eKtab
EN ع
قراءة حديثة في كتاب قديم
Read free sample

قراءة حديثة في كتاب قديم

by محمد حسين يونس

Page 1

قراءة حديثة فى تاريخ قديم

لست ممن يدعون قدرتهم على تقديم التحليلات السياسية والاقتصادية.. فهذه ليست غايتى ولم أعد لها نفسى .

و لكننى وقد عشت معظم أيام عمرى الواعى فى الفترة ما بين 1960 و 1980 فإنني شأنى فى ذلك شأن عشرات الملايين من الذين عاصروها فى مدن وقرى مصر نستطيع أن نقدم شهادتنا – دون تخصص – فقد شاركنا فى الأحداث و تأثرنا بها ... بل لقد شكلت مجرى حياتنا ... وحاضرنا ... والى حد ما مستقبلنا .

والسطور القادمة هى محاولة لرصد .. وتجميع .. وربط مجموعة من الظواهر الصحيحة بعضها ببعض كان لها الأثر الهام على سير الأحداث.. فإذا كنت من معاصريها فأرجوك قبل أن تعلن موافقتك أو اعتراضك أو رفضك... أن تراجع معى شريط الأحداث التى دائما ما ننساها أو نفقدها فى زحمة " الكبد " الذى خلقنا له

وإذا كنت لم تعاصرها .. فلك أنت أكتب هذه المقدمة... لا كاعتذار عن عدم قدرة العمل الذى بين يديك على التوصيل .. ولكن كى أضع خطوطا عريضة تحت مجموعة من العلاقات والأحداث حاولت قوى كثيرة - عن عمد أو حسن نية – تشويهها أو بلبلتها أو تضخيمها بحيث أصبحت تلك الفترة رغم قربها أكثر فترات تاريخ بلدنا غموضا بالنسبة لمن لم يعاصرها ... ولتثق أن ما ستقرأه على جانب كبير من الصدق إذا سامحتنى على أخطائى الفنية كمحلل سياسى أو اقتصادي أو لاستخدامي لنفس المصطلحات والألفاظ التى كنا نستخدمها حينئذ .

فى يوليو 1961 قضت ( الثورة ) نهائيا على آخر معاقل ( الرأسمالية ) فى مصر . بتأميم البنوك وشركات التأمين والتجارة الخارجية والمقاولات وحصرت هذه الأنشطة فى إدارة القطاع العام .

ثم قامت بإنشاء خط دفاعى صلب لمنع عودتها بإصدار القوانين المنظمة لدور القطاع الخاص " الرأسمالية الوطنية " فى العملية الاقتصادية ... وبقوانين الضرائب والجمارك أصبح هناك سدا منيعا أمام أى تراكم رأسمالى للأفراد ... وبأجهزة الرقابة المختلفة أصبح من الواضح أن الرأسمالية ( المستغلة ) لن يقوم لها قائمة بعد ذلك التاريخ .... ولكن وبعد عشرين عاما فقط من إصدار هذه القوانين أصبح فى مصر 250000 مليونير – أرجو مراجعة الرقم ثانية – ربع مليون مليونير بعضهم يمتلك أكثر من ألف مليون جنيه وعلى الجانب الآخر 34% من الشعب المصرى يعيش تحت خط الفقر ... ألا يدعوك هذا للتساؤل!! كيف تم هذا ... رغم أن معظم هذه القوانين لا زال سائدا لم يتغير .

Page 2

1- مصر الاشتراكية

لم تصل مصر الى " اشتراكيتها " عبر علاقات فلسفية أو نضالات حزبية أو ثورة شعبية و إنما من خلال تجارب ثورة يوليو لتحقيق أهدافها ( الإنسانية ) الست وإرساء أسس مجتمع جديد يتناسب مع الواقع المتغير لنهاية القرن العشرين ..

فعندما حاول قادة الثورة تحرير المواطن من (عبودية العوز ) بإيجاد عمل كريم لكل قادر أو معاش لغير القادر ... وعندما كان عليهم ضمان توفر السلع الضرورية بالسوق بأسعار مناسبة... وعندما حاولوا حماية الجنيه من تقلبات السوق الرأسمالية وخلق اقتصاد وطنى متحرر من النفوذ الأجنبى ... اصطدموا بقوى ( الثورة المضادة ) فى الداخل والخارج .. واكتشفوا أن عليهم فى سبيل ضمان حرية وطنهم مساندة الثورات الوليدة والانضمام الى مجموعة عدم الانحياز و إحياء القومية العربية والوحدة الأفريقية والجامعة الإسلامية وخلق علاقات متوازنة مع دول المجموعة الاشتراكية وقوى السلام العالمى ومقاومة الاستعمار ... و أن عليهم كذلك اتباع منهج الاشتراكية كأساس لإدارة اقتصاد الدولة .

وبالتالى لم تكن قوانين يوليو 1961 هى بداية " الاشتراكية " فى مصر ولكنها كانت الخطوة النهائية لفرض سيطرة أجهزة الدولة على مجمل الاقتصاد القومى وتوجيهه وتقليص نفوذ الإقطاع والرأسمالية ومنع ظهورهما ثانيا وما تبع ذلك من بث لوعى و تأصيل لقيم أخلاقية جديدة تتناسب مع الواقع المستهدف .

وتغير شكل المجتمع بعد التأميم لقد أصبحت الدولة هى المنتج الرئيسى سواء كان ذلك فى الزراعة أو الصناعة أو المقاولات أو التجارة أو الخدمات ... فى الفن أو الثقافة أو السينما أو الكتاب أو المسرح أو الإذاعة والتليفزيون .. أو بمعنى أدق فى مجمل أنشطة الحياة الإنسانية .

لقد ألزمت الدولة نفسها بإيجاد عمل لكل مواطن ومسكن وطعام وملبس وفرصة تعليم ووسيلة ثقافة ورعاية صحية له... وفى حمايته من قوى العدوان الداخلية والخارجية.

فى تلك الأيام بدأ الدعم للسلع الرئيسية وبناء مئات المدارس والوحدات الصحية والمشروعات الإنتاجية ... وتم إنشاء مسارح الحكيم والقومي والطليعة والعرائس والأوركسترا السيمفوني وفرق الرقص الشعبى والباليه والدار القومية للطباعة والنشر ... وتقرر منح جوائز الدولة فى العلوم والفنون والآداب .. وانعكس ذلك على الأغنية والفيلم والمسرحية والكتاب والشعارات التى تمجد العمل وتعتبره حق وواجب وحياه والتى تتغنى بالاشتراكية والديموقراطية وتعتبرهما جناحا الحرية .. وتدعو للبناء والتصنيع وزراعة الأرض البور والكفاية والعدل .

ونتيجة لذلك تم طرد الاستعمار مرتين وشمخ المصرى بدور بلده الرائد المؤيد للحريات ... و آمن المواطنون " عدا أعداء الثورة " على حياتهم ولقمة عيشهم وتعليمهم وصحتهم ومستقبلهم رغم سيطرة الدولة الكاملة على كل مداخل ومخارج الاقتصاد القومى .

فالزراعة التى كانت يسيطر عليها الإقطاع من خلال ملكيته لمعظم الأراضى الزراعية أصبحت الدولة بقوانين للإصلاح الزراعى 1952 وما تلاها وقوانين العلاقة بين المالك والمستأجر هى المسيطر الرئيسى عليها من خلال أجهزتها الممثلة فى وزارة الإصلاح الزراعى والجمعيات التعاونية التى تشرف على الملكيات الصغيرة المفتتة تحدد نوعية المحصول وطريقة تسويقه وسعره وتمويل زراعته .

والصناعة بعد تأميم ممتلكات الأجانب فى 1956 وتكوين بدايات القطاع العام ممثلة فى المؤسسة الاقتصادية سيطرت عليها الدولة فى محاولة لتحقيق حلمها الطموح " من الإبرة الى الصاروخ " فأنشأت شركات قطاع عام للسماد والأسمنت والحديد وصناعة السيارة والطائرة والصاروخ ... وطورت الشركات القائمة فى غزل ونسج القطن وصناعة القماش والسكر والزيت تاركة هامشا ضيقا للقطاع الخاص يتمثل فى مجموعة من الورش الصغيرة التى يشرف على منتجاتها ويحدد أسعارها أجهزة الرقابة الحكومية .

والمقاولات التى كان عليها عبء إنشاء مبانى خطة الصناعة الطموحة ومبانى الخدمات والدور الحكومية والإسكان وشبكات الطرق والمياه والمجارى والكهرباء بالإضافة الى السد العالى والوادى الجديد تم تجميعها بعد تأميمها فى مؤسسات حكومية رقابية تشرف عليها ... توجهها ... توزع الأعمال بينها ... كذلك تم إنشاء جهاز رقابى يتبع وزارة الإسكان مهمته السماح لمقاولى التخصص بالعمل ضمن إطار خطة الإنشاء ويتأكد من أن كل شركة لم يتجاوز حجم عملها كمقاول باطن لشركات القطاع العام أو الحكومة الحد الأقصى وهو خمسون ألف جنيه سنويا .

والتجارة الخارجية تم حصر نشاطها بالكامل فى شركات القطاع العام والجمعيات التعاونية فيما عدا بعض فروعها فتركت للقطاع الخاص تحت إشراف أجهزة مراقبة الأسعار ووزارة التموين .

والخدمات كانت الحكومة تقدم أغلبها ... جميع أنواع النقل... نقل المياه .. المجارى الكهرباء – الطاقة – التليفونات التعليم.. الصحة.. الثقافة... الإسكان.. مع السماح بهامش ضيق للقطاع الخاص تشرف عليه لجان حكومية لتحديد الإيجارات .

باختصار كان مجمل النشاط الاقتصادي والإنساني تتولاه الدولة والقطاع العام وما يتولاه القطاع الخاص كانت تشرف عليه ( وترشده ) طبقا لخطة مركزية تعدها وزارة التخطيط.

فإذا أضفنا لذلك قوانين الضرائب التصاعدية والرسوم الجمركية العالية الخاصة بحماية الصناعة المحلية وقيود تحويل العملة.. وعضوية مجالس إدارة الشركات لمثلى العمال ... و إقرارات الثروة وتحديد الحد الأقصى لمكافآت ورواتب أعضاء مجالس الإدارات بخمسة آلاف جنيه ... فكيف قام للرأسمالية " المستغلة " قائمة بعد ذلك !!

Page 3

2- صغار.. صغار المستثمرين

رغم القوانين الاشتراكية ... ورغم العنف الثوري ... وسيطرة أجهزة الدولة على مداخل ومخارج الاقتصاد القومى ...

ورغم القيادة ( الوطنية )... إلا أن الرأسمالية استطاعت اختراق جميع القوانين والتحصينات التى أنشأتها الثورة من خلال مهاجمة نقط ضعف النظام الذى لم يجد من يدافع عنه .. فأصحاب المصلحة الأساسية الذين كانوا من الممكن أن يفدوه بأرواحهم تم استبعادهم من اليوم الأول وحل محلهم هؤلاء الذين كونوا ثروات ضخمة بعد ذلك مستغلين كل ثغرة ممكنة فى النظام .

إن القيادات الفنية والاقتصادية للقطاع العام وبعض قيادات الاتحاد الاشتراكى ... والعناصر الانتهازية التى اندست فى الأجهزة الإعلامية والبوليسية تحالفوا جميعا مع فلول الإقطاع والرأسمالية المهزومة لنهب مؤسسات الدولة وتكميم الأفواه واستــخدام ( العنف الثورى ) من معتقلات وقوانين استثنائية لضرب حلفاء الثورة بدلا من أعدائها .. وبالحصار الاقتصادي والاعلامى الذى مارسته ( دول المعسكر الإمبريالي ) ... وبميوعة ( المعسكر الاشتراكى ) الذى كان يسعى الى الوفاق وبنزيف حرب اليمن الذى استهلك الاقتصاد ودمر مخزون العملات الحرة وترك أجهزة الإنتاج تنعى الإهمال ... استطاعت قوى الثورة المضادة أن تحتل مراكز الصدارة وتوجه ضربات قاسية وحاسمة الى " الاشتراكية " وتعود بالرأسمالية الطفيلية الجديدة للسيطرة على الاقتصاد القومى .

ولكن كيف حدث هذا ؟؟ .

عندما هربت فلول الرأسمالية القديمة والإقطاع الى أوروبا ودول عربية حيث جمعت حولها أكثر العناصر انتهازية ... لم يكن هناك من يتصور أن فى استطاعتها العودة ثانيا وعندما انضم إليهم صغار المقاولون والموردون المتحالفين مع بعض قيادات القطاع العام لتبدأ حربا ضارية ضد النظام بهدف تدميره من الداخل والخارج ... لم نهتم جميعا لتأكدنا من ثبات وقوة وشعبية الثورة ..

وعندما سافرت الدفعات الأولى من القوات المسلحة لحرب صغيرة محدودة فى اليمن لم يدر فى خلد القيادة السياسية والعسكرية أنها إشارة البدء لتحطيم النظام ...

فالقيادة العسكرية التى منحت الضباط والجنود بعض الامتيازات الصغيرة – فى تصورها – لدفعهم للسفر مثل البدلات والمعافاة من الجمارك للسلع المستوردة معهم و أولوية الحصول على جميع الخدمات الحكومية كتركيب تليفون أو الحصول على شقة لم تكن تتصور أن العائدون سوف يشكلون شرائح جديدة فى المجتمع تستمتع وعائلاتها بدخول أكبر وامتيازات أكثر ولم تكن تتصور أن بقدوم بضائع اليمن المعفاة من الجمارك أطل المجتمع بشكل واسع على منتجات العالم الرأسمالى فبهرته .. استنزفته فى سوقها الاستهلاكي ...و أغرى الطلب عليها العديد من الضباط والجنود بالتجارة فيها وتهريب العملة .

ومن هنا بدأ تغير الاقتصاد القومى ... فالدخول التى ارتفعت من عائد بدلات السفر والتجارة والتهريب امتصها تجار المخدرات والعملة والمضاربون والمقاولون وتجار الحرام والمتعة بعد أن نشطت تجارتهم .

وبدأت الرأسمالية التجارية خطواتها الأولى بعد أن تشكلت من بعض أفراد القوات المسلحة والتجار والسماسرة وصغار المقاولين وموردى الفن التجارى والمتعة الحرام وتجار المخدرات وبعد أن انضم إليهم بعض منحرفى القيادات الاقتصادية والسياسية الذين زادت السلع الاستهلاكية شهيتهم للكسب السريع عن طريق الرشوة واستغلال النفوذ .

لقد تراكمت لدى الرأسمالية الجديدة كميات هائلة من أوراق العملة التى أصدرتها الحكومة دون أن يكون لها رصيد عمل اجتماعي .. وزاد من تراكمها مضاربتهم عليها فى السوق السوداء ... وخلق الأزمات لرفع الأسعار ... رغم رقابة الحكومة... فاستخدمتها ( أى الرأسمالية الجديدة ) فى مجالات الاستثمار المسموح بها فى ذلك الوقت ...

فى شراء ملكيات صغيرة من الأرض وزراعتها فواكه .. وفى المشاركة على تربية الحيوانات والدواجن ... وفى إنشاء صناعات منزلية خفيفة مثل التريكو والخياطة والسجاد ... أو إنشاء ورش صغيرة لانتاج البلاط والنجارة والأثاث ... وفى بناء المساكن الصغيرة على أطراف المدن . – ونشطت بذلك أعمال المقاولات الصغيرة – كذلك فى تجارة المواد والأدوات الاستهلاكية وفى تجارة المخدرات والعملة ... وفى شراء التاكسيات وعربات النقل ... والشقق المفروشة ...

وبدأت أجور الحرفيين فى الارتفاع .. وبدأت القيمة الشرائية للجنيه تنخفض وعاش المجتمع المصرى أزمة اقتصادية أدت لظهور السوق السوداء و إهمال المرافق وشيوع النمط الاستهلاكى كسلوك وتفسخ القوات المسلحة ثم هزيمة 67 .

لقد كانت حرب اليمن أولى نقاط الضعف التى اخترقتها ( الرأسمالية ) و أطلت منها برأسها ثانيا .

Page 4

3- صغار المستثمرين

هزيمة 67 هى أهم الأحداث التى أعقبت 23 يوليو 1952 تأثيرا فى تاريخ مصر لقد شحذت كل القوى أسلحتها واستعدت للمعركة بــعد أن تصورت ضعف النظام .

ورغم محاولات القائد لتصحيح المسار ببيان 30 مارس 1968 ورغم دعوته لوحدة وطنية تقف صفا واحدا لاسترداد الأرض السليبة برفعه شعار " لا صوت يعلو على صوت المعركة " .. الا أن الرأسمالية الجديدة كان صوتها أعلى من أى صوت مطالبة بتدمير النظام القديم .

ومع اهتمام القيادة السياسية بترميم القوات المسلحة .. انزوت الآمال والأحلام العظيمة لبدايات الاشتراكية ... فتوقفت الصناعات الوليدة خصوصا الحربية منها وعانت من مشاكل التجديد وعجز قطع الغيار .. وتداعت شبكات الخدمات ( مجارى – مياه – كهرباء – تليفونات – طرق ) ... وتم تجنيد زهرة الشباب القادر على العمل وهاجر الآخرون الى الدول العربية و أوروبا ... فتدهورت الزراعة والخدمات التعليمية والصحية والفن والثقافة والعلوم ... وحلت أزمة اقتصادية طاحنة استفادت منها الرأسمالية فى تراكم رؤوس أموال جديدة مستغلة كل ما يمكن استغلاله متهربة من تطبيق القوانين ودفع الضرائب والجمارك .

وبدأ الحماس والحب والاعتزاز والثقة التى تولدت مع انتصارات الثورة الأولى يحل محلها قيم السقوط الأخلاقى التى صاحبت الهزيمة ... فانتشرت وسائل اللهو والعبث والمخدرات وتقديم المتعة المحرمة للوافدين من أطراف الدول العربية .. و أصبحت الرشوة واستغلال النفوذ أعمالا يومية لا يخجل منها المواطن ويحاول سترها ... و أصاب الناس حمى الحصول على المال بأسرع ما يمكن و أسهل ما يمكن ...

فسقطت الخطوط الدفاعية التى أقامتها " الدولة الاشتراكية " خط خلف خط وظهرت " القطط السمان " على حد التعبير الذى ساد فى تلك الأيام .

ولكن .. من أين ظهرت " القطط السمان " ... ؟ رغم وجود القوانين الاشتراكية !!

لقد ظهرت من كل ما هو غير مشروع من أنشطة !!!

الرشوة والعمولات خصوصا فى مجال المقاولات التى كان عليها العبء الأكبر فى إنشاء الخطوط الدفاعية الجديدة .. بدون أى حساب أو منافسة أى بطريقة ( التكلفة + قيمة مضافة).

ومن تهريب البضائع من مصادر أخرى غير اليمن بعد أن زادت شهية المستهلك لها... ونشطت " تجارة الشنطة " الى بيروت و أثينا وليبيا . ومن توريد العمالة للدول العريبة ... ومن المضاربة بسعر الجنيه المصرى بالسوق ومن البغاء والشقق المفروشة وتقديم التسهيلات للسياحة القادمة من الدول العربية ... و أخيرا من بدايات الانتعاش الذى تم مع ورود عوائد عمل العاملين بالخارج .

ومن الطبيعى والموقف بهذا الشكل أن ينعكس ذلك على مجالات الاستثمار الجديدة ... فتصبح استثمارات ذات عائد سريع ... أى فى مجالات الاستهلاك اليومى ...

مثل تربية الدواجن من أجل البيض والذبح والحيوانات من أجل اللبن واللحم . زراعة الفواكه ( وتوقفت زراعة القمح والذرة والقصب والقطن ) صناعة الأحذية والشنط ... تهريب الذهب وصناعة الحلى ... الملابس والسجاد... منتجات خان الخليلى ... وفى مجالات أقل كتأجير الشقق المفروشة للسياح العرب فى الأساس ... تشغيل التاكسيات ووسائل النقل الفاخرة... ورش الإصلاح تجارة العملة والأدوات الاستهلاكية من ملابس وأدوات زينة ( البوتيكات ).

وبدأت ظاهرة الدروس الخصوصية و ارتفاع أسعار الخدمات الطبية والفن الرخيص .

وهكذا كان المسرح قد تم إعداده لأحداث ما بعد 73 لقد ساد منطق جديد... منطق الربح السريع ... ومع انهيار الأخلاق انهار الكتاب والاسطوانة والفيلم والمسرح... وتفشت الفردية وعدم احترام العمل كقيمة ... ولاذ البعض بالدين والدروشة هربا من الطوفان ولجأ آخرون الى الهجرة أو الهروب بأمراض مستعصية نفسية .. أو بالانحلال .

Page 5

4- الاستثمار المتوسط

وحارب الجيش المصرى معركة محدودة استرد فيها جزءا من سيناء ثم وقعت القيادة السياسية بعدها معاهدة للصلح مع إسرائيل وتبادل السفراء ... والبضائع ...

وارتفعت الأسعار خلال شهور الى الضعف .. ولم يتوقف بعد ذلك ارتفاعها ... وساد منطق التجار .... اصبح الربح هو الهدف الأول والدافع الأساسى لكل الأنشطة الإنسانية ولم تعد حاجة المجتمع تلق أى اهتمام ... لقد بدأ استنزاف الرأسمالية السافر لكل قطرة من دم الشعب... وحاصرته بقيمها و أفكارها فرضت عليه علاقاتها ونمطها فى الحياة ... حتى أزمتها و أمراضها حتى جنونها وجنوحها .

وتغير الفن والثقافة والمثل العليا والأهداف والقوانين وتم إلغاء الاتحاد الاشتراكى وتكوين الأحزاب وصدر قانون الاستثمار رقم 43 وتعديلاته ثم قانون الشركات المساهمة وسمح بذلك لكبار المستثمرين بأن تعفيهم الدولة من الضرائب والرسوم لخمس سنوات وبمخالفة قوانين العمالة والحد الأقصى للرواتب ... وقاد " الانفتاح العظيم " الى ضرب آخر التحصينات التى أنشأتها الاشتراكية ...مجانية التعليم و العمل عن طريق القوى العاملة ونسبة العمال والفلاحين بالمجالس الشعبية والقطاع العام والتى أصبحت مصدر جدل ومحاولات مستمرة لتعديلها .

لقد كانت الرأسمالية قد أعدت المسرح لقفزتها الأخيرة ... حدث تراكم رأسمالى لعناصر عديدة يسمح باستثمارات أكبر ... تم التخلى السياسى عن الاشتراكية والمعسكر الاشتراكى ... تم وصم الفترة السابقة بالعنف والارهاب وحكم الفرد والبوليسية ... تمت ( ثورة مايو ) ضد ( مراكز القوى ).. وتم قمع الهبات الشعبية " انتفاضة الحرامية " وتكون جيش معد بأحدث أسلحة القمع " الأمن المركزى " وتم التضخيم الإعلامي لحجم الانتصار المحدود ومبادرة السلام وكامب دافيد وتم الانحياز الكامل لأمريكا وفرشت لها السلطة الورود ليحضر مستثمروها بالأموال والخير والتكنولوجيا .. والقروض وحضر من الخارج كل فلول الرأسمالية القديمة ليتحالفوا مع أبناء الطبقة الجديدة من الحكام وقادة العمل الاقتصادى والسياسى ... وليكونوا جميعا طبقة جديدة من الكومبرادوريون أتباع الاحتكارات الأجنبية ... يقتلون الصناعة والزراعة ويغرقون السوق بالمنتجات الاستهلاكية القادمة من كل بقاع الأرض.

طبقة غير متجانسة كونها التجار الذين أثروا خلال الأزمة... ورجال القطاع العام والبنوك الذين تحالفوا معهم ونهبوا مؤسسات الدولة وشركاتها... والوكلاء التجاريون أبناء وأقارب رجال السلطة والرأسمالية القديمة ... والمضاربون بأسعار الأراضى والعقارات والعملة ... وسكان بور سعيد بعد أن أصبحت منطقة حرة وكبار المهنيين الأطباء والمهندسين والمراجعين والاستشاريين والصيادلة والمحامين الذين أصبحت أتعابهم تفوق أى تصور ... ومنتجو الأفلام الهابطة والفن السخيف وشرائط الكاسيت المنحطة .... والمقاولون ... والعائدون من الخارج .

وبدأ استخدام الأموال المكتسبة من تجارة المخدرات والدعارة والبوتيكات والمضاربة بالعملة والأراضى ... فى إنشاء مجمعات زراعية ضخمة لتسمين العجول والدواجن وزراعة الزهور والنباتات الطبية ...وحدائق الفواكه واحتكرت عائلة أو اثنان هذه المنتجات فارتفعت أسعارها بشكل جنونى واستخدمت هذه الأموال فى الصناعات التجميعية والاستهلاكية كمصانع المياه الغازية والمربات والأثاث والأدوات الصحية والملابس والشامبو وكل ما تشاهد إعلاناته فى التليفزيون ...

واستخدمت هذه الأموال فى إقامة الإسكان الفاخر والمتوسط ... و أصبح تملك شقة هو السائد بعد أن كان الإيجار ... وشاهدنا المجمعات التجارية الضخمة ( السوبر ماركت ) والسلع المعمرة كالسيارات و أجهزة التكييف و أحدث موديلات وماركات الملابس والعطور ومهمات التزين والحلى ... واستخدمت هذه الأموال فى إنشاء المدارس الخاصة والمستشفيات السياحية بأسعار فوق طاقة غالبية الشعب .

لقد أصبح العصر الذهبى لكبار موظفى القطاع العام ... فالانفتاح جعلهم يستبدلون ماكيناتهم ويشترون قطع غيار جديدة ويشاركون شركات أجنبية وينشئون شبكات مياه ومجارى وكهرباء وتليفونات ... ويحصلون على عمولات ورشاوى ضخمة ... لقد أصبح العصر الذهبى لموردى هذه الآلات والمعدات من أقارب السلطويين ...

لقد أصبح العصر الذهبى للمضاربين على أسعار الأراضى المعدة للبناء . و لأصحاب الأعمال الاستشارية وللسماسرة ومكاتب التخديم ولبنوك الانفتاح ... والبلطجية والخارجون على القانون .

ومن الطبيعى أن تكون جميع هذه الأنشطة معفاة من الضرائب والا كيف أمكن لهؤلاء أن يراكموا ملايين الجنيهات .

وزادت سرعة التراكم ... لقد استنفذت الرأسمالية كل ما قدمته أمريكا وأوروبا من قروض .. وكل ناتج البترول وقناة السويس وناتج العمل بالخارج ان الرأسمالية الجديدة تمتلك ما لا يقل عن خمسمائة ألف مليون جنيه ... رغم معاناة الدولة من ديون قيمتها سبعون ألف مليون...

وهكذا استطاعت الرأسمالية أن تعدل نمط السلوك الى سلوك استهلاكى سلعى والقيم الى قيم الربح السريع والخطف والفردية ... والفن الى فن رخيص تجارى ساقط .. والمنافسة الى منافسة همجية وحشية ...

واستطاعت الرأسمالية العالمية تصدير أزمتها الاقتصادية الى مصر بعد أن كانت محمية بأسوار عالية من قوانين الاشتراكية ...

وانخفضت قيمة الجنيه أكثر من مرة و أصبح له أكثر من سعر وارتفعت الأسعار عشرات المرات .

فإذا كنت تعيش مبهورا بالسلع التى حولك تدفعك إليها الإعلانات والجيران والأصدقاء ولا تجد مايكفى لشرائها

إذا حاصرتك الغثاثة من كل اتجاه واختلطت عليك القيم وبلبلتك الفلسفات الجديدة ... إذا كنت تعانى من ارتفاع الأسعار وانخفاض القيمة الشرائية للجنيه الذى كسبته بعرقك ... ولا تجد المسكن أو العلاج أو التعليم أو الملبس أو المأكل ....

إذا كنت مرعوبا من الأمس واليوم والغد ... لا تستطيع أن تتنفس .. فاعلم أن السبب هو تجمع الملايين فى يد الرأسمالية الطفيلية الجديدة التى عرفت تاريخها .

واعلم أننا على أعتاب عصر جديد ستنهار فيه كل المنشآت الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة وستتوه فيه القيم مع عصر المليونيرات.

ولكى تنجو من الجنون والأمراض النفسية التى تصبح ظاهرة فى المجتمعات الرأسمالية.

عليك أن تتسلح بقوة الاستغناء.. عليك أن تستغنى عن أنوار المجتمع الاستهلاكى وتطهر نفسك بالعمل الجاد ... وتبحث فى داخلك عن كل ما هو أصيل وعظيم وقوى.

عليك أن تتعالى عليهم ... " أنظر حولك فى غضب وابصق " ... لقد جمعوا ملايينهم من الرشوة ... من تجارة المخدرات ... من الدعارة ... من المضاربة بالأراضى والعقارات ... من الفراخ الفاسدة .. من العمارات المتهالكة و الساقطة ... من العمل كخدام ( للامبريالية ) و ( الرأسمالية العالمية ) من تجارة العملة ... من الدروس الخصوصية .. من المستشفيات الغالية .. من آلام البشر ومستقبل الوطن ومن الديون التى سيدفعها ابنك وابنى فى يوم ما ...أم أن هذا كلام قديم لن يقبله قارئ الزمن الحديث .

Page 6

 

 
قراءة حديثة فى كتاب قديم
صعود وسقوط الرايخ الثالث
مقدمة
التاسع من أبريل عام 1938 أى فى الليلة التى سبقت يوم استفتاء شعبى ألمانيا والنمسا على الوحدة التى فرضتها قوات الغزو النازى عليهما .. وقف هتلر فى الرايشستاج الألمانى يلقى خطابا هاما بصوت تخنقه العاطفة متوسلا
" أيها الشعب الألمانى امنحني أربع سنوات أخرى عساى أحقق لك فيها ما تتوخاه من استغلال للاتحاد الذى أقمناه لمصلحة الجميع " .
قوبل هذا الحديث العاطفى بعاصفة مدوية وطاغية من التصفيق والاستحسان بحيث تضاءلت أمامها جميع انتصارات الفوهرر السابقة من فوق هذا المنبر .
أكمل متجاهلا أن الاستفتاء لم تظهر نتيجته كما لو كانت أمرا مفروغا منه .
" أعتقد أن إرادة الله هى التى شاءت أن تبعث بشاب من أبناء هذه المدينة الى الرايخ ودفعته فى معارج النهوض ورفعت من شأنه ليصبح زعيم الأمة وليتمكن من ضم وطنه الى حظيرة الرايخ " .
" هناك إرادة أسمى من إرادتنا ولسنا فى الحقيقة الا وكلاء لها .. وعندما نقض الهر شوشينج ( رئيس وزراء النمسا ) وعده فى التاسع من مارس شعرت آنذاك وفى تلك اللحظة أن نداء العناية الإلهية قد قرع بابى ولم أجد فى كل ما وقع من الأيام الثلاثة التالية إلا تحقيقا لمشيئة العناية الإلهية ورغباتها . ولم تنقض أيام ثلاثة حتى كان الرب قد أصابهم بغضبه وشاءت العناية الإلهية أن تمنحنى القوة لأجعل من خيانتهم للعهد سبيلا لتوحيد وطنى مع الرايخ " .
" وانى لأتطلع الى الله بالشكر الآن لأنه سمح لى بالعودة الى وطنى ولأنه أراد أن أقوده الى حظيرة الرايخ الألمانى والآن أسأل الله أن يمكن كل ألمانى من إدراك هذه الساعة وتقدير أهميتها وأن يمكنه من الوقوف خاضعا أمامه جل شأنه ليشكره على المعجزة التى حققها لنا فى غضون بضعة أسابيع " .
وسرعان ما قفز ستمائة نائب كلهم من الذين عينهم هتلر شخصيا ومن الرجال الذين يحملون أجساما كبيرة ورقابا منتفخة وشعورا مجزوزة وكروشا ضخمة ويرتدون بذات بنية و أحذية ثقيلة ... على أقدامهم كالآلات الذاتية الحركة يمدون أذرعهم اليمنى بالتحية النازية ويصرخون " هايل هتلر " بصوت واحد قوى .
وفى اليوم التالى كانت نتيجة الاستفتاء موافقة 99.75 % من الشعب النمساوى المحتل و 99.08 % من الشعب الألمانى الغازى .. على الوحدة .
إذا تأملنا تلك السطور التى تم نقلها من كتاب وليم شيرر "صعود وسقوط الرايخ الثالث" فإننا سنجد أنفسنا وجها لوجه مع الملامح الأساسية التى سيطر بها ديكتاتور الرايخ الثالث على شعبه وتحكم بواسطتها فى مقدراته والتى أصبحت بعد ذلك دستورا لكل من صورت له خيالاته بأنه مبعوث العناية الإلهية والمحقق لإرادتها فى وطنه .
ان هتلر ذلك الطاغية الذى جر الخراب على العالم بما فى ذلك رايخه الثالث المحبب الى نفسه – فاستعبد وقتل وشوه عشرات الملايين من جميع شعوب الأرض سواء فى ذلك هؤلاء الذين حاولوا استرضاءه أو استسلموا له أو قاوموه .. يقف متواضعا بطهارة القديسين يستجدى ثقة شعبه واهما إياه من خلال ميلودراما هابطة مليئة بالأكاذيب بأن ما يفعله ما هو الا إرادة الله التى قدرها لصالح وطنه وحكمه وشعبه .. ولكن وبمجرد أن ينهى خطابه هذا يصدر الأوامر لزبانيته من محترفى الإجرام ليذيقوا كل من ساقته الأقدار ليقع تحت رحمته ويلات الذل والعذاب .
ان قصة فوهرر ألمانيا قصة مكررة فى التاريخ يمثل فيها حلقة وسطية بين طغيان أباطرة الأمس فى مصر وبلاد ما بين النهرين واليونان وروما – فرعون وقيصر والاسكندر وهولاكو ونابليون .. وبين طغيان اليوم الذى نكاد أن نلمسه بأيدينا أينما يممنا وجوهنا شطر آسيا أو أفريقيا أو أمريكا اللاتينية .
ولكن أهمية الفوهرر ونظامه بالذات أنهما كانا يتمتعان بجاذبية شديدة ليس لدى أبناء وطنهما فحسب ولكن لشباب عالم المستعمرات الذين كانوا يرقبونه بحب وتقدير مبالغ فيه وهو يمرغ أنف الإمبراطوريات القديمة فى الرغام .
لقد بهرهم بالزخرف الخارجى للإنجازات السريعة والانتصارات الساحقة التى حققها فى مجالات الصناعة والتنظيم والحرب والمناورة السياسية فأصبح مثلهم الأعلى ونظامه هو النموذج الذى سعوا الى تحقيقه فى أوطانهم متجاهلين الآلام و التدميرات التى تسبب فيها للبشر وغير واعين لمعنى سقوطه .
لقد ترك هتلر بصمته على القرن العشرين فلاشك أن مصارعة هتلر فى النصف الأول من القرن قفزت بالعالم الى آفاق لم يكن يحلم بها فى مجالات التكنولوجيا والتنظيم ... وفى النصف الأخير من القرن ألقى نظامه بظلاله – سواء بالسلب أو الإيجاب – على أنظمة حكومات عالم ما بعد الحرب .
 
Page 7

ولنبدأ القصة من أولها

فى نهاية ثلاثينيات القرن العشرين كان يحكم العالم فلول النظام الإقطاعي المندحر أمام الرأسمالية البازغة .. مجموعة من الديكتاتوريون.. فى ألمانيا هتلر .. فى إيطاليا موسولينى .. والنمسا شوشينج و أسبانيا فرانكو .. واليابان إمبراطور اله وحتى الاتحاد السوفييتى دولة العمال ومهد الاشتراكية كان هناك ستالين الذى قال عنه خورشيتشيف فى المؤتمر العشرين للحزب الشيوعى أنه كان طاغية مضطرب العقل .. على الجانب الآخر كانت هناك الإمبراطوريات الإنجليزية والفرنسية والهولندية والبلجيكية .. تحتل بالقوة والقهر شعوب المستعمرات تضطهدها وتستنزفها .. وفى العالم الجديد كانت أمريكا التى خرجت من حروب الاستقلال والحرب الوطنية تعانى من التفسخ والأزمة الاقتصادية التى جعلت معظم الشعب يتضور جوعا رغم محاولات روزفلت الديموقراطية لرم الصدع .

ان الثلاثينيات فى تاريخ العالم هى اللحظة التى كانت الأرستقراطية الإقطاعية تسلم فيها الرأسمالية الفتية الإعلام من خلال صراع حاد دموى تضطهد فيه الأخيرة عمالها وشعوب المستعمرات وتنقلب على أنظمة الحكم الرجعية التى تقف كحجر عثره فى سبيل تقدمها وفرض سيطرتها .

وكان على الرأسمالية الصناعية أن تتغلب على مشكلتين.. الأولى تلك المقاومة العنيفة من عمالها والمتمثلة فى النضالات النقابية القوية والأفكار الاشتراكية والشيوعية والتى وجدت لها موقع قدم فى روسيا بعد انتصار الثورة البلشفية .

والأخرى .. أن تجد لنفسها أسواقا جديدة توزع فيها منتجاتها وتستورد منها المواد الخام الرخيصة. وتراكــم رؤوس الأموال لتستولى على الحكم وتفرض إرادتها وسيطرتها لمصلحة نموهــــا .

فى هذا الوسط المشبع بالصراع بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى ظهر هتلر وحزبه النازى.

كانت ألمانيا بعد هزيمتها مكبلة بمعاهدة فرساى التى فرضتها عليها الدول المنتصرة والتى كان عليها بمقتضاها دفع خمسة بلايين من الدولارات مقيمة بالماركات الذهبية .. عدا الفحم والسفن والخشب والماشية وغيرها من التعويضات العينية .. وكان جيشها قد تم تحديد حجمه بمائة ألف متطوع وممنوع من اقتناء الدبابات والطائرات والغواصات والقطع البحرية التى تزيد حمولتها عن عشرة الآف طن .. كما أنه كان محروما من تكوين هيئة أركان حرب .

وكان الاقتصاد الألمانى مدمرا من فعل التعويضات ويعانى من بطالة تصل الى سبعة مليون عاطل .. وكان الدولار الذى قيمته أربعة ماركات قد ارتفعت قيمته الى خمس وسبعين فأربعمائة فسبعة الآف فثمانية عشر ألف فمائة وستين ألف فأربعة ملايين مارك بحيث لم يعد للمارك الألمانى أى قيمة على الإطلاق .

وكانت الحياة السياسية ممزقة بواسطة عدد لا نهائى من الأحزاب والجماعات السياسية المتصارعة , وكانت الأرض الألمانية مفصولة أيضا فى كتلتين رئيسيتين تفصلهما بولندا ولا يسمح بالاتصال بينهما .. بخلاف أجزاء أخرى استولت عليها لتوانيا وتشيكوسلوفاكيا.. كذلك كان حوض نهر الراين الملاصق لفرنسا منزوع السلاح ولا يسمح بتواجد قوات مسلحة فيه .

وهنا ظهر الحزب النازى ليحقق انتصارات مدوية متحديا معاهدة فرساى موحدا الشعب محققا تفوقا صناعيا .. متغلبا على البطالة.. مستفزا الديناصورات المستقرة فى أوروبا والمسيطرة على العالم .. مطالبا بما يسمى بالمجال الحيوى لألمانيا .. أى مناطق تزودها بالمواد الخام والمنتجات الزراعية والعمالة الرخيصة وسوقا مستهلكا لنتاج مصانع الرأسمالية .

ظهر الحزب النازى بأفكاره الغريبة عن تفوق العنصر الآرى الذى عليه أن يقود الأجناس الأخرى المنحطة فيستعبدها أو يمحوها من على الأرض , وشجعته الرأسمالية الألمانية .. فقد كان الأمل فى حل مشكلتيها .. فالحزب بأفكاره الغريبة قادر على أن يلجم مقاومة العمال والاشتراكية والشيوعية.. وفى نفس الوقت بنظرته العنصرية يمكنه أن يجد للرأسمالية الألمانية مكانا على الأرض.

وحاولت القوى المحيطة به ملاينته.. فسلمته إنجلترا وفرنسا, بدون أى مقاومة النمسا .. ثم وبقليل من المقاومة تشيكوسلوفاكيا ولكن شراهته لم يكن لها حدود.. فحاولت زجره عندما بدأ فى الاستيلاء على بولندا .. ثم تهاونت أمام ضراوته .. فاستولى على هولندا وبلجيكا .. ثم وجه لهم ضربته الأساسية فاستولى على فرنسا ودمر المدن الأساسية فى انجلترا وحاصر أسطولها بل أطاح بألف سفينة لها .. ثم استدار للاتحاد السوفيتى يلتهمه قطعة قطعة حتى وصل الى حدود موسكو ناشرا الرعب بقواته المتفوقة ونظامه البوليسى شديد الكفاءة شديد الإرهاب .

لقد كان لهذه الانتصارات أثر السحر فى عقول ونفوس شباب المستعمرات الذين تمتلئ قلوبهم بالحقد على الإمبراطوريات القديمة , فشجعوه غاضين البصر عن مجازره مسلمين آذانهم وأفئدتهم لدعاية جوبلز .. لقد كانت الروح الجديدة تبهرهم فأصبحت هى المصدر الأساسي لثقافتهم وهى النموذج والمثل المحتذى .

وحتى بعد أن تسقط إمبراطورية الرايخ تبقى لعنتها متغلغلة فى نفوس وقلوب شباب المستعمرات منتظرة الفرصة المواتية .

وتجئ هذه الفرصة .. فلقد تغير العالم بعد حربه الثانية .. ورغم انتصار إنجلترا وفرنسا .. إلا أن عالم الإمبراطوريات القديمة أذن بالانتهاء.. ومع حركات التحرر الوطنى .. تتحول دول المستعمرات الى دول العالم الثالث ... دول مستقلة سياسيا.. وتابعة اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا.. وتزدهر لعنة الصعود السريع الساحق ويتصور عديد من قادة الشعوب المستقلة حديثا أنهم مبعوثو العناية الإلهية وأن فى قدرتهم أن يحققوا ما فشل الفوهرر عن تحقيقه ... وتصبح السمة الغالبة لحكومات ما بعد الاستقلال فى آسيا وأفريقيا و أمريكا اللاتينية الفاشستية والزعيم الأوحد .

فإذا كانت ظاهرة الحكم النازى قد عمت و أصبحت مثل البثور على وجه الكرة الأرضية .. فلنمعن النظر قليلا فى أسس هذا النظام إذا كنا قد نسينا التاريخ .

كتب وليم شيرر " وصلت الى الرايخ الثالث فى هذا الوقت من أواخر صيف 1934 لأعيش و أعمل فيه .. وكان فى ألمانيا الجديدة الكثير مما يؤثر على المراقبين الأجانب ويزعجهم ويحيرهم .. فلقد بدت الغالبية الساحقة من الألمان وكأنها غير مكترثة بانتزاع حريتها الشخصية منها بتحطم الكثير من ثقافتها لتحل محلها بربرية مجنونة وبأن حياتها وأعمالها غدت منسقة على نحو عسكرى الى حد لم يألفه أى شعب من قبل حتى ولو كان هذا الشعب قد ألف منذ أجيال طويلة حياة التنظيم العسكرى .

ومن المحتمل أن يكون إرهاب الجستابو والخوف من معسكرات الاعتقال كامنا فى النفوس ولا سيما بالنسبة لهؤلاء الذين يخرجون على الصف المنظم أو الذين كانوا فى ماضيهم من الشيوعيين أو الاشتراكيين أو المغالين فى ليبراليتهم أو ميلهم للسلام .. وكانت عملية التطهير الدموية فى 30/6/1934 بمثابة إنذار لما يمكن أن يكون عليه القادة الجدد من قسوة وشدة ".

وفى موقع آخر من الكتاب نجد

" لقد كان الشعب الألمانى يحيا حياة الماشية وقد جثمت على صدره ديكتاتورية متوحشة لا ضمير لها ولا أخلاق ومع ذلك فلقد كان يؤيدها بحماس أصيل فلقد بعثت فى نفوسهم آمالا جديدة وثقة جديدة وإيمانا مدهشا بعظمة بلادهم ومستقبلها " .

Page 8

ولكن كيف تم هذا ؟

بعد انتهاء الحرب سألوا واحدة من المتحمسات للنازى هذا السؤال فردت " لقد تم كل شىء بسرعة وعلى خطوات بحيث تسربت هذه الأفكار الى دمائنا ببطء يوما بعد يوم .. وكانت الانتصارات القومية تجعلنا لا نرى الواقع التعس الذى نعيشه وتصبح كل أعمال العنف التى تحيطنا ثمنا مناسبا لعودة الكرامة " .

أجاب آخر – أى حرية تلك التى فقدناها .. حرية الجوع.. لقد كنا سبعة مليون من العاطلين.. عندما تعطينى الخبز حتى ولو كان قليلا فانه أفضل من الجوع .

أجاب ضابط – لقد حقق هتلر أهدافا قومية بإرجاع النمسا والاستيلاء على تشيكوسلوفاكيا واحتلال الراين بدون أن يطلق طلقة واحدة .. لقد أعاد لى الدبابة والطائرة والغواصة بدون أن يهدر نقطة دم واحدة .

أجاب آخر – أليست فكرة رائعة أن أشعر رغم جوعى بأننى من جنس راق .. بعد كل الذل الذى عانيناه من معاهدة فرساى .

... ألا يستحق هذا التغاضى عن بضعة آلاف من اليهود والشيوعيين والسياسيين القدامى الذين أفسدوا الحياة السياسية وجلبوا لنا الضعف والمهانة والمسكنة .

لقد استطاع هتلر بإطلاق فكر شوفونى مريض عن القومية الألمانية وباستغلال خور وضعف حكومات إنجلترا وفرنسا والنمسا وتشيكوسلوفاكيا .. تحقيق انتصارات تعتمد على مهارات الكذب والدجل ( البلف ) تشبه مغامرات لاعبى البوكر .. وبإطلاق أبواق الدعاية المركزة وبإرهاب أصوات المعارضة وبديماجوجية خطابية أن يسرق حلم الحرية والديموقراطية من شعب جائع محطم يعيش أزمة اقتصادية و أزمة ثقة بالنفس .

ولقد كانت أسلحته فى ذلك المناورة المباغتة والكذب .

واستطاع بذلك خطوة .. خطوة أن يستولى على الحكومة وأجهزة الدولة والإعلام والسيطرة ويحركها كلها بمهارة فى سبيل تحقيق حلمه .. وعلينا ألا نستهين بذلك فالشعب الألمانى المثقف المتحضر استطاع هتلر فى النهاية أن يقنعه بأنه مبعوث العناية الإلهية ومحقق رغبتها فى اللحظة – وهذا الغريب – التى لم يكن يحترم فيها دينا أو كنيسة أو ثقافة أو تقاليد ..

لقد أحكم هتلر قبضته على الشعب الألمانى من خلال عدد من الأجهزة والنظم ... فلنستعرضها

1- حزب " وطنى – اشتراكى " وحيد يمتلك الساحة على رأسه زعيم ملهم .

2- نمط ثقافى شوفونى موجه دستوره كتاب " كفاحى " .

3- نظام بوليسى قوى متغلغل له أدواته القمعية وقاعدته من معتقلات وسجون

4- مؤسسات تشريعية ونيابية وقضائية صورية هى دمى فى يد النظام .

5- جهاز إعلامي له قدرة عالية على الخداع والانتشار ينقل وجهة نظر وحيدة

6- جهاز دولة مركزى بيروقراطى يسيطر على كافة الأنشطة الاقتصادية وحياةالناس .

7- جيش له امتيازات خاصة ومعتنى بتدريبه وتسليحه معتاد على الطاعة .

8- تحالف قوى الإنتاج الإقطاعية والرأسمالية مع العمال والفلاحين بقيادةالبيروقراطية المتحكمة فيهم جميعا.

إنها السمات المشتركة لغالبية أنظمة الحكم الفاشستية لم يخترعها هتلر ولكنه طورها منأمثلة تاريخية سابقة و أعطاها ملامحها الحديثة التى وصلت إلينا بها .

Page 9

1-الحزب " الوطنى الاشتراكى " النازى

عندما استدعى رئيس الجمهورية الألمانية العجوز هندنبرج فى 30يناير 1933 الهر أدولف هتلر ليعينه مستشارا لألمانيا ( رئيس وزراء ) كان بذلك ينهى تلك المرحلة الطويلة من نضال الحزب للوصول الى السلطة .

حقا لم يكن هذا الحدث يمثل الانتصار الكامل للحزب فلقد كان يشاركه الحكم آخرون .. ولكن سرعان ما استطاع هتلر بالتآمر أن يجعل هذه اللحظة هى لحظة الانتصار النهائى له ولحزبه .

ففى 17 فبراير حرق مجنون هولندى – كما ادعى هتلر – مبنى الرايشستاخ وتولت ميليشيات جيش العاصفة بعد ذلك اعتقال جميع العناصر المناوئة أو اغتيالهم بحجة انه تدبير شيوعى .. ورغم انه قد ظهر بعد ذلك أن أعضاء من الحزب بقيادة وتخطيط جورنج الرجل الثانى هم الذين حرقوا المبنى إلا أن ذلك لم يمنع استمرار سيطرة النازى على الحكم وتصفية الحياة السياسية فى البلد وحل جميع الأحزاب وحظر نشاطها والاستيلاء على مقارها وميزانيتها ومطاردة زعمائها حتى لم يبق فى النهاية الا الحزب الوطنى الاشتراكى .

وكان الحزب منظما بطريقة تشبه الجيش له جهاز حزبى دقيق ومعقد وعلى رأسه هتلر " الزعيم الأعلى للحزب والقائد الأعلى لجيش العاصفة ورئيس منظمة العمال الألمان الاشتراكية الوطنية " .

وبعد الزعيم الأعلى نجد مجلس مديرى الرايخ على اتصال مباشر به يليهم القائد الإقليمى لكل مقاطعة ( محافظة ) والذى يتم تعيينه بشكل مباشر ثم تنقسم المقاطعات الى حلقات يرأس كل حلقة قائد ثم تنقسم هذه الحلقات الى وحدات أصغر تدعى فئات محلية تنضم كل فئة الى خلايا الشوارع أو الأبنية أو القرى .

وكانت هناك دوائر مركزية للشئون الخارجية والنقابات العمالية والصحافة وتسمى PO 1 ومهمتها الأساسية مهاجمة القوى السياسية الأخرى و أعمال التخريب ومراكز أخرى تسمى PO 2 للزراعة والعدل والاقتصاد الوطنى والداخلية والعمل والثقافة والهندسة ومهمتها تنظيم هذه الأنشطة والسيطرة عليها .

أما الإعلام والدعاية فدائرته مستقلة قائمة بذاتها .. كذلك هناك منظمات نسائية وللشباب والأطفال .

ولقد أولى الحزب اهتماما خاصا بالشباب فكون لهم منظمة شبيبة هتلر للفتيان من 15 – 18 عام كانت مهمتها الاهتمام بثقافتهم والإشراف على مدارسهم وصحافتهم ودعايتهم ورياضة الدفاع عن النفس .

وكان للفتيات أيضا اتحاد الفتيات الألمانيات وللنساء منظمة النساء الوطنيات الاشتراكيات .

كذلك كانت هناك اتحادات الطلاب والمعلمين والموظفين والأطباء والمحامين والقضاة .. ورابطة الثقافة النازية التى تضم المثقفين والفنانين .

وعلى الطرف الآخر كان هناك الجناح العسكرى للحزب ممثلا فى جيش العاصفة وهو قوة تضم مئات الألوف من الرجال .

فى البداية كانت مهمتهم حراسة اجتماعات الحزب وتخريب اجتماعات الأحزاب المعارضة .. ثم تحول ليصبح الوسيلة الأساسية لنشر الإرهاب النازى .

لقد كانت فرق العاصفة بملابسهم البنية إذ كان أعضاؤها يرتدون قمصانا بنية لهم أيضا مكتب سياسى خاص فى الحزب يسمى مكتب الجيش الشعبى .

هذا هو التنظيم أما إدارته فلقد كانت ديكتاتورية فالزعيم الأوحد يصدر التعليمات لمجموعة من الزعماء الأصغر الذين يتولون نقلها للقيادات التالية .. وكانت هذه التعليمات مقدسة ولا تقبل أى مناقشة أو تعديل فيما يسمى بالتوجيهات الحزبية وكلاهما أى التنظيم والإدارة تجسيدا لفكر الزعيم الذى حدده فى كتابه " كفاحى " بالشكل الآتى : -

" عندما تختفى جميع السلطات لا يكون فى وسع أحد إلا إذا كان منبثقا من الشعب أن يعيد تركيز السلطة .. وكلما كانت جذوره أعمق فطريا فى القاعدة الشعبية كان أكثر صلاحا لفهم معاملتها نفسيا وزادت ثقة العمال به واكتسب عددا ضخما من الأنصار بين صفوف الشعب من ذوى الحماسة والحيوية .. وقد لا يشترك هذا الرجل مع الجماهير فى أية خصلة من خصالها اذ يكون – مثل كل العظماء – متفردا ذو شخصية مستقلة بذاتها ولكن عندما يتطلب الأمر لا ينكمش أمام سفك الدماء وكثيرا ما تقرر القضايا العظيمة بالدم والحديد وهو على استعداد ليدوس أقرب أصدقائه ليتمكن من الوصول لهدفه واذا اقتضت الحالة ففى وسعه أن يخطو على الشعب بحذاء الجندى القاذف للقنابل اليدوية " .

وهكذا حدد هتلر صفات الزعيم والحزب ولقد بقى مخلصا لهذا الوصف وحتى الساعات الأخيرة من حياته .

لقد بدأ بتصفية " روهم " فى مذبحة 30/6/34 وانتهى بتجريد هملر وجورنج من كل مناصبهم فى أبريل 45 . لقد كان يعنى ما يقول .. رغم أن الجميع لم يصدقوا أن من الممكن أن يتحقق هذا فى الواقع

Page 10

2- نمط ثقافى شوفونى موجه

كتب هتلر عام 1924 أى قبل توليه السلطة بحوالى عشر سنوات فى سجنه بعد محاولته عمل انقلاب فى بافاريا كتاب " كفاحى " هذا الكتاب الذى قدر له أن يصبح إنجيل الدولة النازية حقا وليس مجازا فلقد أصدر روزنبرج فى منشوره لتنظيم الكنيسة فى البند التاسع عشر

" يجب أن لا يكون على المذبح كتاب آخر سوى كتاب " كفاحى " فهو أقدس الكتب بالنسبة الى الشعب الألمانى والى الله .. على أن يكون السيف معلقا على يسار المذبح " .

فما الذى كان يحتويه هذا الكتاب .

لقد كان يقص – من وجهة نظره – قصة حياة هتلر منذ ولادته وحتى ذلك التاريخ والعوامل التى – فى تصوره – أثرت على تربيته . وكان يتكلم عن نوع غريب من البشر هو قمة تطور المملكة الحيوانية ومن عداهم يشارك باقى الحيوانات الثديية مرتبة أقل فى سلم التطور .

وكان يبشر بانتصار هذا الجنس الآرى الراقى على باقى الأجناس المنحطة فيستخدمهم فى استغلال الإمكانيات الكامنة لكوكب الأرض .

وكان يعتقد أن الجنس الآرى هذا هو مصدر لكل ثقافة وحضارة العالم منذ ألف عام وأنه سيظل هو المصدر الوحيد لآلاف أخرى حتى يعم البشر نوع متطهر منهم ذو صفات خاصة قوية متخلصة من كل ضعف أو تشوه أو انحراف .

ولذلك فلقد كانت خطته السماح لهذا الجنس بإطلاق كامن طاقته والاستيلاء المبدئى على كميات من الأرض اسماها المجال الحيوى الكـافى للسماح لهم بالحياة المناسبة لسموهم . و أن هذا لن يتم إلا بالقوة .. و بإرهاب من عداهم من أجناس منحطة ليتيسر استخدامهم .

لقد كانت مجموعة من الأفكار المريضة التى نتجت عن فهم خاطئ لمبدأ عبادة القوة التى نادى بها نيتشه فى بعض كتبه مثل " هكذا تكلم زرادشت " .

عندما صدر هذا الكتاب لم يؤخذ مأخذ الجد ولكن بمرور الوقت تم تنفيذ كل ما جاء فيه بدقة غريبة تدعو للدهشة وتوارى كل ما عداه.

يقول وليم شيرر " فى العاشر من مايو 1933 أى بعد أربعة أشهر من تولى هتلر الحكم حدث مشهد غريب لم تره أوروبا منذ العصور الوسطى .. فلقد جمع الطلاب نحوا من عشرين ألفا من الكتب وتم حرقها فى احتفال جماعى .. ثم أصدر الطلاب بيانا يقولون فيــه " ان كل كتاب يعمل فى تهديم مستقبلنا أو يضرب بمعاوله جذور ثقافتنا وبيتنا وقوى شعبنا المحركة مصيره الى الحرق " .

أعقب ذلك إنشاء مجلس ثقافة الرايخ حددت أهدافه كالآتى :-

" رغبة فى اتباع سياسة ثقافية ألمانية يصبح من الضرورى جمع الفنانين ذوى الطاقات الخلاقة فى جميع الميادين فى منظمة موحدة تعمل تحت قيادة الرايخ الذى لا يكتفى بتقرير خطوط التقدم العقلى والروحى .. بل عليه توجيه المهام الفنية وتنظيمها " .

و أنشئ فى المجلس الأعلى لثقافة الرايخ سبع لجان فرعية هى لجان الرايخ للفنون الجميلة والموسيقى والمسرح والأدب والصحافة والإذاعة والأشرطة السينمائية " .

وفرض القانون على كل من يعمل فى هذه الحقول أن ينتمى لهذه اللجان التى تحمل توجيهاتها وقراراتها قوة القانون .

وبذلك تحولت الثقافة لخدمة الأهداف الدعائية للعهد الجديد وكل من لا ينتمى.. لن يجد مجالا للحياة .. وانحلت الثقافة العظيمة لشعب جوته وبيتهوفن وشيلر .

كذلك أصبحت الصحف تصدر كلها ولها نفس الطابع نفس العناوين نفس المقالات الافتتاحية.. فلقد كان جوبلز يعقد لمحررى هذه الصحف اجتماعا كل صباح يملى فيه عليهم ماذا سيكتبون ..فهبط توزيع الصحف بعد أن ملها الشعب الألمانى .والإذاعة والأشرطة السينمائية حدث لها نفس الموقف لقد قاطعها الشعب بعد أن تحولت الى الإدارة الرئيسية للدعاية عن طريق دائرة الحزب والمجلس الأعلى للإذاعة والأشرطة السينمائية .

يقول وليم شيرر

" ليس فى وسع إنسان لم يعش مثل ما عشت فى سنوات طويلة فى بلد يحكم بطريقة جماعية أن يدرك بسهولة مدى الصعوبة فى التخلص من النتائج المفزعة للدعاية المخططة والمستمرة لذلك العهد .. وكثيرا ما كنت أجد نفسى وجها لوجه إما فى البيوت أو المكاتب الألمانية أو فى محادثات عرضية مع أناس لا أعرفهم فى مطعم أو مقهى مع تأكيدات غريبة وعجيبة تصدر من أشخاص يبدو عليهم التعلم والذكاء ومن الواضح أنهم كانوا يرددون كالببغاوات بعض التفاهات التى استمعوا إليها فى الإذاعة أو قرءوها فى الصحف .

وكثيرا ما كنت أندفع بالإغراء الباطن المنبثق من داخلى فى قول الحقيقة .. فأجد أمامى فى غالب الحالات تشكيكا فى صحة ما أقول أو صمتا مرعبا وكأننى قد كفرت بالإله الخالق .

و آنذاك أدرك تمام الإدراك أن لا طائل حتى فى محاولة إيجاد اتصال مع عقل غدا مغلقا بإطار سميك وباتت أمامه حقائق الحياة لا تخرج عما يسمعه من هتلر أو جوبلز على الرغم من تجاهلها للحقيقة المجردة .

ولقد شاهد هذا العصر غرائب ليس فى الثقافة والفن فقط ولكن فى التعليم أيضا .. لقد وجدنا من يدرس الفيزياء الألمانية والكيمياء والرياضيات النازية التى أنتجتها العقول الآرية فقط .. أما ما ينتجه باقى العلماء والفلاسفة فهو تعليم منحل خاصة لو كان من يهودى ... بما فى ذلك ألبرت أينشتاين نفسه .

لقد وجه النازى كل إمكانيات التعليم فى اتجاه تنمية الروح العسكرية البروسية والعنصرية الألمانية .

فتحول الألمان وخاصة شبابهم الى بشر ذو بعد واحد محدودى الثقافة مسطحون .. وبذلك توفر له المصدر الدائم والثابت لجيش النازى الفاشيستى الذى غزا به العالم .

لقد كان الديكتاتور فى حاجة الى جنود ولم يكن فى حاجة الى مثقفين فانتحرت الثقافة على أعتابه كما حدث دائما .. وسيحدث مستقبلا .