eKtab
EN ع
كوخ في عطارد
Read free sample

كوخ في عطارد

by لبنى السحار

Page 1

إهداء

كبداية أحمد الله الكريم أن وفقني في تحقيق حلمي وأدعوه أن يأخذ بيدي نحو القادم...

أهدي كتابـي هذا بكل مافيه من يأس وتفاؤل وحقائق موجعة ومبهجة وتجارب إنسانية وأحلام سوداء وأمنيات بنفسجية إلى جميع بني البشر على اختلاف جنسياتهم وفصائلهم وأديانهم ومبادئهم، وأخص منهم كل من كان له دور مباشر أو غير مباشر في ولادة هذا الكتاب.

كما أشكر كل من ساعدني على استشعار وجود الأمل في الممرات الضيقة الموحشة، وكل العرفان لمن دلني على طرق جديدة لم أكن لأراها دون إرشاده أو الاتكاء على عكازه، ولن أمنع نفسي من شكر من جعلني أرتدي نظارتي السوداء لوقت طويل، التي لولاه ولولاها لما ظهرت كل الثقوب على السطح، كما أرفع قبعتي لذلك الذي رماني وسط المحيط وهرب- سواء إن كان بحسن نية أو عن قصد وسبق إصرار وترصد- كل التحية والتقدير لشخصك الكريم- أيما تكون وأينما كنت- لأنك أجبرتني على تعلم أساسيات السباحة والاحتفاظ بعدد كبير من الدروع الواقية في خزانتي.

شكرًا لأمي ولأبـي ولأخوتي، شكرًا لمديري وأصدقائي، شكرًا لجدة شكرًا لغرفتي شكرًا لفلسطين شكرًا لمصر شكرًا للغة العربية والفُرقَة العربية.

أهدي كل كلمة وكل فعل وكل حرف جر وكل مضاف ومضاف إليه وكل علامة استفهام وكل ثقب وكل قرار هنا إلى من يعرفني ولا يعرفني، ولكل من تأثرت بشخصه أو كتاباته أو آرائه أو تصرفاته (سلبًا أو إيجابًا).

شكر خاص إلى الرّوائيِّ أمير تاج السر والكاتب محمد عبد القوي مصيلحي والكاتب حجي جابر والصديق خالد كُلاب والصديقة مروة السَيوري وأختي ورفيقتي في صفوف الانتظار هبة السَّحار، وشكر بألوان قوس قزح للأستاذ كريم العنيسي لأنه كان مصدر الشرارة الأولى.

وزنبقة إلى روح كلٍّ من محمود درويش ونـزار قباني وجلال عامر وأنيس منصور.

Page 2

مُقدمة

تتسبب الحياة لنا أحيانا بثقوب وشقوق بشعة وعميقة، حتى نظن أنه لايمكن ترميمها بأي حال من الأحوال، فنستسلم ونتركها كما هي مؤكدين لأنفسنا بأنه من المستحيل أن نُولدَ من جديد في هكذا ظروف، ولكننا مع الوقت وقليل من الصبر نجد أن الحياة نفسها- وبالتعاون مع قلوبنا وعقولنا- هي من تقوم بعمليات الإصلاح والتغيير والتجديد، حتى أن بعض تلك الثقوب يختفي كأنه لم يكن والبعض الآخر يترك أثرًا طفيفًا -فقط- كي يذكرنا دائمًا بأننا بشر نخطئ ونتراجع ونعود لنخطئ.

إن ما صيغ هنا هو عبارة عن كلمات شبه متقاطعة خرجتْ من مكان ما في ظرف ما نتيجة حدث ما أو انفعال ما في الماضي أو الحاضر أو المستقبل، أو ربما صدفة بحتة كرد فعل عن اللا شيء المحيط بـي، كل ما قمتُ به هو أني أذنتُ لها بالانطلاق والتحرر من كل الأغلال والعادات والقيود الموروثة، لم أحاول أبدًا أن أُجمّلها أو أن أهيِّئ لها الأجواء المناسبة، تركتها تسرح وتمرح بينكم على أمل أن تستقبلوها بحفاوة.

فهمكم لدلالتها يعني أنها تشبهكم وأنكم تشبهون الإنسان بداخلكم، وازدراؤكم لها يعني بشكل أو بآخر تنكركم لإنسانيتكم.

هي عبارات ملونة اجتمعت مع بعضها بطريقة عشوائية وكانت نتيجة ذلك الاجتماع خروج قرارات لطالما كانت ولاداتها متعسرة.

لقد زوجتُ الداخل للخارج وعرفتُ القاصي بالداني، لم يعد القديم قديمًا ولا مانظنه جديدًا ظلّ جديدًا، حدثتُ الماضي وغيرتُ من الصيحات، سجلت اعترافاتكم واعترافاتي وفرغتُ طاقات لطالما كانت مكبوتة، نبشت في القبور وعثرت على الكثير من الحقائق المدفونة، الثوابت نقضتها باحتمالات وبعض المصادفات تحولت إلى نظريات، أطلقتُ الأشرعة الساكنة وابتلعتُ جميع أنواع المهدئات، سمحتُ للجميع بأن يتخطي حدوده ولم أفرض عليهم أيّ عقوبات أو غرامات، فكانت النتيجة أن خرجتْ عباراتي مثقوبة ومبعثرة، تستقيم أحيانا وتسقط أحيانا أخرى ومع كلّ ارتطام كانت تتدحرج طويلًا ومن ثمّ تقف شامخة لترقص باحتراف على الحبال المطاطية.

لستُ بشاعرة، قررتْ أن تقضي الباقي من عمرها بين قوافلَ وقوافٍ ونصوص ولكنني شاعرة من (يشعر شعر شعور).

ولستُ قاصّة أو روائية تفصل الحكايا وتخلق الأحداث المتواترة بسلاسة منقطعة النظير، ربما أكون صائدة ماهرة للمشاعر والمواقف الإنسانية، أحاول أن أغزل ما أجمعه في سلتي على هيئة أقصوصات وعبارات فوضوية، لذلك أرجوكم لا تبحثوا بين سطوري على سجع مباشر أو غير مباشر، ولا تنتظروا أن تطربوا لوزن أو قافية ولا تسلطوا عدساتكم المكبرة على النصوص لتجدوا عقدة أو حبكة روائية.

قررتُ أن أمارسَ الأفعال وأرسم الأفكار بطريقة مبتكرة تسمح بوجود ممرات بين العبارات كي تتنفس الكلمات الهواءَ وتستنشقوها وأنتم في أبهى حلة.

فلتتشربها حواسكم كما هي ولتوافوني بالنتائج لاحقًا.

ثمّة حرائق محمودة أوّلها وأهمّها احتراق روح عاشت عمرًا كاملًا وسط الجليد وبناءًا عليه قررتُ أن احترق وأحرقكم.

لا تتوقفوا في منتصف الرحلة لأن العبرة دائمًا بالخواتيم.

(في العمق أسرار وطلاسم لا يستخرجها إلا محنك لا يهاب الموت).

الانكماشُ والتمدد أزهق أرواحًا كثيرة كان الناس يظنون أنها خضراء لا تيبس،

فكيف هو حال الروح التي لم تجرب إلا التقلصات؟!

أصبحتْ بالكاد تُرى ولازالتْ تقاوم التغيرات المناخية، رائحة الاحتراق تفوح من نوافذ قلبها ولازالت تنبض، تزورها وجوه عابرة تواسيها لمجرد كسب الأجر ولكنها تركلهم دون تردد.

لقد أخبرتني ذات ليلة أنها لاتريدُ شيئًا منا وأنها اكتفتْ بشرف النضال من أجل البقاء.

وربما الخلود.

(سامحوني لأنني لم أستطع البقاء في صفوف الملائكة طويلًا، تركتهم وجئت لأمارس طقوس إنسانيتي هنا معكم).

تحية من أعماق القلب لكل من فشل في التمثيل، وقبلة لأولئك الذين يرفضون زيارة أسواق بيع الأقنعة.

جدة- صفر 1434هـ- يناير 2013 م

[email protected]

Page 3

عندما تغربُ الشمس سأسْتعير سُلمك

سأصعد بهدوء لأقطف أول ثمرة

لن أكتفي بالظل

سأركض وسأصل

حظي سيِّئ ولكنني سأصل

البشرُ الحقيقيون ينتظرونني هناك

وأنا أيضًا أطمح للقاء نفسي الحقيقية

لن أشتري حقائب فاخرة

ولا أريد مزيدا من مستحضرات التجميل

سنجتمع على طاولة مربعة لأنني كرهتُ الطاولات المستديرة

أعددتُ خبزًا وزيتونًا

سنحتسي القهوة عربية

ربما يكون الوقت متأخرا ولكن اللقاءات في المساء أشهى

لا تجلبوا معكم سكاكين،

سنسمح للحضور فقط بشراء الورود الطبيعية

سنلتقي قريبا

مع أنني اعتدتُ الكذب ولكنني هذه المرة أحدثكم من السماء

...

صَدقوني سنلتقي

أبشّركم لا زلتُ أحلم بطلاقة ولهذا السبب فقط أنا حَية

"إنْ أَطلتَ التّأمُّل في الوردَةِ

لَنْ تُزحْزِحَكَ العَاصِفَة"

محمود درويش

Page 4

-1- الحُرِّيَّة أَوّلًا

كُلّ ما أتمناه (منكم) أن أبقى (أنا)

وأنْ لا تجبروني أن أصير نسخة من (هم)

البقعةُ البيضاء ظهرت

رأيت بذرة تنمو وأخرى تموت

رميتُ الأوراق القديمة وحملت حقائبـي الخاوية

لا تودعوني

تذاكري في جيبـي

لم تسقط مني رغم أنني سقطت ألف مرة

انتهى مفعول الخرزة الزرقاء

وحان وقت الانتفاضة

أرضكم غير صالحة للصلاة ولا للزراعة

في القبر لن أذكر كم مرة شكرتموني

سأذكر كم مرة قفزت فيها

أعطوني المفتاح وترنموا أنتم بتعويذاتكم السماوية

إن خفتَ فلا يحقُّ لك أن تتنفس

وإن تقهقرتِ فلا يجوز لكِ أن تُمثّلينا.

ابحثوا عن الخريطة داخلكم وخارجكم وكونوا مستعدين لدفع ثمن أغلى تذاكر سفر يُمكن أن تُشترى، فالحرّيّة زَادٌ لا يَسْتَطعِمُه إلا الذّوّاقَة.

قبل أن تفندوا البنود وتبدؤوا بسرد التفاصيل، أُلفتُ انتباهكم بأن جميع ما ستذكرونه لا يعنيني بأي شكل من الأشكال، كل ما يعنيني في هذه الحقبة الزمنية هو أن أعيش في صفاء مع نفسي وأفكارها التي تراودني فجأة وتوسوس لي بفعل اللامألوف والخروج عن سياق الموروث

ولتفسحوا لي المجال أن أبدأ أنا...

اسمعوا ما سأقوله ولا تقاطعوني

إن سماحكم لي بالتحليق في جزء واحد من السماء ووضع حواجز وأسلاك شائكة وصواعق كهربائية على الجزء الآخر منها هو بداية القمع.

جاء أحد العمال ووضع مصباحين وكومة أسلاك على الأرض.

Page 5

(حتى وإن جلبتم لي صناديق من المصابيح لن أغفر لكم، كل محاولاتكم لن تغير من الواقع شيئا، فالعتمة في الزنـزانة تبتلع النور وتشقني إلى نصفين لذلك لن أراكم مهما فعلتم ولن تروني مهما ادعيتم.

إن الورود لا تعيش بين الأقواس..

إن كنتم بالفعل تشفقون على حالي أعيروني الحبل فقط ولن أنسى لكم ذلك الجميل).

حلمي كان ومازالَ وسيظل أن أعيش حرة كطير، يحط على الأرض حين يشاء، ويصعد حين يشاء، لا تخيفه قنابل موقوتة ولا تحاصره طلبات ولا تزعجه مهاترات ولا يلفت انتباهه صريخ هذا ونداء ذاك.

في كل مكان كنتُ أشعرُ بسبب همجيتكم وتصرفاتكم الأنانية ونعراتكم القبلية ورهبانيتكم التي ابتدعتموها وكثرة الإشارات الحمراء في شوارعكم بأنني يمامة مسلوبة الحرية، ولا حق لها في ممارسة أبسط أشكال الحياة.

أيعقلُ أن تمنعوا طيرًا من الطيران؟!

يحاول الشهودُ السذج أن يقنعوني بأن وجوه الحراس والساسة ملونة ولكنني لا أرى سوى ملامح متفحمة.

أنا: ألا تسمعونني؟!

إما أن تُعيروني حبلًا أو أجنحة اصطناعية أو أن تثقبوا لي الجدران.

هو: لا نستخدم الحبال هنا ولا نُصَنّع الأجنحة ولايسمح إطلاقًا بعمل ثقوب في الجدران فهي ملك خاص ويحرم العبث فيه.

غبية، تعيشين بين الحقول والسماء ولا تعرفين كيف هو حالنا على الأرض!

تقبلي ما رسمتهُ لكِ الأقدار، وتناولي طعامك واكتفي بما هو لكِ

أنا: لن أستجديكم بعد اليوم ولكن هلّا سمحتم لي بأن أسقي الريحان.

هو: إنّ السقيا هنا لا تجوز وقد تدنو إلى مرتبة العيب.

أنا: العيب ياسيدي ليس في الممارسات، العيب مزروع فقط في العقول الضيقة التي أكلها الصدأ فأصبحت ترى الأغلال في يد الفراشة أمر حتمي لا يجوز النقاش فيه.

منعوني من الكلام وقيدوني بسلاسل فولاذية حامية فقط لأنني كنتُ أحرضكم على الرقص رغم الموسيقى الكئيبة في القاعة.

بعدها زرعوا بجوار نافذتي الصغيرة والوحيدة شجرة طلعها أسود ولها رائحة بشعة تثبط العزائم والهمم، حجبتْ عني الشمس والقمر واللون الأخضر وقضتْ على آخر رذاذ للأمل.

صليتُ وطلبت من ملك الملوك أن يلهمني الصبر والشجاعة والقوة لأكمل ما بدأته، تجاهلتها وبدأتُ بتحطيم القضبان والسلاسل والزجاج، نـزفتُ طويلًا ولم يلتفت لي أحد، لم أحسب أبدًا كمية الدم التي فقدتها، فقدت إحساسي وحساسيتي، لم أشعر بأي ألم إلا بوجعٍ طفيف في الذاكرة.

يا فلان: تعال وامسح الدماء عن الأرض يكفينا عفن السجناء في الزنازين المجاورة.

صرختُ رافضة مستنكرة: اخترتم لي اللوحة التي أرسمها ومن ثم أجبرتني الحياة أن أضعها على جدران صماء...

هلا سمحتم لي الآن باختيار الإطارات؟

وضعوا شريطًا لاصقًا على فمي وجلبوا لي حقيبة ضخمة ومزخرفة، ترددتُ لثوان خوفًا من أن تكون ملغومة، ثم فتحتُها، وجدتُ فيها الكثير من الأقنعة، الحقيقة أنها كانت منوعة جدًا: قناع المدّعي، قناع المنافق، قناع المثالية، قناع المتصابـي، وجه باسم ووجه عابس، قناع المرضي عنه، قناع المتدينة الطاهرة، قناع العالِم بكل الأمور، وأنثى خارقة الجمال.

(حتى لا تقولي بأننا حرمناكِ حرية الاختيار).

حاولتُ أن أختارَ الأكثر إنسانية والأقل ادعاء والأقرب لشخصيتي.

أطلتُ التفكير، فصفعني أحد كلابهم، شعرتُ بارتعاشة كادت تقصمني، جنّ جنوني وكدتُ أنهشه ولكنني كتمتُ غيظي لغرض في نفسي.

هم: لا وقت لدينا، ألا ترينَ عدد الصفوف التي تنتظر؟

أنا: هاكم ثمن القناع واتركوا لي ملامحي.

هم: لا نريد منكِ مالًا، نريد أن نضمن ولاءك لنا.

أنا: ولكننالم نُخلقْ لنطبق مايفرضه الآخرون دون قناعة، وإن كان من بد فلنؤجر عقولنا لمن يستخدمها وتعود عليه بالنفع، أما نحن فقد ضَمِنا أنكم ستدبرون وتديرون شؤوننا نيابة عنا، ولنستفد نحن على الأقل من ريع تأجير الأدمغة!

أؤكد لكم ولهم بأنكم لن تجدوني بين صفوف التقليديين.

لستُ بحاجة إلى ختم مروركم يكفيني أن أنظر إلى مرآتي كل صباح فأسمع صوت ابتسامتي.

فمنذ ولادتي قررتُ أن أكونَ من الخارجين عن القانون، حتى وإن كانت نهايتي خلف القضبان، سأخرج لأخرج مرة أخرى عن القانون.

حتى وإن كان اسمي هو الأول والأوضح في قوائم المطلوبين للإقامة في مستشفيات المجانين فلن أغير مبادئي ولا قناعاتي ولا اهتماماتي.

وللمرة الثانية والثالثة سأبحث عن مساحات شاسعة من الفراغ لأسمع فيها صدى أفكاري الحرة وأبدأ تحقيقها على مهل

ولنْ تمنعوني.

لا تحاصروني وإياكم أن تقيدوني أو أن تَحُدوا من صلاحياتي...

دَعوني أتأملُ الكون والبشر والأشياء والأحداث، فالتأمل بداية الحرية والطريق الأسهل إلى سعادة لونها أبيض.

دعوني أسابق نفسي كخيل اعتادت على القفز والصهيل.

دعوني أشرب نخب الحرية وأقيم حفلات تعارف تجمعني بعصافير من نسلٍ جديد.

دعوني أحلق في فضاءات غريبة عربية وغربية.

Page 6

هناك فقط سيكون بوسعي أن أزيح الغمام بإصبعي وأقطف أول ثمار حلمي وأعود محملة ببذور جديدة لأزرعها في أرض مدينتي الجرداء.

(اقتربتْ ساعتك، يبدو أننا سنلقي بكِ خلف الأسوار من جديد).

انظروا أنتم إلى ساعاتكم، لايزالُ الوقتُ مبكرًا كي تتسببوا لي في ثقوب جديدة.

اتركوا لي فسحة كي أرممَ القديمة وأعدكم بأنني سأسلم نفسي للحياة وستتولى هي محاكمتي وأنا على يقين بأن حكمها لن يكونَ جائرا كأحكامكم.

ولكن إن لم نمنعك من ممارسة أبسط طقوس حريتك في منتصف العمر متى سنمنعك من ممارستها؟

لم أُجبْ

فسألني غاضبًا: أين تسكنين؟

أمثالي ياسيدي لا يهتمون بالجهات الأربع لأننا نسكن في الجهة الخامسة، ولكن الحياة أحيانًا تجبرنا على البقاء في جهة واحدة والسير ضمن الإطار.

كلما أخذنا قاربنا خفية إلى جزيرة نائية، مجهول يشبهك يرسل لنا جيشًا من حراس مقنعين كي يعيدونا للسير داخل المحيط الصغير مدعين بأن هجرتنا غير شرعية.

أخفوا القمر عن أعيننا ولملموا النجوم وألقوا بها بعيدًا عن مداراتنا.

منعونا من التحليق وصعود المرتفعات، في كل الطرقات تجد لافتات مكتوب عليها بالخط العريض وباللون الفسفوري المضيء

(أنظرْ تحت قدميك).

بعد مضي موسم الاعتقالات سمحوا لي بالتسكع -وقت الظهيرة فقط- واشترطوا أن يرافقني فيها حارس شخصي، أمروه سرا بأن يضع في حذائي جهاز تنصت صغير، سايرته وصاحبته أول ساعة وما إن ضربته دوت صفارة الإنذار في جميع المفارق، فخرجتِ العصابات من جحورها، أغلقوا النوافذ وحاصروا الأنفاق وأحاطوها بأسلاك شائكة- مشابهة لتلك التي أحاطوا بها الجزء الأكبر من السماء- بعدها أرسلوا برقيات تهديد لجميع السكان.

كسرتُ جميع الإطارات وحزمتُ أمتعتي وكتبتُ وصيتي لجيلي وللجيل الذي سيأتي من بعدي، أخبرتُهم بأنني راحلة إلى بلاد الحرية وتوسلتُ إليهم بأن لا يقتربوا مني وأن لا يحاولوا أن يتعدوا على خصوصيتي، وأخذتُ ميثاقًا غليظًا منهم بأن لايخبروا الحراس الهمجيين عن خطتي ومكان إقامتي مهما حاولوا إغراءهم بالمال.

قررتُ أخيرا أن أصيغ معزوفتي الإنفرادية، حتى وإن لم يطرب لها أحدٌ من السامعين، سأشدو بكلماتي أنا وألحاني أنا وسأنسج أفكاري وأدمج معها صورا من اختياري أنا

حان الوقت لأعتزل مهنة الببغاوات التي ورثناها أبًا عن جد.

سمعوني فأغلقوا النافذة بشجرة أخرى، وأقنعوني بأنهم أضاعوا المفتاح.

...

لاتتركوني هنا أيها الأوغاد

لابد أن أخرج كي أنظمَ قصائدَ الحرية

ألم تنتبهي بعد أن الحرية حكرًا على الذكور ولن تكونَ يومًا حقًّا أنثويًّا.؟!

حرقتُ آخرَ ما كتبته وهتكتُ عرض جميع الأوراق

وأجبرني الساسة على السير رأسًا على عقب لساعات

وبعدها اتخذ العالم ضدي أبشع قرار، إما الحبس مدى الحياة أو التوقف عن الكلام.

الآنَ عرفت، بسبب شعْري الطويل كانوا يمنعونني من مشاهدة العالم من حولي ويمنعون العالم أن يتصل بـي، وبسبب صوتي الشجي كانوا يعطونني حبوبا زرقاء تؤدي إلى الخرس على المدى البعيد، وبسبب منحنيات جسدي زرعوا تلك الشجرة الملعونة بجوار السور.

تبًا لهمْ ولأنوثتي

منذ ذلك اليوم قصصتُ شعري ولم أسمح له بأن ينمو من جديد.

وها أنا ألهو بين حدائق الحياة...

Page 7

-2- تَسَاؤلاَت شَفافَة

(لماذا يجبُ علينا دائمًا الاختيار بين أمرين

لا منطقية في تخييرنا بينهما؟)

أنا المراهقة العجوز التي تعاني من نشاط زائد وتجاعيد عميقة، فهل صادفتم امراة مثلي في طريقكم؟

لماذا يجب علي أن أفقد شيئًا عدم فقدانه لن يؤثر على العالم بشيء؟

هل من شيء قادر على أن يستوطنني رغمًا عني ويقنعني بأنني قبله كنت بلا هوية؟

هل هذا هو الذكر وتلك هي الأنثى؟

انتظرناهم كثيرا ولم يظهر حتى اللحظة أيًّا من إنجازاتهم، إلى متى سنبقى هنا نترقب خروجهم لنحتفل؟

إن وجدنا البديل هل سنتجرأ؟

وإن تجرأنا هل سيسمح لنا الكون أن نتقدم؟

متى يعقدون قران الوهم والأمل؟

رصيد الأصدقاء خاو تقريبًا، كل المؤشرات تتهاوى بطريقة مخيفة، فهل يأتي من ينقذنا من إفلاسٍ شبه مؤكد؟

هل سمعتم عن نملة قضت كل حياتها في الجُحر؟

وهل قرأتم عن طيرٍ مستلقٍ على الشاطيء يطلب من الحوت ان يرمي له السمك؟!

البعض قادر على الخلق رغم شح الخيارات والأدوات وعدم ملائمة البيئة، لم لا نكون نحن من هؤلاء البعض؟

قطٌ متشرد وفأر ينتمي إلى سلالة نادرة، هل يصيرا صديقين؟

لما أخلق لي عالما ثانيا أهرب فيه من عالمي الأول؟

إن كانت السعادة بين جدران بيوتنا وفي شوارع مدينتا كما ندعي فلماذ نبحث عنها هناك؟

وإن كنا سعداء فعلاً فلماذا يجتاحنا الملل في اليوم ألف مرة؟

لماذا يبدأ الناس حساب أعمارهم بعد الستين ونحن ننتظر أن ننهيه في الخمسين؟

لماذا لم تنشر الصحف خبر وفاة نصفنا؟!

هل رأيتم قمرًا يحكي لنجمة عن أسباب تعلق العاشقين به؟

الظلال تكدست والحشرات تحوم في المنطقةوكأن القلوب تحصنت ضد الفرح، هل من متطوع شجاع يعيد التفاؤل إلى الأجواء؟

أيعقل أن اللامسؤولية واللامبالاة تورثان؟

Page 8

مالذي يعنيه توقيع جميل مع سطحية مقززة ولغة هشة؟!

لماذا تطل علينا الأفكار الجهنمية عندما لا نكون بحاجة إليها؟

ولماذا نجد رفوف الذاكرة خاوية عندما نكون في أشد الحاجة إلى حلول عبقرية؟

ألم يقترح أحدهم متعة جديدة حتى الآن؟

إنه قارب صغير وقديم جدًا وربما يكون مثقوبًا، فلماذا يصرون على ركوبه؟

ضقتُ ذرعًا وأنا أُدونُ أحلامي في مدوناتٍ سرية، متى سيسمح لي بنشرها في الصحف اليومية؟

هل سأستلم يومًا رسالة حب من عاشق وهمي لا يعرفني ولا يحاول التودد إلي؟

سيوفي جميعها كُسرَتْ ولم يبقَ لي سوى قلبكَ ليدافع عني فهل أنت مستعد لخوض المعارك من أجلي؟

أحقًا يمكننا أن نصلَ بلا شركاءٍ يشبهوننا أو على الأقل يشاركوننا تعليق الزينة وقطف الثمار؟

لماذا عرفتني على لغة السماء إن كنت ستعيدني إلى موطني الذي لا سماء فيه؟

هل من برنامج يساعدني على البقاء متألقة على مدار

الساعة وهل من دواء يمكنني من التغاضي عن همجيته

الذكورية...؟!

لو دفعتُ رشاويَ للحظ هل من الممكن أن يحالفني؟

من منكم يمتلكُ ملقاطًا قادر على انتزاعِ الشوك من أطرافِ الروح بسلاسة؟

هل من حبوب سحرية ما إن تختلط بالدم حتى تبعث بداخلنا بهجة لا نهاية لها؟

هل من مشروب قادر على إزاحة الصدأ والغبار عن الأفكار وتلوينها بالزهري أو الأخضر؟

أيهما أقوى: الإيقاع الذي يتسرب إلى أعماق الروح تدريجيًا أم الإيقاع الذي يخترقها فجأة؟

الحب وتوزيع الدم على أعضاء الجسم، هل تعرفون مآرب أخرى لهذا القلب الصغير؟

هل حواس العاشق البسيط قادرة على اكتشاف الجمال مهما كان مختبئا كما يدعون؟!

الطاقات الجبارة والروائح النفاذة والريح التي لا تمضي أبدًا والمرايا التي تحثنا على ترك أماكننا، كيف يمكننا إقناع جميع هؤلاء بأن الوقت لم يحن بعد؟

هل تذكرون كم مرة سقطت أحلامكم وظللتم بعدها صمًا بكمًا لا تعقلون؟

لم الخوف، إن كنا سنقفز معًا؟

ألم نوصِ ورثتنا بأن يضعونا في قبر واحد؟

لماذا أفرطنا في تناول الحبوب المنومة حتى جاءنا الربيع على غفلة؟

عندما يرتفع منسوب الدماء في المدن، يحتاجون إلى بندقية وسيارات إسعاف إضافية، فلماذا نبعث لهم بناي ومراسل؟!

العالم مليء بأشباههنا ونظن بأننا متفردون، ننفخ السيجار ونضع ساقًا على ساق وكأن الأرض والسماء ملك خاص لنا، نحن ضئيلون جدًا، كوكبنا يفيض بالحكايا المثيرة فلماذا نغض الطرف عنها ونكتفي بحكايا شارعنا؟

لماذا ننهش لحم من يخبرنا بأن الستين (ستين) ونكتب قصائد مديح مبهرة فيمن يؤكد لنا بأن الستين هي تسعة وخمسون أضفنا لها واحدًا؟

الكون مستعد للاحتفال ولكن أين الشموع والألوان والضجة والذكور والإناث الثائرين؟

لماذا نرتدي الرمادي في أفراحنا ولماذا تهجرنا الابتسامة قبل منتصف العمر؟

متى يختفي اللون الأحمر من الصحف ونشرات الأخبار؟

هل يعقل أن نحمل الكون ذنب الفراغ؟

Page 9

متى ستتضح الرؤية ومتى سنعقد النية ومتى نقرر هدم جميع المباني الآيلة للسقوط بداخلنا؟

هل نحترف التمثيل أم نستقبل الموت بابتسامة خضراء؟

إن كان الفقدان مُرًّا، ووحدة مابعد الفراق حامضة، فلماذا يدخل الناس في علاقات جديدة يعرفون أنها بلا نهاية؟!

كيف يمكننا أن نصنع حضارة إن كان أكبر همنا قوائم الطعام ومواعيد الوجبات؟

إن كنا نتلذذ بالأوهام، ونتقمص أدوارًا بطولية في روايات خيال (غير علمي) كيف لنا أن نتقدم في الواقع؟!

لماذا نهلل ونكبر بعد أن نفقد كرامتنا؟

ولماذا نتفاخر بما ورثناه مصادفة؟

أولئك الفارغون متى سيمتلئون؟!

والوجوه التي تعلوها غبرة متى تنقرض؟

تلك المرأة الستينية من منكم قادر على إقناعها بأن العالم لايمكن اختصاره بكرسي وشاشة وتاريخ مشرف في الطهو؟

رغم أنه مربع إلا أن الفئة الضالة تصر أنه مثلث، فكيف لنا بأن نقنعهم بالفرق الكبير بين الشكلين؟

ستخضر السماء ذات يوم من فرط فرح الأرض ولكن متى وكيف ومن أين سيبدأ الفرح؟

هل تعرفون عرافًا ماهرًا أو قارِئًا عبقريًّا يجيد التفرس في الكف أو خبيرة في وشوشة الصدف لتخبرنا بعض توقعاتها؟

لماذا لم نستطع حتى الآن أن نصنع بداية أو نهاية لرغباتنا وأحلامنا؟

لماذا تعطيني قطعة حلوى إن كنتَ ستمنعنني من أكلها؟

هل هذه هي القناعة وهذا هو الرضا؟

إن كان النوم بجوار الأمل يملأ الخزانات الفارغة بالوقود فهل مراقبة الشمس تعطينا أجنحة؟

لا أعلم إن كنا نذيب العمر أم العمر هو الذي يذيبنا؟!

هل تذكرون متى بدأنا امتهان النسخ واللصق؟

هل نحن من حجارة الماضي أم من تنبؤات المستقبل أم مجرد ترسبات يومية؟

هل يوجد بالفعل شيء اسمه حب أم أنه مجرد هرطقات وخرابيش وحبكات روائية قديمة، أم أنه أحد أنواع المخدرات الحميدة التي نثبط بها آلامنا؟

كيف يمكننا تجنب حوارات سطحية ومكررة ومدمرة للخلايا العصبية؟

أين هي الكلمات التي ترتعش دفئًا؟

أين هي حروف الجر التي ستأخذنا إلى الفردوس؟

أين هي تلك المشاعر التي تخرج من أصحابها بتلقائية ملفتة للنظر؟

ألم يحن الوقت أن نستيقظ على تغريد عصفور أو عزف بيانو أو زخة مطر؟

بعض الموسيقى قادرة على انتشالنا من المستنقعات مؤقتًا، فلماذا لا نستجيب لمحاولاتها؟!

ياتُرى كيف ستكون مجريات الحياة في منطقة استوائية يتساقط عليها الثلج على مدار العام؟

الذئاب انتشرت والنعاج اختفت.. هل لديكم أي فكرة عن الأسباب؟

لماذا أصبحنا نبيع الأقنعة في أسواقنا دون خجل ولماذا عدد المشترين آخذ في التزايد؟

لما نعلق المشانق لبعضنا ونخبئ جميع أنواع الأسلحة تحت أسرتنا؟

لماذا لا نمشي يدًا بيد حتى وإن كانت آرائنا متناقضة؟

لماذا يموت أغلبنا قبل أن يتعرف على أبجديات العيش؟

Page 10

إنفلونـزا عابرة تجعل من ابن آدم كائنًا ضعيفًا خائر القوى غير قادر على فعل شيء، كيف بأصحاب الأمراض الخطيرة والمزمنة؟!

لماذا نخاف أن يأكلنا الدود على الرغم من موت الشعور داخل القبور؟

تلكَ النبتة التي ذَبلت والتصقت بالجدار بكامل إرادتها، تُراها تشعر بأننا هنا؟

وهل تشفق علينا كما نشفق عليها؟

الهياكل العظمية هي صورنا المستقبلية فلماذا نُصعق حين نراها؟

ولماذا نحب النبش في المقابر ولا نفكر في أجندة القادم؟

ولماذا نحتفظ بسكينة حادة بين ذكرياتنا؟

خُلقنا ومعنا آلاف المفاتيح لماذا نلجأ لمفتاح الاستسلام وكأنه الوحيد؟

هل الوحدة فعلًا سمة العباقرة والمتميزين؟

هل ستبقى الحروف الأبجدية بنفس الهيئة والعدد إلى الأبد؟

كيف يمكننا بهذه الحالة المزرية أن ندخل سباقًا جديدًا؟

ولماذا تسابق جميع القطارات بعضها إلا قطارنا ينتظر من يدفعه؟

هل من قائد شجاع محنك بيننا يستعيد أمجادنا ويصنع لنا تاريخًا جديدًا نفخر به أم أن عهد الغزوات والرجال ولّى ويتوجب علينا أن نكتفي بما كان؟

والسؤال الأهم هو: متى سنمتطي الأحصنة ونترك قيادة البغال؟

هل من إنسي أو حتى جني قادر على أن يهتك سياج وحدتنا ويخرجنا إلى ساحة الحياة؟

ماهو أفضل تعريف للأنس بالبشر؟

ما هي أسهل الطرق ليصبح الواحد اثنين؟ وإن لم يكن، كيف يمكن للثالث أن يأتيَ؟

ما الذي سينقص منا إن طمأنّا من ينهشهم القلق حتى يتوقفون عن الاستمرار في أكل أنفسهم؟

كيف يمكننا الحصول على مشاهد من حياة الإنسان الأول؟

ولماذا الأوائل قلة وتزداد قلتهم مع تقدم الوقت؟

هل المتعة حكرًا على الشباب وعلى كبار السن انتظار حتفهم؟

لماذا يغزونا اليأس قبل سن اليأس؟

التجميل سهل ومتوفر للجميع ولكن ما فائدة وجه جميل مع قلب أسود لا يشبع ولا يسمع؟

أيعقل أن تكون خطواتنا فقط هي دليل وجودنا فوق الأرض؟

هل من أرض أخرى تحت هذه السماء؟

الأرض صلبة جدًا من تحتنا ولكن لماذا نترنح أغلب الوقت؟

وهل جميع الكائنات حولنا تُغني ونحن- فقط- حزانى؟

وهل الحديث عن الموت مؤشر خطر؟

وهل من أمل في العثور على أحياء بين أزقة المقابر؟

هل من الحتمي أن تكون ظلمة كلماتنا انعكاسا لظلمة دواخلنا؟

ألا يمكن أن نكون في قمة سعادتنا وتزور التعاسة والكآبة والحزن والوحدة واللامبالاة عباراتنا أو أن نكون في قاع أحزاننا ونكتب عن أعلى القمم المبهجة؟

لو أحرقنا الوقت ودفناه على زحل أو نبتون، هل ستعود روحه الحية من بين قبور الكواكب لتلاحقنا وتنتقم؟

لماذا جاءوا ولماذا جئنا؟