إن هذه الفتاة استمرت على خروجها من البيت بعد أن تذهب صاحبته للتسوق، فتغتسل في الساقية وتعود وتجلس في مكانها، فيعود ابن الملك وراءها ويتقدم لخطبتها بعد عودة المرأة من السوق، إلا إن هذه المرأة صاحبة البيت تأخذ تفكِّر بهذا الشيء العجيب الذي يحدث في البيت : التنظيف و الترتيب ثم إصرار ابن الملك بأن لديها فتاة جميلة، ففكرت المرأة التي تريد أن تعرف السر الذي يحدث في بيتها، فاختبأت في مكان منه بحيث لا يراها أحد، وبالفعل شاهدت العجب فرأت دجاجتها وهي تنزع ريشها وتتحول إلى فتاة جميلة جدًا، تقوم بتنظيف البيت وترتيبه على أحسن وجه، ثم تخرج إلى الساقية وبعدها تعود الفتاة إلى مكانها، لكن المرأة أخفت ثوب الدجاجة وهو الريش وأحرقته، وعند رجوع الفتاة إلى البيت لم تجد ثوبها وزال السحر عنها، وجاء ابن الملك الولهان كعادته لخطبتها، وتزوجها وعاشا عيشة سعيدة وصارت المرأة العجوز بمثابة أمها.
حكاية "الـقـانـون"
هذه حكاية طريفة من واقع الريف العراقي في الأوقات القريبة الماضية وتبتدئ بالقول:
كان يا ما كان في قديم الزمان، كان أحد القرويين يعيش في الريف ولم يفارقه يومًا، وكان يسمع بالمدينة وما فيها من متعة وجمال وتقدم، هذه المدينة لم يشاهدها صاحبنا ولم يزرها.
وفي أحد الأيام قرَّر هذا القروي أن يزور المدينة ليقف على ما فيها من متعة وجمال.. شدَّ الرحال نحو المدينة ووصلها ليلاً، ليدخل في أحد ملاهيها ليجد الناس في هرج ومرج وسرور وحبور يرقصون ويغنون ويُصفقون يملأهم المرح والسعادة، فما كان من صاحبنا إلا أن وقف بالقرب من عازف القانون مندهشًا من هذه الآلة العجيبة الغريبة، وكيف يداعب العازف أوتارها فتنطلق منها نغمات جميلة تبعث المتعة والسرور في نفوس الحاضرين، وفي حقيقة الأمر فإن هذه الآلة قد أسرت لُبَّه، فما كان منه إلا أن سأل أحد الحاضرين عن اسم هذه الآلة، فأجابه هذا أن اسمها القانون.
أمضى القروي ليلته متمتعًا بهذه الأجواء المخملية، إلا أن أكثر شيء بقي عالقًا في ذهنه هو آلة القانون والنغمات العذبة المنبعثة منها.
في اليوم التالي ارتكب هذا القروي جُرمًا ما في المدينة ليجد نفسه بعد أيام من التوقيف واقفًا أمام القاضي وهو يتلو عليه قرار المحكمة قائلاً : ( حكمت المحكمة عليك وفق المادة كذا من القانون بالحبس مدة ستة أشهر )...
فما كان من هذا القروي إلا أن عقَّب قائلاً : ( هذا شلون قانون، بالليل يونسون بيه الأوادم وبالنهار يحبسونهم بيه !! ).