eKtab
EN ع
قراءة الأعراب الرواة ومشاهير العلماء
Read free sample

قراءة الأعراب الرواة ومشاهير العلماء

by د. حسين محيسن ختلان البكري

Page 1

لاشك أنَّ الباديةَ المنبعُ الصافيّ للفصاحةِ والبلاغةِ ، فلغتُها خالصةٌ وشّفافةٌ لا شائب فيها ، وعليه كانت عربَ الجاهليّة إذا ما ولد لهم مولود أرسلوه إلى البادية لينشأ قويَّ الجسمِ فصيحَ اللسانِ ، قويَّ البيانِ ، فارساً مقداماً .

وكان علماء اللغة القدماء كالخليل والكسائي والأزهري يقصدون البادية للسماع من أفواه الأعراب اللغة، من مفردات ، وأشعار ، وأقوال فيدونونه في قارطيسهم فضلاً عن حفظه في ذاكرتهم ، فيعودون إلى بلدانهم ومعهم هذا الخزين من اللغة الفصحى فيدوّنونه في كتبهم على وفق مناهج خاصة في التأليف اللغوي .

وكان من أولئك الأعراب الخُلَّصُ صحابة ، وتابعون ، ورواة للحديث ، وَمحدِّثون وقُرّاء ، وعلماء . وقد استقر العلماء في المدينة، ومكة ، والبصرة والكوفة وقد زخر بذكرهم كتاب مشاهير علماء الأمصار لمحمد بن حَبّان البستي .

لقد كان لقراءات الأعراب أثر كبير في اللغة والأدب لما حملته تلك القراءات من ظواهر لغوية .. وهو يبطل دعاوى من يقول من المستشرقين وطائف من المحدثين إنَّ الأعراب لم يكونوا من القراءات بشيء محتجين بأن القرآن ذمّهم بقوله تعالى: ]الأعراب أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً[ (التوبة :97) وبقوله : ]قَالَتِ الأعراب آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ[ (الحجرات: 14) .

وفاتهم أن هؤلاء الأعراب وفدوا على النبي " في المدينة طمعاً بالصدقات ، لا رغبةً بالإسلام . وإن من الأعراب من كان يؤمن بالله ، واليوم الآخر وينفق في سبيله . قال تعالى: ]وَمِنْ الأعراب مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ[ [سورة التوبة: 99] .

وعليه جاء هذا الكتاب لبيان هذه الحقيقة.

أما منهجنا في الدراسة فيتَمثَّلَ بذكر النص القرآني ، والإشارة إلى القراءة ، الواردة فيه وبيان اسم القارئ ، والترجمة له في الهامش .

وقد بينت آراء العلماء في القراءة من توجيه أعرابي لما خالف اصول اللغة مستفيداً من علم الصوت الحديث في تقطيع المفردة تقطيعاً صوتياً ، وبيان علة القراءة وما يعتورها من تسكين وتحريك وتقديم وتأخير في النونيمات .

وتضمن البحث ثلاثة فصول لثلاثة مستويات لغوية هي :

الفصل الأول : المستوى الصوتي ؛ وأشتمل على ستة ظواهر صوتية هي الهمز والتخفيف ، والإمالة ، والإدغام ، وهمزتا الوصل والقطع والإتباع ، والإبدال.

أما الفصل الثاني فهو المستوى الصرفي ودرست فيه الأبنية ، والإفراد والتثنية والجمع ، والحذف.

والفصل الثالث هو المستوى النحوي وخصصته لدراسة بعض الأبواب النحوية، كالتنوين والمبتدأ والخبر، وإنَّ المشددة ، وأن المخففة ، ولات المشبهة بـ(ليس) ، وأعراب الفعل المضارع ، والمفعول به.

أما المصادر فكانت متشعبة ، إذ اشتملت على كتب التفسير والقراءات والنحو والمعجمات ، والتاريخ والشعر ، والتراجم ، والحديث وما إلى ذلك .

أخيراً أرجو الله تعالى أنه يتقبل منا هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم ، وأن يستفيد منه الدارسون ..

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ .

المؤلف

Page 2

التمهيد

1- القراءات القرآنية / دراسة تاريخية

معناها – صلتها بالأحرف السبعة – عددها وقرّاؤها، مقاييس القراءة الصحيحة.

2- الأعرابيُّ والعربيُّ – معناهما والفرق بينهما .

Page 3

1- القراءات

معناها :

القراءات جمع قراءة ، وهي في اللغة مصدر سماعي لقرأ (1)، يقال : قرأ يقرأ قراءةً وقرآناً ، بمعنى تلا يتلو تلاوةً ([2]) .

وهي في الاصطلاح (مذهب يذهب إليه إمام من أئمة القراء ، مخالفاً به غيره في النطق بالقرآن الكريم مع اتفاق الروايات والطرق عنه سواءً أكانت هذه المخالفة في نطق الحروف أم في نطق هيئاتها ([3]) .

أو (هي علم بكيفيات أداء كلمات القرآن الكريم من تخفيف ، وتشديد ، واختلاف الفاظ الوحي في الحروف)([4]) .

والقرآن الكريم كلام الله المنزل على نبينا محمد " لفظاً ومعنى المنقول إلينا كيفية أدائه كما نطق بها " ([5]) . ولكن الرواة اختلفوا في المنقول ، فكل واحد منهم يعزو ما يرويه بإسناد صحيح الى النبي " ([6]) . وكلهم على صواب ؛ لأن القرآن نزل على سبع لغات فكلٌّ يروى بإسناد صحيح بلغته.

صلة القراءات بالأحرف السبعة

أطبق العلماء قديماً وحديثاً على أنه لا يجوز أن يكون المراد بالاحرف السبعة في الحديث الصحيح: (إنَّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه)([7]) قراءة هؤلاء القراء المشهورين ، لأن هؤلاء القراء لم يعيشوا في عصر نزول القرآن وإنما عاشوا في القرن الثاني الهجري ؛ وقد جمع ابن مجاهد (ت324هـ) القراءات وسمى القراء السبعة في كتابه الموسوم بـ(السبعة في القراءات) ([8]) ، وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة ، لأنَّ الحرف في اللغة حرف الهجاء، والكلمة ، والمعنى ، والجهة ، وفي هذا إشكال ([9]) ، ولذلك كانت لهم آراء مختلفة ، وهذه آراء عدد منهم .

رأي ابن قتيبة (ت276هـ)

يرى أن المراد بالأحرف السبعة سبعة أوجه:

الأول : الإختلاف في أعراب الكلمة أو في حركة بنائها بما يزيلها عن صورتها في الكتاب ، ولا يغير معناها نحو قوله تعالى : ]هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ[ ([10]) .

الثاني : أن يكون الاختلاف في أعراب الكلمة وحركات بنائها بما يغير معناها ولا يزيلها عن صورتها في الكتاب نحو قوله: ]رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا[ ([11]) .

الثالث : أن يكون الإختلاف في الكلمة بما يغير صورتها في الكتاب ولا يغير معناها نحو قوله تعالى : ]إنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً[ ([12]) و(كالصوف المنفوش) و]كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ[ ([13]) .

الوجه الرابع أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يزيل صورتها ومعناها نحو قوله تعالى: ]طلح منضود[ ([14]) و(طلعٍ منضود) .

الوجه الخامس : أن يكون الاختلاف بالتقديم والتأخير نحو قوله تعالى : ]وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ[ ([15]) و ]وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْتِ[ .

الوجه السادس : أن يكون الاختلاف في حروف الكلمة دون أعرابها مما يغير معناها ، ولا يزيل صورتها نحو قوله تعالى : ]وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا[ ([16]) ، و ]ننشرها[ .

الوجه السابع : أن يكون الاختلاف بالزيادة والنقصان ، نحو قوله تعالى: ]وَمَا عَمِلَتْ أَيْدِيهِمْ[ ([17]) ، و ]وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ[ .

رأي أبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت310هـ)

يرى أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات معللاً ذلك بأن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ، وأُبَيَّ بن كعب رضي الله عنه تماروا في القرآن ثم احتكموا فيه الى النبي " فاستقرأ كل رجل منهم ، ثم صوّب جميعهم في قراءاتهم على اختلافها([18]) وهؤلاء من قبائل مختلفة.

رأي ابي شامة المقدسي

يرى أن القرآن الكريم نزل بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء، ثم ابيح للعرب أن يقرأوا بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الالفاظ والأعراب ([19]) .

والواقع أن أبا شامة ليس له رأي خاص به ، وإنما هو ينقل عن العلماء .

رأي الفخر الرازي (محمد بن عمر ت 606هـ)

ذهب إلى أن الكلام لا يخرج عن سبعة أحرف ([20]) هي :

1- اختلاف الأسماء من إفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث.

2- اختلاف تصريف الأفعال من ماضٍ ومضارعٍ وأمرٍ.

3- اختلاف وجوه الأعراب.

4- الاختلاف بالنقص والزيادة.

5- الاختلاف بالتقديم والتأخير.

6- الاختلاف بالإبدال.

7- اختلاف اللغات.


عدد القراءات

شاع بين الناس بيان عدد القراءات ، فقيل القراءات السبع ، والقراءات العشر ، والقراءات الاربع عشرة . وحظي جميع قراء هذه القراءات بالشهرة ونباهة الشأن ([21]) ، وأن ابن مجاهد (ت324هـ) أول من حدد هذه القراءات ، وحدد القراء السبعة في كتابه : (السبعة في القراءات) والواقع أنَّ أول من فعل ذلك أبو عبيد القاسم بن سلام ت224هـ)، أي قبل وفاة ابن مجاهد بمائة عام ، وقد جعلهم خمسة وعشرين قارئاً ([22]) منهم سبعة بن مجاهد ([23]) ، وقد اختارهم ابن مجاهد (مصادفة واتفاقاً من غير قصد، ولا عمد ذلك أنه أخذ على نفسه ألا يروي إلا عمن أشتهر بالضبط والأمان ، وطول العمر في ملازمة القراءة ، واتفاق الآراء على الأخذ عنه ، والتلقي منه ، فلم يتم له ما أراده إلا عن هؤلاء السبعة وحدهم ، وإلاَّ فأئمة القراء لا يحصون كثرة ، وفيهم من هو أجل من هؤلاء قدراً وأعظم شأناً)([24]) .

ثم جاء بعد أبي عبيد جبير المكي ، فصنف كتاباً في القراءات اقتصر فيه على خمسة أئمة ، من كل مصر إمام ؛ لأن المصاحف التي ارسلها عثمان إلى الأمصار كانت إلى خمسة أمصار ([25]) ، وهي مكة والمدينة ، والكوفة ، والبصرة ، والشام .

ويبدو أن هذا الكتاب مفقود . ثم جاء ابن مجاهد (أبو بكر احمد بن موسى) فاختار سبعة من اولئك القراء الكثيرين الذين تواترت قراءاتهم باسناد صحيح الى النبي " .


القراءات السبع :

أجمع جمهور الأئمة من أهل القراءات على أنَّ القراءات السبع متواترة تنتهي إلى النبي " ، ومن يقرأ بكلِّ من هذه القراءات يسمى مقرئاً (وهو العالم بها ، رواها مشافهةٌ ، لأنَّ في القراءات أشياء لا تحكم إلاّ بالسماع والمشافهة)([26]) .

والقراء السبعة هم :

1- ابن عامر (عبد الله بن عامر ت118هـ) قارئ الشام ، كان تابعياً إماماً بالجامع الأموي أيام عمر بن عبد العزيز ([27]).

وراوياه هما :

أ- ابن أبان (هشام بن عمار السلمي الدمشقي ت245هـ)([28]) .

ب- ابن ذكوان (عبد الله بن احمد القرشي ت242هـ)([29]) .

2- ابن كثير (عبد الله بن كثير ت120هـ) قارئ مكة وإمامها ([30]) وراوياه هما :

أ- البزي (احمد بن محمد ت205هـ)([31]) .

ب- قنبل (محمقنبل ((احمد بن محمد ت205هـ)ها 0هـ) قارئ مكة وإمامها ها عياً إماماً بالجامع الاموي أيام عمر بن عبد العزيز ها الى النبي صلل غد بن عبد الرحمن ت291هـ) المكي المخزومي ([32]).

3- عاصم بن أبي النجود(ت228هـ)قارئ الكوفة بعد أبي عبد الرحمن السلمي([33]).

راوياه هما :

1- أبو بكر شعبه بن عيّاش الأسدي (ت293هـ) ([34]).

ب-حفص (أبو عمر بن سلمان بن المغيرة ت280هـ) ([35]) ونحن في العراق نقرأ بقراءة حفص عن عاصم.

4- نافع بن عبد الرحمن بن نعيم (ت169هـ) قارئ المدينة ([36]).

وراوياه هما :

أ- قالون (أبو موسى عيسى قالون بن مينات205هـ)([37]) .

ب- ورش (عثمان بن سعيد ت297هـ)([38]) .

5- أبو عمرو بن العلاء (زبان بن العلاء بن عمار بن عبد الله (ت154هـ) قارئ البصرة ([39]).

راوياه هما :

أ- الدوري (أبو عمر حفص بن عمر النحوي ت246هـ) شيخ وقته في الاقراء ، أول من جمع القراءات ([40]) .

ب- السوسي (صالح بن زياد ت261هـ)([41]) .

6- حمزة بن حبيب الزيات الكوفي ت158هـ ([42]).

راوياه هما :

أ- خلف بن هشام البزار ([43]) .

ب- خلاد بن خالد الكوفي ت299هـ ([44])

7- الكسائي (علي بن حمزة الكوفي ت189هـ) إمام أهل الكوفة في الاقراء ، والنحو ، واللغة، رأس مدرسة الكوفة ([45]).

راوياه هما :

أ- الليث بن خالد الكوفي (ت240هـ)([46]) .

ب- أبو عمر الدوري.

القراءات الثلاث المكملة للعشر

اختلف العلماء في هل هذه القراءات متواترة أو شاذة ؟ فقد ذهب الاكثرون إلى أنها متواترة يصل سندها بالرسول " ([47]) ونحن نذهب إلى أنها متواترة ما دامت متوافرة فيها مقاييس القراءة الصحيحة التي سيأتي ذكرها ان شاء الله تعالى.

القراء الثلاثة :

1- أبو جعفر يزيد بن القعقاع التابعي (ت130هـ) قارئ المدينة ([48]).

راوياه هما :

أ- ابن وردان (عيسى بن وردان ت260هـ)([49]) .

ب- ابن جمّاز (الربيع بن سليمان المدني ت170هـ)([50]) .

2- يعقوب بن إسحاق الحضرمي البصري ت205هـ تولى الإقراء بعد أبي عمرو بن العلاء([51]).

راوياه هما :

أ- رويس البصري (ت230هـ) ([52]).

ب- روح بن عبد المؤمن البصري النحوي (ت235هـ) ([53]).

3- خلف بن هشام البزار (ت229هـ) على قراءة الكوفيين ([54]).

راوياه هما :

أ- المروزي (إسحاق بن إبراهيم ت286هـ) ببغداد ([55]) .

ب- إدريس بن عبد الكريم البغدادي (ت292هـ) ([56]).

القراءات الأربع الزائدة على العشر:

أجمع الجمهور على شذوذ هذه القراءات من ناحية الرواية والسند ([57]) لأنهم اتفقوا على أن القراءة الشاذة هي القراءة التي فقدت أحد الأركان الثلاثة .

والقراء الاربعة هم :

1- ابن محيصن (محمد بن عبد الرحمن (ت123هـ) عالم في العربية والقراءات([58]) .

راوياه هما :

أ- ابن شنبوذ (محمد بن احمد ت328هـ)([59]) .

ب- البزي.

2- اليزيدي (يحيى بن المبارك ت202هـ) عالم في اللغة والادب والقراءات([60]).

راوياه هما :

أ- سليمان بن الحكم البغدادي (ت235هـ)([61]) .

ب- أحمد بن فرج (ت303هـ)([62]) .

3- الحسن البصري (أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن) ، مولى، الانصاري التابعي عالم في اللغة والفقه والقراءات (ت110هـ)([63]) .

راويا الحسن البصري :

أ- ابو نعيم البلخي (شجاع بن ابي نصر ت290هـ)([64]) .

ب- الدوري المذكور آنفاً.

4- الأعمش (سليمان بن مهران الاسدي مولاهم ت248هـ)([65]) .

وراوياه هما :

أ- الحسن بن سعد المطوعي (ت371هـ) ثقة ، عرف بالضبط ، إمام في القراءات([66]).

ب- الشنبوذي السطوي (محمد بن احمد ت388هـ) عالم بالتفسير والشعر والقراءات ([67]) .

مقاييس القراءة الصحيحة

وضع ابو بكر بن مجاهد ثلاثة مقاييس للقراءة الصحيحة ، قال (القراءة الصحيحة ، ما صح سندها الى رسول الله " ، وساغ وجهها من العربية ، ووافقت خط المصحف)([68]) .

وشدد ابن الجزري (ت833هـ) على عدم الطعن بالقراءة أو رفضها أو تضعيفها إذا ما توافرت فيها هذه المقاييس الثلاثة ، وعدها من الاحرف السبعة فيجب قبولها سواءاً كانت عن الأئمة السبعة أو عن العشرة ، أو عن غيرهم من الأئمة المقبولين فإذا اختل أي مقياس من هذه المقاييس عدّها شاذة أو ضعيفة مهما كانت درجتها ([69]) .

وتحصل بالقراءة الشاذة على مذهبين هما ([70]) :

الاول جعل الشاذة التي يتوافر فيها الشرطان الاول والثالث أي صحة سندها وموافقتها للعربية.

والثاني جعل القراءة الشاذة التي يتوافر فيها الشرطان الثاني والثالث أي موافقتها للعربية وخط المصحف.

فالمذهبان متفقان على صحة السند في تحديد القراءة ، وعليه عد بعضهم القراءة متواترة وصحيحة حتى اذا فقدت الشرط الاول أو الثاني.

Page 4

2- الأعرابيّ والعربيّ.

معناهما والفرق بينهما.

الأعرابيّ والعربيّ كلاهما مشتق من الجذر الثلاثي (عرب) ومعناهما التبيين والإيضاح ([71]) يقال : أعرب فلان عن نفسه ، أي : أبان عنها ووضح . ومنه ما جاء في الأثر (الثيَّب يعرب عنها لسانها) ([72]) ، أي يبين ويوضح .

ويقال : أعربتُ الشيءَ ، وأعربتُ عنه وعرَّبته بالتثقيل ، وعرّبتُ عنه ، كلها بمعنى التبيين والإيضاح. ولكنّ الفراء عدّ : أعربتُ عنهُ أجودَ من عرّبتُهَ وأعربته ([73]).

وينسب إلى (أعراب) : (أعرابي) ، وإلى (عرب) : (عربي) ، وهذا الجمع اسم جنس جمعي لأنه لا واحد له من لفظة ، فيفرق بين الجمع والمفرد بياء النسب وهاء التأنيث.

قال سيبويه: (إنما قيل في النسب إلى الأعراب : أعرابيّ ؛ لأنه لا واحد له على هذا المعنى ألا ترى أنك تقول : العرب فلا يكون على هذا المعنى ، فهذا يقويه)([74]) .

وعربيّ بيَّن العروبة ، وهما من المصادر التي لا أفعال لها ([75]) .

إن الأعراب العروبة ، وهما من المصادر التي لا افعال لها ها ه لا واحد له على هذا المعنى ألا ترى أنك تقول : العرب فلا يكون علاى هذا هم سكان البادية خاصة ، وهم الذين يكونون ذوي نجعة وارتياد للكلأ ([76]) ، والعرب هم أهل الأمصار والريف القريبة منها ([77]) .

قال الازهري: (... سواء أكانوا من العرب أو من مواليهم ، فمن نزل البادية وجاور البادين ، وظعن بظعنهم فهم أعراب ، ومن نزل بلاد الريف واستوطن المدن والقرى القريبة وغيرها ممن ينتمي الى العرب فهم عرب ، وإن لم يكونوا فصحاء)([78]) .

وكان العربي يفتخر بنسبه ، لايرضى لنفسه إلا هذه النسبة ، حتى أنه إذا قيل له يا أعرابيُّ غضب له ، وإذا قيل للأعرابي يا عربيٌ فرح بذلك وهش له([79]).

إنَّ أعراب البادية فصحاء خُلَّص عاشوا ونشأوا في الجزيرة العربية ولم يتصاوا أو يختلطوا بما جاورهم من الأعاجم ، فبقيت لغتهم فصيحة ، وصافية لم يتسرب إليهم اللحن في القول . ونجد أن كثيراً منهم رواة للحديث واللغة ومنهم عدد من القراء. واخذ عنهم العلماء النحويون اللغة والحديث والقراءات كالخليل ، والكسائي ، وسيبويه ، والأخفش . كما أن منهم عدداً من الصحابة والتابعين .

والعجب أن كثيراً من الباحثين والدارسين لا يفرقون بين الأعراب ، والعرب ، والأعرابي ، والعربي ، فطعنوا بالعرب تارة ، وبالأعراب تارة اخرى واغلب هذا الطعن يأتي من المستشرقين.

قال الازهري : (والذي لا يفرق بين العرب والأعراب ، والعربي والأعرابي ربما يتحامل على العرب بما يتأوله من قوله تعالى : (قَالَتْ الأعراب آمَنَّا) الآية هؤلاء قومٌ من بوادي العرب ، قدموا على النبي " في المدينة طمعاً في الصدقات ، لا رغبةً في الإسلام ، فسمّاهم الله الأعراب ، فقال : ]الأعراب أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً[ ([80]) .

وهذا ما دفع عدداً من الباحثين إلى الاعتقاد بأنَّ الأعراب ليسوا بقُرّاء او رواة حديث ، أو مُحدِّثين ، لأن الراوي للحديث يشترط في روايته الثقة ، والصدق ، والامانة، والعدل والضبط، وثمة سؤال يتبادر إلى الذهن وهو هل يقال للمهاجرين والأنصار أعراباً ؟ ، والواقع أنه لايجوز أن يقال للمهاجرين والأنصار أعراباً وإنما هم عرب لأنهم استوطنوا القرى العربية وسكنوا المدن ([81]) .

فالأعراب إذن صنفان ؛ صنف منافق كما وصفهم الله تعالى في سورة التوبة ، وصنف مؤمن ، يتصف بالايمان والتقوى كما قال تعالى: ]وَمِنْ الأعراب مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمْ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[ ([82]) . وردت (من) في الآية تبعيضية ، أي بعض الأعراب . وروى سيبويه عن عدد من الأعراب في كتابه ، منهم : أبو مرهب في باب نصب المصدر بإضمار فعل متروك إظهاره في معنى التعجب ، قال : (سمعت أعرابياً، وهو أبو مرهب ، يقول : كرماً ، وطول انفٍ ، أي : أكرمْ بك ، وأطول بأنفِكَ ...ولكنه في معنى التعجب ...)([83])

وروى عنهم طائفة من الشواهد الشعرية ، منها ما رواه عن بعضهم في حذف الجار والمجرور إذا دل عليه دليل ، قال : (ومثل ذلك قول الشاعر وهو من الأعراب :

إنَّ الكريم وأبيكَ يعتملْ إنْ لم يَجِدْ يوماً على من يتَّكِلْ

يريد : يتكل عليه)([84]) .

ومن الأعراب الذين روى عنهم أيضاً ؛ أبو ثروان العكلي ، وأبو حرام العكلي ، وأبو السوار الغنوي ، وأبو الجراح ، وأبو الدينار ، وابو زياد ([85]) وهؤلاء كلهم فصحاء وخَلَّصُ قنع بهم أهل المصرين ، وسمع أهل الكوفة والبصرة عنهم ([86]) وكان منهم محدثون ، وقراء وشعراء وعلماء اللغة.

وقد شارك عدد منهم في المناظرة النحوية المسماة بـ(الزنبورية) التي وقعت بين الكسائي وسيبويه في حضرة خالد بن برمك، وهي : (كنت أظنُّ أنَّ العقرب أشد لسعةً من الزنبور فاذا هو إياها)([87]) ، و(فإذا هو هي).

فذهب سيبويه إلى أنه لا يجوز أن يقال (فاذا هو إياها) ويجب أن يقال : (فاذا هو هي) ، أما الكسائي فقال يجب أن يقال : (فاذا هو إياها) فانتصر للكسائي عدد من إعراب الحطمية من سواد بغداد .

 

Page 5

المستوى الصوتي

(م99) 2/703.ر ظر النحويةفاذا هو إياها) ويجب أن يقال : (فاذا هو هي) ، أما الكسائي فقال يجب أن يقال : (فاذا هو إياها) فانتيتناول هذا الفصل بضع ظواهر صوتية حملتها قراءات عدد من الأعراب الرواة والمحدَّثين ، وهي :

Page 6

1- الهمز والتخفيف

الهمز ويقال له النبر وهو (رفع الصوت ، يقال : نبر الشيء ، إذا رفعه ومنه سمي المنبر ، لأنه مكان رفع الصوت)([88]) وحين سمع النبي محمد " رجلاً يناديه: يا نبيء الله ([89]) ، نهاه أن ينبر بأسمه فجعل تحقيق الهمز نبراً ([90]) ، ونص الحديث : (لا تنبروا باسمي)([91]) أي : لا تهمزوه . والهمزة النابرة عند مكي بن ابي طالب (ت437هـ) هي المحققة في النطق)([92]) .

والمحدثون يسمون تحقيق الهمز في النطق النبر الهمزي ، فإذا لينت وتحولت إلى حرف لين أو مد يسموه : نبر اللين أو المد ، فإذا ضعف الحرف أو شدد سموه : نبر التضعيف ([93]) .

والهمزة عند سيبويه حرف مجهور ، وهو (حرف اشبع الاعتماد في موضعه ومنع النفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد عليه ويجري الصوت)([94]).

والهمز يحدث من انطباق الوترين الصوتيين في الحنجرة انطباقاً تاماً ثم ينفرجان ، خلافاً للحرف المهموس الذي عرفه الخليل بأنه (حبس الصوت في الفم مما لا أشراب له من صوت الصدر ، ولا جهاره في المنطق ولكنه كلام مهموس في الفم كالسر)([95]) بمعنى أنه يخرج من الفم من دون جهد .

وتسهيل الهمزة هو تخفيفها ، إذ تنتقل حركتها الى الحرف الساكن الذي قبلها فتضعف ، فتحذف نحو : قَدْ أفلح ، تصبح في التخفيف قَدَ فْلَحَ وهذا يعني سقوط القاعدة الاولى من المقطع الطويل المغلق الثاني وإحلال القاعدة الثانية من المقطع الاول محلها كما هو موضح في التقطيع الآتي :

تحقيق الهمز :

س ع س س ع س س ع س ع

قَدْ أفْلَحَ : ق ـَ د ء ـَ ف َ ل ـَ ح ـَ

طويل مغلق طويل مغلق قصير قصير

تخفيف الهمز :

س ع س ع س س ع س ع

قَد فْلَحَ : ق ـَ د ـَ ف ل ـَ ح ـَ

قصير طويل مغلق قصير قصير

وقد تقلب الهمزة الى حرف مجانس للحرف الذي قبلها ثم تدغم فيه نحو : بريئة وبريّة ، وخطيئة وخطيّة.

ومنه قوله تعالى: ]أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ[([96]) .

إن تحقيق الهمزة وتخفيفها من الظواهر الصوتية الشائعة والمشهورة في اللهجات العربية القديمة التي اشتهر فيها عدد من القبائل العربية دون غيرها ، فقد عرف عن تميم تحقيق الهمز على حين أن المشهور عن اهل الحجاز التخفيف ([97]).

ولعل سبب تحقيق الهمز عند تميم أنهم قبائل بدوية يناسب طبعها النطق بالاصوات المجهورة لما فيها من قوة ، وشدة ، لكي تبلغ هذه الاصوات الاسماع البعيدة التي لا تصدها مصدات من جبال ونحوها ، فهم يسكنون الصحراء المترامية الأطراف ، أما أهل الحجاز فهم يعيشون في المدن وبطون الوديان فناسب طبعها الأصوات المهموسة اللينة في الغالب . ولكن سيبويه ذكر أن التخفيف لأهل الحجاز ليس مطرداً بل غالباً عليهم إذ يعدل عنه الى تحقيق الهمز ، قال : (وقد بلغنا أن قوماً من أهل الحجاز من أهل التحقيق يخففون نبئ ، وبريئة ، وذلك قليل رديء)([98]) . الهمز ونخفيفها من الظواهر الصوتية الشائعة والمشهورة في اللهجات العربية القديمة التي اشتهر فيها عدد من القبائل العربية دون

همز ما لا يهمز

هناك ألفاظ في القرآن الكريم الأصل فيها التخفيف إلا أن عدداً من القراء يهمزونها كلفظ (الجان) في قوله تعالى: ]وَالْجَانَّ خَلَقْنَهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ[([99]) إذ قرأ أبو السمال([*]) العدوي الأعرابي : (والجأنَّ) بابدال الهمز من الالف([100]) والمسوغ لهذه القراءة التقاء الساكنين (الالف المدّية) والنون المشددة فاراد أن يتخلص من الفي قوله تعالى قو بلغنا أن قوماً من أهل تقاء الساكنين فهمز . وقرأ بهذه القراءة أيضاً الحسن البصري . قال ابو جعفر النحاس (روي عن الحسن البصري أنه قرأ(والجأنَّ) بالهمز كأنه كره اجتماع الساكنين)([101]) .

ونحو هذا قراءة ايوب السختياني : (ولا الضألين)([102]) .

وهذا يعني أن (الجأنَّ) بالمد تقع بمقطعين ، أولهما مديد ، وثانيهما قصير ، والمحدثون يسمون الاول (مغرق في الطول) هكذا :

س ع ع س + س ع

ج ـَ َ ن ن ـَ

وهي بالهمز ثلاثة مقاطع ؛ الأول قصير ، والثاني طويل مغلق او متوسط والثالث قصير ، هكذا :

س ع س ع س س ع : ج ـَ ء ـَ ن ن ـَ

Page 7

وهكذا استطاعت بعض المستويات اللهجية القديمة التخلص من هذا المقطع عن طريق الهمز ، عن طريق تقصير المصوت الطويل من المقطع الأول وعلى الرغم من وجود نظائر في كلام العرب نحو (شأبّه) و (دأبَّه) فالهمز غير مقبول ، وغير مستساغ لدى علماء العربية الاوائل ، فقد دعا ابو جعفر النحاس الى تركه([103]). وعندما سأل أبو العباس المبرد أبا عثمان المازني أتقيس ذلك ؟ قال : لا. ولا اقبله ([104]) .

ومما قرئ مهموزاً لفظ (كُفواً) في قوله تعالى : ]وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ[([105]) قرأ الجفاة من الأعراب (كُفْؤاً) بسكون الفاء ، قال ابن خالويه : (قال سيبويه ربما قرأ الجفاة من الأعراب آية 4 من الإخلاص ]وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوْؤاً أَحَدٌ[ من لا يدري كيف هي في المصحف)([106]) .

وجاءت قراءة الأعراب بالهمزة على الأصل وهو (كفْؤاً) لأنه مأخوذ من (الكفء) وهو النظير أو الشبيه ، ولكنهم لما أرادوا الخفة أبدلوا) الهمزة من الواو. جاء في كتاب طلائع البشر (...... وكذا كفؤاً) في سورة الاخلاص قرئ بإبدال الهمزة التي هي الأصل في كليهما واواً للتخفيف بعد ضم ما قبلها وهو عين الفعل أو إسكانه كما قرئ بإبقاء الهمزة على أصله)([107]) .

وقرأ بالهمز أيضاً ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو بن العلاء والكسائي من القراء السبعة واختلف عن نافع ففي رواية (كُفُوُاً) بضم الفاء مهموزة ، وفي رواية أخرى (كُفْؤاً) بسكون الفاء مهموزة ([108]) .

وأجاز ابو جعفر النحاس : (كُفُو) و (وكُفء) وهما لغتان بمعنى واحد ، كما اجاز أن يكون (كفء) مخففاً من (كُفُؤ) كما يقال : رُسْل ، وكُتْب ([109]) فالكفء والكفو لغتان كما قال النحاس ، اللغة الثانية مخففة من الأولى وهما بمعنى واحد .

وهذا يعني ان الأعراب كانوا عندما ينطقون اللفظ يرجعونه إلى الأصل وهم بدو يميلون في الغالب إلى الهمز لما في الهمز من قوة وشدة ، خلافاً للحضر الذين يميلون في الغالب إلى التخفيف لما في التخفيف من يسر في النطق . وهذا يعني أيضاً أن القراءة المتواترة (كُفُواً) تتألف من ثلاثة مقاطع صوتية

س ع س ع س ع س

قصير قصير طويل مغلق

ك ـُ ف ـُ و ـَ ن

أما قراءة الهمز فتتألف من مقطعين صوتيين من نوع

س ع س س ع س

طويل مغلق طويل مغلق

ك ـ ُ ف عـ ـ َ ن

وهذا يعني أن قاعدة المقطع الثاني رجعت إلى الخلف لتشكل قاعدة ثانية للمقطع الأول ، فتحول من مقطع قصير إلى مقطع طويل مغلق فبقي المقطع الثاني قمة بلا قاعدة فضعفت ، فحذفت .

ومما همز وحقه التخفيف لفظ (وآزَّيَّنَتْ) في قوله تعالى: ]حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا[([110]) قرأ عوف الأعرابي([*]) (وآزَّيأَنتْ) بالهمز ([111]) ، الأصل فيه (تزاينتْ) ووزنه (تفاعلت) فأدغم.

الحقيقة آن هذه قراءة شيوخ عوف ، فأخذ بها ، قال ابو جعفر النحاس : (قال عوف الأعرابي : قرأ أشياخنا ((وآزّيأنَّت)) وزنه وآسْوادَّتْ ، وفي رواية المقدَّمي ((وآزّاينت)) )([112]) وقراءة الجمهور (وآزَّيَّنَتْ)) .

وهذا يعني أن القراءة المشهورة (وآزَّيَّنَت) تتألف من اربعة مقاطع صوتية من نوع :

تتألف من اربعة مقاطع صوتية من نوع :
َمي ((وآزّايتت)) ا ((وآزّيأنَّت))ها محدّث ،ل من مقطع قصير غلى في الهمز من قوة وشدة ، خلافا س ع س س ع س س ع س ع

و ـَ ز ز ـَ ي ي ـَ ن ـَ ت

وكذلك قراءة الهمز فهي تتألف من أربعة مقاطع أيضاً هي :

تتألف من اربعة مقاطع صوتية من نوع :
َمي ((وآزّايتت)) ا ((وآزّيأنَّت))ها محدّث ،ل من مقطع قصير غلى في الهمز من قوة وشدة ، خلافا س ع س س ع س س ع س ع س

و ـَ ز ز ـَ ي عـ ـَ ن ـَ ت

بابدال الياء الثانية همزة .

Page 8

2- الإمالة

الإمالة عند علماء التجويد هي (ان تنحوا بالفتحة نحو الكسرة ، وبالألف نحو الياء ، فأن كان قليلاً فهي الصغرى ، وأن كان كثيراً فهي الكبرى)([113]) .

وعكس الإمالة الفتح ، وهما لغتان فصيحتان (ليست أحداهما أقدم من الأخرى فالإمالة لغة عامة أهل نجد من تميم ، وقيس ، وأسد . والفتح لغة أهل الحجاز)([114]) وبهما نزل القرآن الكريم .

وسبب الإمالة هو (إما ياء ساكنة في أواخر الأسماء . أو الأفعال ، وإما ألف منقلبة عن ياء، أو بعض الأوزان كـ(فَعْلى، وفِعْلى، وفُعْلى، وفِعالى، وفُعالى.) . وما جاء من غير هذه الأوزان ككلمة آخرها راء في محل الجر فيها ألف ساكنة ، أو جاء في محل الرفع)([115]) .

ومن الإمالة قراءة أبي واقد الأعرابي([*]) لقوله تعالى : ]وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا[([116]) فقرأ : (فِاصطادوا) بكسر الفاء ([117]) وقرأ بهذه القراءة أيضاً أبو الجراح الأعرابي([**]) ونبيح الأعرابي([***]) والحسن البصري ، والحسن بن عمران ([118]) فهذه القراءة أذن شاذة لمخالفتها خط المصحف. وقد رفضها ابن جني وعدّها مشكلة لكسر فاء الكلمة ، وهي همزة وصل قال : (هذه القراءة ظاهرة الإشكال ، ذلك انه لا داعي إلى إمالة فتحة هذه الفاء كما أميلت فتحة الراء الأولى من الضرر لكسرة الثانية ، وكما أميلت فتحة النون من قولهم : وإنا إليه راجعون، لكسر الهمزة ، ونحو ذلك ، فمن هنا أشكل أمر هذه الإمالة إلا أن هنا ضرباً من التعلل صالحاً وهو لك ان تقول : ((فاصطادوا)) فتميل الألف بعد الطاء ، إذ كانت منقلبة عن ياء الصيد فإن قلت : فهناك الطاء ، فهلاً منعت الإمالة ، وكذلك الصاد...)([119]) .

إنّ إمالة الفاء لغة نجدية فصيحة ، ولكنها قليلة ، حكى الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة (ت 216 هـ) أن بعض بني أسد يقولون : (فِإنَّهَم يكذبونك)([120]) بإمالة الفاء نحو الكسر .

ويمكن توضيح هذه القراءة الشاذة على النحو الأتي :

القراءة المشهورة بهمزة الوصل فاصطادوا

س ع س س ع ع س ع ع

ف ـَ ص ط ـَ َ د ـُ ُ

القراءة الشاذة بهمزة قطع وبإمالة الفاء

س ع س ع س س ع ع

ف ـِ عـ ـِ ص ط ـَ َ د ـُ ُ

وهذا يعني سقوط قاعدة المقطع الأول الثانية

والمجيء بالهمزة قاعدة أولى للمقطع الثاني وهي همزة القطع التي جيء بها في هذه القراءة .

فأصبحت قراءة الهمزة بأربعة مقاطع بدلاً من ثلاثة مقاطع في قراءة الجمهور .

Page 9

3- الإدغام

الإدغام في اللغة ادخال حرف في حرف ، يقال أدغمت اللُّجام في فم الدابة أي ادخلته في فيها ([121]) . وأدغمت الثياب في الوعاء أدخلتها فيه ([122]) اما في الاصطلاح فهو أن تصل حرفاً ساكناً بحرف مثله من غير أن تفصل بينهما بحركة أو وقف ، فيصيران كالحرف الواحد لشدة اتصالهما ([123]) فالإدغام أذن (إنما هو تقريب صوت من صوت)([124]) .

وعلة الإدغام أن العرب لا تألف في كلامها تجاور الحروف المتقاربة في مخارجها([125]) إذ يفضي هذا التجاور إلى الصعوبة في النطق ، لذا يؤتي بالإدغام طلباً للتيسير ، وسهولة النطق .

والإدغام نقيض الإظهار ، وهما لغتان واردتان في القرآن الكريم ، وفي كلام العرب ، فوجه الإدغام طلب التخفيف . (وقيل لأن اللسان إذا لفظ بالحرف من مخرجه ثم عاد مرة أخرى للمخرج بعينه ليلفظ بحرف أخر مثله صعب ذلك ، وشبهه النحويون بمشي المقيّد ، لأنه يرفع رجلاً ثم يعيدها في موضعها ، أو قريب منها . وشبهه بعضهم بإعادة الحديث مرتين ، وذلك ثقيل على السامع ، ولذلك أدغم أبو عمرو بن العلاء وقال : (الإدغام كلام العرب الذي يجري على ألسنتها ولا يحسون غيره)([126]) لقد شاعت ظاهرة الإدغام بين قبائل وسط الجزيرة العربية وشرقيها كقبيلة تميم ، وطيء ، وأسد ، وبكر ، وغيرها . أما التي أثرت الإظهار فهي قبائل الحجاز ، وقريش ، وثقيف ، وكنانة ، وهذيل ([127]) .

والإدغام ثلاثة أنواع : إدغام المتماثلين ، وإدغام المتقاربين ، وإدغام المتجانسين([128]) وهو ضربان : إدغام كبير وإدغام صغير ، فأما الإدغام الكبير فهو ما كان أول الحرفين فيه متحركاً سواء أكانا متماثلين أم جنسين أم متقاربين . وسمي كبيراً لكثرة وقوعه فإذا كانا متماثلين أسكن الأول وأدغم في الثاني ، وان كانا غير مثلين قلب الأول كالثاني ثم ادغم فيه . فمن المثلين ، إدغام النون بالنون كما في لفظ (بأعيُنيِنا) في قوله تعالى: ]تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ[([129]) قرأ ابو السمال الأعرابي (بأعْيُنَّا)([130]) بأدغام النون بالنون ، كما قرأ بالإدغام ابو عمرو في رواية العباس([131]) ، وقرأ بهذه القراءة أيضاً المطوّعي ([132]) وإنما قرأ هؤلاء بالإدغام طلباً للخفة في النطق .

وقراءة هؤلاء الثلاثة شاذة لأنها مخالفة لخط المصحف .

وهذا يعني عند أهل الأصوات ، أن قاعدة المقطع الرابع رجعت إلى الخلف لتشكل قاعدة ثانية للمقطع الثالث ، فصار مقطعاً طويلاً مغلقاً وسقطت قمته هكذا :

القراءة المتواتر : بأعيُنيِنا :

س ع س ع س س ع س ع س ع ع

ب ـِ ء ـَ ع ء ـُ ن ـِ ن َـً

القراءة الشاذة : (بأعيُنّا) بالإدغام :

س ع س ع س س ع س س ع ع

ب ـِ ء ـَ ع ى ُـ ن ن َـً

هذا هو تفسير المحدثين لقراءة الإدغام .

ومثل هذه القراءة ، إدغام النون بالنون في لفظ (ولا تَمنُنْ) في قوله تعالى: ]وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ[ ([133]) .

قرأ جمهور القراء (ولا تَمْنُنْ) بنونين ([134]) ، وقرأ أبو السمال العدوي (ولا تَمُنَّ) بإدغام النون بالنون ([135]) وقرأ هذه القراءة أيضاً الحسن البصري وأشهب العقيلي ([136]) .

وفي (تستكْثِرْ) ثلاث قراءات ، السكون وهي القراءة المتواترة التي قرأ بها الجمهور ، وسبب السكون أو الجزم لأنه جواب الطلب أو هو بدل من (تمنن) ، المعنى : ولا تمنن ولا تستكثر ؛ أو لأنه إنما سكّن الراء لثقل الضمة مع كثرة الحركات كما حكاه أبو زيد الأنصاري ]بَلَى وَرُسُلْنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ[([137]) باسكان اللام ([138]) أما قراءة النصب فعلى تقدير (أن) المضمرة كما في حرف عبد الله بن مسعود (ولا تمننْ أن تستكثر)([139]) .

ومثله قوله طرفة :

ألا أيُّهذا اللائمي أحضَر الوغى وأنْ أشهد اللذاتِ هل أنت مُخلدي ([140])

أراد : ان أحضر الوغى .

أما قراءة الرفع فعلى أن (تستكثرُ) جملة حالية ، أي لا تعطي عطية لتأخذ أكثر منها ([141]) .

ومنه قراءة أبي مجلز لقوله تعالى : ]وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا[([142]) . إذ قرأ (الله هي) بالإدغام الكبير ([143]) ، وقد انفرد بها أبو مجلز فلم يقرأ بها أحد غيره ، وعليه فالقراءة شاذة .

ومثال إدغام غير المثلين إدغام الباء بالفاء في ]أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ[([144]) قرأ ابو المهلب (أو يغلب فسوف) بالإدغام الكبير ([145]) ، بعد أن قلب الباء إلى جنس الفاء. والمسوغ لهذا الإدغام تقارب مخرجي الباء والفاء فهما صوتان شفويان ([146]) وقد أظهر قوم ([147]) .

وأما الإدغام الصغير فهو الشائع المروي عن جمهور القراء ، وفيه تحقيق مجاورة الصوتين المتجانسين او المتقاربين إذ لا فاصل بينهما ([148]) مثال ذلك (نٍِعِمّا) أي نعم ما، لم أقف على اسم القارئ الأعرابي لهذه القراءة .

Page 10

4- همزتا الوصل والقطع

قال الله تعالى : ]وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ[([149]) .

قرأ الهجهاج الأعرابي[*] (وأجنبني ) بقطع الهمزة خلافاً للقياس، إذ همزة الامر الثلاثي هي همزة وصل ، فالفعل (جنب) وأمره أجنب وعليه جاءت هذه القراءة شاذة لعدم موافقتها للعربية .

قال النحاس : (... ويقال أجنبني)([150]) .

ونسبت هذه القراءة أيضاً الى ابن يعمر ، والجحدري ([151]) ، كما نسبت إلى أبي رزين الأعرابي[*] ([152]) .

وتفسر هذه القراءة صوتياً بأن القراءة المتواترة بهمزة وصل تقع بثلاثة مقاطع من نوع :

س ع س س ع س س ع ع

طويل مغلق طويل مغلق طويل مفتوح

و ــَ ج ن ــُ ب ن ـــٍ

والقراءة بهمزة القطع تقع بأربعة مقاطع من نوع :

س ع س ع س س ع س س ع ع

قصير طويل مغلق طويل مغلق طويل مفتوح

وـَ عـ ـَ ج ن ـُ ب ن ـٍ

والذي حصل انفصال القاعدة الثانية من المقطع الاول لتكون قاعدة ثانية لمقطع ثان مكون من الهمزة وحركتها (قاعدة + قمة)

وهكذا دأب الأعراب على تحقيق الهمز انسجاماً مع سجيتهم وطبعهم في اختيار الاصوات المجهورة.