Page 1
تمهيد
«يا الله ما أجمل هذه الأرض؟!»
هذا الهتاف هو الذي ردّده كريستوفر كولومبس (Christopher Columbus) (ولد العام 1451 وتوفي العام 1506) عندما كانت سفينته «سانتا ماريا» ترسو عند الشواطئ الكوبية في 27 تشرين الأول (أكتوبر) العام 1492. لا أدري كيف استعدتُ ذلك الهتاف وردّدته مع نفسي بمرح غامر وأنا أترجّل من الطائرة التي حملتني من باريس إلى هافانا، منتقلة بـي من قارة أوروبا إلى قارة أميركا، مجتازة المحيط الأطلسي برمته، وهو البحر الذي كان المؤرخون والرحّالة العرب يسمونه «بحر الظلمات» .
يومها حسِبَ كولومبس أنه وصل إلى إحدى جزر «الهند» باستخدامه المتوافر من علوم عصره، بما فيها علوم العرب الجغرافية والفلكية، حول مدار الأرض، لكنه كما اتـّضح أن هذا المدار أطول بكثير مما كان يُقدّر، وأن عالماً فسيحاً يمتدُّ إلى أقاصي الغرب ما زال ينتظره إنْ أراد الوصول إلى مبتغاه.
لقد كانت المحطة الكوبية، بعد رحلة مضنية، المفتاح الأول للعالم الجديد، الذي كان اكتشافه دهشة جديدة على المستويات العلمية والاجتماعية والاقتصادية، ومنذ ذلك التاريخ سيستخدمه القراصنة طريقاً لتجارة الرقيق من قارة أفريقيا السوداء إلى قارة أميركا الشمالية والجنوبية.
إذا أمعنا النظر في خارطة كوبا الجغرافية، فسنرى أنها أقرب إلى تمساح عائم وسط البحر ذنبه يقترب من شواطئ فلوريدا، أما رأسه فيتجه إلى الأعلى ليقترب بأنفه من سواحل هاييتي، ويطلّ من فوق جزيرة جامايكا. ويطوّق جزيرة كوبا التي تبلغ مساحتها 11860كم2 ساحل، يبلغ امتداده نحو خمسة آلاف كيلو متر، محاط من شماله بعدّة جزر صغيرة، تكاد تشكّل سياجاً للجزيرة، أو أرخبيلاً من جزر يضم نحو 13 خليجاً، ويبلغ عدد سكان الجزيرة 11 مليوناً (أحد عشر) غالبيتهم من أصول إسبانية، لاسيّما بعد إبادة السكان الأصليين، كما أنّ اللون الأسمر يعكس التركيب المتعدد لأصول الكوبيين، الذين خضعوا للاستعمار الإسباني لقرون.
كوبا أرض منبسطة فيها الكثير من الوديان والخلجان، وفي شرقها تنتصب سلسلة جبال السيرامايسترا الشهيرة، مهد الثورة، أما مناخها فيمتاز بالدفء طوال فصول السنة بالرغم من الرطوبة العالية، ومطرها استوائيٌ وبخاصة في أشهر الخريف.
بعد شوق طويل ومتابعة مضنية وقلق عميق على التجربة الكوبية، جاء الوقت لكي أشدّ الرحال إلى كوبا؛ وكنت أحسب أن الرحلة تأخرت أكثر ممّا ينبغي، وهو ما سأذكره لاحقاً. وكنت أستحثُّ نفسي مستعجلاً على الزيارة، مستحضراً علاقتي مع زملاء وأصدقاء كوبيين قدامى وجدد.
بعد مرض الرفيق فيدل كاسترو ، شعرت أن الأوان قد آن لتحقيق الزيارة وذلك لكي أطّلع على التجربة ميدانياً على الأرض قبل أن يطرأ عليها أي تغيير، ولكي أكوّن الصورة الواقعية قبل التغيير لا بعده، فضلاً عن أنني على الرغم من تلمّسي حجم التحدّيات المباشرة وغير المباشرة التي تواجهها كوبا، إلّا أن رؤية التجربة من الداخل تختلف عن رؤيتها من الخارج، ولن يكون ذلك «واقعياً» وقريباً من الحقيقة بعد رحيل الرجل، ولعلّ الأجدر والأفضل رؤيتها بوجوده، بكل ما لها وما عليها.
وكان قلقي يزداد ومخاوفي تتسع، بسبب ما كانت تنقله وسائل الإعلام، لاسيّما غير المشجعة للتجربة الكوبية، فضلاً عن بعض قراءاتي وانطباعاتي الشخصية وتبلور رؤيتي النقدية الخاصة بشأن التجربة الاشتراكية بشكل عام، حيث كنت قد عشت في السبعينيات في براغ وزرت معظم البلدان الاشتراكية زيارات عمل وأخرى شخصية، ولذلك كنت أدرك أن انهيار المنظومة الاشتراكية، الذي شاهدناه، والذي حضرتُ فصله الأخير بمحض المصادفة في تشيكوسلوفاكيا وبرلين، إنما كان موضوعياً قد حُفرتْ أساساته منذ وقت طويل، وحسب سارتر كانت البلدان الاشتراكية تبدو من الخارج قلاعاً محصّنة، لكنها خاوية من الداخل، الأمر الذي أدّى إلى انهيارها المدوّي.
قد تختلف التجربة الاشتراكية الكوبية عن غيرها من التجارب، لاسيّما مسارها وكاريزما قياداتها، لكنها من حيث الجوهر اتّخذت الطريق الذي سلكته معظم البلدان الاشتراكية، من توجهات وخطط وبرامج، وما زاد في معاناة السكان هناك هو الحصار الأميركي الذي استمر منذ خمسة عقود من الزمان، والذي فرض نفسه بقوة على التجربة وعلى الإنسان، خصوصاً في ظل الحرمانات والعذابات التي عاشها. وبالقدر الذي كان المواطن الكوبـي يسمع خطابات قيادته عن الرفاه والسعادة والوفرة المادية، كان يعيش حياة فقر وفاقة وقهر.
وبالرغم من أن الكوبيين صبروا طويلاً وتحملّوا كثيراً فلا يزال أمامهم الكثير، وليس هناك حتى الآن، مع استمرار الحصار الأميركي، وسائل واقعية ومقنعة لإنهاء معاناتهم، أو التخفيف عنها؛ وحتى الآن لم تتبلور بعد حلول ممكنة تأخذ، بنظر الاعتبار، قدرة الإنسان على التحمّل، وتبتدع أساليب جديدة للموازنة بين مشاعر الأمل بحياة سعيدة ومرفهة وحريات وافرة وتقدم اجتماعي وإنساني في إطار عملية تنمية شاملة، وبين بؤس الواقع وشحّ المواد الضرورية وضيق اليد.
وقد واجهني الكثير من الأسئلة المحرجة والحارقة خلال زيارتي إلى كوبا، وازداد قلقي وتعاظم، إزاء تناقضات اعتبرتها خصوصية كوبية، وتساءلت مع كريم مروّة في انطباعاته «يوميات مثقف عربـي في جزيرة الحرية كوبا» المنشورة في صحيفة النهار اللبنانية، في 25 حزيران (يونيو) 2007: «من أين يأتي حب الشعب لقادته كاسترو وجيفارا وسان خوسيه مارتيه الذي حوّله الحصار الأميركي إلى الفقر والفاقة، وبين مشاعر الرفاهية التي وعدتهم بها الاشتراكية وفيدل كاسترو؟».
وكانت الأسئلة تكبر كلما قارنت التجربة الكوبية، بالتجارب الاشتراكية التي عرفتها، والتي انهارت بسرعة خاطفة وتهاوت أحزاب وأنظمة حسبناها منيعة وقوية، بين ليلة وضحاها، وتساءلت من سيكون بعد كاسترو وهو قد تجاوز الثمانين، وهل أنَّ رهان الرفاق الكوبيين على بعض انتصارات أميركا اللاتينية كافٍ؟
لم أكن قد قررت نشر كتاب عن كوبا، فابتدأت بنشر حلقات في إحدى الصحف العربية، ولعلّ ما كنت أفكّر فيه هو نشر ثلاث أو خمس حلقات، لكن المقدمة والمادة انسابت معي وتوالت الحلقات حتى بلغت 24 حلقة، وعندها توقفت لأضع لمسات لكتاب عن كوبا، وفيه رؤيتي بعد 50 عاماً من تأثري وحماستي القديمة وحرصي وقلقي الحالي، فضلاً عن رؤيتي الانتقادية الشفافة، حيث وضعت له عنواناً هو «الجنة والاغتراب» لما تتضمن تلك الجزيرة من مفارقات محببة، ومن ثم ارتأيت عنواناً آخر هو «كوبا الحلم الغامض» لما ينطوي تحته من أسرار وخبايا.
والعنوان على ما أظن فيه من الدقة في المضمون والموسيقى في اللفظ وسلاسة التعبير؛ فقد حاولت من خلاله أن أجمع بين تناقضين، ففي هذه الجزيرة الجميلة الخضراء، اقتراب من الجنة بما تملك وتشعر، واغتراب بسبب الحصار الأميركي وشحّ الموارد وتأثيرات نظام العقوبات وانعكاساته كوبياً على مستوى الفرد والجماعة، لاسيّما في جوانبه النفسية.
«يا الله ما أجمل هذه الأرض؟!»
هذا الهتاف هو الذي ردّده كريستوفر كولومبس (Christopher Columbus) (ولد العام 1451 وتوفي العام 1506) عندما كانت سفينته «سانتا ماريا» ترسو عند الشواطئ الكوبية في 27 تشرين الأول (أكتوبر) العام 1492. لا أدري كيف استعدتُ ذلك الهتاف وردّدته مع نفسي بمرح غامر وأنا أترجّل من الطائرة التي حملتني من باريس إلى هافانا، منتقلة بـي من قارة أوروبا إلى قارة أميركا، مجتازة المحيط الأطلسي برمته، وهو البحر الذي كان المؤرخون والرحّالة العرب يسمونه «بحر الظلمات» .
يومها حسِبَ كولومبس أنه وصل إلى إحدى جزر «الهند» باستخدامه المتوافر من علوم عصره، بما فيها علوم العرب الجغرافية والفلكية، حول مدار الأرض، لكنه كما اتـّضح أن هذا المدار أطول بكثير مما كان يُقدّر، وأن عالماً فسيحاً يمتدُّ إلى أقاصي الغرب ما زال ينتظره إنْ أراد الوصول إلى مبتغاه.
لقد كانت المحطة الكوبية، بعد رحلة مضنية، المفتاح الأول للعالم الجديد، الذي كان اكتشافه دهشة جديدة على المستويات العلمية والاجتماعية والاقتصادية، ومنذ ذلك التاريخ سيستخدمه القراصنة طريقاً لتجارة الرقيق من قارة أفريقيا السوداء إلى قارة أميركا الشمالية والجنوبية.
إذا أمعنا النظر في خارطة كوبا الجغرافية، فسنرى أنها أقرب إلى تمساح عائم وسط البحر ذنبه يقترب من شواطئ فلوريدا، أما رأسه فيتجه إلى الأعلى ليقترب بأنفه من سواحل هاييتي، ويطلّ من فوق جزيرة جامايكا. ويطوّق جزيرة كوبا التي تبلغ مساحتها 11860كم2 ساحل، يبلغ امتداده نحو خمسة آلاف كيلو متر، محاط من شماله بعدّة جزر صغيرة، تكاد تشكّل سياجاً للجزيرة، أو أرخبيلاً من جزر يضم نحو 13 خليجاً، ويبلغ عدد سكان الجزيرة 11 مليوناً (أحد عشر) غالبيتهم من أصول إسبانية، لاسيّما بعد إبادة السكان الأصليين، كما أنّ اللون الأسمر يعكس التركيب المتعدد لأصول الكوبيين، الذين خضعوا للاستعمار الإسباني لقرون.
كوبا أرض منبسطة فيها الكثير من الوديان والخلجان، وفي شرقها تنتصب سلسلة جبال السيرامايسترا الشهيرة، مهد الثورة، أما مناخها فيمتاز بالدفء طوال فصول السنة بالرغم من الرطوبة العالية، ومطرها استوائيٌ وبخاصة في أشهر الخريف.
بعد شوق طويل ومتابعة مضنية وقلق عميق على التجربة الكوبية، جاء الوقت لكي أشدّ الرحال إلى كوبا؛ وكنت أحسب أن الرحلة تأخرت أكثر ممّا ينبغي، وهو ما سأذكره لاحقاً. وكنت أستحثُّ نفسي مستعجلاً على الزيارة، مستحضراً علاقتي مع زملاء وأصدقاء كوبيين قدامى وجدد.
بعد مرض الرفيق فيدل كاسترو ، شعرت أن الأوان قد آن لتحقيق الزيارة وذلك لكي أطّلع على التجربة ميدانياً على الأرض قبل أن يطرأ عليها أي تغيير، ولكي أكوّن الصورة الواقعية قبل التغيير لا بعده، فضلاً عن أنني على الرغم من تلمّسي حجم التحدّيات المباشرة وغير المباشرة التي تواجهها كوبا، إلّا أن رؤية التجربة من الداخل تختلف عن رؤيتها من الخارج، ولن يكون ذلك «واقعياً» وقريباً من الحقيقة بعد رحيل الرجل، ولعلّ الأجدر والأفضل رؤيتها بوجوده، بكل ما لها وما عليها.
وكان قلقي يزداد ومخاوفي تتسع، بسبب ما كانت تنقله وسائل الإعلام، لاسيّما غير المشجعة للتجربة الكوبية، فضلاً عن بعض قراءاتي وانطباعاتي الشخصية وتبلور رؤيتي النقدية الخاصة بشأن التجربة الاشتراكية بشكل عام، حيث كنت قد عشت في السبعينيات في براغ وزرت معظم البلدان الاشتراكية زيارات عمل وأخرى شخصية، ولذلك كنت أدرك أن انهيار المنظومة الاشتراكية، الذي شاهدناه، والذي حضرتُ فصله الأخير بمحض المصادفة في تشيكوسلوفاكيا وبرلين، إنما كان موضوعياً قد حُفرتْ أساساته منذ وقت طويل، وحسب سارتر كانت البلدان الاشتراكية تبدو من الخارج قلاعاً محصّنة، لكنها خاوية من الداخل، الأمر الذي أدّى إلى انهيارها المدوّي.
قد تختلف التجربة الاشتراكية الكوبية عن غيرها من التجارب، لاسيّما مسارها وكاريزما قياداتها، لكنها من حيث الجوهر اتّخذت الطريق الذي سلكته معظم البلدان الاشتراكية، من توجهات وخطط وبرامج، وما زاد في معاناة السكان هناك هو الحصار الأميركي الذي استمر منذ خمسة عقود من الزمان، والذي فرض نفسه بقوة على التجربة وعلى الإنسان، خصوصاً في ظل الحرمانات والعذابات التي عاشها. وبالقدر الذي كان المواطن الكوبـي يسمع خطابات قيادته عن الرفاه والسعادة والوفرة المادية، كان يعيش حياة فقر وفاقة وقهر.
وبالرغم من أن الكوبيين صبروا طويلاً وتحملّوا كثيراً فلا يزال أمامهم الكثير، وليس هناك حتى الآن، مع استمرار الحصار الأميركي، وسائل واقعية ومقنعة لإنهاء معاناتهم، أو التخفيف عنها؛ وحتى الآن لم تتبلور بعد حلول ممكنة تأخذ، بنظر الاعتبار، قدرة الإنسان على التحمّل، وتبتدع أساليب جديدة للموازنة بين مشاعر الأمل بحياة سعيدة ومرفهة وحريات وافرة وتقدم اجتماعي وإنساني في إطار عملية تنمية شاملة، وبين بؤس الواقع وشحّ المواد الضرورية وضيق اليد.
وقد واجهني الكثير من الأسئلة المحرجة والحارقة خلال زيارتي إلى كوبا، وازداد قلقي وتعاظم، إزاء تناقضات اعتبرتها خصوصية كوبية، وتساءلت مع كريم مروّة في انطباعاته «يوميات مثقف عربـي في جزيرة الحرية كوبا» المنشورة في صحيفة النهار اللبنانية، في 25 حزيران (يونيو) 2007: «من أين يأتي حب الشعب لقادته كاسترو وجيفارا وسان خوسيه مارتيه الذي حوّله الحصار الأميركي إلى الفقر والفاقة، وبين مشاعر الرفاهية التي وعدتهم بها الاشتراكية وفيدل كاسترو؟».
وكانت الأسئلة تكبر كلما قارنت التجربة الكوبية، بالتجارب الاشتراكية التي عرفتها، والتي انهارت بسرعة خاطفة وتهاوت أحزاب وأنظمة حسبناها منيعة وقوية، بين ليلة وضحاها، وتساءلت من سيكون بعد كاسترو وهو قد تجاوز الثمانين، وهل أنَّ رهان الرفاق الكوبيين على بعض انتصارات أميركا اللاتينية كافٍ؟
لم أكن قد قررت نشر كتاب عن كوبا، فابتدأت بنشر حلقات في إحدى الصحف العربية، ولعلّ ما كنت أفكّر فيه هو نشر ثلاث أو خمس حلقات، لكن المقدمة والمادة انسابت معي وتوالت الحلقات حتى بلغت 24 حلقة، وعندها توقفت لأضع لمسات لكتاب عن كوبا، وفيه رؤيتي بعد 50 عاماً من تأثري وحماستي القديمة وحرصي وقلقي الحالي، فضلاً عن رؤيتي الانتقادية الشفافة، حيث وضعت له عنواناً هو «الجنة والاغتراب» لما تتضمن تلك الجزيرة من مفارقات محببة، ومن ثم ارتأيت عنواناً آخر هو «كوبا الحلم الغامض» لما ينطوي تحته من أسرار وخبايا.
والعنوان على ما أظن فيه من الدقة في المضمون والموسيقى في اللفظ وسلاسة التعبير؛ فقد حاولت من خلاله أن أجمع بين تناقضين، ففي هذه الجزيرة الجميلة الخضراء، اقتراب من الجنة بما تملك وتشعر، واغتراب بسبب الحصار الأميركي وشحّ الموارد وتأثيرات نظام العقوبات وانعكاساته كوبياً على مستوى الفرد والجماعة، لاسيّما في جوانبه النفسية.
Page 2
جزء من الجنة هو حلم أرضي بحياة مرفهة وحريات وتقدّم إنساني وعدالة اجتماعية، وفي الجزء الآخر اغتراب لأن القوى المتنفّذة التي نظّمت المؤامرات طيلة عقود من الزمان، وحضّرت للغزو وحرّضت الطبقة الوسطى والكفاءات على الهجرة، لا تزال تمسك مفاتيح العالم وتتصرف بعنجهية، لاسيّما بعد انهيار الكتلة الاشتراكية، الأمر الذي يجعل من الحياة الاعتيادية - الطبيعية، أمراً غير ممكن في ظل النقص الفادح في الموارد وضعف التنمية وعمليات التخريب المستمرة.
ولعلّ «إبليس» الذي لا يبعد عن الجنة سوى تسعين ميلاً يقف بالمرصاد وينتظر اللحظة «التاريخية» للإغواء أو الإلغاء وهو ما يدركه الكوبيون، والأهم من ذلك هو كيف سيتصرفون تجاهه؟.
إن هدفي من هذا الكتاب هو إظهار العذابات اللامحدودة التي اجترحها الشعب الكوبـي. وفي الوقت نفسه تبيان قدرته على المقاومة والصبر على المكاره والأحزان والآلام؛ وبالرغم من كل شيء فقد حقق نهضة كبيرة في ميادين محو الأمية والتعليم والطب والرياضة وغيرها، لكن ذلك وحده غير كاف، إذا ما عرفنا حاجات الإنسان المادية والروحية، لاسيّما ضرورات إشاعة الحريات، ودخول عالم الحداثة والتنمية، خصوصاً في ظل العولمة وما بعدها، وهو ما حاولت أن أتوقف عنده بمناقشات في إطار الوضعية النقدية للماركسية، وبمساهمة في نقد الفكر السياسي السائد وتطبيقاته من خلال قراءة سوسيوثقافية.
حاولت أيضاً إظهار خصوصية التجربة الكوبية، وإرهاصاتها الأولى، بعد انتصار الثورة، وخصوصاً تسليط الضوء على شخصية أحد رموزها الكبار وهو أرنستو تشي جيفارا ، متوقفاً عند بعض مواقفه، خصوصاً مقارباتها العربية من خلال علاقاته بجمال عبد الناصر ، وأحمد بن بيلا، والمهدي بن بركة، والأهم من ذلك نقده للبيروقراطية واختلافه مع المدرسة الاشتراكية السوفييتية، ومحاولاته تقديم قراءة فكرية مختلفة ومتباينة عنها في الاقتصاد السياسي.
كما حاولت تتبّع تطوّر الثورة الكوبية، لاسيّما بعد فشل أول محاولة للغزو نيسان (أبريل) 1961 ورفض كيندي تدخّل وحدات من الجيش الأميركي لقلب ميزان المعركة، حينها بدأ الخط الاشتراكي الراديكالي يتعزز، وخصوصاً بعد الإعلان عن تنفيذ برنامج المونكادا، وهو برنامج أولي ترافق مع بعض الإجراءات الوطنية الديمقراطية، وصولاً لإعلان الخيار الاشتراكي مع تفاقم الأزمة الأميركية - السوفييتية على خلفية نصب الصواريخ السوفييتية والمعروفة بأزمة خليج الخنازير العام 1962.
حاولت من خلال انطباعاتي الشخصية، الجمع بين ما هو فكري وما هو عملي، بين ما هو سياسي وما هو ثقافي، بين ما هو كوبـي وما هو أميركي لاتيني، وبالقدر نفسه مع ما هو اشتراكي وإنساني. ولم أتوقف عند الصورة النمطية، بل سعيت لنقد التجربة من داخلها، من خلال الحرص والمسؤولية، مضيئاً على إيجابياتها وسلبياتها، متابعاً رمزيتها الخاصة ورؤيتها الجدلية إزاء الاشتراكية المستنسخة، التي حاول جيفارا رفضها.
لم يكن الأمر كلّه على هذا المنوال، فتوقفت عند يوميات المغامر النبيل مقارناً بين جيفارا ورامبو ودون كيشوت، بين شبح ماركس أو أسطورته وبين شبح جيفارا وأسطورته، ولم أنس أن أشير إلى بعض تأثيرات جيفارا العربية والعراقية إضافة إلى التأثيرات العربية على رؤيته، لاسيّما من خلال علاقته بعبد الناصر وبن بيلا وبن بركة، من حيث أحلام الكبار وقلقهم وهواجسهم وعنفوانهم، وتغريدهم خارج السرب أحياناً وغيابهم المبكـّر.
توقفت عند الحياة السوسيوثقافية الكوبية من خلال الروائي الأميركي أرنست همنغواي وحانة بودغيتا دل ميديو ، وحاولت استذكار ما بين الجواهري وهمنغواي ، ثم عرّجت على علاقة كاسترو بأبـي عمار وجورج حبش.
وقد أفردت فقرة خاصة لعلاقة الثورة الكوبية بالدين من خلال عدد من الفقرات عنونتها «ملكوت السماء وملكوت الأرض»، «الاشتراكية والإيمان الديني» «الروح والمادة: حوار المتدينين مع الماركسيين»، «الثورة والكنيسة» وأخيراً «كاسترو والدين».
وضمن مقارباتي العربية للتجربة الاشتراكية الكوبية أجريت مناظرة بينها وبين التجربة الاشتراكية اليمنية، ابتداءً من انطلاقة الأولى من جبال السيرامايسترا ووصولها إلى هافانا، وبين التجربة اليمنية وانطلاقتها من جبال ردفان ومعاركها الحاسمة في حي كريتر في العاصمة عدن وطرد المستعمرين البريطانيين، ثم توقفت عند انهيار أنظمة أوروبا الشرقية وهواجس عدن وقلق هافانا، وفيما بعد اختلاف المسارات بالرغم من التحدّيات المشتركة، ولم أكتف بذلك، بل حاولت أن أعرّج على علاقة الثقافة بالسياسة المعادلة القاسية، من خلال إظهار العلاقة المتميزة لكاسترو بغابريل غارسيا ماركيز ، وعلاقة عبد الفتاح إسماعيل بأدونيس .
وأشرت في الفقرة الأخيرة التي اختتمت بها الكتاب، بأن كوبا واجهت سبعة حروب، ولعلّ آخرها الحرية والحداثة، وفي ذلك سيكون اختيارها الأهم واختبارها الأصعب. ثم نشرت كإضمامة للكتاب رسالة جيفارا إلى كاسترو قبل التحاقه بالثورة في الكونغو ثم اختياره للكفاح المسلح في بوليفيا حيث لقيَ مصرعه في الثامن من تشرين الأول (أكتوبر) 1967.
وشعرت أن من الواجب، وليس من باب التجميل، أن نؤكد على أنَّ الشعر برمزيته كان حاضراً معي خلال كتابة حلقاتي التي تألف منها الكتاب، فحاولت أن أوظّفه كلما كان ذلك ممكناً بمقطوعات أحسب أنها ستلطّف جو القارئ وهو يقرأ ما في الواقع الاغترابـي بكل مراراته وتطرفاته، متطلعاً إلى جنـّة حقيقية حيث السعادة والحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية. ولكي لا أثقل على القارئ وضعت بعض المصادر التي استعنت بها أو استرجعت بعضها في متن هذه الخواطر الانطباعية، مع فهرست خاص بالأعلام والأماكن ونبذة مختصرة باللغة الإنكليزية.
ع. شبيروت 31/7/2010
ولعلّ «إبليس» الذي لا يبعد عن الجنة سوى تسعين ميلاً يقف بالمرصاد وينتظر اللحظة «التاريخية» للإغواء أو الإلغاء وهو ما يدركه الكوبيون، والأهم من ذلك هو كيف سيتصرفون تجاهه؟.
إن هدفي من هذا الكتاب هو إظهار العذابات اللامحدودة التي اجترحها الشعب الكوبـي. وفي الوقت نفسه تبيان قدرته على المقاومة والصبر على المكاره والأحزان والآلام؛ وبالرغم من كل شيء فقد حقق نهضة كبيرة في ميادين محو الأمية والتعليم والطب والرياضة وغيرها، لكن ذلك وحده غير كاف، إذا ما عرفنا حاجات الإنسان المادية والروحية، لاسيّما ضرورات إشاعة الحريات، ودخول عالم الحداثة والتنمية، خصوصاً في ظل العولمة وما بعدها، وهو ما حاولت أن أتوقف عنده بمناقشات في إطار الوضعية النقدية للماركسية، وبمساهمة في نقد الفكر السياسي السائد وتطبيقاته من خلال قراءة سوسيوثقافية.
حاولت أيضاً إظهار خصوصية التجربة الكوبية، وإرهاصاتها الأولى، بعد انتصار الثورة، وخصوصاً تسليط الضوء على شخصية أحد رموزها الكبار وهو أرنستو تشي جيفارا ، متوقفاً عند بعض مواقفه، خصوصاً مقارباتها العربية من خلال علاقاته بجمال عبد الناصر ، وأحمد بن بيلا، والمهدي بن بركة، والأهم من ذلك نقده للبيروقراطية واختلافه مع المدرسة الاشتراكية السوفييتية، ومحاولاته تقديم قراءة فكرية مختلفة ومتباينة عنها في الاقتصاد السياسي.
كما حاولت تتبّع تطوّر الثورة الكوبية، لاسيّما بعد فشل أول محاولة للغزو نيسان (أبريل) 1961 ورفض كيندي تدخّل وحدات من الجيش الأميركي لقلب ميزان المعركة، حينها بدأ الخط الاشتراكي الراديكالي يتعزز، وخصوصاً بعد الإعلان عن تنفيذ برنامج المونكادا، وهو برنامج أولي ترافق مع بعض الإجراءات الوطنية الديمقراطية، وصولاً لإعلان الخيار الاشتراكي مع تفاقم الأزمة الأميركية - السوفييتية على خلفية نصب الصواريخ السوفييتية والمعروفة بأزمة خليج الخنازير العام 1962.
حاولت من خلال انطباعاتي الشخصية، الجمع بين ما هو فكري وما هو عملي، بين ما هو سياسي وما هو ثقافي، بين ما هو كوبـي وما هو أميركي لاتيني، وبالقدر نفسه مع ما هو اشتراكي وإنساني. ولم أتوقف عند الصورة النمطية، بل سعيت لنقد التجربة من داخلها، من خلال الحرص والمسؤولية، مضيئاً على إيجابياتها وسلبياتها، متابعاً رمزيتها الخاصة ورؤيتها الجدلية إزاء الاشتراكية المستنسخة، التي حاول جيفارا رفضها.
لم يكن الأمر كلّه على هذا المنوال، فتوقفت عند يوميات المغامر النبيل مقارناً بين جيفارا ورامبو ودون كيشوت، بين شبح ماركس أو أسطورته وبين شبح جيفارا وأسطورته، ولم أنس أن أشير إلى بعض تأثيرات جيفارا العربية والعراقية إضافة إلى التأثيرات العربية على رؤيته، لاسيّما من خلال علاقته بعبد الناصر وبن بيلا وبن بركة، من حيث أحلام الكبار وقلقهم وهواجسهم وعنفوانهم، وتغريدهم خارج السرب أحياناً وغيابهم المبكـّر.
توقفت عند الحياة السوسيوثقافية الكوبية من خلال الروائي الأميركي أرنست همنغواي وحانة بودغيتا دل ميديو ، وحاولت استذكار ما بين الجواهري وهمنغواي ، ثم عرّجت على علاقة كاسترو بأبـي عمار وجورج حبش.
وقد أفردت فقرة خاصة لعلاقة الثورة الكوبية بالدين من خلال عدد من الفقرات عنونتها «ملكوت السماء وملكوت الأرض»، «الاشتراكية والإيمان الديني» «الروح والمادة: حوار المتدينين مع الماركسيين»، «الثورة والكنيسة» وأخيراً «كاسترو والدين».
وضمن مقارباتي العربية للتجربة الاشتراكية الكوبية أجريت مناظرة بينها وبين التجربة الاشتراكية اليمنية، ابتداءً من انطلاقة الأولى من جبال السيرامايسترا ووصولها إلى هافانا، وبين التجربة اليمنية وانطلاقتها من جبال ردفان ومعاركها الحاسمة في حي كريتر في العاصمة عدن وطرد المستعمرين البريطانيين، ثم توقفت عند انهيار أنظمة أوروبا الشرقية وهواجس عدن وقلق هافانا، وفيما بعد اختلاف المسارات بالرغم من التحدّيات المشتركة، ولم أكتف بذلك، بل حاولت أن أعرّج على علاقة الثقافة بالسياسة المعادلة القاسية، من خلال إظهار العلاقة المتميزة لكاسترو بغابريل غارسيا ماركيز ، وعلاقة عبد الفتاح إسماعيل بأدونيس .
وأشرت في الفقرة الأخيرة التي اختتمت بها الكتاب، بأن كوبا واجهت سبعة حروب، ولعلّ آخرها الحرية والحداثة، وفي ذلك سيكون اختيارها الأهم واختبارها الأصعب. ثم نشرت كإضمامة للكتاب رسالة جيفارا إلى كاسترو قبل التحاقه بالثورة في الكونغو ثم اختياره للكفاح المسلح في بوليفيا حيث لقيَ مصرعه في الثامن من تشرين الأول (أكتوبر) 1967.
وشعرت أن من الواجب، وليس من باب التجميل، أن نؤكد على أنَّ الشعر برمزيته كان حاضراً معي خلال كتابة حلقاتي التي تألف منها الكتاب، فحاولت أن أوظّفه كلما كان ذلك ممكناً بمقطوعات أحسب أنها ستلطّف جو القارئ وهو يقرأ ما في الواقع الاغترابـي بكل مراراته وتطرفاته، متطلعاً إلى جنـّة حقيقية حيث السعادة والحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية. ولكي لا أثقل على القارئ وضعت بعض المصادر التي استعنت بها أو استرجعت بعضها في متن هذه الخواطر الانطباعية، مع فهرست خاص بالأعلام والأماكن ونبذة مختصرة باللغة الإنكليزية.
ع. شبيروت 31/7/2010
Page 3
كوبا
أنا لم ألمس قصب السكر
والأرضَ الخضراء
لم أركب قارب صيادٍ في البحر الكاريبـي
لم أضرب قطرة ماء
لم أنـزل فندقَ سياح غرباء
لم أسكر في هافانا من عرق الفقراء
لم أغمس قلمي في جرح البؤساء المحرومين
لم أقرأ أدب الشعراء الكوبيين
لكن، عندي عن كوبا أشياء... وأشياء
فكلام الثورة نورٌ... يُقرأ في كل لغات الناس
وعيون الثورة شمسٌ... تُمطر في كل الأعراس
ونشيد الثورة لحنٌ... تعرفه كل الأجراس
والراية في كوبا... يرفعها نفس الثائر في الأوراس
وجذور الثورة مهما مدّت أغصاناً...
تنبتُ من نفسِ المتراس
واللهب الأزرق والأحمر والأخضر
يبدأ من غضبٍ واحدٍ
فتدفّأ واصنع لهباً آخر
يا شعباً يشعرُ بالبردِ
وترمّد! واختر أقرب لحدٍ
يا من يبتاع الثورة بالورد!
(الشاعر الفلسطيني محمود درويش)
أنا لم ألمس قصب السكر
والأرضَ الخضراء
لم أركب قارب صيادٍ في البحر الكاريبـي
لم أضرب قطرة ماء
لم أنـزل فندقَ سياح غرباء
لم أسكر في هافانا من عرق الفقراء
لم أغمس قلمي في جرح البؤساء المحرومين
لم أقرأ أدب الشعراء الكوبيين
لكن، عندي عن كوبا أشياء... وأشياء
فكلام الثورة نورٌ... يُقرأ في كل لغات الناس
وعيون الثورة شمسٌ... تُمطر في كل الأعراس
ونشيد الثورة لحنٌ... تعرفه كل الأجراس
والراية في كوبا... يرفعها نفس الثائر في الأوراس
وجذور الثورة مهما مدّت أغصاناً...
تنبتُ من نفسِ المتراس
واللهب الأزرق والأحمر والأخضر
يبدأ من غضبٍ واحدٍ
فتدفّأ واصنع لهباً آخر
يا شعباً يشعرُ بالبردِ
وترمّد! واختر أقرب لحدٍ
يا من يبتاع الثورة بالورد!
(الشاعر الفلسطيني محمود درويش)
Page 4
جزيرة الحرية:الجمال والشغب
زيارتي إلى كوبا هي الرابعة في زياراتي إلى أميركا اللاتينية، القارّة التي ظلّت مرجلاً يغلي منذ نحو نصف قرن من الزمان؛ فقد شقّ سكونها بعد الحدث الغواتيمالي العام 1954 انتصار الثورة الكوبية وسقوط نظام باتيستا في الأول من كانون الثاني (يناير) العام 1959.
تعود علاقتي بكوبا منذ تفتح وعيي، لاسيّما بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 في العراق، حين اعتبر «الثوريون» انتصار الثورة الكوبية بمثابة الرديف لانتصار الثورة في العراق، معقل حلف بغداد، حيث كان المعقل الثاني هو نظام الدكتاتور باتيستا في كوبا التي لا تبعد شواطئها عن شواطئ ميامي الأميركية أكثر من 90 ميلاً، الأمر الذي كان يثير فينا الغبطة والإعجاب عن اختراق «الفناء الخلفي» لواشنطن، كما كانت تسمى كوبا وعدد من دول أميركا اللاتينية، والأكثر من ذلك هو طريقة الانتصار الرومانسية الثورية الساحرة لفتية شجعان.
رؤية ما بعد الخمسين لها مغزيان، الأول هو نظرتي الانتقادية للأمور بالرغم من تمسكي بالخيار الاشتراكي بعد 50 عاماً، واستمرار امتداد خيط الوصل بين الماضي والحاضر وربما المستقبل، والثاني لأن كوبا تحتفل بمرور 50 عاماً على انتصارها، وهو الأمر الذي استعدته أثناء زيارتي لجزيرة الحرية؛ ومن موقع القراءة الارتجاعية للحدث ومساراته وتحدياته ومنجزاته وصعوباته وأخطائه وارتكاباته، تساوقاً مع عالم الحداثة والعولمة، سواءً على الصعيد النظري لفحص الشعارات والوسائل ومدى إمكانية تطبيقها في الواقع من جهة، ومن جهة أخرى من خلال القناعة المتحققة لدى الناس المعنيين بالثورة وأبنائها، ومن جهة ثالثة بالقدرة على الاستمرار والعيش بالطريقة ذاتها بعد 50 عاماً في ظلّ تبدلات كبرى تاريخية على الصعيد العالمي.
كنت قد استذكرت كتاب المفكر الماركسي الإشكالي عامر عبد الله الموسوم بـ«جزيرة الحرية» الصادر في العام 1976 وحواراتي اللاحقة معه بخصوص كوبا وفيتنام والصين والتجربة الاشتراكية عموماً، وقد دوّن بعض ملاحظاته في كتاب مهم وضعه لاحقاً، وربما من «موقع آخر» و«قناعات جديدة» في أواخر التسعينيات عن «مقوّضات النظام الاشتراكي العالمي». وقد أعود إلى هذه المسألة وإلى حوارات غير منشورة كنت قد أجريتها مع عامر عبد الله في وقتٍ لاحق.
لقد أدى انهيار الكتلة الاشتراكية وانحلال الاتحاد السوفييتي إلى ترك كوبا وحيدة وعارية في مواجهة الرياح العاتية وعلى نحو مفاجئ وحتى دون كلمة وداع، كما يُقال، حيث وجدتْ نفسها يتيمة في مواجهة الحصار الاقتصادي الجائر، لاسيّما بعد العام 1991، حين أخذ الحصار يفعلُ فعله في المجتمع الكوبـي، متمثلاً بشحِّ البضائع والسلع والمواد الاستهلاكية الضرورية، ومحدودية الأجور، وانقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة، وأزمة البنـزين، فضلاً عن تنامي بعض مظاهر التذمّر من داخل الحزب وبالأساس من خارجه. فلم تعد الإيمانية العقائدية والآمال الكبرى تعوّض عن الواقع المرير، خصوصاً بعد صبر طويل، الأمر الذي يستوجب وقفة متأنيّة لمعالجة سبل التعامل مع الاختلاف، وإعادة النظر في مسألة الحزب الواحد وتأثيراتها السلبية وتطوير آليات العمل السياسي والمهني في إطار التنّوع والتعددية، ولكن في ظل الخيار الاشتراكي وليس خارجه، وبصيغ ديمقراطية وليست قسرية.
وبالعودة إلى نجاح الثورة، فقد كانت المعركة الفاصلة لثوار جبال السيرامايسترا هي الهجوم الذي قاده تشي جيفارا على القطار الذي كان ينقل عتاداً حربياً للدكتاتور في هافانا، فاعترضه الأنصار المسلحون في مدينة سانتا كلارا ذات السماء الفضية (حيث يوجد نصب ومتحف ومقبرة لجيفارا ورفاقه) بهجوم مباغت بتراكتور، وقد استسلم جنود الحكومة الكوبية، وشاع خبرهم، واضطرَّ باتيستا للفرار إلى الولايات المتحدة، وحدثت المفاجأة حين امتنعت سلطاتها عن استقبال طائرته فاتجه إلى الدومينيكان الذي كان يحكمه صديقه الدكتاتور نوهيو.
وكان الثوار قد انطلقوا في العام 1956 بعد فشل حركتهم في العام 1953، ونـزلوا إلى الشواطئ الكوبية قادمين من المكسيك التي تجمع فيها 82 ثائراً، لكن لم يبق منهم سوى 21، بعد أن كان في انتظارهم جلاوزة باتيستا في مباغتة غير محسوبة!.
زيارة جزيرة الحرية جاءت بعد تأخـّرٍ دام أكثر من ثلاثة عقود، حيث كانت زيارتي مقرّرة للمشاركة في مهرجان الطلاب والشباب الذي انعقد في كوبا في صيف العام 1978، لكن تعقيد الأوضاع السياسية في العراق، وطلبـي لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية حال دون ذلك، وحدث، لأكثر من مرّة، أن تلقيت دعوة خاصة لزيارة كوبا، لكن بعض العوائق والالتزامات وقفت في طريقي.
وصلت هافانا وكلّي فضول لمشاهدة هذه الجزيرة الجميلة، المشاغبة، العصية، التي شغلت الولايات المتحدة والعالم برؤية سياسية ما بعد الخمسين، وبعقلية مثقف ناقد يسعى لقراءة التجربة الكبيرة والمميزة بكل ما لها وهو كثير جداً، لشعب بسيط وطيب وشجاع ومرح، وكل ما عليها وهو ليس بقليل، لاسيّما وقد عاشت التجربة تحت هاجس الضغط والتآمر الخارجي الأميركي منذ اليوم الأول ولغاية عامها الخمسين، خصوصاً تأثير الحصار الدامي الذي تعرّضت له، وهو حصار شامل بكل معنى الكلمة؛ يبدأ من أصغر الأشياء حتى أكبرها، ومن قلم الرصاص إلى المعدات والأجهزة. ولأنني عراقي أعرف معنى الحصار الذي وقع على شعبـي والظلم والحيف الذي لحقه طيلة 13 عاماً بغضّ النظر عن الحاكم، أستطيع أن أدرك وأن أهجس ما عاناه الشعب الكوبـي من عسف واضطهاد طيلة خمسة عقود من الزمان جراء الحصار اللاإنساني.
ولعلّ الفارق بين الحصارين العراقي والكوبـي، أن الحصار الأول كان بقرارات مجحفة ومذلّة من مجلس الأمن الدولي، في حين أن قرار الحصار الكوبـي كان أميركياً بامتياز، وإن شمل دولاً وشركات عملاقة تأتمر بأمر واشنطن، بالرغم من تنديد الجمعية العامة للأمم المتحدة به لأكثر من 14 مرّة وبتأييد من غالبية أعضائها باستثناء الولايات المتحدة وإسرائيل.
الحصار هو حرب بوسائل أخرى قد تكون أكثر خطورة وخبثاً وضرراً، لكنه بوسائل غير حربية، حتى وإن بدت ناعمة لكنها أكثر مكراً وإيذاء، وهو مثل دودة تأكل في جسد كوبا اجتماعياً واقتصادياً ونفسياً ولا تزال، وهو ليس حصاراً ضد السلطة الكوبية فحسب، بل هو ضد الشعب الكوبـي الذي يُراد إذلاله والحطّ من كرامته بل وطحن عظامه.
كان جلّ اهتمام كوبا الهاجس الأمني وردم الثغرات التي سببّها الحصار خلال السنوات الخمسين، وهي مهمات طوارئ أقرب إلى الظرفية منها إلى التنمية الإنسانية المستدامة بمعناها السائد، وحتى لو تمكّنت كوبا من التخلص من الأمية وحققت نظاماً تعليمياً متطوراً ونظاماً صحياً مشهوداً، إلا أنها كانت تئن تحت وطأة حصارٍ شاملٍ ومتراكمٍ وحاجاتٍ ضروريةٍ للبشر لا يمكن الاستغناء عنها في النصف الثاني من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وهي متطلبات كل ما يتعلق بالحداثة التي لا يمكن العيش من دونها!..
* * *
زيارتي إلى كوبا هي الرابعة في زياراتي إلى أميركا اللاتينية، القارّة التي ظلّت مرجلاً يغلي منذ نحو نصف قرن من الزمان؛ فقد شقّ سكونها بعد الحدث الغواتيمالي العام 1954 انتصار الثورة الكوبية وسقوط نظام باتيستا في الأول من كانون الثاني (يناير) العام 1959.
تعود علاقتي بكوبا منذ تفتح وعيي، لاسيّما بعد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 في العراق، حين اعتبر «الثوريون» انتصار الثورة الكوبية بمثابة الرديف لانتصار الثورة في العراق، معقل حلف بغداد، حيث كان المعقل الثاني هو نظام الدكتاتور باتيستا في كوبا التي لا تبعد شواطئها عن شواطئ ميامي الأميركية أكثر من 90 ميلاً، الأمر الذي كان يثير فينا الغبطة والإعجاب عن اختراق «الفناء الخلفي» لواشنطن، كما كانت تسمى كوبا وعدد من دول أميركا اللاتينية، والأكثر من ذلك هو طريقة الانتصار الرومانسية الثورية الساحرة لفتية شجعان.
رؤية ما بعد الخمسين لها مغزيان، الأول هو نظرتي الانتقادية للأمور بالرغم من تمسكي بالخيار الاشتراكي بعد 50 عاماً، واستمرار امتداد خيط الوصل بين الماضي والحاضر وربما المستقبل، والثاني لأن كوبا تحتفل بمرور 50 عاماً على انتصارها، وهو الأمر الذي استعدته أثناء زيارتي لجزيرة الحرية؛ ومن موقع القراءة الارتجاعية للحدث ومساراته وتحدياته ومنجزاته وصعوباته وأخطائه وارتكاباته، تساوقاً مع عالم الحداثة والعولمة، سواءً على الصعيد النظري لفحص الشعارات والوسائل ومدى إمكانية تطبيقها في الواقع من جهة، ومن جهة أخرى من خلال القناعة المتحققة لدى الناس المعنيين بالثورة وأبنائها، ومن جهة ثالثة بالقدرة على الاستمرار والعيش بالطريقة ذاتها بعد 50 عاماً في ظلّ تبدلات كبرى تاريخية على الصعيد العالمي.
كنت قد استذكرت كتاب المفكر الماركسي الإشكالي عامر عبد الله الموسوم بـ«جزيرة الحرية» الصادر في العام 1976 وحواراتي اللاحقة معه بخصوص كوبا وفيتنام والصين والتجربة الاشتراكية عموماً، وقد دوّن بعض ملاحظاته في كتاب مهم وضعه لاحقاً، وربما من «موقع آخر» و«قناعات جديدة» في أواخر التسعينيات عن «مقوّضات النظام الاشتراكي العالمي». وقد أعود إلى هذه المسألة وإلى حوارات غير منشورة كنت قد أجريتها مع عامر عبد الله في وقتٍ لاحق.
لقد أدى انهيار الكتلة الاشتراكية وانحلال الاتحاد السوفييتي إلى ترك كوبا وحيدة وعارية في مواجهة الرياح العاتية وعلى نحو مفاجئ وحتى دون كلمة وداع، كما يُقال، حيث وجدتْ نفسها يتيمة في مواجهة الحصار الاقتصادي الجائر، لاسيّما بعد العام 1991، حين أخذ الحصار يفعلُ فعله في المجتمع الكوبـي، متمثلاً بشحِّ البضائع والسلع والمواد الاستهلاكية الضرورية، ومحدودية الأجور، وانقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة، وأزمة البنـزين، فضلاً عن تنامي بعض مظاهر التذمّر من داخل الحزب وبالأساس من خارجه. فلم تعد الإيمانية العقائدية والآمال الكبرى تعوّض عن الواقع المرير، خصوصاً بعد صبر طويل، الأمر الذي يستوجب وقفة متأنيّة لمعالجة سبل التعامل مع الاختلاف، وإعادة النظر في مسألة الحزب الواحد وتأثيراتها السلبية وتطوير آليات العمل السياسي والمهني في إطار التنّوع والتعددية، ولكن في ظل الخيار الاشتراكي وليس خارجه، وبصيغ ديمقراطية وليست قسرية.
وبالعودة إلى نجاح الثورة، فقد كانت المعركة الفاصلة لثوار جبال السيرامايسترا هي الهجوم الذي قاده تشي جيفارا على القطار الذي كان ينقل عتاداً حربياً للدكتاتور في هافانا، فاعترضه الأنصار المسلحون في مدينة سانتا كلارا ذات السماء الفضية (حيث يوجد نصب ومتحف ومقبرة لجيفارا ورفاقه) بهجوم مباغت بتراكتور، وقد استسلم جنود الحكومة الكوبية، وشاع خبرهم، واضطرَّ باتيستا للفرار إلى الولايات المتحدة، وحدثت المفاجأة حين امتنعت سلطاتها عن استقبال طائرته فاتجه إلى الدومينيكان الذي كان يحكمه صديقه الدكتاتور نوهيو.
وكان الثوار قد انطلقوا في العام 1956 بعد فشل حركتهم في العام 1953، ونـزلوا إلى الشواطئ الكوبية قادمين من المكسيك التي تجمع فيها 82 ثائراً، لكن لم يبق منهم سوى 21، بعد أن كان في انتظارهم جلاوزة باتيستا في مباغتة غير محسوبة!.
زيارة جزيرة الحرية جاءت بعد تأخـّرٍ دام أكثر من ثلاثة عقود، حيث كانت زيارتي مقرّرة للمشاركة في مهرجان الطلاب والشباب الذي انعقد في كوبا في صيف العام 1978، لكن تعقيد الأوضاع السياسية في العراق، وطلبـي لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية حال دون ذلك، وحدث، لأكثر من مرّة، أن تلقيت دعوة خاصة لزيارة كوبا، لكن بعض العوائق والالتزامات وقفت في طريقي.
وصلت هافانا وكلّي فضول لمشاهدة هذه الجزيرة الجميلة، المشاغبة، العصية، التي شغلت الولايات المتحدة والعالم برؤية سياسية ما بعد الخمسين، وبعقلية مثقف ناقد يسعى لقراءة التجربة الكبيرة والمميزة بكل ما لها وهو كثير جداً، لشعب بسيط وطيب وشجاع ومرح، وكل ما عليها وهو ليس بقليل، لاسيّما وقد عاشت التجربة تحت هاجس الضغط والتآمر الخارجي الأميركي منذ اليوم الأول ولغاية عامها الخمسين، خصوصاً تأثير الحصار الدامي الذي تعرّضت له، وهو حصار شامل بكل معنى الكلمة؛ يبدأ من أصغر الأشياء حتى أكبرها، ومن قلم الرصاص إلى المعدات والأجهزة. ولأنني عراقي أعرف معنى الحصار الذي وقع على شعبـي والظلم والحيف الذي لحقه طيلة 13 عاماً بغضّ النظر عن الحاكم، أستطيع أن أدرك وأن أهجس ما عاناه الشعب الكوبـي من عسف واضطهاد طيلة خمسة عقود من الزمان جراء الحصار اللاإنساني.
ولعلّ الفارق بين الحصارين العراقي والكوبـي، أن الحصار الأول كان بقرارات مجحفة ومذلّة من مجلس الأمن الدولي، في حين أن قرار الحصار الكوبـي كان أميركياً بامتياز، وإن شمل دولاً وشركات عملاقة تأتمر بأمر واشنطن، بالرغم من تنديد الجمعية العامة للأمم المتحدة به لأكثر من 14 مرّة وبتأييد من غالبية أعضائها باستثناء الولايات المتحدة وإسرائيل.
الحصار هو حرب بوسائل أخرى قد تكون أكثر خطورة وخبثاً وضرراً، لكنه بوسائل غير حربية، حتى وإن بدت ناعمة لكنها أكثر مكراً وإيذاء، وهو مثل دودة تأكل في جسد كوبا اجتماعياً واقتصادياً ونفسياً ولا تزال، وهو ليس حصاراً ضد السلطة الكوبية فحسب، بل هو ضد الشعب الكوبـي الذي يُراد إذلاله والحطّ من كرامته بل وطحن عظامه.
كان جلّ اهتمام كوبا الهاجس الأمني وردم الثغرات التي سببّها الحصار خلال السنوات الخمسين، وهي مهمات طوارئ أقرب إلى الظرفية منها إلى التنمية الإنسانية المستدامة بمعناها السائد، وحتى لو تمكّنت كوبا من التخلص من الأمية وحققت نظاماً تعليمياً متطوراً ونظاماً صحياً مشهوداً، إلا أنها كانت تئن تحت وطأة حصارٍ شاملٍ ومتراكمٍ وحاجاتٍ ضروريةٍ للبشر لا يمكن الاستغناء عنها في النصف الثاني من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وهي متطلبات كل ما يتعلق بالحداثة التي لا يمكن العيش من دونها!..
* * *
Page 5
شعاع الثورة ومتطلبات الدولة!
كان آخر ظهور علني رسمي لجيفارا هو حضوره مؤتمر التضامن الأفروآسيوي (1965)، وذلك بعد عودته من الجزائر والقاهرة في 14 آذار (مارس) 1965، وبعد اجتماع سري مغلق لم يُعرف ما جرى فيه حتى الآن، اختفى جيفارا مثل شعاع. ولعلّ غضب الاتحاد السوفييتي إثر خطاب الجزائر قد يكون وراء ضغوطه على كاسترو، ولم يكن جيفارا يريد أن يحرج صديقه مثلما كان حريصاً على الثورة الكوبية. وبغضّ النظر عن بعض الملابسات، فقد تقررّ أن يخوض هو في المهمة العسكرية - الأممية خارج حدود كوبا، وبدعم من كاسترو وهو ما أراد، وأن تستمر الدولة وإداراتها وعلاقاتها الدولية طبقاً لتوازن القوى السائد آنذاك، لاسيّما للعلاقة الكوبية - السوفييتية. وسواءً حصل الاتفاق بشكل مباشر أو غير مباشر، بقناعة تامة أو بنصف قناعة، أو تحت الأمر الواقع، فإن ذلك ما حصل.
وهكذا انتقل جيفارا يجوب أرض الله الواسعة ليبشر بالثورة ويحرّض على المستعمرين ويعدُ الشعوب المنكوبة بغدٍ أفضل، وكانت مهمته الأولى في أفريقيا ومن الكونغو تحديداً حيث بدأت العملية العسكرية. وبعد فشله غادر إلى بوليفيا، وحاول أن يلعب دور الدينامو المحرك للتحريض والتحضير وإنضاج العامل الذاتي لاندلاع الثورة، لكن ثمة ظرف موضوعي لم يتوافر وعامل ذاتي لم تتمّ تهيئته، الأمر الذي دفع جيفارا ثمنه مثل غيره باهظاً، ناهيكم من أن محاولة نقل أو استنساخ تجربة قد لا يصح بالنسبة إلى تجربة أخرى، وهو ما كان ينبغي أخذ مواصفاته بنظر الاعتبار.
وعلى الرغم من بطولة جيفارا وشجاعته، فإنه أخطأ يوم اعتقد أنه بالإرادة يمكن فتح أكثر من جبهة، وزرع أكثر من حرب ثورية أمام الولايات المتحدة، وهو الذي دعا إلى خلق أكثر من فيتنام: واحدة.. اثنتين وأكثر من ذلك في مناطق أخرى... لقد فشل جيفارا في هذه المهمة وكانت تقديراته غير موضوعية؛ لأن مهمة بهذا الحجم هي أكبر من طاقته، بل وطاقة الحركة الثورية حينها برمتها.
أما بالنسبة إلى الشرق الأوسط، فقد دعا جيفارا إلى «خلق اثنين، وثلاث، وأكثر من فيتنام»، وكان يشعر أن الشرق الأوسط في حالة غليان كامل ومن المستحيل التكهّن بمسارات الحرب الباردة (قبل العام 1967) مع إسرائيل المدعومة من الإمبرياليين. ولعلّ هذه المنطقة أحد أكبر البراكين التي تهدد العالم كما قال، وكان على حق، فبعد بضعة أسابيع على تصريحاته تلك التي أدلى بها في 16 نيسان (أبريل) 1967، هاجمت إسرائيل البلدان العربية واحتلت كامل أراضي فلسطين التاريخية وأراضي مصرية وسورية، ودخل العرب والعالم في فصل جديد من الصراع العربي- الإسرائيلي، ومن النضال التحرري، خصوصاً أن الممارسات الإسرائيلية طيلة عقدين من الزمان كشفت عن الطابع العنصري الإجلائي الإحلالي للعقيدة الصهيونية التي قامت عليها إسرائيل، ولعلّ هذا ما كان يتميز به جيفارا عن القيادات الثورية الأممية الأخرى، وما عبّر عنه حول مآل الصراع، ناهيكم من المخاطر التي تهدد السلم والأمن الدوليين باستمرار، لاسيّما التنكر لحقوق الشعب العربـي الفلسطيني في تقرير المصير.
حظيَ جيفارا بتمجيد عربـي يوم رحيله، ونُظّمت في العالم العربـي كله احتفالات تأبينية وتكريمية، وانتشرت صوره وكتاباته في كل مكان، في العديد من الجامعات والمنتديات، العلنية والسرية. وأتذكـّر أننا في العراق كنا قد نظمنا احتفالاً كبيراً في جامعة بغداد ، حيث كنت في الصف المنتهي، والتأم الاجتماع المهيب في كلية التربية، بخطب وأناشيد وأشعار، وفي جو حماسي زاده عريف الحفل اشتعالاً، وكان حينها د.عبد الحسين رمضان (أبو نهار). وكان صوت الشيخ إمام لاحقاً وقصيدة أحمد فؤاد نجم تملأ الحناجر حيث كانت احتفالاتنا اللاحقة تنشد:
جيفارا مات.. آخر خبر في الراديوهات..
وفي الكنايس والجوامع.. وفي الحواري وفي الشوارع
وعالقهاوي وعالبارات... جيفارا مات...
مات المناضل المثالي.. مات البطل
الكلمة للنار وللحديد
والعدل أخرس أو جبان
صرخة جيفارا.. يا عبيد، في أي موطن أو مكان
ما فيش بديل.. ما فيش مناص.. يا تجهزوا جيش الخلاص
يا تقولوا على العالم خلاص!!
وإذا كان جيفارا قد أخطأ في قراءة وتقدير العاملين الذاتي والموضوعي واختيار اللحظة الثورية، لاسيّما توازن القوى والجهات المؤثرة في خارطة الصراع على المستوى الدولي، والظروف الخاصة بنضال بعض الشعوب، لكنه نجح في وضع ما آمن به موضع التطبيق، والأكثر من ذلك حين وضع حياته وقوداً لما اعتقد به بصدقية عالية وشجاعة نادرة، وهو القائل: «ليست هناك حدود في هذه المعركة حتى الاستشهاد» .
ونجح جيفارا في جعل كوبا الرمز الأول لاستيقاظ أميركا اللاتينية التي بدأت دولها الواحدة بعد الأخرى تتمرد بطرقها الخاصة على هيمنة واشنطن من موجات الكفاح المسلح في الستينيات والسبعينيات، إلى لاهوت التحرر في الثمانينيات إلى مصالحات واتفاقات، وصندوق اقتراع تفقس فيه الثورة في أواخر التسعينيات والعشرية الأولى من الألفية الثالثة.
كما نجح جيفارا في جعل كوبا بوابتنا إلى أميركا اللاتينية، لكن ثمة معوّقات موضوعية وذاتية وقفت أمام تطوير التقنية وبناء الإنسان الجديد، وإذا كان لينين قد قال إن الشيوعية تعني السلطة السوفييتية زائداً كهربة البلاد السوفييتية، وسعى لتحقيق ذلك، فإن جيفارا شغل نفسه بالتنمية والتقنية اللتين أسهمت الولايات المتحدة في وضع العراقيل أمامهما، لاسيّما باستمرار فرض حصارها الجائر على كوبا منذ أكثر من 50 عاماً.
* * *
كان آخر ظهور علني رسمي لجيفارا هو حضوره مؤتمر التضامن الأفروآسيوي (1965)، وذلك بعد عودته من الجزائر والقاهرة في 14 آذار (مارس) 1965، وبعد اجتماع سري مغلق لم يُعرف ما جرى فيه حتى الآن، اختفى جيفارا مثل شعاع. ولعلّ غضب الاتحاد السوفييتي إثر خطاب الجزائر قد يكون وراء ضغوطه على كاسترو، ولم يكن جيفارا يريد أن يحرج صديقه مثلما كان حريصاً على الثورة الكوبية. وبغضّ النظر عن بعض الملابسات، فقد تقررّ أن يخوض هو في المهمة العسكرية - الأممية خارج حدود كوبا، وبدعم من كاسترو وهو ما أراد، وأن تستمر الدولة وإداراتها وعلاقاتها الدولية طبقاً لتوازن القوى السائد آنذاك، لاسيّما للعلاقة الكوبية - السوفييتية. وسواءً حصل الاتفاق بشكل مباشر أو غير مباشر، بقناعة تامة أو بنصف قناعة، أو تحت الأمر الواقع، فإن ذلك ما حصل.
وهكذا انتقل جيفارا يجوب أرض الله الواسعة ليبشر بالثورة ويحرّض على المستعمرين ويعدُ الشعوب المنكوبة بغدٍ أفضل، وكانت مهمته الأولى في أفريقيا ومن الكونغو تحديداً حيث بدأت العملية العسكرية. وبعد فشله غادر إلى بوليفيا، وحاول أن يلعب دور الدينامو المحرك للتحريض والتحضير وإنضاج العامل الذاتي لاندلاع الثورة، لكن ثمة ظرف موضوعي لم يتوافر وعامل ذاتي لم تتمّ تهيئته، الأمر الذي دفع جيفارا ثمنه مثل غيره باهظاً، ناهيكم من أن محاولة نقل أو استنساخ تجربة قد لا يصح بالنسبة إلى تجربة أخرى، وهو ما كان ينبغي أخذ مواصفاته بنظر الاعتبار.
وعلى الرغم من بطولة جيفارا وشجاعته، فإنه أخطأ يوم اعتقد أنه بالإرادة يمكن فتح أكثر من جبهة، وزرع أكثر من حرب ثورية أمام الولايات المتحدة، وهو الذي دعا إلى خلق أكثر من فيتنام: واحدة.. اثنتين وأكثر من ذلك في مناطق أخرى... لقد فشل جيفارا في هذه المهمة وكانت تقديراته غير موضوعية؛ لأن مهمة بهذا الحجم هي أكبر من طاقته، بل وطاقة الحركة الثورية حينها برمتها.
أما بالنسبة إلى الشرق الأوسط، فقد دعا جيفارا إلى «خلق اثنين، وثلاث، وأكثر من فيتنام»، وكان يشعر أن الشرق الأوسط في حالة غليان كامل ومن المستحيل التكهّن بمسارات الحرب الباردة (قبل العام 1967) مع إسرائيل المدعومة من الإمبرياليين. ولعلّ هذه المنطقة أحد أكبر البراكين التي تهدد العالم كما قال، وكان على حق، فبعد بضعة أسابيع على تصريحاته تلك التي أدلى بها في 16 نيسان (أبريل) 1967، هاجمت إسرائيل البلدان العربية واحتلت كامل أراضي فلسطين التاريخية وأراضي مصرية وسورية، ودخل العرب والعالم في فصل جديد من الصراع العربي- الإسرائيلي، ومن النضال التحرري، خصوصاً أن الممارسات الإسرائيلية طيلة عقدين من الزمان كشفت عن الطابع العنصري الإجلائي الإحلالي للعقيدة الصهيونية التي قامت عليها إسرائيل، ولعلّ هذا ما كان يتميز به جيفارا عن القيادات الثورية الأممية الأخرى، وما عبّر عنه حول مآل الصراع، ناهيكم من المخاطر التي تهدد السلم والأمن الدوليين باستمرار، لاسيّما التنكر لحقوق الشعب العربـي الفلسطيني في تقرير المصير.
حظيَ جيفارا بتمجيد عربـي يوم رحيله، ونُظّمت في العالم العربـي كله احتفالات تأبينية وتكريمية، وانتشرت صوره وكتاباته في كل مكان، في العديد من الجامعات والمنتديات، العلنية والسرية. وأتذكـّر أننا في العراق كنا قد نظمنا احتفالاً كبيراً في جامعة بغداد ، حيث كنت في الصف المنتهي، والتأم الاجتماع المهيب في كلية التربية، بخطب وأناشيد وأشعار، وفي جو حماسي زاده عريف الحفل اشتعالاً، وكان حينها د.عبد الحسين رمضان (أبو نهار). وكان صوت الشيخ إمام لاحقاً وقصيدة أحمد فؤاد نجم تملأ الحناجر حيث كانت احتفالاتنا اللاحقة تنشد:
جيفارا مات.. آخر خبر في الراديوهات..
وفي الكنايس والجوامع.. وفي الحواري وفي الشوارع
وعالقهاوي وعالبارات... جيفارا مات...
مات المناضل المثالي.. مات البطل
الكلمة للنار وللحديد
والعدل أخرس أو جبان
صرخة جيفارا.. يا عبيد، في أي موطن أو مكان
ما فيش بديل.. ما فيش مناص.. يا تجهزوا جيش الخلاص
يا تقولوا على العالم خلاص!!
وإذا كان جيفارا قد أخطأ في قراءة وتقدير العاملين الذاتي والموضوعي واختيار اللحظة الثورية، لاسيّما توازن القوى والجهات المؤثرة في خارطة الصراع على المستوى الدولي، والظروف الخاصة بنضال بعض الشعوب، لكنه نجح في وضع ما آمن به موضع التطبيق، والأكثر من ذلك حين وضع حياته وقوداً لما اعتقد به بصدقية عالية وشجاعة نادرة، وهو القائل: «ليست هناك حدود في هذه المعركة حتى الاستشهاد» .
ونجح جيفارا في جعل كوبا الرمز الأول لاستيقاظ أميركا اللاتينية التي بدأت دولها الواحدة بعد الأخرى تتمرد بطرقها الخاصة على هيمنة واشنطن من موجات الكفاح المسلح في الستينيات والسبعينيات، إلى لاهوت التحرر في الثمانينيات إلى مصالحات واتفاقات، وصندوق اقتراع تفقس فيه الثورة في أواخر التسعينيات والعشرية الأولى من الألفية الثالثة.
كما نجح جيفارا في جعل كوبا بوابتنا إلى أميركا اللاتينية، لكن ثمة معوّقات موضوعية وذاتية وقفت أمام تطوير التقنية وبناء الإنسان الجديد، وإذا كان لينين قد قال إن الشيوعية تعني السلطة السوفييتية زائداً كهربة البلاد السوفييتية، وسعى لتحقيق ذلك، فإن جيفارا شغل نفسه بالتنمية والتقنية اللتين أسهمت الولايات المتحدة في وضع العراقيل أمامهما، لاسيّما باستمرار فرض حصارها الجائر على كوبا منذ أكثر من 50 عاماً.
* * *
Page 6
أميركا اللاتينية:الثورة في صندوق الاقتراع
قبل زيارتي لكوبا بنحو تسعة أشهر، كنت قد زرت البرازيل، وخلال وجودي حدث العدوان على غزة؛ وبالرغم من وجود حزب عمالي بقيادة ثورية زعيمتها «لولا» فإن علاقة البرازيل المتميزة مع الولايات المتحدة الأميركية، جعلتها محطّ نقد من جانب كوبا وبعض الثوريين لاسيما التفاوت الطبقي والاجتماعي الحاد فالفقراء يزدادون فقراً، والأغنياء يزدادون غنىً، لكن المواطن العادي البسيط عندما كان يعرف أنني من العراق وعربـي، كان يتصرف بشيء من التضامن التلقائي إزاء الضحايا.
أما زيارة تشيلي فكانت لدراسة التجربة التشيلية للعدالة الانتقالية، وهو ما أعادني إلى السبعينيات ومطالباتنا بالتضامن في كل مؤتمر وندوة وحتى بعض الأغاني السياسية اليسارية العراقية، كانت تردد ذلك «تشيلي تمرّ بالليل نجمة بسمانه» (بسمائنا)، وكان صوت الفنان جعفر حسن يصدح بالتضامن مع أطفال تشيلي وفلسطين وأطفال كل العالم.
التجربة المثيرة في تشيلي تحتاج إلى وقفة خاصة للدراسة والتأمل. وقد حاولت خلال تقريظي لكتاب شوكت خزندار «الحزب الشيوعي - رؤية من الداخل» أن أعلّق عليها، لكنها بالفعل تحتاج إلى اطلاع القارئ العربـي عليها، لاسيّما مسار العلاقات السياسية بين قائد الانقلاب العسكري أوغستو بينوشيه (Augusto Pinochet) الذي أطاح بالحكومة الشرعية للسلفادور الليندي (Salvador Allende) الذي قُتل في مبنى البرلمان أيلول (سبتمبر) 1973 وهو يدافع عن قضية العدالة والديمقراطية، وبين قوى شعبية كانت ضحايا الانقلاب وبينها الحزب الشيوعي، وزعيمه لويس كورفلان (Luis Corvalan) حيث تمّ الاتفاق بعد سنوات من القمع على إغلاق الملفات، واحتفاظ بينوشيه بالسلطة العسكرية لبضع سنوات ضماناً لعدم الملاحقة وإجراء انتخابات تشريعية.
وأتذكـّر أنني كنت مغتبطاً عند مطالبة السلطات الإسبانية بإلقاء القبض على بينوشيه في بريطانيا ، وإذا بصديق قديم من أميركا اللاتينية يفاجئني، بأن ذلك يعني تخريب الاتفاق والإخلال بالسلام الاجتماعي. لقد كنت أحسب تعليقي في إحدى الفضائيات في لندن إيجابياً بشأن إلقاء القبض على بينوشيه، إلى أن أدهشني الصديق المذكور، لكن رأيي أن الاتفاقات والمصالحات السياسية ليس بإمكانها إغلاق ملف الضحايا، إذ يمكن استمرار الملاحقات القضائية، لاسيّما من جانب الضحايا أو عائلاتهم، وهو الرأي القانوني الذي كنت أتمسّك به، ولا أزال، بخصوص انتهاكات الحكم السابق أو الحالي لحقوق الإنسان في العراق، وبشأن ما حدث لضحايا بشتاشان أو غيرها من الارتكابات التي حصلت خارج القضاء، خصوصاً خارج المواجهة المسلحة أو العسكرية، أو بعد انتهاء المعارك، وهو رأي أسعى لأن أقدم فيه شهادة سياسية وقانونية مراعياً فصل السياسي عن القانوني.
لقد قُتل في مجازر تشيلي أكثر من ثلاثة آلاف إنسان وكان سجل الضحايا الذين تعرّضوا للتعذيب يربو على 38 ألفاً، وهو ما اشتغلت عليه العدالة الانتقالية لتأهيل الضحايا من جهة ولجبر الضرر من جهة ثانية، فضلاً عن التعويض المادي والمعنوي، والأهم من ذلك كشف الحقيقة كاملة، والسعي لوضع ضوابط جديدة لإصلاح النظام القانوني سعياً لمنع تكرار مثل هذه الجرائم.
الزيارة الأخرى لأميركا اللاتينية كانت بُعيد احتلال العراق لحضور مؤتمر في كيتو (الإكوادور)، وأتذكـّر أن نقاشاً حاداً ساد آنذاك بخصوص المطالبة بالانسحاب وحق الشعب العراقي في تقرير مصيره بنفسه واحترام حقوق الإنسان، وضمان حقوق الشعب الكردي في إطار عراق حرّ ديمقراطي موحد، وهو القرار الذي صدر عن المؤتمر.
زيارتي لكوبا تأتي من منظور مختلف، وفي وقت مختلف، خصوصاً بعد أن انتصرت القوى الاشتراكية واليسارية في الانتخابات في أكثر من خمس دول في القارة، التي عرفت موجة الكفاح المسلح في الستينيات والسبعينيات وبعض الثمانينيات وعاشت لاهوت التحرير في الثمانينيات، وها هي تجرّب الطريق الاشتراكي سلمياً في الألفية الثالثة، تحت شعار «الثورة في صندوق الاقتراع» .
وقد لعبت مؤسسات المجتمع المدني دوراً كبيراً في نشر الثقافة الحقوقية، لاسيّما ثقافة حقوق الإنسان، وفي تعبئة القوة الانتخابية باتجاه انتخابات ديمقراطية شفافة، تحت شعارات جديدة آخذة بالاعتبار التطور العالمي الكبير الذي حصل في هذا الميدان، وبخاصة في حقل ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والإعلام والثورة العلمية - التقنية المتصاعدة والمعولمة بوجهها الإيجابـي، ناهيكم عن وجهها القبيح أيضاً.
ولعلّ تجربة فوز اليسار في أميركا اللاتينية مدهشة ومثيرة وتستحق القراءة الدقيقة، لاسيّما لجهة اصطفاف القوى والاستقطابات والتحالفات الجديدة، على الرغم من انحسار اليسار وتراجعه على المستوى العالمي، بما فيه أوروبا وبالتحديد في البلدان الاسكندينافية التي كانت الأحزاب الاشتراكية واليسارية تحكمها ولا يزال بعضها حاكماً، حيث تراجع في السويد والدنمارك إضافة إلى ألمانيا وغيرها.
لقد استطاعت القوى اليسارية أن تحرز النصر عبر صندوق الاقتراع في كل من تشيلي بقيادة السيدة باشليه (Michelle Bachelet) ، وفي فنـزويلا، فاز هوغو شافيز (Hugo Chvez) الاشتراكي اليساري بنبرة صاخبة، وفي الإكوادور فاز كوريّا (Rafael Correa) ، وفي بوليفيا فازت القوى الاشتراكية اليسارية بقيادة موراليس (Juan Morales) مثلما حازت على أغلبية المقاعد في البرلمان في باراغواي بقيادة لوغو (Fernando Armindo Lugo Méndez) ، ولعلّ تجربة نيكاراغوا مثيرة للجدل، فقد وصل دانيال أورتيغا (Daniel Ortega) قائد الثورة الساندينية المسلحة سابقاً، إلى السلطة بعد غياب عنها 15 عاماً، بواسطة صندوق الاقتراع.
إنّ هذه التجارب الكبرى بحاجة إلى تأمّل ودراسة، لاسيّما من جانب الحركات التي سُمّيت ثورية في بلداننا العربية، وكيف تراجعت؟ ولماذا؟ وما هو أفقها؟! وهو ما سأحاول التوقف عنده بعد محاولة تسليط الضوء على التجربة الكوبية، وكلما كان ذلك ممكناً.
* * *
قبل زيارتي لكوبا بنحو تسعة أشهر، كنت قد زرت البرازيل، وخلال وجودي حدث العدوان على غزة؛ وبالرغم من وجود حزب عمالي بقيادة ثورية زعيمتها «لولا» فإن علاقة البرازيل المتميزة مع الولايات المتحدة الأميركية، جعلتها محطّ نقد من جانب كوبا وبعض الثوريين لاسيما التفاوت الطبقي والاجتماعي الحاد فالفقراء يزدادون فقراً، والأغنياء يزدادون غنىً، لكن المواطن العادي البسيط عندما كان يعرف أنني من العراق وعربـي، كان يتصرف بشيء من التضامن التلقائي إزاء الضحايا.
أما زيارة تشيلي فكانت لدراسة التجربة التشيلية للعدالة الانتقالية، وهو ما أعادني إلى السبعينيات ومطالباتنا بالتضامن في كل مؤتمر وندوة وحتى بعض الأغاني السياسية اليسارية العراقية، كانت تردد ذلك «تشيلي تمرّ بالليل نجمة بسمانه» (بسمائنا)، وكان صوت الفنان جعفر حسن يصدح بالتضامن مع أطفال تشيلي وفلسطين وأطفال كل العالم.
التجربة المثيرة في تشيلي تحتاج إلى وقفة خاصة للدراسة والتأمل. وقد حاولت خلال تقريظي لكتاب شوكت خزندار «الحزب الشيوعي - رؤية من الداخل» أن أعلّق عليها، لكنها بالفعل تحتاج إلى اطلاع القارئ العربـي عليها، لاسيّما مسار العلاقات السياسية بين قائد الانقلاب العسكري أوغستو بينوشيه (Augusto Pinochet) الذي أطاح بالحكومة الشرعية للسلفادور الليندي (Salvador Allende) الذي قُتل في مبنى البرلمان أيلول (سبتمبر) 1973 وهو يدافع عن قضية العدالة والديمقراطية، وبين قوى شعبية كانت ضحايا الانقلاب وبينها الحزب الشيوعي، وزعيمه لويس كورفلان (Luis Corvalan) حيث تمّ الاتفاق بعد سنوات من القمع على إغلاق الملفات، واحتفاظ بينوشيه بالسلطة العسكرية لبضع سنوات ضماناً لعدم الملاحقة وإجراء انتخابات تشريعية.
وأتذكـّر أنني كنت مغتبطاً عند مطالبة السلطات الإسبانية بإلقاء القبض على بينوشيه في بريطانيا ، وإذا بصديق قديم من أميركا اللاتينية يفاجئني، بأن ذلك يعني تخريب الاتفاق والإخلال بالسلام الاجتماعي. لقد كنت أحسب تعليقي في إحدى الفضائيات في لندن إيجابياً بشأن إلقاء القبض على بينوشيه، إلى أن أدهشني الصديق المذكور، لكن رأيي أن الاتفاقات والمصالحات السياسية ليس بإمكانها إغلاق ملف الضحايا، إذ يمكن استمرار الملاحقات القضائية، لاسيّما من جانب الضحايا أو عائلاتهم، وهو الرأي القانوني الذي كنت أتمسّك به، ولا أزال، بخصوص انتهاكات الحكم السابق أو الحالي لحقوق الإنسان في العراق، وبشأن ما حدث لضحايا بشتاشان أو غيرها من الارتكابات التي حصلت خارج القضاء، خصوصاً خارج المواجهة المسلحة أو العسكرية، أو بعد انتهاء المعارك، وهو رأي أسعى لأن أقدم فيه شهادة سياسية وقانونية مراعياً فصل السياسي عن القانوني.
لقد قُتل في مجازر تشيلي أكثر من ثلاثة آلاف إنسان وكان سجل الضحايا الذين تعرّضوا للتعذيب يربو على 38 ألفاً، وهو ما اشتغلت عليه العدالة الانتقالية لتأهيل الضحايا من جهة ولجبر الضرر من جهة ثانية، فضلاً عن التعويض المادي والمعنوي، والأهم من ذلك كشف الحقيقة كاملة، والسعي لوضع ضوابط جديدة لإصلاح النظام القانوني سعياً لمنع تكرار مثل هذه الجرائم.
الزيارة الأخرى لأميركا اللاتينية كانت بُعيد احتلال العراق لحضور مؤتمر في كيتو (الإكوادور)، وأتذكـّر أن نقاشاً حاداً ساد آنذاك بخصوص المطالبة بالانسحاب وحق الشعب العراقي في تقرير مصيره بنفسه واحترام حقوق الإنسان، وضمان حقوق الشعب الكردي في إطار عراق حرّ ديمقراطي موحد، وهو القرار الذي صدر عن المؤتمر.
زيارتي لكوبا تأتي من منظور مختلف، وفي وقت مختلف، خصوصاً بعد أن انتصرت القوى الاشتراكية واليسارية في الانتخابات في أكثر من خمس دول في القارة، التي عرفت موجة الكفاح المسلح في الستينيات والسبعينيات وبعض الثمانينيات وعاشت لاهوت التحرير في الثمانينيات، وها هي تجرّب الطريق الاشتراكي سلمياً في الألفية الثالثة، تحت شعار «الثورة في صندوق الاقتراع» .
وقد لعبت مؤسسات المجتمع المدني دوراً كبيراً في نشر الثقافة الحقوقية، لاسيّما ثقافة حقوق الإنسان، وفي تعبئة القوة الانتخابية باتجاه انتخابات ديمقراطية شفافة، تحت شعارات جديدة آخذة بالاعتبار التطور العالمي الكبير الذي حصل في هذا الميدان، وبخاصة في حقل ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والإعلام والثورة العلمية - التقنية المتصاعدة والمعولمة بوجهها الإيجابـي، ناهيكم عن وجهها القبيح أيضاً.
ولعلّ تجربة فوز اليسار في أميركا اللاتينية مدهشة ومثيرة وتستحق القراءة الدقيقة، لاسيّما لجهة اصطفاف القوى والاستقطابات والتحالفات الجديدة، على الرغم من انحسار اليسار وتراجعه على المستوى العالمي، بما فيه أوروبا وبالتحديد في البلدان الاسكندينافية التي كانت الأحزاب الاشتراكية واليسارية تحكمها ولا يزال بعضها حاكماً، حيث تراجع في السويد والدنمارك إضافة إلى ألمانيا وغيرها.
لقد استطاعت القوى اليسارية أن تحرز النصر عبر صندوق الاقتراع في كل من تشيلي بقيادة السيدة باشليه (Michelle Bachelet) ، وفي فنـزويلا، فاز هوغو شافيز (Hugo Chvez) الاشتراكي اليساري بنبرة صاخبة، وفي الإكوادور فاز كوريّا (Rafael Correa) ، وفي بوليفيا فازت القوى الاشتراكية اليسارية بقيادة موراليس (Juan Morales) مثلما حازت على أغلبية المقاعد في البرلمان في باراغواي بقيادة لوغو (Fernando Armindo Lugo Méndez) ، ولعلّ تجربة نيكاراغوا مثيرة للجدل، فقد وصل دانيال أورتيغا (Daniel Ortega) قائد الثورة الساندينية المسلحة سابقاً، إلى السلطة بعد غياب عنها 15 عاماً، بواسطة صندوق الاقتراع.
إنّ هذه التجارب الكبرى بحاجة إلى تأمّل ودراسة، لاسيّما من جانب الحركات التي سُمّيت ثورية في بلداننا العربية، وكيف تراجعت؟ ولماذا؟ وما هو أفقها؟! وهو ما سأحاول التوقف عنده بعد محاولة تسليط الضوء على التجربة الكوبية، وكلما كان ذلك ممكناً.
* * *
Page 7
ثورة ومغامرات وكبرياء
في 10 آذار (مارس) 1952 دعمت المخابرات المركزية الأميركية (CIA) انقلاباً حصل في هافانا، حين قاد الجنرال باتيستا هجوماً للإطاحة ببعض هوامش الحريات التي كانت متوافرة، حيث ألغيت جملة من الأنظمة والقوانين التي تؤمّن حرية الصحافة وبعض الحقوق والحريات العامة والفردية، وحلّت بالبلاد دكتاتورية جديدة سافرة، الأمر الذي سبّب خيبة أمل كبيرة للكوبيين، لاسيّما لجيل الشباب المتطلع إلى الحرية والحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية.
وخلال أحاديثي مع العديد من الأوساط السياسية والأكاديمية والناس البسطاء في كوبا وخارجها، كان دائماً ما يُذكر باتيستا، وإلى جانبه، بل وندّه هناك من يذكر شاباً مفعماً بالحيوية كان قد تخرّج لتوّه من كلية الحقوق، ولم يبلغ عمره أكثر من 25 عاماً؛ فقد ولد كاسترو في العام 1927، وسيصبح هذا المحامي الشاب من أكثر ثوار العالم شهرة بعد قيادته لمجموعة من الشبّان، حيث كان كاسترو قد يئس من الأحزاب القائمة بما فيها «حزب الحقيقة» و«الحزب الشيوعي»، فأسس مع مجموعة من رفاقه سيبرز فيهم لاحقاً تشي جيفارا وراؤول كاسترو شقيقه، حركة أطلق عليها اسم «حركة 26 يوليو» كان هدفها الإطاحة بالنظام الدكتاتوري عبر اختيار طريق الكفاح المسلح وسيلة لذلك.
وبعد نحو عام من التدريب والتهيئة، اجتمع تحت قيادة كاسترو نحو 150 شاباً، انتقلوا من هافانا ليقوموا بهجومهم على ثكنة المونكادا في سنتياغو دي كوبا، مستهدفين الاستيلاء على السلاح واللجوء إلى الجبال للاحتماء بها ومن ثم الزحف على المدن، حسبما اقتضت خطة الكفاح المسلح، ولكن الخطة فشلت ولوحق الثوار وتمّ اعتقال وسجن عدد منهم!..
وفيما بعد كان اللجوء إلى جبال السيرامايسترا، وهي أعلى سلسلة جبال في كوبا وتمتد بكتلة واحدة على طول البحر الكاريبـي (نحو 150 كم وعرض 30 كم)، بهدف الاختباء في جبال وعرة وغير مأهولة ومغطّاة بغابات يصعب اجتيازها، ولذلك فهي تؤمن ملجأً يمكن للثوار الاختباء فيه.
إن فشل الهجوم دفع البلاد إلى المزيد من القمع والملاحقة، وقد حُكم على كاسترو و30 من رفاقه بالسجن في جزيرة الصنوبر، إلى أن حان موعد الانتخابات العامة التي فرضها الرأي العام على حكومة باتيستا، والتي أُجريت العام 1955، حيث صوّت المجلس الجديد بالعفو عن فيدل كاسترو ورفاقه، وعند خروجهم من السجن غادروا البلاد والتجأوا إلى المكسيك، وهناك تعرّف على جيفارا.
وخلال عام كامل استجمع كاسترو خطته ورجاله، ليعودوا بسرية تامة إلى الجزيرة وكان عددهم 82 شخصاً، ولم ينجُ منهم سوى 21 عند وصولهم إلى الشواطئ الكوبية. وخلال تلك الفترة سعت واشنطن لوضع هيمنتها بالكامل على أميركا اللاتينية، فقادت تحرّكاً لصالحها في غواتيمالا العام 1954، وقمعت فيه الحركة الوطنية الغواتيمالية المتطلعة إلى الديمقراطية. في تلك الظروف وتحت تلك المخاوف وتقاطع الأجندات، انطلقت الثورة الكوبية لتشقَّ سكون أميركا اللاتينية آنذاك، الأمر الذي لم تحسب له واشنطن الحساب الكافي، ولا سيّما أن الثورة جاءت من حديقتها الخلفية، وإذا بها تصبح مصدر إزعاج تواجهه كل يوم وتنشغل به على نحو كبير، وبخاصة إشعاعاتها على أميركا اللاتينية!
لم يكن الانقلاب العسكري «السلمي» الذي قاده باتيستا هو الحدث الدرامي الأول في الجزيرة؛ فتاريخ كوبا شاهد على التدخل والحروب الإسبانية، والأميركية لاحقاً، حيث شهدت موجات إمبريالية للتدخل حتى بعد إحراز استقلالها من الاستعمار الإسباني الناقص، فوقعت مثل التفاحة الناضجة في حضن الولايات المتحدة، وتشهد على ذلك تدخلات واشنطن بتوقيع اتفاقية بلات العام 1901 التي أرادت حصد نتائج حروب التحرر الوطنية الكوبية فسعت لوضع التفاحة في سلّتها بعد أن تخلّصت من إسبانيا، ومن ثم تدخل السفير الأميركي سومتر 1933 للهيمنة وإملاء الإرادة، وصولاً إلى حكم باتيستا الذي أطاحت به الثورة في مطلع العام 1959.
في ليلة مكسيكية باردة، جمعته بكاسترو كما يروي جيفارا في مذكراته، دار بينهما نقاش حول السياسة الدولية وشؤون وشجون أميركا اللاتينية طوال الليل حتى ساعات الصباح الباكر، أعلن بعدها جيفارا انضمامه إلى العصبة الثورية التي كان قد بدأ كاسترو بتأسيسها، وقام معه برحلته الأثيرة من المكسيك، وفي المركب غرانما، وصولاً إلى الشواطئ الكوبية، ومن ثم بدء عمليات الكفاح المسلح في جبال السيرامايسترا وصولاً إلى هافانا. حدث ذلك بعد سقوط نظام جاكوب أربنـز في غواتيمالا على إثر عدوان واشنطن، بإشراف جون فوستر دالاس محامي شركة الفواكه المتحدة، الذي يحمل عدداً من أسهمها كأكبر مؤسسة إمبريالية في غواتيمالا.
يومها جاء كاسترو إلى أرض المكسيك المحايدة ليجهّز حملته المضادة بالعودة إلى هافانا على أسنّة الحراب، وقد تعرّض الثوار إلى هجوم مباغت. وكانت مجموعتان من الشرطة المكسيكية تبحثان عن فيدل كاسترو بإيعاز من باتيستا، وسقط أعضاء المنظمة في أيديهم لدى مهاجمتهم المزرعة بالقرب من ضاحية المدينة. وكما يقول جيفارا في مذكراته «تشي جيفارا- يروي مراحل الثورة الكوبية، إعداد سعيد الجزائري، دار الجيل، بيروت، 2004»، «وجدنا أنفسنا جميعاً في السجن... وقضى بعضنا 57 يوماً فيه وكان خطر تسليمنا لحكومتنا معلّقاً فوق رؤوسنا»، وبسبب اكتشاف جاسوس بين صفوف الثوار، كما يروي جيفارا، فقد كان ينبغي عليهم القيام بنشاط محموم لإعداد المركب، الذي سيتم تخليده كرمزية كبيرة، وتحت اسم «غرانما» وينطلق يوم 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 1956 حاملاً على ظهره 82 ثائراً وبضع بنادق وأعتدة وألبسة عسكرية. وفي الساعة الثانية صباحاً كانت كلمات كاسترو تتردد «سنتحرر أو نستشهد»، وظلّ صداها مخيّماً على أجواء الثورة حتى تحقق النصر، بل إن بعض الحركات الثورية كانت تختتم بياناتها بشعارات: الموت أو النصر .
لعلّ ساعة الانطلاق نحو الشواطئ الكوبية لبدء الكفاح المسلح كانت مثيرة ومدعاة للقلق والتأمل، فقد أطفأوا أنوار مركب غرانما، وتركوا على عجالة مرفأ توكسبان، لكن دوار البحر سرعان ما داهمهم، ويصف جيفارا وضعهم بالمحزن المثير للقرف بالقول: «رجال وجوههم كالحة من الخوف والقلق ويمسكون بطونهم بأيديهم من الغثيان.. ثيابهم ملوثة بالقيء...» وبعد مسيرة مضنية وإلقاء جزء من حمولة المركب لتخفيف الوزن يصلون إلى الشواطئ الكوبية بطريق استدارة كبيرة استمرت لبضعة أيام حيث وصلوا إلى البر الكوبـي..
يقول جيفارا: «كنّا جيشاً من الظلال والأشباح التي تتقدم كأنها مدفوعة بقوة بدنية غامضة، حيث تعرّضنا للجوع ودوار البحر لمدة 7 أيام، ثم لمدة ثلاثة أيام مريعة على الأرض، في بعض المستنقعات»، لاسيّما بعد هجوم قوات باتيستا عليهم وحصدها أرواح العشرات منهم لدرجة أن من تبقّى على قيد الحياة، كادت قواه أن تخور، وأن بعضهم كان جريحاً، لدرجة أن جيفارا الذي أصيب بجراح أيضاً، فكّر بالموت وبأن يترك نفسه عند جذع شجرة ويستعد لإنهاء حياته بكل كبرياء، مثل بطل جاك لندن الذي عرف أنه محكوم عليه بالموت متجمداً وسط ثلوج آلاسكا، فاختار طريقاً آخر أقصر منه.
بعد فترة وجيزة تجمّع من تبقى من فلول الثوار المنتشرة دون هدى وكانت نقطة الالتقاء هي معرفتهم بأن كاسترو ما زال على قيد الحياة، ووصلوا إليه بواسطة بعض القرويين، وكان أن خططوا لمعركة سريعة لتحسين المعنويات، وتحقّق لهم ما أرادوا حين كسبوا معركة لابلاتا التي انتصروا فيها في 17 كانون الثاني (يناير) 1957 أي بعد ستة أسابيع من وصولهم إلى الشواطئ الكوبية، حيث هاجموا الثكنة الصغيرة التي تقع على مصب نهر لابلاتا في سيرامايسترا، تلك المعركة التي انتشرت أخبارها مثل النار في الهشيم، الأمر الذي عاظم من معنويات الثوار وزاد من ثقتهم بأنفسهم وعزز من قدراتهم. ولعلّ تلك المعارك التي استمرت منذ أواخر العام 1956 وأوائل العام 1957 وحتى الأول من كانون الثاني (يناير) 1959 (يوم كان الإعلان عن انتصار الثورة) إنما تعيد إلى الذاكرة الحروب والتحديات التي تعرّضت لها كوبا قبل الثورة وما بعدها.
* * *
في 10 آذار (مارس) 1952 دعمت المخابرات المركزية الأميركية (CIA) انقلاباً حصل في هافانا، حين قاد الجنرال باتيستا هجوماً للإطاحة ببعض هوامش الحريات التي كانت متوافرة، حيث ألغيت جملة من الأنظمة والقوانين التي تؤمّن حرية الصحافة وبعض الحقوق والحريات العامة والفردية، وحلّت بالبلاد دكتاتورية جديدة سافرة، الأمر الذي سبّب خيبة أمل كبيرة للكوبيين، لاسيّما لجيل الشباب المتطلع إلى الحرية والحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية.
وخلال أحاديثي مع العديد من الأوساط السياسية والأكاديمية والناس البسطاء في كوبا وخارجها، كان دائماً ما يُذكر باتيستا، وإلى جانبه، بل وندّه هناك من يذكر شاباً مفعماً بالحيوية كان قد تخرّج لتوّه من كلية الحقوق، ولم يبلغ عمره أكثر من 25 عاماً؛ فقد ولد كاسترو في العام 1927، وسيصبح هذا المحامي الشاب من أكثر ثوار العالم شهرة بعد قيادته لمجموعة من الشبّان، حيث كان كاسترو قد يئس من الأحزاب القائمة بما فيها «حزب الحقيقة» و«الحزب الشيوعي»، فأسس مع مجموعة من رفاقه سيبرز فيهم لاحقاً تشي جيفارا وراؤول كاسترو شقيقه، حركة أطلق عليها اسم «حركة 26 يوليو» كان هدفها الإطاحة بالنظام الدكتاتوري عبر اختيار طريق الكفاح المسلح وسيلة لذلك.
وبعد نحو عام من التدريب والتهيئة، اجتمع تحت قيادة كاسترو نحو 150 شاباً، انتقلوا من هافانا ليقوموا بهجومهم على ثكنة المونكادا في سنتياغو دي كوبا، مستهدفين الاستيلاء على السلاح واللجوء إلى الجبال للاحتماء بها ومن ثم الزحف على المدن، حسبما اقتضت خطة الكفاح المسلح، ولكن الخطة فشلت ولوحق الثوار وتمّ اعتقال وسجن عدد منهم!..
وفيما بعد كان اللجوء إلى جبال السيرامايسترا، وهي أعلى سلسلة جبال في كوبا وتمتد بكتلة واحدة على طول البحر الكاريبـي (نحو 150 كم وعرض 30 كم)، بهدف الاختباء في جبال وعرة وغير مأهولة ومغطّاة بغابات يصعب اجتيازها، ولذلك فهي تؤمن ملجأً يمكن للثوار الاختباء فيه.
إن فشل الهجوم دفع البلاد إلى المزيد من القمع والملاحقة، وقد حُكم على كاسترو و30 من رفاقه بالسجن في جزيرة الصنوبر، إلى أن حان موعد الانتخابات العامة التي فرضها الرأي العام على حكومة باتيستا، والتي أُجريت العام 1955، حيث صوّت المجلس الجديد بالعفو عن فيدل كاسترو ورفاقه، وعند خروجهم من السجن غادروا البلاد والتجأوا إلى المكسيك، وهناك تعرّف على جيفارا.
وخلال عام كامل استجمع كاسترو خطته ورجاله، ليعودوا بسرية تامة إلى الجزيرة وكان عددهم 82 شخصاً، ولم ينجُ منهم سوى 21 عند وصولهم إلى الشواطئ الكوبية. وخلال تلك الفترة سعت واشنطن لوضع هيمنتها بالكامل على أميركا اللاتينية، فقادت تحرّكاً لصالحها في غواتيمالا العام 1954، وقمعت فيه الحركة الوطنية الغواتيمالية المتطلعة إلى الديمقراطية. في تلك الظروف وتحت تلك المخاوف وتقاطع الأجندات، انطلقت الثورة الكوبية لتشقَّ سكون أميركا اللاتينية آنذاك، الأمر الذي لم تحسب له واشنطن الحساب الكافي، ولا سيّما أن الثورة جاءت من حديقتها الخلفية، وإذا بها تصبح مصدر إزعاج تواجهه كل يوم وتنشغل به على نحو كبير، وبخاصة إشعاعاتها على أميركا اللاتينية!
لم يكن الانقلاب العسكري «السلمي» الذي قاده باتيستا هو الحدث الدرامي الأول في الجزيرة؛ فتاريخ كوبا شاهد على التدخل والحروب الإسبانية، والأميركية لاحقاً، حيث شهدت موجات إمبريالية للتدخل حتى بعد إحراز استقلالها من الاستعمار الإسباني الناقص، فوقعت مثل التفاحة الناضجة في حضن الولايات المتحدة، وتشهد على ذلك تدخلات واشنطن بتوقيع اتفاقية بلات العام 1901 التي أرادت حصد نتائج حروب التحرر الوطنية الكوبية فسعت لوضع التفاحة في سلّتها بعد أن تخلّصت من إسبانيا، ومن ثم تدخل السفير الأميركي سومتر 1933 للهيمنة وإملاء الإرادة، وصولاً إلى حكم باتيستا الذي أطاحت به الثورة في مطلع العام 1959.
في ليلة مكسيكية باردة، جمعته بكاسترو كما يروي جيفارا في مذكراته، دار بينهما نقاش حول السياسة الدولية وشؤون وشجون أميركا اللاتينية طوال الليل حتى ساعات الصباح الباكر، أعلن بعدها جيفارا انضمامه إلى العصبة الثورية التي كان قد بدأ كاسترو بتأسيسها، وقام معه برحلته الأثيرة من المكسيك، وفي المركب غرانما، وصولاً إلى الشواطئ الكوبية، ومن ثم بدء عمليات الكفاح المسلح في جبال السيرامايسترا وصولاً إلى هافانا. حدث ذلك بعد سقوط نظام جاكوب أربنـز في غواتيمالا على إثر عدوان واشنطن، بإشراف جون فوستر دالاس محامي شركة الفواكه المتحدة، الذي يحمل عدداً من أسهمها كأكبر مؤسسة إمبريالية في غواتيمالا.
يومها جاء كاسترو إلى أرض المكسيك المحايدة ليجهّز حملته المضادة بالعودة إلى هافانا على أسنّة الحراب، وقد تعرّض الثوار إلى هجوم مباغت. وكانت مجموعتان من الشرطة المكسيكية تبحثان عن فيدل كاسترو بإيعاز من باتيستا، وسقط أعضاء المنظمة في أيديهم لدى مهاجمتهم المزرعة بالقرب من ضاحية المدينة. وكما يقول جيفارا في مذكراته «تشي جيفارا- يروي مراحل الثورة الكوبية، إعداد سعيد الجزائري، دار الجيل، بيروت، 2004»، «وجدنا أنفسنا جميعاً في السجن... وقضى بعضنا 57 يوماً فيه وكان خطر تسليمنا لحكومتنا معلّقاً فوق رؤوسنا»، وبسبب اكتشاف جاسوس بين صفوف الثوار، كما يروي جيفارا، فقد كان ينبغي عليهم القيام بنشاط محموم لإعداد المركب، الذي سيتم تخليده كرمزية كبيرة، وتحت اسم «غرانما» وينطلق يوم 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 1956 حاملاً على ظهره 82 ثائراً وبضع بنادق وأعتدة وألبسة عسكرية. وفي الساعة الثانية صباحاً كانت كلمات كاسترو تتردد «سنتحرر أو نستشهد»، وظلّ صداها مخيّماً على أجواء الثورة حتى تحقق النصر، بل إن بعض الحركات الثورية كانت تختتم بياناتها بشعارات: الموت أو النصر .
لعلّ ساعة الانطلاق نحو الشواطئ الكوبية لبدء الكفاح المسلح كانت مثيرة ومدعاة للقلق والتأمل، فقد أطفأوا أنوار مركب غرانما، وتركوا على عجالة مرفأ توكسبان، لكن دوار البحر سرعان ما داهمهم، ويصف جيفارا وضعهم بالمحزن المثير للقرف بالقول: «رجال وجوههم كالحة من الخوف والقلق ويمسكون بطونهم بأيديهم من الغثيان.. ثيابهم ملوثة بالقيء...» وبعد مسيرة مضنية وإلقاء جزء من حمولة المركب لتخفيف الوزن يصلون إلى الشواطئ الكوبية بطريق استدارة كبيرة استمرت لبضعة أيام حيث وصلوا إلى البر الكوبـي..
يقول جيفارا: «كنّا جيشاً من الظلال والأشباح التي تتقدم كأنها مدفوعة بقوة بدنية غامضة، حيث تعرّضنا للجوع ودوار البحر لمدة 7 أيام، ثم لمدة ثلاثة أيام مريعة على الأرض، في بعض المستنقعات»، لاسيّما بعد هجوم قوات باتيستا عليهم وحصدها أرواح العشرات منهم لدرجة أن من تبقّى على قيد الحياة، كادت قواه أن تخور، وأن بعضهم كان جريحاً، لدرجة أن جيفارا الذي أصيب بجراح أيضاً، فكّر بالموت وبأن يترك نفسه عند جذع شجرة ويستعد لإنهاء حياته بكل كبرياء، مثل بطل جاك لندن الذي عرف أنه محكوم عليه بالموت متجمداً وسط ثلوج آلاسكا، فاختار طريقاً آخر أقصر منه.
بعد فترة وجيزة تجمّع من تبقى من فلول الثوار المنتشرة دون هدى وكانت نقطة الالتقاء هي معرفتهم بأن كاسترو ما زال على قيد الحياة، ووصلوا إليه بواسطة بعض القرويين، وكان أن خططوا لمعركة سريعة لتحسين المعنويات، وتحقّق لهم ما أرادوا حين كسبوا معركة لابلاتا التي انتصروا فيها في 17 كانون الثاني (يناير) 1957 أي بعد ستة أسابيع من وصولهم إلى الشواطئ الكوبية، حيث هاجموا الثكنة الصغيرة التي تقع على مصب نهر لابلاتا في سيرامايسترا، تلك المعركة التي انتشرت أخبارها مثل النار في الهشيم، الأمر الذي عاظم من معنويات الثوار وزاد من ثقتهم بأنفسهم وعزز من قدراتهم. ولعلّ تلك المعارك التي استمرت منذ أواخر العام 1956 وأوائل العام 1957 وحتى الأول من كانون الثاني (يناير) 1959 (يوم كان الإعلان عن انتصار الثورة) إنما تعيد إلى الذاكرة الحروب والتحديات التي تعرّضت لها كوبا قبل الثورة وما بعدها.
* * *
Page 8
جيفارا ورمزية الصورة وصورة الرمز
لعلّها مفاجأة لمن يزور كوبا، حين لا يلحظ وجود صورة فيدل كاسترو قائد الكفاح المسلح وزعيم الثورة ضد نظام باتيستا وقائد البلاد لنحو خمسة عقود من الزمان، مثلما شاعت صور كيم إيل سونغ في كوريا، وماوتسي تونغ في الصين، و ستالين وبعده الزعماء السوفييت في الاتحاد السوفييتي السابق، و تشاوتشيسكو في رومانيا، و جوزيف بروز تيتو في يوغسلافيا، وتقليدهم في دول العالم الثالث وما أطلقنا عليه بلدان «التحرر الوطني»، التي بالغت في نشر صور «القادة» المنـزّهين، وخارج نطاق النقد، في كل مكان.
ربما تلك المفارقة الأولى المباشرة التي تدهش الزائر، لاسيّما إذا كان قد عاش في ظل أنظمة «العالم الثالث» والأنظمة الثورية والاشتراكية، لدرجة تجعل المرء في حيرة من أمره، حين يستعيد كيف تنتشر صور وتماثيل قادة الأنظمة الشمولية اليسارية والقومية والإسلامية وغيرها، في حين تختفي تماماً صورة كاسترو من المكاتب والجدران والساحات والأماكن العامة، ويتحدث عنه الناس لا باعتباره معصوماً أو خارج النقد، بل باعتباره صديقاً لهم أحياناً، حتى وإن اختلفوا معه أو بشأنه، وبشأن نظام الحكم وتقييماتهم له. ونقول ذلك ليس من باب الدعاية الأيديولوجية السابقة لإثبات الأفضليات، كما كان سائداً، ولكننا نتعرض لذلك مقارنة، بقدر كونه واقعاً تتميّز به كوبا ونظامها السياسي، لكن ذلك لا يمنع من نقد بعض الجوانب التي تتعلق باحتكار العمل السياسي والنقابـي وهيمنة الحزب الواحد والمركزية الصارمة وشحّ حرية التعبير وغيرها.
أما المفارقة الثانية فإن صورة أرنستو تشي جيفارا تكاد تصادفها في كل مكان، وقد تكون تعويضاً عن صورة القائد- الرمز، مثلما هي رمزية البطولة والشهادة، خصوصاً وأن صاحبها غادرنا، وهو بعيد عن جبروت وقوة أهل النفوذ والسلطة، الأمر الذي يجعل صورة جيفارا نموذجاً رمزياً لحالة رومانسية وليست سلطوية، فهذا الاشتراكي النبيل، يبدو مثل فارس أو أمير، مملوء بالأحلام الغامضة الخضراء.
كان ذلك الطبيب الأرجنتيني الوسيم، الشجاع، ومحبوب النساء، قد ضاق ذرعاً بالوزارة، فقرر الانتقال إلى حيث مواقع المواجهة، مقاوماً بلا هوادة آفة البيروقراطية التي خاف على نفسه من أن تأكله، مدافعاً بلا حدود عن موقعه الثوري، ضد آلة الدولة التي حاول «الزوغان» عنها خوفاً من التهامه.
لقد أراد جيفارا أن يبقى ثورياً «طازجاً» لكل الفصول، فبذل كل ما في وسعه لكي لا يتحوّل إلى موظف أو إداري بيروقراطي، وهو الثوري الحالم، ولذلك لبّى نداء قلبه وعقله، وعاد إلى موقعه الحقيقي حيث الثورة التي في داخله، وهي التي قادته إلى الكونغو العام 1965، ليناضل ضد ظلم المستعمرين وأعوانهم وكان يردد «حيثما وجِدَ ظلم فهناك وطني»، مؤمناً بأن الحرية والعدالة هما وطنه، الذي يستحق أن يدافع فيه عن الإنسان بغض النظر عن قوميته وجنسيته وجنسه وانتمائه السياسي والثقافي وانحداره الاجتماعي وغير ذلك.
ومن الكونغو في أفريقيا إلى بوليفيا في أميركا اللاتينية شدّ رحاله مرّة أخرى، حيث لم يهدأ أو يقرّ له قرار منذ أن التقى كاسترو وشقيقه راؤول في المكسيك، وانتقلوا منها إلى الشواطئ الكوبية، ليتمكنوا لاحقاً من الزحف على هافانا لإسقاط نظام الدكتاتور باتيستا، بعد رحلة مضنية ومثيرة وشجاعة عبر جبال السيرامايسترا. لقد رفض تشي جيفارا كل إغراءات السلطة وكان ظمأه إلى الحرية يزداد ويتعمّق كل يوم مثلما كانت العدالة الاجتماعية هاجسه باستمرار.
يوم شاع نبأ اغتيال جيفارا في 8 تشرين الأول (أكتوبر) 1967، علق المفكّر الفرنسي الكبير جان بول سارتر قائلاً: «إن جيفارا كان أكثر الرجال كمالاً في عصرنا»، وهو الذي التقاه مع صديقته الأديبة سيمون دي بوفوار بعد انتصار الثورة العام 1959، بكل العفاف الثوري والنـزاهة الأخلاقية والتجرّد الإنساني والاستعداد للتضحية بلا حدود. وكنت قد سألت الجواهري شاعر العرب الأكبر في إحدى مطارحاتنا عن جيفارا فردد بيتاً من الشعر:
إن الحياة معاناةٌ وتضحيةٌ
حبّ السلامة فيها أرذل السبلِ
علّقت عليه ألست أنت القائل؟:
وأركبُ الهولَ في ريعان مأمنةٍ
حبّ الحياة بحب الموت يغريني؟
وهنا التمعت عينا الجواهري فرحاً وكأنه يتحدث عن نفسه، فقال إن الشجعان المضحّين هم أكثر حبّاً للحياة وتفانياً من أجلها واستعداداً للبذل والعطاء، لأنهم يريدون حياة كريمة وحرّة، وصدق من قال:
لا تسقني كأس الحياة بذلـّةٍ
بل فاسقني بالعزّ كأس الحنظل
وإذا كان جيفارا شجاعاً، فلكونه إنساناً لديه إحساس عالٍ بالعدالة بكل ما تعني هذه الكلمة، وهنا لا أريد أن أضفي عليه صفة القداسة، مثلما يفعل بعض من محبيه ومريديه، في حين يدمغه خصومه وأعداؤه بممارسة العنف، بل والإرهاب، لكونه اختار طريق الكفاح المسلح؛ ومرّة أخرى لا بدّ من تسليط الضوء على خيارات جيفارا باعتباره نتاج مرحلة، كان فيها العنف الثوري والكفاح المسلح، أحد مستلزمات النضال الاشتراكي واليساري، لاسيّما خلال فترة الستينيات وتفاقم الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي بين المعسكرين: الاشتراكي والرأسمالي، فقد وضع ما يؤمن به موضع التطبيق، وعاش بكل جوارحه للمثُل والقيم التي كان يدعو إليها.
قد يكون بعضهم بالغ حين جعل من جيفارا أسطورة من الأساطير، وهو ما ينسجم مع البحث الإنساني- لاسيّما في البلدان النامية- عن مخلّص أو منقذ أو بطل خارق، الأمر الذي كان يتعارض مع سلوك جيفارا ونهجه، حيث كان يعيش حياته بكل اعتيادية وإنسانية شفيفة، يحب ويعشق ويدخّن ويكتب، يخطئ ويصيب وهو هكذا ينظر إلى الآخرين من موقع النقد والنقد الذاتي، ولعلّ أهم ما يميّزه عن غيره أنه في كل ما قال وعمل كان صادقاً وأصيلاً وشجاعاً، الأمر الذي ينبغي أن يؤخذ في سياقه التاريخي، ضمن الفكر السائد آنذاك، لاسيّما باشتعال الصراع على جميع الجبهات بين الرأسمالية والاشتراكية.
وإذا كان لجيفارا رمزية خاصة، فلعلّ جزءًا منها تكوّن بعد استشهاده المثير في بوليفيا وتعدّد الروايات حول مقتله، ومن ثم تغييب جثمانه وأخيراً ما ارتبط بنقل رُفاته بعد 30 عاماً.
ليست صورة تشي جيفارا وحده، بالرغم من أنها الأبرز تزيّن الأماكن العامة، والساحات والمكاتب الرسمية وغير الرسمية، فصور وتماثيل الشهداء والأبطال تملأ الفضاءات بكل أناقة وذوق؛ إنها رمزية الصورة وصورة الرمز، حيث تختلط في إطار من الحلم الوقّاد، بهارمونية إنسانية باهرة.
في مكان متميّز من هافانا (ساحة الحريّة) انتصب تمثال البطل القومي الكوبـي سان خوزيه مارتيه الذي استشهد في نهاية القرن التاسع عشر مقاوماً الغزو الأجنبـي، دفاعاً عن وطنه وهو الشخصية الكوبية الجامعة التي يمجّدها الكوبيون ويتحدثون عنها باعتزاز كبير. تمثال سان خوزيه مارتيه وهو يحمل طفلاً، له رمزية أخرى، فكأنه يريد أن يقول لأطفال كوبا والعالم أجمع وجميع المضطهدين من مختلف الأجيال: إن عدوكم هو هذا، حيث يوجّه نظره صوب الولايات المتحدة التي تحاصر كوبا منذ خمسة عقود من الزمان.
لم يكن الاتحاد السوفييتي السابق بالرغم من كل الاختلافات والمشاحنات الفكرية والعملية يتردد في تقديم المساعدات الأممية لكوبا، وبغض النظر عن بعض الضغوط ومحاولات إملاء الإرادة وإشكالية العلاقات، إلا أنها استطاعت حماية كوبا في فترة عصيبة من الحرب الباردة، ولم تتجرأ واشنطن على مهاجمتها، لاسيّما بعد الوفاق الذي أعقب أزمة الصواريخ العام 1962 بين جون كيندي ونيكيتا خروشوف ، حين تمّ سحب الصواريخ السوفييتية، مقابل تعهد بعدم مهاجمة كوبا.
لكن واشنطن بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وانقطاع المساعدات عن كوبا، أقدمت عبر سفارتها في هافانا على رفع لوحات مضاءة أمام مبناها وبأعلى طابق تدعو الشعب الكوبـي إلى التمرد والثورة ضد حكومة فيدل كاسترو والحزب الشيوعي، وبالرغم من أن ذلك الإجراء غير دبلوماسي، إلا أن السلطات الكوبية واجهتها بالأسلوب نفسه حين رفعت راياتٍ وأعلاماً، حتى كادت المنطقة تحجب رؤية المارّة عن قراءة ما كتبته السفارة الأميركية، وسميّ ذلك المكان «جبل الرايات» أو «تلة الأعلام»، وهو عبارة عن مرتفع عُرف باسم «منصّة مناهضة الإمبريالية» قبالة السفارة الأميركية، وبادر المواطنون لعقد محاكمات صورية لقادة الولايات المتحدة، حيث يحضر فيها أبناء الشهداء والضحايا الذين سقطوا جرّاء خطط الغزو والتآمر والحصار، إضافة إلى بقايا الهنود الحمر الذين يقدمون شهاداتهم بحق ما لحق بهم من غبن وحيف ويطالبون بالتعويض وجبر الضرر وإحقاق العدالة!
* * *
لعلّها مفاجأة لمن يزور كوبا، حين لا يلحظ وجود صورة فيدل كاسترو قائد الكفاح المسلح وزعيم الثورة ضد نظام باتيستا وقائد البلاد لنحو خمسة عقود من الزمان، مثلما شاعت صور كيم إيل سونغ في كوريا، وماوتسي تونغ في الصين، و ستالين وبعده الزعماء السوفييت في الاتحاد السوفييتي السابق، و تشاوتشيسكو في رومانيا، و جوزيف بروز تيتو في يوغسلافيا، وتقليدهم في دول العالم الثالث وما أطلقنا عليه بلدان «التحرر الوطني»، التي بالغت في نشر صور «القادة» المنـزّهين، وخارج نطاق النقد، في كل مكان.
ربما تلك المفارقة الأولى المباشرة التي تدهش الزائر، لاسيّما إذا كان قد عاش في ظل أنظمة «العالم الثالث» والأنظمة الثورية والاشتراكية، لدرجة تجعل المرء في حيرة من أمره، حين يستعيد كيف تنتشر صور وتماثيل قادة الأنظمة الشمولية اليسارية والقومية والإسلامية وغيرها، في حين تختفي تماماً صورة كاسترو من المكاتب والجدران والساحات والأماكن العامة، ويتحدث عنه الناس لا باعتباره معصوماً أو خارج النقد، بل باعتباره صديقاً لهم أحياناً، حتى وإن اختلفوا معه أو بشأنه، وبشأن نظام الحكم وتقييماتهم له. ونقول ذلك ليس من باب الدعاية الأيديولوجية السابقة لإثبات الأفضليات، كما كان سائداً، ولكننا نتعرض لذلك مقارنة، بقدر كونه واقعاً تتميّز به كوبا ونظامها السياسي، لكن ذلك لا يمنع من نقد بعض الجوانب التي تتعلق باحتكار العمل السياسي والنقابـي وهيمنة الحزب الواحد والمركزية الصارمة وشحّ حرية التعبير وغيرها.
أما المفارقة الثانية فإن صورة أرنستو تشي جيفارا تكاد تصادفها في كل مكان، وقد تكون تعويضاً عن صورة القائد- الرمز، مثلما هي رمزية البطولة والشهادة، خصوصاً وأن صاحبها غادرنا، وهو بعيد عن جبروت وقوة أهل النفوذ والسلطة، الأمر الذي يجعل صورة جيفارا نموذجاً رمزياً لحالة رومانسية وليست سلطوية، فهذا الاشتراكي النبيل، يبدو مثل فارس أو أمير، مملوء بالأحلام الغامضة الخضراء.
كان ذلك الطبيب الأرجنتيني الوسيم، الشجاع، ومحبوب النساء، قد ضاق ذرعاً بالوزارة، فقرر الانتقال إلى حيث مواقع المواجهة، مقاوماً بلا هوادة آفة البيروقراطية التي خاف على نفسه من أن تأكله، مدافعاً بلا حدود عن موقعه الثوري، ضد آلة الدولة التي حاول «الزوغان» عنها خوفاً من التهامه.
لقد أراد جيفارا أن يبقى ثورياً «طازجاً» لكل الفصول، فبذل كل ما في وسعه لكي لا يتحوّل إلى موظف أو إداري بيروقراطي، وهو الثوري الحالم، ولذلك لبّى نداء قلبه وعقله، وعاد إلى موقعه الحقيقي حيث الثورة التي في داخله، وهي التي قادته إلى الكونغو العام 1965، ليناضل ضد ظلم المستعمرين وأعوانهم وكان يردد «حيثما وجِدَ ظلم فهناك وطني»، مؤمناً بأن الحرية والعدالة هما وطنه، الذي يستحق أن يدافع فيه عن الإنسان بغض النظر عن قوميته وجنسيته وجنسه وانتمائه السياسي والثقافي وانحداره الاجتماعي وغير ذلك.
ومن الكونغو في أفريقيا إلى بوليفيا في أميركا اللاتينية شدّ رحاله مرّة أخرى، حيث لم يهدأ أو يقرّ له قرار منذ أن التقى كاسترو وشقيقه راؤول في المكسيك، وانتقلوا منها إلى الشواطئ الكوبية، ليتمكنوا لاحقاً من الزحف على هافانا لإسقاط نظام الدكتاتور باتيستا، بعد رحلة مضنية ومثيرة وشجاعة عبر جبال السيرامايسترا. لقد رفض تشي جيفارا كل إغراءات السلطة وكان ظمأه إلى الحرية يزداد ويتعمّق كل يوم مثلما كانت العدالة الاجتماعية هاجسه باستمرار.
يوم شاع نبأ اغتيال جيفارا في 8 تشرين الأول (أكتوبر) 1967، علق المفكّر الفرنسي الكبير جان بول سارتر قائلاً: «إن جيفارا كان أكثر الرجال كمالاً في عصرنا»، وهو الذي التقاه مع صديقته الأديبة سيمون دي بوفوار بعد انتصار الثورة العام 1959، بكل العفاف الثوري والنـزاهة الأخلاقية والتجرّد الإنساني والاستعداد للتضحية بلا حدود. وكنت قد سألت الجواهري شاعر العرب الأكبر في إحدى مطارحاتنا عن جيفارا فردد بيتاً من الشعر:
إن الحياة معاناةٌ وتضحيةٌ
حبّ السلامة فيها أرذل السبلِ
علّقت عليه ألست أنت القائل؟:
وأركبُ الهولَ في ريعان مأمنةٍ
حبّ الحياة بحب الموت يغريني؟
وهنا التمعت عينا الجواهري فرحاً وكأنه يتحدث عن نفسه، فقال إن الشجعان المضحّين هم أكثر حبّاً للحياة وتفانياً من أجلها واستعداداً للبذل والعطاء، لأنهم يريدون حياة كريمة وحرّة، وصدق من قال:
لا تسقني كأس الحياة بذلـّةٍ
بل فاسقني بالعزّ كأس الحنظل
وإذا كان جيفارا شجاعاً، فلكونه إنساناً لديه إحساس عالٍ بالعدالة بكل ما تعني هذه الكلمة، وهنا لا أريد أن أضفي عليه صفة القداسة، مثلما يفعل بعض من محبيه ومريديه، في حين يدمغه خصومه وأعداؤه بممارسة العنف، بل والإرهاب، لكونه اختار طريق الكفاح المسلح؛ ومرّة أخرى لا بدّ من تسليط الضوء على خيارات جيفارا باعتباره نتاج مرحلة، كان فيها العنف الثوري والكفاح المسلح، أحد مستلزمات النضال الاشتراكي واليساري، لاسيّما خلال فترة الستينيات وتفاقم الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي بين المعسكرين: الاشتراكي والرأسمالي، فقد وضع ما يؤمن به موضع التطبيق، وعاش بكل جوارحه للمثُل والقيم التي كان يدعو إليها.
قد يكون بعضهم بالغ حين جعل من جيفارا أسطورة من الأساطير، وهو ما ينسجم مع البحث الإنساني- لاسيّما في البلدان النامية- عن مخلّص أو منقذ أو بطل خارق، الأمر الذي كان يتعارض مع سلوك جيفارا ونهجه، حيث كان يعيش حياته بكل اعتيادية وإنسانية شفيفة، يحب ويعشق ويدخّن ويكتب، يخطئ ويصيب وهو هكذا ينظر إلى الآخرين من موقع النقد والنقد الذاتي، ولعلّ أهم ما يميّزه عن غيره أنه في كل ما قال وعمل كان صادقاً وأصيلاً وشجاعاً، الأمر الذي ينبغي أن يؤخذ في سياقه التاريخي، ضمن الفكر السائد آنذاك، لاسيّما باشتعال الصراع على جميع الجبهات بين الرأسمالية والاشتراكية.
وإذا كان لجيفارا رمزية خاصة، فلعلّ جزءًا منها تكوّن بعد استشهاده المثير في بوليفيا وتعدّد الروايات حول مقتله، ومن ثم تغييب جثمانه وأخيراً ما ارتبط بنقل رُفاته بعد 30 عاماً.
ليست صورة تشي جيفارا وحده، بالرغم من أنها الأبرز تزيّن الأماكن العامة، والساحات والمكاتب الرسمية وغير الرسمية، فصور وتماثيل الشهداء والأبطال تملأ الفضاءات بكل أناقة وذوق؛ إنها رمزية الصورة وصورة الرمز، حيث تختلط في إطار من الحلم الوقّاد، بهارمونية إنسانية باهرة.
في مكان متميّز من هافانا (ساحة الحريّة) انتصب تمثال البطل القومي الكوبـي سان خوزيه مارتيه الذي استشهد في نهاية القرن التاسع عشر مقاوماً الغزو الأجنبـي، دفاعاً عن وطنه وهو الشخصية الكوبية الجامعة التي يمجّدها الكوبيون ويتحدثون عنها باعتزاز كبير. تمثال سان خوزيه مارتيه وهو يحمل طفلاً، له رمزية أخرى، فكأنه يريد أن يقول لأطفال كوبا والعالم أجمع وجميع المضطهدين من مختلف الأجيال: إن عدوكم هو هذا، حيث يوجّه نظره صوب الولايات المتحدة التي تحاصر كوبا منذ خمسة عقود من الزمان.
لم يكن الاتحاد السوفييتي السابق بالرغم من كل الاختلافات والمشاحنات الفكرية والعملية يتردد في تقديم المساعدات الأممية لكوبا، وبغض النظر عن بعض الضغوط ومحاولات إملاء الإرادة وإشكالية العلاقات، إلا أنها استطاعت حماية كوبا في فترة عصيبة من الحرب الباردة، ولم تتجرأ واشنطن على مهاجمتها، لاسيّما بعد الوفاق الذي أعقب أزمة الصواريخ العام 1962 بين جون كيندي ونيكيتا خروشوف ، حين تمّ سحب الصواريخ السوفييتية، مقابل تعهد بعدم مهاجمة كوبا.
لكن واشنطن بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وانقطاع المساعدات عن كوبا، أقدمت عبر سفارتها في هافانا على رفع لوحات مضاءة أمام مبناها وبأعلى طابق تدعو الشعب الكوبـي إلى التمرد والثورة ضد حكومة فيدل كاسترو والحزب الشيوعي، وبالرغم من أن ذلك الإجراء غير دبلوماسي، إلا أن السلطات الكوبية واجهتها بالأسلوب نفسه حين رفعت راياتٍ وأعلاماً، حتى كادت المنطقة تحجب رؤية المارّة عن قراءة ما كتبته السفارة الأميركية، وسميّ ذلك المكان «جبل الرايات» أو «تلة الأعلام»، وهو عبارة عن مرتفع عُرف باسم «منصّة مناهضة الإمبريالية» قبالة السفارة الأميركية، وبادر المواطنون لعقد محاكمات صورية لقادة الولايات المتحدة، حيث يحضر فيها أبناء الشهداء والضحايا الذين سقطوا جرّاء خطط الغزو والتآمر والحصار، إضافة إلى بقايا الهنود الحمر الذين يقدمون شهاداتهم بحق ما لحق بهم من غبن وحيف ويطالبون بالتعويض وجبر الضرر وإحقاق العدالة!
* * *
Page 9
جيفارا والأممية البيروقراطية
ثمة إشكالية فكرية وخلافات نظرية وتكتيكية كانت قد أخذت طريقها بين الحزب الشيوعي الكوبـي المتأثر بالنهج السوفييتي، وبين الاتجاه الثوري لكاسترو وجيفارا ورفاقهما. وكانت الأطروحة الشيوعية الرسمية تشكك بإمكانية نجاح ثورة جبال السيرامايسترا واستخدام البؤر الثورية والتركيز على دور الطليعة والنخبة بدلاً من دور الجماهير وقناعاتها، لاسيّما تجاوز دور الحزب والسعي لحرق المراحل لإنضاج الظروف الموضوعية وتسريع إنضاج الظروف الذاتية. ولهذا السبب ناصبت الحركة الشيوعية الرسمية العداء للاتجاه الكاستروي- الجيفاري، وهو ما كان سائداً ضمن الخط السوفييتي، خصوصاً بتفضيل أسلوب النضال السلمي والسياسي وإعراضها عن أسلوب الكفاح المسلح، بل تسفيهه. لكنها بالرغم من ذلك أسهمت في تهيئة الظروف الموضوعية للثورة من خلال نضالات سياسية وبخاصة قيادتها للإضراب العمالي العام عشية انتصار الثورة، وهو ما قيّمه كاسترو إيجابياً في تقريره المقدّم إلى المؤتمر الأول للحزب الشيوعي الكوبـي المنعقد في شهر كانون الأول (ديسمبر) العام 1975 بعد اتحاده مع حركة 26 تموز (يوليو)، كما سيأتي ذكره.
وقد انعكس ذلك لاحقاً على تطور العلاقات الكوبية- السوفييتية وفي الموقف من تشي جيفارا أيضاً، الثوري الذي ظل حالماً؛ فيوم أنهى دراسته في كلية الطب العام 1953 قام بجولة على دراجته النارية (الموتورسايكل) في أنحاء القارة الأميركية ليتعرّف على أوضاعها ويتحسّس الظلم الذي تعاني منه. وفي العام 1954 التقى بصديقته (الليدا) Aleida التي تزوجها لاحقاً، وكان تشي جيفارا قد التقى بكاسترو بعد فشل المحاولة الثورية الأولى واعتقال عدد من القيادات الثورية بينهم كاسترو وجيفارا وراؤول في المكسيك، وهناك اتفقا في عهدٍ لا انفصام فيه على مشروع الثورة، التي كان كاسترو منظّرها ومحاميها وكان تشي جيفارا أحد أبطالها وطبيبها.
في شهر كانون الأول (ديسمبر) العام 1956 غادرت ثلة من الثوار باتجاه الشواطئ الكوبية، وكان عددهم 82، وكانت المفاجأة ترصّد رجال باتيستا لهم، فتفرق شملهم ولم يبقَ منهم إلا 21 مناضلاً، كما سبق ذكره. بعد الثورة حظي تشي جيفارا بمكانة كبيرة وأصبح رمزاً لجيل الشباب الثوري، ليس في أميركا اللاتينية فحسب، بل في العالم أجمع، لدرجة أن تقليعة شعره وقبعته العسكرية أصبحتا أحد موديلات العصر. لم يطق أن يكون وزيراً للصناعة ومسؤولاً في الحزب والدولة التي شهدت تحالفاً ثورياً جديداً بانضمام المجاميع الثورية بما فيها الحزب الشيوعي إلى جناح فيدل كاسترو وتتويجه زعيماً على البلاد دون منازع، وقد يكون ذلك أحد أخطاء الثورة التي أنهت عهد التعددية والمنافسة المشروعة ودفعت البلاد باتجاه الواحدية والمركزية والصرامة والحزب الواحد، وزاد من هذا التوجه السلطوي الشمولي، استمرار الحصار الأميركي الجائر، وما تركه من تأثيرات سلبية عميقة، نفسية واجتماعية على المجتمع الكوبـي.
وعلى الرغم من التصالح الكوبي- السوفييتي فإن موقف تشي جيفارا والثورة الكوبية ظلّ ملتبساً بالنسبة للحركة الشيوعية العالمية، قبل وبُعيد أزمة الصواريخ العام 1962. وعندما زار كاسترو الاتحاد السوفييتي في زيارة سرّية استغرقت مدة 35 يوماً، عاد وقلبه مملوء بالقيح للبيروقراطية والفوارق الطبقية بين القيادات والجماهير، وتبددّ الحلم الثوري، خصوصاً في ظل تفاقم الصعوبات والأخطاء والتحديات.
أما عندما زار تشي جيفارا الاتحاد السوفييتي لأول مرّة فقد استقبله أمين عام الحزب نيكيتا خروشوف بالأحضان، ولم يكن هو مرتاحاً من تلك الزيارة، وانتقد الأوضاع كثيراً وعبّر عن تبرمه، الأمر الذي لم يحبّذه السوفييت، الذين كانوا يرغبون في أن يقدّم إليهم زعماء الأحزاب الشيوعية الولاء والطاعة ويعلنون جهاراً نهاراً عن تأييد كامل سياساتهم وتوجهاتهم، حتى إزاء بلدانهم أحياناً.
في الزيارة الثانية لم يستقبله أي مسؤول سوفييتي كبير واكتفوا بموظف حزبـي من وزارة الخارجية، لأن حبل الودّ بينه وبينهم قد انقطع، وذلك جزء من عدم الارتياح سواءً اتفق ذلك أو تعارض مع البروتوكول الدبلوماسي، فالمركز الأممي لم تكن تهمّه كثيراً مثل تلك الاعتبارات، لاسيّما في ظل بيروقراطية الدولة وآلتها التي أكلت الثوريين، فتحولوا في الكثير من الأحيان إلى مجرد موظفين لا قلب لهم، في حين كان جيفارا يضع قلبه وعقله في مكان واحد.
وعندما قرر تشي جيفارا الذهاب إلى الكونغو لم يُطلع السوفييت على سرّ رحلته، الأمر الذي أغاظهم كثيراً، وحاولوا النيل منه لأنه حسب التبريرات السائدة فإنَّ خطوته كانت تهديداً لسياسة التعايش السلمي، وهو الموضوع الذي كانوا يحرصون عليه أشد الحرص، حتى قيل إنهم كانوا لا يتورّعون عن إعلان معارضتهم لسياسات حلفائهم «انسجاماً» مع ما سُمّي «سياسة الوفاق الدولي» . أما في بوليفيا فقد كانت المسألة أكثر سوءًا حين اتّخذ الحزب الشيوعي البوليفي موقفاً أقرب إلى العداء، وأكثر من النقد والاختلاف الفكري من تشي جيفارا، وأشيع في حينها أن كشف مكان تشي جيفارا الذي بذلت فيه الــــ CIA جهوداً مضنية لم يكن بمعزل عن تواطؤ مباشر أو غير مباشر مع الــــ KGB عبر اختراقات ملتبسة ومعقدة، بالرغم من أن هذه المسألة لم تظهر حولها دراسات كافية حتى الآن، لاسيّما من جانب الأوساط المتنفذة آنذاك، وهو ما حاولت أن أناقش فيه مرافقي إدواردو البالغ من العمر 45 عاماً والمتحدث الممتاز باللغة الإنجليزية، الذي رافقني من منتجع فراديرو، إلى مدينة سانتا كلارا الشهيرة في محافظة فيلّا كلارا، إلى مدينة ترينداد التاريخية الجميلة، والتي كانت ضمن إحدى خطط الـ CIA لغزو كوبا في الستينيات.
في 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 1967 أعلن عن مقتل تشي جيفارا ولم يعثر على رفاته إلا بعد مرور 30 عاماً أي في العام 1997 فنقل إلى مقبرة سانتا كلارا وإلى جانبه صديقته الألمانية تمارا بونكر المعروفة باسمها الحركي «تانيا» التي ربطته بها علاقة متميزة وأثيرة.
إن صورة جيفارا الشهيرة التي التقطها المصور كوردا تجوب العالم اليوم، وهي تعود مثل طائر العنقاء تحط على الصدور والقمصان والمحفظات وعلب الموسيقى وتتصدر بروشورات العروض المسرحية (الكتيبات الدعائية) والأفلام وقصائد الشعر والروايات والمنحوتات والدراسات والأبحاث. إن صورة جيفارا اليوم تزيّن البيوت والمكاتب والقاعات والساحات، والأهم من ذلك أنها تسكن في قلوب النساء والرجال، ولاسيّما الشباب منهم من ألوان وأجناس وأمم وشعوب وقوميات ولغات وأديان شتى.
وهذه الصورة ليست للتسويق أو «الماركيتنغ» (Marketing) كما يتمّ التداول، بل تختزل كل الأشياء الآن، فهي لرمز صنع نفسه وصنعته الأحداث، لبطولة ورومانسية ومثالية نادرة، لذلك الحلم الغامض الذي ظل يلفّ كل عقل جيفارا، وكان يردد ما كان إنجلز (Friedrich Engles) يكتبه: «السعادة في النضال والتعاسة في الخنوع».
إن صورة جيفارا ليست مدفوعة الثمن، إنها ملك مشاع لكل من يرغب للتمثل به أو إحياء ذكراه.
* * *
ثمة إشكالية فكرية وخلافات نظرية وتكتيكية كانت قد أخذت طريقها بين الحزب الشيوعي الكوبـي المتأثر بالنهج السوفييتي، وبين الاتجاه الثوري لكاسترو وجيفارا ورفاقهما. وكانت الأطروحة الشيوعية الرسمية تشكك بإمكانية نجاح ثورة جبال السيرامايسترا واستخدام البؤر الثورية والتركيز على دور الطليعة والنخبة بدلاً من دور الجماهير وقناعاتها، لاسيّما تجاوز دور الحزب والسعي لحرق المراحل لإنضاج الظروف الموضوعية وتسريع إنضاج الظروف الذاتية. ولهذا السبب ناصبت الحركة الشيوعية الرسمية العداء للاتجاه الكاستروي- الجيفاري، وهو ما كان سائداً ضمن الخط السوفييتي، خصوصاً بتفضيل أسلوب النضال السلمي والسياسي وإعراضها عن أسلوب الكفاح المسلح، بل تسفيهه. لكنها بالرغم من ذلك أسهمت في تهيئة الظروف الموضوعية للثورة من خلال نضالات سياسية وبخاصة قيادتها للإضراب العمالي العام عشية انتصار الثورة، وهو ما قيّمه كاسترو إيجابياً في تقريره المقدّم إلى المؤتمر الأول للحزب الشيوعي الكوبـي المنعقد في شهر كانون الأول (ديسمبر) العام 1975 بعد اتحاده مع حركة 26 تموز (يوليو)، كما سيأتي ذكره.
وقد انعكس ذلك لاحقاً على تطور العلاقات الكوبية- السوفييتية وفي الموقف من تشي جيفارا أيضاً، الثوري الذي ظل حالماً؛ فيوم أنهى دراسته في كلية الطب العام 1953 قام بجولة على دراجته النارية (الموتورسايكل) في أنحاء القارة الأميركية ليتعرّف على أوضاعها ويتحسّس الظلم الذي تعاني منه. وفي العام 1954 التقى بصديقته (الليدا) Aleida التي تزوجها لاحقاً، وكان تشي جيفارا قد التقى بكاسترو بعد فشل المحاولة الثورية الأولى واعتقال عدد من القيادات الثورية بينهم كاسترو وجيفارا وراؤول في المكسيك، وهناك اتفقا في عهدٍ لا انفصام فيه على مشروع الثورة، التي كان كاسترو منظّرها ومحاميها وكان تشي جيفارا أحد أبطالها وطبيبها.
في شهر كانون الأول (ديسمبر) العام 1956 غادرت ثلة من الثوار باتجاه الشواطئ الكوبية، وكان عددهم 82، وكانت المفاجأة ترصّد رجال باتيستا لهم، فتفرق شملهم ولم يبقَ منهم إلا 21 مناضلاً، كما سبق ذكره. بعد الثورة حظي تشي جيفارا بمكانة كبيرة وأصبح رمزاً لجيل الشباب الثوري، ليس في أميركا اللاتينية فحسب، بل في العالم أجمع، لدرجة أن تقليعة شعره وقبعته العسكرية أصبحتا أحد موديلات العصر. لم يطق أن يكون وزيراً للصناعة ومسؤولاً في الحزب والدولة التي شهدت تحالفاً ثورياً جديداً بانضمام المجاميع الثورية بما فيها الحزب الشيوعي إلى جناح فيدل كاسترو وتتويجه زعيماً على البلاد دون منازع، وقد يكون ذلك أحد أخطاء الثورة التي أنهت عهد التعددية والمنافسة المشروعة ودفعت البلاد باتجاه الواحدية والمركزية والصرامة والحزب الواحد، وزاد من هذا التوجه السلطوي الشمولي، استمرار الحصار الأميركي الجائر، وما تركه من تأثيرات سلبية عميقة، نفسية واجتماعية على المجتمع الكوبـي.
وعلى الرغم من التصالح الكوبي- السوفييتي فإن موقف تشي جيفارا والثورة الكوبية ظلّ ملتبساً بالنسبة للحركة الشيوعية العالمية، قبل وبُعيد أزمة الصواريخ العام 1962. وعندما زار كاسترو الاتحاد السوفييتي في زيارة سرّية استغرقت مدة 35 يوماً، عاد وقلبه مملوء بالقيح للبيروقراطية والفوارق الطبقية بين القيادات والجماهير، وتبددّ الحلم الثوري، خصوصاً في ظل تفاقم الصعوبات والأخطاء والتحديات.
أما عندما زار تشي جيفارا الاتحاد السوفييتي لأول مرّة فقد استقبله أمين عام الحزب نيكيتا خروشوف بالأحضان، ولم يكن هو مرتاحاً من تلك الزيارة، وانتقد الأوضاع كثيراً وعبّر عن تبرمه، الأمر الذي لم يحبّذه السوفييت، الذين كانوا يرغبون في أن يقدّم إليهم زعماء الأحزاب الشيوعية الولاء والطاعة ويعلنون جهاراً نهاراً عن تأييد كامل سياساتهم وتوجهاتهم، حتى إزاء بلدانهم أحياناً.
في الزيارة الثانية لم يستقبله أي مسؤول سوفييتي كبير واكتفوا بموظف حزبـي من وزارة الخارجية، لأن حبل الودّ بينه وبينهم قد انقطع، وذلك جزء من عدم الارتياح سواءً اتفق ذلك أو تعارض مع البروتوكول الدبلوماسي، فالمركز الأممي لم تكن تهمّه كثيراً مثل تلك الاعتبارات، لاسيّما في ظل بيروقراطية الدولة وآلتها التي أكلت الثوريين، فتحولوا في الكثير من الأحيان إلى مجرد موظفين لا قلب لهم، في حين كان جيفارا يضع قلبه وعقله في مكان واحد.
وعندما قرر تشي جيفارا الذهاب إلى الكونغو لم يُطلع السوفييت على سرّ رحلته، الأمر الذي أغاظهم كثيراً، وحاولوا النيل منه لأنه حسب التبريرات السائدة فإنَّ خطوته كانت تهديداً لسياسة التعايش السلمي، وهو الموضوع الذي كانوا يحرصون عليه أشد الحرص، حتى قيل إنهم كانوا لا يتورّعون عن إعلان معارضتهم لسياسات حلفائهم «انسجاماً» مع ما سُمّي «سياسة الوفاق الدولي» . أما في بوليفيا فقد كانت المسألة أكثر سوءًا حين اتّخذ الحزب الشيوعي البوليفي موقفاً أقرب إلى العداء، وأكثر من النقد والاختلاف الفكري من تشي جيفارا، وأشيع في حينها أن كشف مكان تشي جيفارا الذي بذلت فيه الــــ CIA جهوداً مضنية لم يكن بمعزل عن تواطؤ مباشر أو غير مباشر مع الــــ KGB عبر اختراقات ملتبسة ومعقدة، بالرغم من أن هذه المسألة لم تظهر حولها دراسات كافية حتى الآن، لاسيّما من جانب الأوساط المتنفذة آنذاك، وهو ما حاولت أن أناقش فيه مرافقي إدواردو البالغ من العمر 45 عاماً والمتحدث الممتاز باللغة الإنجليزية، الذي رافقني من منتجع فراديرو، إلى مدينة سانتا كلارا الشهيرة في محافظة فيلّا كلارا، إلى مدينة ترينداد التاريخية الجميلة، والتي كانت ضمن إحدى خطط الـ CIA لغزو كوبا في الستينيات.
في 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 1967 أعلن عن مقتل تشي جيفارا ولم يعثر على رفاته إلا بعد مرور 30 عاماً أي في العام 1997 فنقل إلى مقبرة سانتا كلارا وإلى جانبه صديقته الألمانية تمارا بونكر المعروفة باسمها الحركي «تانيا» التي ربطته بها علاقة متميزة وأثيرة.
إن صورة جيفارا الشهيرة التي التقطها المصور كوردا تجوب العالم اليوم، وهي تعود مثل طائر العنقاء تحط على الصدور والقمصان والمحفظات وعلب الموسيقى وتتصدر بروشورات العروض المسرحية (الكتيبات الدعائية) والأفلام وقصائد الشعر والروايات والمنحوتات والدراسات والأبحاث. إن صورة جيفارا اليوم تزيّن البيوت والمكاتب والقاعات والساحات، والأهم من ذلك أنها تسكن في قلوب النساء والرجال، ولاسيّما الشباب منهم من ألوان وأجناس وأمم وشعوب وقوميات ولغات وأديان شتى.
وهذه الصورة ليست للتسويق أو «الماركيتنغ» (Marketing) كما يتمّ التداول، بل تختزل كل الأشياء الآن، فهي لرمز صنع نفسه وصنعته الأحداث، لبطولة ورومانسية ومثالية نادرة، لذلك الحلم الغامض الذي ظل يلفّ كل عقل جيفارا، وكان يردد ما كان إنجلز (Friedrich Engles) يكتبه: «السعادة في النضال والتعاسة في الخنوع».
إن صورة جيفارا ليست مدفوعة الثمن، إنها ملك مشاع لكل من يرغب للتمثل به أو إحياء ذكراه.
* * *
Page 10
الاشتراكية وأسئلة التنمية!
كان خيار الاشتراكية في كوبا منعطفاً جديداً في مواجهة محاولات التحدي الأميركية، لكن الإشكالية الأساسية التي واجهتها التجربة الكوبية، وهي تخطو خطواتها الأولى نحو الاشتراكية، هي أية إدارية اقتصادية يمكنها النهوض بهذه المهمة المعقّدة والعويصة، خصوصاً تلك التي يمكن أن تساهم في تسريع التنمية وتحقيق منافع تعود على الإنسان بالرفاه، وتلبّي حقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟. ولعلّ ذلك كان أحد الأسئلة الكبرى التي واجهت مسألة التنمية وخياراتها الاشتراكية على مستوى العالمي.
لم يكن قد تبلور بعد نموذج اشتراكي واضح، صالح للاقتباس أو الاقتداء به، فالتجربة السوفييتية والتجربة الصينية، كانتا محطّ نقد ومراجعات كوبية، من جانب فيدل كاسترو وجيفارا وغيرهما. وكان الأخير من خلال مطارحاته ومداخلاته الرسمية وغير الرسمية في الغالب، يعبّر عن قلق وشكوك بما تحقق من منجزات، فضلاً عن ضعف ثقة، لاسيّما بما هو قائم، ولم يكن يخفي بعض هواجسه وهمومه، بل أخذ يعبّر عنها تصريحاً أو تلميحاً، ويطرح أسئلة محرجة، تستفز العقل وتدعو لتخطّي نمط التفكير السائد، لاسيّما من خلال النقد وإعادة القراءة والتأويل.
طرح جيفارا نظام التمويل بالميزانية كحل لتحدّي مرحلة الانتقال الاشتراكي، وذلك بديلاً ومعارضاً لنظام التمويل الذاتي المطبّق في الاتحاد السوفييتي وبعض البلدان الاشتراكية، ولعلّ الاختلاف بينهما واضح وجليّ.
ربما تعود فكرة التمويل بالميزانية إلى نـزعة جيفارا الرومانسية، إلّا أنه كان يريدها ضمانة لتأمين الاحتياجات الأساسية والعاجلة للسكان، لاسيّما في ظل التحدّيات الكبرى التي تواجهها الثورة، وبشكل خاص بعد الحصار الأميركي الذي أخذ يشد وثاقه عليها.
ولم يقترح جيفارا نظام التمويل بالميزانية كشيء مطلق، لكنه اعتقد أنه يصلح لكوبا، وربما لبعض دول العالم الثالث، التي تعيش ظروفاً مشابهة، ولعلّه حاول استباق الأمور قبل أن يستفحل النموذج السوفييتي الذي كان مؤثراً، لما سيتركه من آثار سلبية على التنمية المستقبلية.
وفي هذا الصدد يمكن حصر جوهر الخلاف مع النموذج السوفييتي فيما يتعلق بقانون القيمة، وحسب مسعد عربيد، فإن عدداً من المسائل تمحورت في هذا الصدد تتعلق بظروف القانون والمجالات التي يسري فيها مفعوله، ثم مدى قدرته على ضبط الإنتاج، وعلاقته بالخطة الاقتصادية، وأخيراً مدى صلاحه من عدمه؟ (أي رفضه أو الإبقاء عليه).
يقول جيفارا إنَّ قانون القيمة من مخلّفات التشكيلة الرأسمالية، حيث يتمّ العمل به في السوق الحرة، وذلك سيكون نقيضاً للتحوّل الاشتراكي الذي يفترض إلغاء الأسواق الحرة، وبالتالي إبطال مفعول قانون القيمة، ولكنه يستدرك أن بالإمكان تطبيقه على نحو مؤقت في المرحلة الانتقالية، على أن تتجه الخطة لتقويضه لاحقاً، في حين أن السوفييت ظلّوا حتى سنوات الستينيات يعتقدون أن قانون القيمة يقوم بمهمة ضبط الإنتاج، وأن السلع ستكون خاضعة له حتى تتحقق المرحلة الشيوعية.
وقد عارض جيفارا اعتبار قانون القيمة ضابطاً للإنتاج في القطاع الاشتراكي، ومن الضروري تحليل وتدقيق كلفة الإنتاج، الذي لا ينبغي بالضرورة، أن يتناسب مع سعر السلعة، وبعكس ذلك سيتم تكريس الرأسمالية، وسيصبح من المستحيل التغلب على الفوارق بين القطاعات الاقتصادية.
لقد نضجت فكرة نظام التمويل بالميزانية نقيضاً للتمويل الذاتي خلال مناقشات ما سميّ بالجدل الكبير، وهو ما حاول جيفارا إعطاءه عصارة فكره واجتهاده وجهده النظري، على الرغم من وجود اعتراضات وتحدّيات واجهته.
ويقوم نظام التمويل بالميزانية على فكرة مفادها قيام الاقتصاد الكوبـي بالإنتاج عبر وحدات إنتاجية (مؤسسات أو شركات) منتظمة في قطاعات مختلفة حسب التخصص الصناعي، يكون تمويلها مركزياً، وكذلك ضبط وظيفتها وأدائها، أي أن تكون جزءاً من تخطيط مركزي حقيقي. ويستخدم هذا النظام النقود كوسيلة حسابية، وظيفتها مسك الدفاتر والتعبير عن السعر كمؤشر لأداء الوحدة الإنتاجية، أي أن النقود تكون بيد السلطة التخطيطية المركزية، التي تستخدم الدراسات والتحليلات وتخطيط الأجهزة المركزية، وهكذا تكون الشركات بلا رصيد أو صندوق نقدي، وليس بمقدورها الاستدانة، لكن التبادل بينها سيكون بضائعياً وليس نقدياً، ويعتقد جيفارا أن هذا هو الذي سيلغي قانون القيمة.
لكن المصارف تحتفظ بحسابات سحب وإيداع للشركات وفقاً لخطة الإنتاج الوطنية الشاملة، المرتبطة بالدولة. ويردُّ على موضوع الحوافز المادية: الجماعية والفردية للعامل «كفرد» أو كمجموعة عمال في وحدة إنتاجية معينة ويعتبرها في الجوهر تنازلاً ضرورياً، أو بحكم الضرورة، لا يتعلق بالأجور أو دفع المكافآت فحسب، ولا علاقة له كرافعة أساسية للإنتاج أو رفع الإنتاجية، ويكون التدريب والتأهيل المهني إلزامياً، كما هو شرط للترقية في العمل والتدرّج في الوظائف، لكن جيفارا يركز على الحوافز المعنوية ويعطيها دوراً كبيراً، لأنها تساعد على تعزيز وتنمية الوعي الاشتراكي من خلال آليات للعمل الطوعي لخلق الإنسان الاشتراكي.
وبهذا المعنى فإن قانون القيمة حسب جيفارا يبقى في المرحلة الانتقالية مؤقتاً ومحدوداً، أو يُطبّق على نحو جزئي، ويعد السبب في ذلك إلى الثقافة الاستهلاكية السائدة ورواسب مجتمع السلع الرأسمالي، لكن الخطط الاقتصادية التي تشكل النقيض الأيديولوجي لقانون القيمة والعلاقات الاجتماعية الجديدة كفيلان بتجاوزه ودحضه.
وبخصوص الأسعار فإن نظام التمويل بالميزانية يحاول الإبقاء على أسعار المواد الخام كما هي في السوق العالمية، ويبرر جيفارا ذلك بالقول «للضرورة أحكام»، خصوصاً للتعاطي مع قانون القيمة الرأسمالي العالمي، إذ إن أسعار المنتجات تتحدد تبعاً لكلفتها، وليس على أساس الربح، وهو ما يجب مقارنته بالأسعار العالمية، سواءً لسعر الجملة وطبقاً لاحتياجات المجتمع الأساسية أو غيرها.
ولم يتردد جيفارا بعد مشاهدات عديدة في الاتحاد السوفييتي وفيما بعد في تشيكوسلوفاكيا من نقد موضوع المزارع التعاونية (الكولخوزات) (Collective farm) التي تمّ تأسيسها في مطلع العشرينيات من القرن العشرين، ويتلخص رأيه أن نظام الكولخوز هو نظام سوفييتي وليس اشتراكياً، وبالتالي لا يجوز تعميم التجربة. وكان دليل الاقتصاد السوفييتي قد حاول الخلط باستمرار بين ما يطلق عليه النظرية الاشتراكية وبين التجربة السوفييتية.
ويرى جيفارا ضرورة تحويل الملكية الجماعية (التعاونيات) إلى ملكية اجتماعية (تحت هيمنة الدولة) وبذلك يعتبر جيفارا أكثر تشدداً إزاء موضوع الحوافز المادية ودور الفرد من الاتحاد السوفييتي الذي بالرغم من شموليته، إلّا أنه حاول إعطاء متنفس أو إيجاد فرصة للإبقاء على بعض هوامش الملكية الفردية، وهو ما ينتقده جيفارا، وما يمكن اعتباره الاتجاه الأكثر راديكالية وتطرفاً إزاء التحول الاشتراكي، حيث كان جيفارا أكثر إسقاطاً لرغباته على الواقع؛ فالكولخوزات نظرياً اتحاد مزارعين في جمعية تعاونية، يسهمون في الإنتاج ويحصلون على جزء منه وعلى جزء من الأرباح، كما يمكنهم الحصول على مساحة معينة من الأراضي المحددة (ملكية خاصة) والاحتفاظ ببعض المواشي، وهو ما انتقده جيفارا.
لعلّ هذا هو النموذج الجيفاري- الكاستروي (الكوبـي) للتجربة الاشتراكية في فهمهما الستيني، في حين كان النموذج السوفييتي يقوم على التمويل الذاتي لكل وحدة إنتاجية، حيث تعتبر هذه كياناً خاصاً ذا هوية قانونية مستقلة وهي المسؤولة عن تمويل ذاتها.
ويرجّح النموذج السوفييتي استخدام النقود وسيلة للدفع، وأيضاً وسيلة للحسابات ومسك الدفاتر، كما يستخدم كآلية، لاسيّما في ظل استمرار قانون القيمة، الذي يعتبر سببه حسب ترجيح السوفييت هو التخلف التكنولوجي والعلمي والثقافي الذي لا يزال مستمراً في مرحلة الانتقال إلى الاشتراكية، كما لا بدّ من مراعاة القانون في تقييم الخطة الاقتصادية، وضرورة بقاء العلاقات السلعية بين جميع الوحدات الإنتاجية والمؤسسات والشركات الربحية الحالية، وهي المفتاح لتقديم الإنتاج وتحفيزه.
وتشبه علاقات البنوك مع الشركات إلى حد كبير، العلاقة القائمة بين المنتج الخاص والبنك الرأسمالي؛ وبمقدور الشركات الاستلاف من البنوك شريطة إثبات قدرتها على الإيفاء بالديون ووضع خطة مالية ونقدية، الّا أن هذه القرارات تتم وفق خطة وطنية.
وتتحد الأسعار طبقاً لقانون القيمة ذاته ويتحدد السعر للمستهلك بحسب قانوني العرض والطلب.
كان خيار الاشتراكية في كوبا منعطفاً جديداً في مواجهة محاولات التحدي الأميركية، لكن الإشكالية الأساسية التي واجهتها التجربة الكوبية، وهي تخطو خطواتها الأولى نحو الاشتراكية، هي أية إدارية اقتصادية يمكنها النهوض بهذه المهمة المعقّدة والعويصة، خصوصاً تلك التي يمكن أن تساهم في تسريع التنمية وتحقيق منافع تعود على الإنسان بالرفاه، وتلبّي حقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟. ولعلّ ذلك كان أحد الأسئلة الكبرى التي واجهت مسألة التنمية وخياراتها الاشتراكية على مستوى العالمي.
لم يكن قد تبلور بعد نموذج اشتراكي واضح، صالح للاقتباس أو الاقتداء به، فالتجربة السوفييتية والتجربة الصينية، كانتا محطّ نقد ومراجعات كوبية، من جانب فيدل كاسترو وجيفارا وغيرهما. وكان الأخير من خلال مطارحاته ومداخلاته الرسمية وغير الرسمية في الغالب، يعبّر عن قلق وشكوك بما تحقق من منجزات، فضلاً عن ضعف ثقة، لاسيّما بما هو قائم، ولم يكن يخفي بعض هواجسه وهمومه، بل أخذ يعبّر عنها تصريحاً أو تلميحاً، ويطرح أسئلة محرجة، تستفز العقل وتدعو لتخطّي نمط التفكير السائد، لاسيّما من خلال النقد وإعادة القراءة والتأويل.
طرح جيفارا نظام التمويل بالميزانية كحل لتحدّي مرحلة الانتقال الاشتراكي، وذلك بديلاً ومعارضاً لنظام التمويل الذاتي المطبّق في الاتحاد السوفييتي وبعض البلدان الاشتراكية، ولعلّ الاختلاف بينهما واضح وجليّ.
ربما تعود فكرة التمويل بالميزانية إلى نـزعة جيفارا الرومانسية، إلّا أنه كان يريدها ضمانة لتأمين الاحتياجات الأساسية والعاجلة للسكان، لاسيّما في ظل التحدّيات الكبرى التي تواجهها الثورة، وبشكل خاص بعد الحصار الأميركي الذي أخذ يشد وثاقه عليها.
ولم يقترح جيفارا نظام التمويل بالميزانية كشيء مطلق، لكنه اعتقد أنه يصلح لكوبا، وربما لبعض دول العالم الثالث، التي تعيش ظروفاً مشابهة، ولعلّه حاول استباق الأمور قبل أن يستفحل النموذج السوفييتي الذي كان مؤثراً، لما سيتركه من آثار سلبية على التنمية المستقبلية.
وفي هذا الصدد يمكن حصر جوهر الخلاف مع النموذج السوفييتي فيما يتعلق بقانون القيمة، وحسب مسعد عربيد، فإن عدداً من المسائل تمحورت في هذا الصدد تتعلق بظروف القانون والمجالات التي يسري فيها مفعوله، ثم مدى قدرته على ضبط الإنتاج، وعلاقته بالخطة الاقتصادية، وأخيراً مدى صلاحه من عدمه؟ (أي رفضه أو الإبقاء عليه).
يقول جيفارا إنَّ قانون القيمة من مخلّفات التشكيلة الرأسمالية، حيث يتمّ العمل به في السوق الحرة، وذلك سيكون نقيضاً للتحوّل الاشتراكي الذي يفترض إلغاء الأسواق الحرة، وبالتالي إبطال مفعول قانون القيمة، ولكنه يستدرك أن بالإمكان تطبيقه على نحو مؤقت في المرحلة الانتقالية، على أن تتجه الخطة لتقويضه لاحقاً، في حين أن السوفييت ظلّوا حتى سنوات الستينيات يعتقدون أن قانون القيمة يقوم بمهمة ضبط الإنتاج، وأن السلع ستكون خاضعة له حتى تتحقق المرحلة الشيوعية.
وقد عارض جيفارا اعتبار قانون القيمة ضابطاً للإنتاج في القطاع الاشتراكي، ومن الضروري تحليل وتدقيق كلفة الإنتاج، الذي لا ينبغي بالضرورة، أن يتناسب مع سعر السلعة، وبعكس ذلك سيتم تكريس الرأسمالية، وسيصبح من المستحيل التغلب على الفوارق بين القطاعات الاقتصادية.
لقد نضجت فكرة نظام التمويل بالميزانية نقيضاً للتمويل الذاتي خلال مناقشات ما سميّ بالجدل الكبير، وهو ما حاول جيفارا إعطاءه عصارة فكره واجتهاده وجهده النظري، على الرغم من وجود اعتراضات وتحدّيات واجهته.
ويقوم نظام التمويل بالميزانية على فكرة مفادها قيام الاقتصاد الكوبـي بالإنتاج عبر وحدات إنتاجية (مؤسسات أو شركات) منتظمة في قطاعات مختلفة حسب التخصص الصناعي، يكون تمويلها مركزياً، وكذلك ضبط وظيفتها وأدائها، أي أن تكون جزءاً من تخطيط مركزي حقيقي. ويستخدم هذا النظام النقود كوسيلة حسابية، وظيفتها مسك الدفاتر والتعبير عن السعر كمؤشر لأداء الوحدة الإنتاجية، أي أن النقود تكون بيد السلطة التخطيطية المركزية، التي تستخدم الدراسات والتحليلات وتخطيط الأجهزة المركزية، وهكذا تكون الشركات بلا رصيد أو صندوق نقدي، وليس بمقدورها الاستدانة، لكن التبادل بينها سيكون بضائعياً وليس نقدياً، ويعتقد جيفارا أن هذا هو الذي سيلغي قانون القيمة.
لكن المصارف تحتفظ بحسابات سحب وإيداع للشركات وفقاً لخطة الإنتاج الوطنية الشاملة، المرتبطة بالدولة. ويردُّ على موضوع الحوافز المادية: الجماعية والفردية للعامل «كفرد» أو كمجموعة عمال في وحدة إنتاجية معينة ويعتبرها في الجوهر تنازلاً ضرورياً، أو بحكم الضرورة، لا يتعلق بالأجور أو دفع المكافآت فحسب، ولا علاقة له كرافعة أساسية للإنتاج أو رفع الإنتاجية، ويكون التدريب والتأهيل المهني إلزامياً، كما هو شرط للترقية في العمل والتدرّج في الوظائف، لكن جيفارا يركز على الحوافز المعنوية ويعطيها دوراً كبيراً، لأنها تساعد على تعزيز وتنمية الوعي الاشتراكي من خلال آليات للعمل الطوعي لخلق الإنسان الاشتراكي.
وبهذا المعنى فإن قانون القيمة حسب جيفارا يبقى في المرحلة الانتقالية مؤقتاً ومحدوداً، أو يُطبّق على نحو جزئي، ويعد السبب في ذلك إلى الثقافة الاستهلاكية السائدة ورواسب مجتمع السلع الرأسمالي، لكن الخطط الاقتصادية التي تشكل النقيض الأيديولوجي لقانون القيمة والعلاقات الاجتماعية الجديدة كفيلان بتجاوزه ودحضه.
وبخصوص الأسعار فإن نظام التمويل بالميزانية يحاول الإبقاء على أسعار المواد الخام كما هي في السوق العالمية، ويبرر جيفارا ذلك بالقول «للضرورة أحكام»، خصوصاً للتعاطي مع قانون القيمة الرأسمالي العالمي، إذ إن أسعار المنتجات تتحدد تبعاً لكلفتها، وليس على أساس الربح، وهو ما يجب مقارنته بالأسعار العالمية، سواءً لسعر الجملة وطبقاً لاحتياجات المجتمع الأساسية أو غيرها.
ولم يتردد جيفارا بعد مشاهدات عديدة في الاتحاد السوفييتي وفيما بعد في تشيكوسلوفاكيا من نقد موضوع المزارع التعاونية (الكولخوزات) (Collective farm) التي تمّ تأسيسها في مطلع العشرينيات من القرن العشرين، ويتلخص رأيه أن نظام الكولخوز هو نظام سوفييتي وليس اشتراكياً، وبالتالي لا يجوز تعميم التجربة. وكان دليل الاقتصاد السوفييتي قد حاول الخلط باستمرار بين ما يطلق عليه النظرية الاشتراكية وبين التجربة السوفييتية.
ويرى جيفارا ضرورة تحويل الملكية الجماعية (التعاونيات) إلى ملكية اجتماعية (تحت هيمنة الدولة) وبذلك يعتبر جيفارا أكثر تشدداً إزاء موضوع الحوافز المادية ودور الفرد من الاتحاد السوفييتي الذي بالرغم من شموليته، إلّا أنه حاول إعطاء متنفس أو إيجاد فرصة للإبقاء على بعض هوامش الملكية الفردية، وهو ما ينتقده جيفارا، وما يمكن اعتباره الاتجاه الأكثر راديكالية وتطرفاً إزاء التحول الاشتراكي، حيث كان جيفارا أكثر إسقاطاً لرغباته على الواقع؛ فالكولخوزات نظرياً اتحاد مزارعين في جمعية تعاونية، يسهمون في الإنتاج ويحصلون على جزء منه وعلى جزء من الأرباح، كما يمكنهم الحصول على مساحة معينة من الأراضي المحددة (ملكية خاصة) والاحتفاظ ببعض المواشي، وهو ما انتقده جيفارا.
لعلّ هذا هو النموذج الجيفاري- الكاستروي (الكوبـي) للتجربة الاشتراكية في فهمهما الستيني، في حين كان النموذج السوفييتي يقوم على التمويل الذاتي لكل وحدة إنتاجية، حيث تعتبر هذه كياناً خاصاً ذا هوية قانونية مستقلة وهي المسؤولة عن تمويل ذاتها.
ويرجّح النموذج السوفييتي استخدام النقود وسيلة للدفع، وأيضاً وسيلة للحسابات ومسك الدفاتر، كما يستخدم كآلية، لاسيّما في ظل استمرار قانون القيمة، الذي يعتبر سببه حسب ترجيح السوفييت هو التخلف التكنولوجي والعلمي والثقافي الذي لا يزال مستمراً في مرحلة الانتقال إلى الاشتراكية، كما لا بدّ من مراعاة القانون في تقييم الخطة الاقتصادية، وضرورة بقاء العلاقات السلعية بين جميع الوحدات الإنتاجية والمؤسسات والشركات الربحية الحالية، وهي المفتاح لتقديم الإنتاج وتحفيزه.
وتشبه علاقات البنوك مع الشركات إلى حد كبير، العلاقة القائمة بين المنتج الخاص والبنك الرأسمالي؛ وبمقدور الشركات الاستلاف من البنوك شريطة إثبات قدرتها على الإيفاء بالديون ووضع خطة مالية ونقدية، الّا أن هذه القرارات تتم وفق خطة وطنية.
وتتحد الأسعار طبقاً لقانون القيمة ذاته ويتحدد السعر للمستهلك بحسب قانوني العرض والطلب.