eKtab
EN ع
قوس الأزمات الإقليمية
Read free sample

قوس الأزمات الإقليمية

by جميل مطر

Page 1

مقــدمـة

هذا كتاب في ما اكتشفه جميل مطر. مقالاته السياسية ليست تعليقاً على حدث، بل سؤال عنه ، ولا هي وصف لمشهد، بل بحث عما وراءه وما بعده، ولا هي تنبؤ بتورط في اليقين الهش، بل هي تقص وإثارة للشكوك، ولا هي خطاب في نصح القارئ، بل حياد يترك للقارئ أن يفهم ما يريده، لا أن يفهم على هواه.

قراءات رصينة لأحداث ووقائع ومواقع. يبدو، وهو الخبير العارف والمتابع منذ زمن بعيد، أنه مستعد دائماً لأن يتعلم. ولأنه كذلك، يطل على الحدث من أطرافه وصولاً إلى قلبه. الحدث عنده ليس مستقلاً أو منفصلاً عن قوى داخلية وإقليمية ودولية. خصوصية الحدث لا تلغي امتداداته وتأثيراته وأسبابه المتشابكة... والحدث كذلك ليس منجزاً سهل الفهم، فهو يتابعه، يسأل عنه، يقلبه على مناحيه، ثم يلبسه لغة سهلة لا تعقيد فيها ولا توسلات أدبية بهدف التأثير، مؤثراً أن يخاطب العقل من دون اللجوء إلى مثيرات مجانية.

هذه المقالات تطل على العالم من خلال ثلاث منصات، كانت ذات تأثير وصخب وتداعيات: الأولى، السياسة الأميركية وفراغ القوة، وما ينتج عن ذلك من تعديل للسياسات الدولية، لا يبالغ ولا يفرط. حذر في الاستنتاج وأكيدٌ من العرض الذي يقدمه، من خلال معلومات حظي بها بحكم زياراته ومتابعاته وعلاقاته... الثانية، مصر في عام تجمع الأزمات وتعدد الخيارات وانقلاب القوى. يرصد ويحدد ويتوقع ولكنه لا يتردد في إعلان الصعوبة التي تواجه الجميع. في هذه الصعوبة، تندر الرؤية ويصعب الوضوح. الثالثة منصة العواصف والتغيرات، من دون القبض المسبق على ملامح الأزمنة الآتية.

أبدع ما في أسلوبه، أنه عندما يكتب تشعر وأنت تقرؤه أنه يحدثك بتواضع العارف. لا تأكيد في لغته، إلا في ما ندر من يقين. لا تشك أبداً في أنه لا يعرف، فجل ما يرمي إليه أن يصل إليك بما يعرفه. وما تبقى من ذلك، فهو من شأنك. وفي الظن، إنها بلاغة أخلاقية وإخلاص لمهنة تقديم المعارف والمعلومات والتجارب والخبرات، بلا إقحام ذاته كأستاذ، وهو أستاذ بالفعل.

أفضل ما يقدمه هذا الكتاب من المقالات، هو أن يكون شاهداً على عام صاخب، بهدوء تام. فمن أين له هذه المتانة وهذه الرصانة؟

كتاب جميل مطر الذي تجمع مقالاته جريدة «السفير» هو تحية للقارئ العربي، وهو كذلك توقيع كاتب ساهر على ألا يمر حدث، من دون أن يلقي عليه ضوءه... إنه شاهد على عام الأعاصير، ما يؤهله أن يكون جزءًا من الذاكرة العامة.

Page 2

«الجـماعـة» ومصر... والنظام العربي

قدّرتُ أن الأزمة الدبلوماسية الناشبة بين حكومة «الإخوان المسلمين» وحكومة دولة الإمارات لن تسوى بسرعة أو ببساطة، وكانت لدي أسباب ومعلومات وراء هذا التقدير. قدّرتُ أيضاً أن الأزمة، وإن اشتعلت في البداية بين جماعة دينية ـ سياسية في دولة من جهة، وحكومة أجنبية من جهة أخرى، أي بين طرفين غير متساويين، إلا أنها كما أتصور، أزمة مرشحة لأن تتصاعد فتصبح أزمة بين دولتين، وتتصاعد أكثر فتجذب إلى ساحتها أطرافاً أخرى، وخصوصاً أطرافاً في منطقة الخليج.

التقيت قبل يومين عدداً من أهل الرأي والفكر في العالم العربي، وقضينا ساعات نقلب الأمر على وجوهه المختلفة. توافقنا على أن للأزمة خلفيات لا يدرك حساسيتها، إلا من اقترب جداً من مراكز صنع القرار الأمني في الدولتين ودول أخرى. بدأت عواصم عربية، حسب رأي واحد من أهل الاطلاع، تتحسس خطراً قادماً من مصر تحديداً، تدعمه وتزيد من خطورته انبعاثات إيديولوجية صادرة من تونس. ضاعف الشعور بالقلق، أن دولة من دول الخليج تقدم دعماً مادياً وحفزاً سياسياً وإثارة دينية، هذه الدولة قررت أن تؤدي دوراً، ربما بتصور لايزال غير واضح تماماً للمراقب من الخارج ولكثير من صناع السياسة والقرار في الدول الشقيقة ودول الجوار. هناك آخرون، وأنا واحد منهم، يعتقدون أن بعض القلق مصدره حقيقة بسيطة هي أن عدداً متزايداً من قوى السياسة والدين في العالم العربي، وفي دول الجوار، يحاول أداء دور في عملية صوغ مستقبل جديد أو في إحباط هذه العملية.

ثورة أو أكثر من ثورات الربيع، سواء تلك التي نشبت في تونس أو في مصر أو في سوريا أو في اليمن، هدّدت حال «الاستقرار المثالي» الذي تمتعت به منطقة الخليج لسنوات طويلة. كان يمكن أن يمتد أجل هذا الاستقرار لو تأخر نشوب الثورات، أو انطفأت فور اشتعالها بفعل فاعل خارجي أو بفعل داخلي أو خانها أبناؤها فقصروا في حقها.

أتصور أنه خطر على أذهان البعض في دولة أو أكثر من الدول العربية، التي فاتها إعصار الربيع، أنه ربما كان ممكناً الجمع بين الاثنين: تحصين الوضع الداخلي وتأمين الاستقرار السياسي في هذه الدول التي لم تنشب فيها ثورات بتوفير زيادات في الأجور والمنح، وفي الوقت نفسه العمل على تغيير طبيعة الثورات في دول الربيع، بحيث يمكن التأثير في مساراتها بالتدخل المباشر عن طريق دعم الفئة أو الجهة القادرة على قيادة التغيير أو بالتوجيه الإعلامي والدعوي بثاً من الخارج وتجنيداً في الداخل. وبالفعل، فقد اهتدت إحدى هذه الدول إلى فكرة تشجيع التيارات الدينية التي شاركت في الثورات في مرحلة أو أخرى، لتتولى القيادة والحكم وإن على حساب دوافع وأهداف الطليعة التي أطلقت الشرارة الأولى. هكذا كنا، في مصر وتونس، على الأقل، شهوداَ على دعاة وفقهاء دين معروفين يتقدمون الصفوف ليتولوا بأنفسهم مقاليد السياسة. ترك أكثرهم أمور الدين ورعاية منظومة الإيمان التي تخصصوا فيها وبرزوا لينتبهوا إلى أمور الدنيا واختاروا من هذه الأمور أكثرها ابتعاداَ عن تجاربهم وخبراتهم وأخلاقهم، اختاروا السياسة.

تطرح الأزمة الإماراتية المصرية ثلاث مجموعات من الأسئلة تشغل الآن تفكير مثقفين وسياسيين في أنحاء الشرق الأوسط.

المجموعة الأولى من الأسئلة، تركز على المواقف العاجلة التي يمكن أن تنتهجها بقية الدول العربية عموماً، والخليجية خصوصاً، لتسريع عملية التمشيط التي بدأت في عدد من الدول بغرض التأكد من حجم وعدد التنظيمات والخلايا التي أقامتها جماعة الإخوان في كل دولة، وتحديد طبيعة وكثافة شبكة الاتصالات والعلاقات التي تربط بين فروعها في أنحاء العالم العربي وخارجه و بين هذه الفروع والقيادة في مصر.

المجموعة الثانية من الأسئلة، تلاحق التوتر الواضح الذي يلحظه المراقب الخارجي على الساحة العربية عموماَ والخليجية خصوصاً، وحال الالتباس في فهم بعض المسؤولين العرب لطبيعة العلاقة التي يمكن أن تقوم في المستقبل بين أي دولة من دول المنطقة وهذه الجماعة، سواء بقيت قيادتها تحكم مصر أم عادت إلى موقع المعارضة، ولكن بقوة وبمنهج أو مناهج مختلفة من العمل السياسي والدعوي.

Page 3

المشكلة هنا كما حددها أحد هؤلاء المسؤولين أمامي، تكمن في نوع وطبيعة العلاقات المراسيمية والأمنية، بمعنى آخر هل ستتحمل «الدولة المصرية» ذات المصالح والتعهدات المتنوعة مسؤولية أي تصرفات سياسية غير قانونية تمارسها جماعة «أهلية» مصرية على أرض أجنبية. يقول المسؤول الكبير: «في بلدي لم نلحظ من قبل، من جانب هذه الحكومة أو حكومات أسبق، اهتماماً مناسباً بشؤون رعاياها في الخارج، الأمر الذي يجعلنا وغيرنا من المسؤولين الخليجيين أشد حرصاً وعجلة لمضاعفة الجهد لوضع أسس لعلاقة من نوع فريد ستفرض نفسها علينا وعلى مصر».

ويضيف أنه لم تجر العادة في علاقات دولنا بالخارج أن تطالبنا دولة أجنبية بالتمييز بين مواطنيها، فنعامل المنتمين إلى لحزب الحاكم أو إلى جماعة بعينها معاملة تفضيلية عن المنتمين إلى أحزاب أو جماعات أخرى أو للرعايا العاديين.

المجموعة الثالثة من الأسئلة، تتعلق بموضوع شديد الحساسية. لقد دأبت الدول العربية على التدخل في شؤون بعضها البعض، بل لعلها سمة أصيلة في النظام الإقليمي العربي مارستها الدول العربية الأكبر والأصغر على حد سواء في مرحلة أو أخرى من مراحل تطور النظام. إلا أنه في كل المراحل وكل الأحوال لم يكن مسموحاً أو مستساغاً حتى في حالات الصداقة أو التحالف، أن تطلب سوريا أو العراق مثلاً تخصيص علاقة متميزة لخلايا حزب البعث الناشطة في دولة عربية أخرى. الشيء نفسه كان محل مراعاة عندما بدأت جماعات دعوية معينة تنشط سياسياً في مصر وبعضها ارتكب أخطاء يعاقب عليها القانون، فلم تتدخل الدولة العربية الداعمة معنوياً أو مادياً، ليحصل أفراد هذه الجماعات على معاملة متميزة، أو لعلها تدخلت سراً ولم نعلم.

الجديد في هذا النوع من التدخل في شؤون الدول الأخرى، هو أن تقوم دولة تدعم جماعة دينية تعمل في دولة ثانية بالطلب إليها أن تكلف أنصارها أو فرعها في دولة ثالثة بأداء المهام نفسها وقد يكون من بينها تنظيم خلايا سرية او تهديد الاستقرار. هكذا لا تظهر الدولة المتدخلة في الصورة ويحل محلها وكيل من دولة أخرى.

يتعلق أغلب ما جاء في السطور أعلاه بالتوتر المتوقع أن يتفاقم في العلاقات بين الدول العربية إن استمرت جماعة الإخوان المسلمين في تصعيد جهودها لتحقيق أهدافها الخاصة على حساب أولويات الدولة المصرية ومصالحها الحيوية العاجلة، وعلى حساب التوازن القائم حالياً في النظام الإقليمي العربي. إذا شاءت الجماعة وغيرها من أفرع التيار الديني الاستمرار في العمل السياسي، فعليها أن تطلب من جماهيرها فترة سماح تتدرب خلالها على «عمل الدولة» من مواقع بعيدة بعض الشيء عن بؤر صنع القرارات الحيوية والمصيرية كالدفاع والسياسة الخارجية والاقتصاد. عندئذ ستكتشف بنفسها أن البيت الأبيض مثلا لا يمالئ الحزب الديموقراطي على حساب التزامات أميركا الخارجية، وستكتشف أن 10 «داوننج ستريت» لا يعطي أولوية لحزب المحافظين على المملكة المتحدة.

10/1/2013

Page 4

أعتقد أن هناك مزايا عديدة يمكن أن تتحقق لتيارات الدين السياسي إذا قررت حل تنظيماتها الملتبسة دوراً ومهمات، والاكتفاء بأحزاب سياسية، وأبنى اعتقادي على قناعة تكونت عبر سنوات من متابعة نشاط أحزاب سياسية في أوروبا وأميركا اللاتينية اعتمدت في نشأتها على تكوينات سرية أو علنية سبقت هذه النشأة. المزايا، كما ذكرت، عديدة. أذكر منها مثلاً إزالة الغموض الذي يحيط بممارسات وأعضاء التنظيم وبخاصة هؤلاء الذين كلفتهم الجماعة بمباشرة أدوار ومهام سياسية أو وظائف حكومية.

كثير من الشك وعدم الثقة السائدين في الساحة السياسية بحالتها الراهنة يعود إلى وضع الغموض المحيط بهذه الجماعات والتنظيمات السرية وشبه السرية. كثيرة هي التخمينات غير الصحية وغير المفيدة سياسياً عن مصادر تمويل هذه الجماعات، وعن أساليب إدارتها الداخلية وعن أولوية ودرجة ولاء الأعضاء وخضوعهم لقياداتهم على حساب كفاءة الأداء السياسي والاداري والوطني. كثيرة أيضاً الإيحاءات عن المزايا التي يحصلون عليها من وراء هذه العضوية والتزامهم شروطها. هذا الغموض كاف وحده ليجعل العلاقة بين المسؤولين السياسيين التابعين تنظيميا لهذه الجماعة وبين أجهزة الدولة الأمنية، كالجيش والمخابرات والأمن الداخلي، علاقة مشوبة دائما بالقلق ولها الآن ما يبررها.

من ناحية ثانية، يصعب تصور إمكانية قيام علاقات عمل وزمالة جيدة بين مسؤولين في أجهزة الإدارة منتمين إلى الجماعة وبين مسؤولين لا ينتمون إليها. الأصل في الوظائف الكبرى هو الحياد السياسي، فكيف بموظفين منتمين إلى جهاز، طابع تاريخه وسجله وممارساته هو السرية والغموض والطاعة العمياء وأولوية الولاء للجماعة، لا لأي جهة أخرى بما فيها جهة العمل.

المتوقع غالباً في مثل هذه الحالات تشتت المسؤوليات وتخبط عجلة صنع القرار وتوتر بيئة العمل، وربما البيئة السياسية أو بيئة الحكم، وهو ما نراه حادثاً بين الحين والآخر في العلاقات داخل جهاز رئاسة الدولة، وبينه وبين أجهزة القضاء، وبينه وبين رئاسة الحكومة، وبينها جميعاً وبين أجهزة الإدارة المتنوعة ومنها على سبيل المثال وزارة الخارجية بل الدبلوماسية المصرية بوجه عام.

من ناحية ثالثة، نحن أمام ظاهرة تستحق التوقف عندها إذا أردنا تفادي الإساءة إلى الإسلام كدين. ثبت لنا من خلال تطورات الشهور القليلة الماضية أن بعض قواعد الإسلام وأحكامه صارت جزءاً من الألعاب السياسية التي تمارسها عادة الأحزاب وأجهزة الإعلام. قد ترى الجماعة الدينية ذات الأهداف السياسية مصلحة في استخدام الدين، غير عابئة بالتكلفة السياسية التي يمكن أن يدفعها الوطن بأسره نتيجة هذا الخلط المتعمد بين السياسة التي هي بطبيعتها «حمالة أوجه» وخاضعة لأهواء وتقلبات مزاجية وليست دائماً بريئة النوايا، وبين قواعد ومبادئ دينية لا يحق لأحد أو لجماعة أن تنزل بها إلى ساحة ألعاب السياسة. يمكن في الوقت نفسه أن تصاب السياسة بأذى شديد إذا تنافس المتطرفون دينياً أو زايدوا على بعضهم البعض أو تدخلوا في شؤون دول أخرى بحجة عالمية الدين غير عابئين بمصالح الشعب المصري وأمن الوطن.

من ناحية رابعة، قد يكون جائزاً حتى الآن وجود الحزب والجماعة معاً كلاعبين أساسيين في الساحة السياسية المصرية، ولكن ما هو جائز في فترة غير عادية لن يكون جائزاً في ظروف عادية مستقرة. أكاد أكون واثقاً من أن مرحلة ستأتي يتضح فيها مدى الاختلاف، ولا أقول التناقض، بين أهداف الجماعة وأهداف الحزب. والأمثلة من التاريخ عديدة.

ليس من المنطقي أن يستمر التعامل مع كل قيادي في الجماعة على أنه صالح لمنصب قيادي في الحزب أو في الحكم أو في أجهزة الإدارة، وليس من المنطقي أن كل قضية اجتماعية واقتصادية وعسكرية، يمكن للجماعة أن تنفرد بحلها، وإلا لكان متوقعاً ومنطقياً أن تحل الجماعة محل الدولة، وليس فقط محل الحزب، أو تصبح الإدارة الحكومية، أو تتوهم أنها صارت، أداة في خدمة أهداف الجماعة.

من ناحية خامسة وأخيرة، أعتقد أن أفرع الدولة المصرية، التي كثيراً ما توصف بالعراقة، لا يمكن أن تتحمل استمرار الجماعة كقوة سياسية بأي وزن تختاره. لن يتحمل ذلك «النظام الحزبي» فالجماعة نتوء في هذا النظام يخل بتوازنات الحركة السياسية. وقد يكون وجودها سبباً في أن تلجأ الاحزاب الأخرى إلى تنظيم جماعات «سرية أو مساندة» وبالتالي ينشأ نظام حزبي مواز، ولن يتحمله جهاز رئاسة الدولة، فالجماعة سيكون لها دائماً مصالح خارج مصر تلتقي أحياناً مع مصالح الدولة، وتتناقض معها في أحيان أخرى، والقريبون من الدبلوماسية المصرية مطلعون على تفاصيل كثيرة خاصة بهذا التداخل والتضارب، ليس أقلها شأناً تأثيرها في العلاقات المصرية العربية والمصرية الأفريقية. ولن تتحمله أجهزة الأمن القومي المصري، التي لن تتسامح لمدة طويلة مع أدوار تخصها تقوم بها جماعة أو جماعات لا تخضع للمسؤولية السياسية أو للنظام القانوني والدستوري أو لتقاليد النظام الاستخبارتي العالمي وقواعده.

***

حل جماعة «الإخوان»، أو على الأقل البدء فوراً بتحييدها تماماً وعزلها عن العمل السياسي، دعوة أتمنى أن يناقشها المسؤولون في هيئة إرشاد «الإخوان المسلمون» وفي قيادة حزب الأغلبية وفي جهاز رئاسة الجمهورية، مجتمعين أو منفصلين، إذا أريد لمصر الاستقرار في الداخل واستعادة المكانة في الخارج.

24/1/2013

Page 5

المسألة المصرية تزداد تعقيداً

لم يعد خافياً أن عدداً من الدول يعيد النظر في موقفه من مصر الإسلامية خاصة ومن تيار الإسلام السياسي عامة، بعد فترة حظي فيها هذا التيار بقبول أميركي وبفرص غير قليلة ليتمكن من ترسيخ قواعده. حانت الفرصة الأولى مع سقوط أنظمة استبدادية تحجرت في الحكم وعطلت مسيرة التنمية ورفضت استباق الثورات بتبني ما كان مطروحاً من مبادرات تغيير وإصلاح.

استفاد من هذه الفرصة وغيرها جماعة «الإخوان» في مصر. وأظن انه بالفائدة التي تحققت لها ولحزب النهضة في تونس تجدد الأمل في عواصم عديدة وبخاصة في واشنطن، من أن الفرص الأخرى ستكلل أيضاً بالنجاح مثل الفرصة الأولى. وبالفعل، انهمر سيل الاجتهادات الساعية إلى تطوير خطط الاستعداد للقبول بتيار الإسلام السياسي حاكماً ومهيمناً على إقليم شاسع يضم دولاً أغلب شعوبها من معتنقي الإسلام، وأغلب هذه الدول تخضع لحكومات وجدت صعوبة في الانتقال بشعوبها إلى مرحلة جديدة تتوفر فيها الحريات والحقوق السياسية للمواطنين.

كان يمكن أن يحقق هذا الدعم نقلة نوعية نحو الاستقرار لو أن قمة «النظام الإسلامي الحاكم» في مصر حاولت ونجحت في تطوير سلوكيات قادته بسرعة لتتناسب مع مجتمع يمر بظروف غير عادية ومتلهف على ثورة لا تريد أن تكتمل ويستعجل قطف ثمار عاش رجاله ونساؤه وشيوخه وشبابه في انتظارها. يبدو واضحاً لي، ولآخرين يزداد عددهم كل يوم في مصر وخارجها، ان قادة هذا النظام لم يستعدوا لاحتمال ان يتولوا مسؤولية حكم مجتمع يمر بهذه الظروف المعقدة، وربما لم يستعدوا في الأصل لاحتمال ان يتولوا مسؤولية حكم مجتمع في أي ظروف. يظن البعض، وله العذر، أن نضالات هذه الجماعة وعذاباتها وصعودها وانحدارها وأنشطتها كانت جميعها كتروس عجلة تدور في مكانها، نفعها عائد لها وحدها وصوتها أعلى من فعلها.

سمعت مسؤولاً غربياً يشرح ويحلل ويبرر. قال: «رهاننا كان على جماعة تحمل سمعة دقة التنظيم وطول العمر والبراغماتية السياسية. كان الرهان أيضاً على نسبة كبيرة من الشـعب المـصري وشـعوب عربية أخرى مستعدة لمنح جماعة الإخوان المسلمين فرصة لتحقيق استقرار بأسرع ما يمكن، وتفكيك الأزمة الاقتصاديـة تمـهيداً لحلـها. وكان الرهـان كذلك على ان نجاح «الإخوان» في مصر يؤهل مصر لتشييد نظام إقليمي إسلامي جديد، دعائمه السمعة التي قام عليها رهان الغرب على حكم الإخـوان في مصر: استقرار سياسي سريع، حل المشكلات الاقتصادية، الهيمنة على القوى المتطرفة في تيار الإسلام السياسي واخضاعها لقواعد جديدة في السلوك السياسي».

اشترك آخرون في الحوار وبينهم خبير في العلاقات الخارجية الأميركية علق معرباً عن موافقته على تحليل المسؤول الغربي ولكن معلناً أن هناك خيبة أمل، لم تصل بعد إلى حد اليأس وإن اقتربت بشدة. خاب الأمل في واشنطن وربما في برلين وباريس ولندن من أن قيادة الإخوان في مصر لم تطور لنفسها مدونة سلوك سياسي يساعد من في الخارج كما من في الداخل على التمييز بين إرادة الجماعة وإرادة الحزب وإرادة حكومة الحزب وإرادة رئيس الدولة والجهاز المطوق له مباشرة. شرط استقرار العلاقات سواء الدبلوماسية أم الحزبية هو وضوح المسؤوليات وحدودها.

كثير من اللوم، وإن من النوع الناعم، يلقونه على «الإخوان». يرددون أن آمال الغرب تعلقت بهم ليقودوا في مصر وغيرها ملتزمين شروط الديموقراطية الغربية وحرية التجارة والتحديث الديني. ومع ذلك يعترف خبراء كثيرون في الغرب بأنهم هم أنفسهم لم يتوقعوا أن الصعوبات ستكون إلى هذه الدرجة معقدة ومتشابكة.

لم يكن متصوراً، ولم يتوقعوا، أن يكون الرأي العام في مصر كما في تونس معارضاً التشدد في تفسير الدين إلى هذه الدرجة. الشعبان متدينان وأثبتا هذا التمسك بالدين في لحظات عصيبة من ثورتيهما، ولكن كلاً منهما أثبت في الوقت نفسه أنه غير مستعد للخضوع لسلطة دينية تستخدم أدوات السياسة لتفرض عليه فهماً معيناً للدين وتضيف تقليصاً جديداً إلى حرياته المنقوصة أصلاً.

Page 6

أخطأ قادة الحزب المنبثق عن الجماعة، بل وأخطأ قادة الجماعة أنفسهم، حين امتنعوا عن استخدام القوة المعنوية للجماعة في الشارع، وللرد على الإساءات أو التفسيرات المتشددة والمثيرة للفتنة التي أطلقتها قوى إسلامية متطـرفة. كان من الممكن أن يحقق «الإخوان» خطوة متـقدمة نحو الاستـقرار لو أنهم تحملوا مسؤولية تنحية الشوائب التي دخلت حديثاً على الدين الإسلامي وإعادة تقديمه في صورة بهية تفيدهم كحزب في السلطة وتعينهم على خصومهم في تيار الإسلام السياسي المتأهبين للقفز إلى السلطة.

كان معروفاً أن مؤسسات الدولة المصرية راسخة حتى وإن كان أداؤها تدنى إلى ما تحت المستوى المقبول. كان معروفاً أنها ستقاوم التغيير ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً: مشـروعاً أم غير مشـروع. كان هناك من تصور أنها إذا شعـرت برياح التغـيير تهدد محيطها ومصالحها وقلاعها، فإنها لن تتردد في استخدام أبشع صور التدخل في الحياة السياسية المصرية لوقف وصول هذه الرياح إليها أو لمنعها عند المصدر.

هنا أيضاً أخطأ الحزب الإسلامي الحاكم، وأخطأت الجماعة التي استثمرت براغماتيتها خلال الفترة الأخيرة، أي منذ نشوب الثورة، إلى الحدود قصوى. أخطأت حين تحالفت مع بعض هذه المؤسسات ضد قوى التغيير، أي ضد الثورة، وهى الآن تدفع ثمن هذا الخطأ الفاحش بفشلها في وضع صيغة «تحالف ثوري» يضمها إلى قوى الثورة الأخرى، لرسم معالم نظام سياسي مستقر، أو على الأقل رسم معالم طريق لمرحلة انتقالية سلمية وايجابية.

كان معروفاً أيضاً أن هناك ندرة شديدة في القيادات السياسية القادرة على تسيير دولة، فما البال بدولة في حالة ثورة. أسباب شح القيادات واضحة وتعود إلى سنوات جدب سياسي عديدة. هنا أيضاً لم يكن من المتصور أن تصل الندرة إلى درجة تسببت في أن تفلت من أيادي النخبة السياسية غير المندرجة في تيار الإسلام السياسي، الفرصة الذهبية لتتقدم الصفوف، وتستولي على مقاليد الحكم من حزب خاضع لجماعة تطل عليهم من خارج النظام السياسي. حاولوا الالتئام ولم يفلحوا. حاولوا الائتلاف وفشلوا. حاولوا إقامة جبهة تتفاوض وخابوا. حانت فرصة ثانية أتاحها الهبوط الشنيع في شعبية رئيس الدولة، رمز الجماعة والحزب وتيار الإسلام السياسي بأسره، ليختاروا من بينهم من يكون له بين الناس قبول أوفر، فيقود ويفاوض ويتزعم ويتكلم مع الغرب والعرب ومع العالم الأوسع.

لم يكن متصوراً أن تكون في مصر نخبة سياسية لا يقدم أعضاؤها أو أحزابها أفكاراً وبدائل لحل قضايا هي الأخطر في تاريخ مصر. عشنا لنرى نخبـة في ثورة لا تطرح رؤى ثورية وتتعامل بمنـطق الاستقـرار في بيئة غير مستقرة، تتعامل مع مشكـلات الشـعب الثائر بالوعود وبالقطعة وبيد رخوة داخـل قـفاز ناعم. يقول الباحث المتخصص في شؤوننا: إن هذه النخبة، بأوضاعها الراهنة وأوجه قصورها المتعددة وخلافاتها، لا تصلح بأي شكل لمواجهة عنـاد المؤسـسات العتيدة التي ترفض أن تستجيب لمطالب التغيير ومنطق الثورة، الأمر الذي يجعل الميادين والشوارع البديل الأوحد لمواجهة المؤسسات المناهضة للتغيير والتيار المناهض للحداثة والتـنوير في آن واحد.

عندما نعرف أن مراكز صنع السياسة في الخارج توصلت إلى هذه النتيجة لا يحق لنا أن نتفاجأ بأن دولاً عديدة، خاصة في الغرب، تعيد النظر في مواقفها من مصر تحت حكم تيار الإسلام السياسي.

7/2/2013

Page 7

الأسئلة متواترة وإجاباتها حاضرة

كادت الأزمة في مصر تصل إلى نقطة اللاعودة لولا أن محكمة أصدرت حكماً في انتخابات برلمانية كانت ستجرى في موعد حددته رئاسة الجمهورية التي أسرعت فأصدرت في لمح البصر قراراً بالرضوخ إلى حكم المحكمة.

***

لم تكن الأجهزة الأميركية الجهة الوحيدة التي تنبهت إلى خطورة التداعيات المحتملة لما آلت إليه أحوال مصر، فقد سبقتها روسيا وألمانيا وفرنسا واسرائيل والمفوضية الأوروبية. وفي سابقة غير مألوفة قررت كل من «الواشنطن بوست» و«بلومبيرج» نشر مقال بتوقيع مجلس تحرير كل منهما يدق أجراس الخطر. كان مقال «بلومبيرج» الأقوى لأنه لم يتردد في القول بعبارة صريحة وواضحة أن كل البدائل المطروحة للخروج من الأزمة المصرية «تدعو للاكتئاب»، وبخاصة بديل الجيش، إذا تدخل، سواء أخذ تدخله الأسلوب التركي والباكستاني أم الأسلوب الذي سبق أن جربه هو نفسه. فالتداعيات الإقليمية ستكون بالغة، وبديل الجيش إذا لم يتدخل قطعياً، وبديل الجيش إذا قرر أن يتدخل بعد فوات الأوان، فالدولة عندئذ في الحالتين فاشلة لا محالة.

هكذا أيضاً يبدو مصير «بديل الصندوقين» أو ما يسمي بالبديل الاقتصادي - السياسي، والمقصود به تكرار تجربة صندوق الانتخابات وفي أعقابها يقرر الصندوق الآخر، وهو في هذه الحالة «صندوق النقد الدولي» منح مصر القرض الموعود الذي يحلم به حكام مصر وجماعاتها الإسلامية وأحزابها السياسية والمستثمرون، تحلم به كل الأطراف ما عدا المواطن المصري العادي. الواضح حتى الآن هو أن اعتماد هذا البديل على سلمية الشارع وتوافق الطبقة السياسية وحد أدنى من كفاءة الحكم وخبرة المفاوض المصري يجعله غير قابل للتحقيق.

***

أذهب إلى أماكن كثيرة وأقابل شتى أنواع المصريين والأجانب. أينما ذهبت أجد في انتظاري ثلاثة أسئلة.

السؤال الأول: إلى أين نحن ذاهبون؟

لم يسألني أحد هذا السؤال وكان ينتظر إجابة. ومع ذلك فهو السؤال الأوسع شيوعاً والأكثر تردداً بين كل الأجيال والطبقات والفئات. سؤال لا تسمعه من مواطن مطمئن في مجتمع مستقر، ولا من مواطن في دولة تديرها سلطة تحظى بثقة جماهيرها.

ما يبدو لغالبية المصريين ضياعاً في اللانهائي واللا مألوف قد لا يكون في ذهن متفائل سوى انقطاع مؤقت في مسيرة قريباً تستقيم، وفي رؤية خبير في مركز تخطيط لا يزيد عن تخبط بعد انزلاق تسبب فيه جهل السائق بالطريق ومسالكها وعراقيلها، و جهله بحمولته بشراً كانوا أم أصولاً مادية وثقافية وإنجازات حضارية وأحلاماً كباراً. هذه الحالة من الضياع والدمار والقتل تراها فئة متطرفة وشرسة جراحة ضرورية لاستئصال أورام تقدمية وليبرالية وعلمية خبيثة انتشرت في جسد مصر في أعقاب سقوط نظام الخلافة، وتراه فئة ليبرالية كميناً منصوباً لقوى الإسلام السياسي لتعلن فشل مشروعها.

أغلب الذين وجه إليهم السؤال اعترف بأن الإجابات لم تلب حاجة السائلين ولا فضولهم. خرجت إجابات متفائلة إلى حد أنها جلبت على أصحابها الاتهام بالاستهانة بذكاء السائلين. خرجت إجابات أخرى في أغلفة أكاديمية أو نظرية إلى حد أثار حفيظة السائلين وأعاد إلى الذاكرة حديث الثورة عن مسؤولية المثقفين والصفوة عن انحدار مصر. ثم هناك الإجابات المتشائمة بقسوة وبعضها بلغ مشارف العدمية.

السؤال الثاني: هل نحن على أبواب ثورة جياع؟

هذا السؤال يمكن أن يحمل في ثناياه معنى أن مصر تقف فعلاً على أبواب ثورة جياع وأن موعد فتح هذه الأبواب ليس أكثر من مسألة وقت وفرصة. لاحظت، وتأكدت ملاحظتي بملاحظات مماثلة، أن هذا السؤال غالباً ما يصدر عن شخص يعيش فوق مستوى الجوع، ويخشى أن تحرمه ثورة الجياع إن انفتحت أبوابها من المميزات القليلة أو الكثيرة التي يوفرها له هذا المستوى، مستوى ما فوق حد الجوع. لا أظن أن أحداً يعيش وعائلته عند حد الجوع أو تحته أوقفني ليسألني إن باتت مصر على مشارف ثورة الجياع. السؤال لا يسأله جائع لأنه يتضمن في جوهره الرغبة في تجديد الثقة في أن المؤسسات مازالت قادرة على منع نشوب ثورة الجياع، أو الاقتناع بأن الأبواب لاتزال بعيدة والفرص متوافرة لإبقائها موصدة في وجه الجياع، ومن هذه الفرص الاقتناع المتوارث منذ أيام حكم مبارك بأن أياً من أميركا وإسرائيل وأوروبا ودول الخليج لن تترك مصر للجياع.

السؤال عن ثورة الجياع قد يصدر عن أشخاص لديهم يقين دفين بأنها قادمة لا محال، وأن لا حائل يقف ويعطل قدومها، سوى أبواب قليلة، وهي ليست موصدة على كل حال. هؤلاء يعتقدون أن المؤشرات كافة تدل على أنه لو قرر الجياع الزحف على المدن، فلن يجدوا مقاومة تحول دون وصولهم إلى مآربهم. بعض المنشغلين بهذا السؤال يقضون الساعات في رسم خرائط توضح نقاط التجمع التي سينطلق منها الجياع والمسارات التي سيسلكونها والأهداف التي سينقضون عليها. هنا يتحول السؤال من مشقة الفضول المشروع، ثورة جياع أم لا ثورة جياع، إلى رفاهة الانشغال بحبك رواية تنتمي إلى الخيال العلمي تصور حالة نموذجية من حالات تاريخية أعقبت مجاعات وحروباً مدمرة وتعميمها على وضع متخيل لمصر.

Page 8

يعتمد السائل من هذا الفريق على تطورات عديدة أصابت اقتصاد مصر وتشققات اجتماعية كثيرة. يعتمدون على أن الشباب لن يتحمل طويلاً حال البطالة، وملايين الأسر لن تجد ما تسد به الرمق بسبب ارتفاع الأسعار، والفوضى ضاربة في الطرق، والسكك الحديدية تمنع وصول الحاصلات الزراعية من موانئ التفريغ إلى الداخل، ومن الداخل إلى المدن والعشوائيات المحيطة بها والغائرة فيها، ومستويات أمن غير متوافرة لحماية سكان الضواحي وغيرها من الأحياء التي تسكنها الطبقة الوسطى.

السؤال الثالث: هل نحن على أبواب حرب أهلية؟

غريب أمر المصري السائل عن فرص نشوب حرب أهلية. يسأل كما لو كان عاش شاهداً على نشوب واحدة منها هو أو آباؤه أو جدوده. بعض المصريين سمع بحرب أهلية في لبنان والسودان وفي اليمن أو عاش جانباً منها، وفجأة وجد نفسه يقارن بين أحوال تلك البلاد وحال مصر الراهن، فيتوصل إلى نتيجة أن الحرب الأهلية المصرية لم تنشب بعد... سمعت سائلاً عائداً من أفغانستان يقارن ويؤكد وجود أوجه شبه بين ظروف ما قبل نشوبها. يتحدث عن السلاح المتوافر في كل مكان، وعن أطفال من الشوارع وفي الشوارع وصل السلاح إلى الكثيرين منهم، وعن عاطلين عن العمل في العشوائيات وكثير من المدن.

يعتمد السائل أيضاً على ما يعتقد أنه الأهم. يعدد الشواهد الدالة على أننا لم نعد أمة بهوية واحدة، بل كثرت وتفاقمت هوياتها الثانوية وتدافعت لتحصل على صفة الهويات الأساسية... تنافست على إبراز الكراهية لبعضها البعض. وبين يوم وليلة «تأدلجت» هويات و«تمترست» أخرى خلف المقدسات. راح السائل يقدم الدليل بعد الدليل على أن المؤسسات تكاد تنفرط تحت وقع ضغوط انقسامات الهوية والنوع والولاء. جاء بالحجة بعد الحجة ليثبت أن عائد السلم الداخلي قد يصبح مع مرور الوقت أقل جاذبية من عائد الاقتتال والنهب واحتلال تجمعات سكنية. عرض صوراً ووثائق تؤكد بما لا يقبل الشك وجود قوى وعناصر أجنبية مزودة بأموال هائلة تحميها ميليشيات مسلحة تدين بعقائد أو تفسيرات عقائد «مخلقة» في الخارج. لم يكتف السائل بالقرائن والشواهد التي زودنا بها فأضاف معلومة كثيرة التداول عن ثقوب غزيرة في أستار حدودنا تجاوزت حدود المعقول والمقبول. بعد كل هذا يريد السائل، وسائلون كثيرون، الاستماع إلى إجابة تحدد موعداً لنشوب حرب أهلية في مصر، يعتقدون أنها لا محالة واقعة.

***

لم نجرب كشعب حالة من الحالات الثلاث. لم نجرب الضياع الذي دفع بالناس لتسأل إلى أين نحن سائرون. ولم نجرب الجوع ولا الظروف الممهدة له والمحبطة به التي تجعل البعض منا يسأل عن موعد زحف ملايين الجوعى. ولم نكره يوماً أنفسنا أو بعضنا البعض الآخر، ولم نتطرف أو نمارس الإرهاب ضد أهلنا ومؤسساتنا، ولم نهدم بعـد الأهرامـات وننسف أبو الهول كما فعل الطالبان بتماثيل بوذا، حتى يحق لمواطن من بيننا أن يسأل عن موعد نشوب الحرب الأهلية في بلدنا.

كل سائل من هؤلاء السائلين يتصور نمطاً معيناً لسلوك أمة فقدت طريقها وجاع مواطنوها وكرهت نفسها وينتظر أن تلتزم مصر هذا النمط. ومصر لا تلتزم ولا أظن أنها ستلتزم نمطاً معيناً في تحـديد وجهتها وثورة جياعها وحربها الأهلية. إجابتي على الأسئلة الثلاثة واحدة. مصر ضائعة بالفعل ولا تعرف أين هي ذاهبة. ثورة الجياع، مستعرة منذ أعوام، وأبطالها بائعون جوالون احتلوا قلوب مدنها، وأطفالُ حجارة ومجرمون وذوو سوابق ومتقاعدون وأهل معاشات وعاطلون عن العمل. والحرب الأهلية ناشبة في غالبية محافظات مصر، ضحاياها بالمئات وجرحاها بالآلاف، الغضب المتجدد يرعاها والانتقام الأسود يزيدها اشتعالاً.

***

أفضل لمصر، ولكي نتدبر بحكمة طرق الخلاص، أن نعترف بأن الضياع حاصل وثورة الجياع ناشبة والحرب الأهلية مشتعلة في صور غير مألوفة من أن ننكر الواقع ونستمر نسأل متى يقع.

14/3/2013

Page 9

شرط الاقتراب من حل أزمة مصر

فشلـت الأطـراف كلهـا فـي امتحانـات العاميـن الأوليـن مـن الثـورة. أكثـر القـوى المصريـة مـن تيـارات وأحـزاب تسببـت بسـوء تنظيمهـا أو ركاكـة تكويناتهـا السياسيـة والثقافيـة أو بتخلـف معظـم قياداتهـا وتفاهـة تفكيرهـا، فـي الإسـاءة إلـى بعضهـا البعـض وإلى ثـورة مصـر ومصـر نفسهـا.

تمادينا في تشخيص الأزمة التي نعيش ويلاتها، وتمادينا في توجيه اللوم وتحميل الأطراف الأخرى مسؤولية الأحوال الثلاثة التي وصلت مصر إليها: حال الضياع، وثورة الجياع والحرب الأهلية. والآن يتمادى كل طرف في توريط طرف آخر للدخول في حوار نعرف مقدماً أنه غير مؤهل له، وإن تأهل فهو بالتأكيد غير قادر على الالتزام بما انتهى اليه الحوار. فرقاء الحوار انشغلوا بالدعوات إلى حوار غير ممكن، بينما الناس يزدادون ضياعاً والجوعى جوعاً والمتقاتلون شجاراً وصداماً بدرجات متصاعدة من العنف.

أكتب هذه السطور مطمئناً إلى أن اسوأ ما خبأه القدر، أو دبرته المؤامرة أو تسبب فيه جهل وجشع وسذاجة أطراف في الأزمة، قد مر وهو الآن وراءنا، وأن ما هو قادم أقل سوءًا أو أقل شراسة. أستند في اطمئناني، ولا أقول في تفاؤلي، إلى أمور عدة تظهر أمامي في شكل حقائق جديدة تنسج خيوطها خيطاً بخيط. أبدأ بأمر أعتقد أنه الأبرز والأوضح. نعرف أن الحوار صار كلمة أو فكرة سيئة السمعة. سمعنا طعوناً جارحة في محاورين ودعاة حوار، ربما كانوا حسني النية، وشاهدنا خيبات أمل لا تحصى تطل من عيون عديد المحاورين ودعاة الحوار. كثيرة هي الأسباب التي عطلت الحوار أو أساءت إلى سمعته كأداة للاقتراب من الحل، ولكن المؤكد هو أن غالبية الناس فقدوا الثقة في الحوار وفي الدعاة وانفضوا عنه وعنهم.

ننسى أحياناً، وربما عن قصد، أن السمعة السيئة التي لحقت ببعض الشخصيات الداعية للحوار أو المنظمة له أو المشاركة فيه، جاءت نتيجة الحملات اللاذعة التي تبادلها أطراف الأزمة السياسية المصرية على امتداد عامين. أقابل أجانب، عرباً أو فرنجة، أغلبهم مندهش لحجم الإساءات التي ألحقها كل طرف بالأطراف الأخرى. سمعت أحدهم يؤكد أنه، وبعد أن سمع ما سمع من إساءات وتهم وإدانات، لو كان مواطناً مصرياً لاحتار في اختيار من يمثله في انتخابات رئاسة أو برلمان. أكثرية الأسماء السياسية المطروحة في الساحة لوثتها الحملات المتبادلة. بعضها فقد أرصدة بذل في جمعها دماً وجهداً ومالاً وفيراً على امتداد عقود وتأتي في صدارة هذا البعض أسماء عديدة في قيادة جماعة «الإخوان المسلمين» وأسماء عينت نفسها رموزاً لتيارات سياسية أخرى.

لم يعد يوجد على مسرح السياسة في مصر من السياسيين الذين يحظون بثقة الشعب عدد يسمح بإجراء حوار مثمر ورشيد. لقد كان للثورة المصرية الفضل في أن انكشف للمصريين أسوأ ما في النفس السياسية المصرية وأسوأ ما في مؤسسات الدولة. بل ولم يعد خافياً أن فشل تجارب الحوار أو الدعوة له خلال الشهور الماضية، أكد الشكوك الرائجة حول صعوبة العثور على قيادات تمارس الحوار وفي الوقت نفسه على «وسطاء» أكفاء للتقريب بين وجهات النظر المتباينة حول أزمة السياسة في مصر.

***

Page 10

مر على مصر عامان عانت خلالهما من مضاعفات القصف المتبادل بين مختلف القوى والتيارات. جرى اتهام الإسلاميين عموماً بأنهم سرقوا ثورة عزيزة على نفوس الليبراليين خاصة وشعب مصر عامة. وفي الجانب الآخر وصم الإسلاميون الليبراليين بالعلمانية، بمعنى الإلحاد. وفى مرحلة أخرى وقع اتهامهم باستدعاء الفلول والتحالف معهم ضد الثورة وضد «الإسلام». هؤلاء وأولئك اتهموا المجلس العسكري، ممثل المؤسسة العسكرية، بأنه تدخل في ما لا يعنيه متسبباً في ارتباك سياسي غير محدود يكلف مستقبل مصر وأجيالها القادمة ثمناً باهظاً. ثم إنه أساء إلى سمعة المؤسسة المحترمة التي يحمل اسمها حين مارست قواته قدراً عالياً من العنف في التعامل مع المتظاهرات والمتظاهرين، فضلاً عن أنه لم يبذل جهداً حقيقياً أو جاداً لإصلاح جهاز الشرطة في وقت كان مناسباً. الخلاصة أنه استحق بأخطاء عديدة وقع فيها أن تلحق به إساءات أكثرها عن حق، وبعضها عن باطل، ولكنها في مجملها وآثارها لا تقل خطورة عن تلك الإساءات التي لحقت بالتيارات الإسلامية والليبرالية والفلولية. ومع ذلك وبسبب تدهور أداء معظم قادة التيارات الأخرى وفشلها في التوصل إلى قاعدة حوار معقولة، عاد الرهان على المؤسسة العسكرية ليحتل مكانة سيد الاحتمالات، برضاء البعض. وفي حال استمر التدهور سيعود الرهان عليها برضاء الأكثرية.

لم يكن في حسبان الكثيرين أن تصل سياط السياسة اللاذعة إلى الأزهر الشريف. كان المتصور للبسطاء وهواة العمل السياسي أن وصول تيارات الإسلام السياسي إلى ساحات السياسة والحكم سيضيف قوة إلى قوة هذه المؤسسة العريقة وقيمتها. الآن يقول بعض مؤرخي التطور الديني في مصر على مر القرون: إن الأزهر لم يتعرض في تاريخه لإساءة متعمدة ومنكرة كتلك التي تعرض لها على أيدي قوى معينة تحمل شعارات الإسلام السياسي الذي خرج من رحم الثورة المصرية.

***

إذا صحت صورة الوضع السياسي المصري الراهن حقيقة وواقعاً بالدرجة نفسها التي تظهر فيها لنا وللعالم الخارجي واضحة لا تقبل اللبس، فإننا نكون أمام مستقبل قريب يستحيل فيه على تيار بعينه أو مؤسسة بعينها أن تتصدر العمل السياسي مستندة إلى ثقة الشعب بها. لقد فشلت الأطراف كلها في امتحانات العامين الأولين من الثورة. لم ينجح أحد. أقول هذا وأمامي علامات الفشل أراها في كل مكان في مصر، وألمسه في كل مكان زرته خارج مصر. أكثر القوى المصرية، تيارات ومؤسسات وأحزاب وقيادات تسببت بسوء تنظيمها أو ركاكة تكويناتها السياسية والثقافية أو بتخلف معظم قياداتها وتفاهة تفكيرها وانعدام خبراتها وهشاشة تجاربها وضعف بنيتها التحتية، وبإصرارها على العيش داخل أنساق عفا عليها الزمن، في الإساءة إلى بعضها البعض، وفى المحصلة النهائية أساءت إلى ثورة مصر ومصر نفسها.

***

أصحاب النيّات الحسنة كثيرون. هؤلاء يعتقدون أنهم بجهود بسيطة سيتمكنون من لم شمل هذه الأطراف، أو التقريب بين وجهات نظرهم، أو التوصل بهم ومعهم إلى صيغة تعايش تضع أساساً لمرحلة انتقالية جديدة. أتمنى لهم حظاً سعيداً في جهودهم وأدعو لهم بالتوفيق في مسعاهم. ولكن يجب تحذيرهم من مغبة القفز فوق شروط أعتقد بوجوب توافرها لتحقيق نجاح مهمات الوساطة والتقريب.

لا أعتقد أن أحداً سيطالب الأطراف كافة أن تطلب المغفرة أولاً عن ذنوبها التي ارتكبتها في حق بعضها البعض. ولكنى ادعوها أن تنظر في داخلها وتتأمل في ما فعلت بنفسها وبتقاليدها وقواعدها وقيمها وطموحاتها. بل أشعر وبيقين كبير أن مصر على وشك أن تشهد عمليات واسعة من النقد الذاتي تقوم به مختلف التيارات والمؤسسات السياسية. هذه الأطراف جميعها أخطأت في حق نفسها قبل أن تخطئ في حق المجتمع أو الوطن، وأعتقد بأن بعضها أخطأ في حق الدين ورسالته وقيمه أخطاء لا تغتفر ولن تتسامح فيها الأجيال الشابة.

أتوقع أن يسبق التوصل إلى تقارب بين مختلف تيارات العمل السياسي في مصر انعقاد جلسات ومؤتمرات «مساءلة ومحاسبة» للقيادات التي تولت مسؤولية التوجيه والقيادة خلال العامين الماضيين. بعض هذه القيادات يتهمها جيل جديد في صفوف أحزابها وتنظيماتها بأنها فرطت في تراث وجهد وأموال وأحلام ومعتقدات حملتها أجيال خلال عقود عديدة. السؤال الكثير التردد هذه الأيام في صفوف تيارات دينية وعلمانية وعسكرية وأمنية هو: ماذا فعلتم يا قادة حتى جلبتم علينا سوء الحال وأساء بعضكم إلى حقائق في الدين والوطن والنهضة والتنوير والتاريخ؟ والآن تشوهون المصير.

أتوقع أن تحدث في وقت قريب داخل بعض، إن لم يكن داخل كل، التيارات والأحزاب والقوى السياسية والتنظيمات الاجتماعية تغييرات تعكس انتصار جيل لم يهزم على جيل من القيادات فشل في أن يرقى إلى مستوى ثورة.

21/3/2013