Page 1
بسم الله الرحيم الرحيم
الحمد لله، الواحد الديّان، خلق الإنسان، علّمه البيان، وهداه إلى سبل الأمن والأمان، وأنقذه بالرسالات من ظلمات الكفر إلى شطآن الإيمان، سبحانه وتعالى، كل يوم هو في شأن.
والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على نبينا محمد صلى عليه وسلم، المتخلق بالقرآن، المؤيد بالدليل والبرهان، المشتمل دينه على ألوان الهداية وشفاء الجنان، صلاة دائمة أبداً ما طَرَفَ الجفنان، وتعاقب الجديدان، وتمايلت الأغصان، واختال الأقحوان، وانتشر عَبَقُ الظيَّان(1)، ونظرت العينان، وسمعت الأذنان، وعلى آل بيته، وعترته، ذوي الفضل والإحسان، ومن تبعهم من أهل الإيمان إلى يوم تطاير الصحف، ونصب الميزان،...وبعد؛ فإن كنوز عرش الرحمن طيبة، كثيرة الأفنان، عبقة بالرّوْح والريحان، ومنها آيتان هما خواتيم سورة البقرة، فسطاط القرآن، عظيمة الشأن، وهما كافيتان من كافٍ، نوران من نور، عظيمتان من عظيم، طيبتان من طيب، شافيتان من شافٍ، هاديتان من هدىً، حبيبتان من حبيب، عطرتان من عَطِر، هديتان من هدايا الكريم المنان، تفوقان عقد الجمان.
إن كلمات الآيتين قليلة، ولكن المعاني والأسرار كثيرة وجليلة، واللطائف الدقيقة المسلك تفوق الظواهر البيّنات، ومن لم ينتبه لتلك الأسرار بجليل النظر خفيت عليه الفِكَر، وربما أضاع أطايب الثمر، وليس في هذا الباب إلا كما قيل(2):
والنجم تستصغر الأبصار رؤيته
والذنب للطرف لا للنجم في الصغر
Page 2
فضل الآيتين وخصائصهما
ورد في السنة المطهرة أحاديث كثيرة تبيّن فضل هاتين الآيتين، وأنهما كنزان عظيمان من تحت عرش الرحمن، وتدفعان الشر والمكروه، وتجزئان القارئ لهما عن قيام الليل، وذلك لما اشتملتا عليه من الإيمان والأعمال إجمالاً، وما تضمنتا من الثناء على الصحابة الكرام, ومدى انقيادهم للشرع بالسمع والطاعة، وتلقي أوامر الله تعالى ورسوله صلى عليه وسلم بالحب والتطبيق.
يظهر فضل هاتين الآيتين من خصائصهما العظيمة، وأنوارهما المشرقة، والتي من أهمها:
أولاً: أنهما نوران بُشّر وخُصَّ بهما النبي صلى عليه وسلم، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى عليه وسلم سَمِعَ نَقِيْضَاً (3) مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلاَّ الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ، لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلاَّ الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ، فَاتِحَةُِ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلاَّ أُعْطِيتَهُ) (4).
ثانياً: أنهما كافيتان من كل سوء ومكروه، فعَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبَيْتِ، فَقُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ فِي الآيَتَيْنِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى عليه وسلم: (الآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، مَنْ قَرَأَهُمَا فِي لَيلَةٍ كَفَتَاهُ)(5)، وفي رواية مسلم: (مَنْ قَرَأَ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ) (6)، قال ابن حجر(7): (كفتاه: أي: أجزأتا عنه من قيام الليل بالقرآن، وقيل: أجزأتا عنه من قراءة القرآن مطلقاً، سواء كان داخل الصلاة أم خارجها، وقيل: أجزأتاه فيما يتعلق بالاعتقاد لما اشتملتا عليه من الإيمان والأعمال إجمالاً، وقيل: كفتاه من كل سوء، وقيل: كفتاه من شر الشيطان، وقيل: دفعتا عنه شر الإنس والجن، وقيل: كفتاه ما حصل له بسببهما من الثواب عن طلب شيء آخر….. وقيل: الجميع).
Page 3
ثالثاً: أنهما من كنز تحت العرش، ولا تخفى مكانة المكنوز، فكيف إذا كان كَنزُه تحت عرش الرحمن؟! عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: (أُعطيت خواتيم البقرة من بيت كنز تحت العرش، لم يعطهن نبي قبلي) (8)، وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال:(لا أرى أحداً عَقِل الإسلام ينام حتى يقرأ آية الكرسي، وخواتيم سورة البقرة، فإنها من كنز أعطيه نبيكم صلى عليه وسلممن تحت العرش) (9).
رابعاً: تطردان الشيطان، فقد روى الحاكم (10)عن النعمان ابن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: (إن الله تعالى كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا تقرآن في دار فيَقرَبها شيطان).
خامساً: أنهما صلاة وقرآن ودعاء، ففي سنن الدارمي(11) أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: ( إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش، فتعلموهما، وعلموهما نساءكم وأبناءكم، فإنهما صلاة وقرآن ودعاء).
سادساً: أنهما شفاء من الأسقام، ففي سنن الدارمي(12) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (من قرأ أربع آيات من أول سورة البقرة، وآية الكرسي وآيتين بعد آية الكرسي، وثلاثاً من آخر سورة البقرة لم يَقربْه ولا أهله يومئذ شيطان ولا شيء يكرهه، ولا يقرآن على مجنون إلا أفاق).
والآثار والأحاديث في فضلهما وخصائصهما كثيرة، وفيما ذكرت كفاية لمن وفقه الله.
Page 4
مناسبتهما لما قبلهما
بدأت السورة الشريفة - سورة البقرة- ببيان عظيم شأن القرآن، وقسّمت الناس إلى أقسام، وصنفتهم مُقدّمةً صنف المؤمنين، وأعقبتهم بذكر المختوم على قلوبهم وأبصارهم من الكافرين، وأردفتهم ذِكرَ المنافقين الكاذبين، ثم أرشدت السورة إلى كثير من التشريعات، كدأب القرآن المدني، من صيام وحج وطلاق، وغير ذلك من عبادات ومعاملات وأخلاق، تجعل المؤمن على صراط مستقيم، وتهديه ومَنْ سلك مسلكه من المؤمنين إلى صراط الحميد.
ولما كانت هذه الصفات هي التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمن، وهو بها أحرى وأقوى، وقد عُرضت في ثنايا السورة الكريمة ناسب أن تختم بصفات الله تعالى، وقد ثبت أن من الصفات التي هي كمالات حقيقية القدرة والعلم، فعّبر الله سبحانه وتعالى عن كمال القدرة بقوله تعالى: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} (13)، وعبّر عن كمال العلم المحيط بالكليات والجزئيات بقوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} (14)، وإذا حصل كمال القدرة والعلم، فكان كل من في السموات والأرض عبيداً مربوبين، وُجِدوا بتخليقه وتكوينه، كان ذلك غاية الوعد للمطيعين، ونهاية الوعيد للمذنبين(15)، وأما الآيتان الكريمتان آخر سورة البقرة فهما ختام المسك، وفيهما بيان كمال العبودية، ففي السياق مقامان، مقام كمال الربوبية وقد ظهر لنا، ومقام العبودية وقد ظهر مّنا، والمرجو من فضله سبحانه وإحسانه أن يُظهر يوم القيامة في حقنا كمال العناية والرحمة والإحسان، وإظهار الحسنات وستر السيئات، وهو غاية في الجود والإكرام.
ولا يخفى الارتباط بين مدح المتقين في أول السورة، ومدح المؤمنين الذين ينتهجون نهج النبي صلى عليه وسلم في التصديق والإذعان لأوامر العليم العلام، وكذا التوافق بين إقامة الصلاة والإنفاق من الرزق أول السورة، وبين السمع والطاعة في آخرها، كما هو تلازم الإيقان بالآخرة أولها، واعلان كون المصير ليس إلا إلى الله آخرها، فانظر كيف حصلت الموافقة بين أول السورة ومنتهاها!!
Page 5
سبب نزولهما
إن لنزولهما قصة تشد الأذهان، وتُوقظ الوسنان، وتُنعش الوجدان، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: (لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى عليه وسلم: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (16)، قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى عليه وسلم فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ صلى عليه وسلم ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللهِ، كُلِّفْنَا مِنَ الأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ، الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ وَالْجِهَادُ وَالصَّدَقَةُ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هذِهِ الآيَةُ وَلاَ نُطِيقُهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى عليه وسلم: "أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ ذَلَّتْ (17) بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي إِثْرِهَا: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (18)، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا الله تَعَالَى، فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}، قَالَ: نَعَمْ، {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}، قَالَ: نَعَمْ، {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ}، قَالَ:نَعَمْ، {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (19)، قَالَ: نَعَمْ(20)، وفي رواية أخرى(21) أنه تعالى قال: (قد فعلت) بدل (نعم).
لقد غَمّت المؤاخذة بالمخفيات أصحاب النبي صلى عليه وسلم غماً شديداً، وقالوا: يا رسول الله هلكنا، فإن قلوبنا ليست بأيدينا، كذا في فتح الباري(22)، وفي رواية الطبري(23) أنهم قالوا: ( إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه وأن له الدنيا وما فيها وإنا لمؤاخذون بما تحدث به أنفسنا هلكنا والله).
صدق الصحابة الكرام، ومن سأل أصقاع الدنيا عن جهادهم وفتوحاتهم أجابتهم الجبال والسهول والقيعان، ونطقت المقامات الشريفة والآثار والجدر والبنيان بحقيقة الحال وعظيم الفعال، ناهيك عن صلاتهم وصيامهم وعبادتهم وزهدهم وورعهم، فإذا أُضيف إلى ذلك فقرهم وجوعهم عرفت شدة الحال وصبر الرجال، وكريم الخصال.