Page 1
مخطوطات كنعانية مذهلة!
10-1- 2009
السر لا يبقى سراً، والكنز يكسر جراره، ويدفشها بقدمه، ويخرج مستنشقاً نور الحياة، وهذه المخطوطات الكنعانية التي اكتشفتها، وأخفيتها طيلة هذه المدة، لم أعد قادراً على إبقائها في أدراجي، فأنا أخاف عليها من التلف بين يدي أمي، التي تكنس وتشطف غرفة نومي، بسطول ماء تتدفق من حولي، مثل إعصار تسونامي، وقد تقع بين يدي أبي الذي قد يتلفها، لأنه لا يهتم إلا بأخبار اليوم، طول النهار أخبار أخبار أخبار! ولكنه يتجاهل التاريخ الكنعاني، المأخوذ من حفريات أثرية، أو المستقى من التاريخ الإنساني.
وحيث أن (خير جليس في الزمان كتاب)، فإن خير جليس لي، هو هذه المخطوطات الكنعانية المذهلة! وكثيراً ما أنظر من حولي، لأتأكد من كوني وحيداً، فلا يطّلع على مخطوطاتي هذه أحد! فأضطر لقراءتها مرّة ثانية وثالثة.. وعاشرة بصمت، لدرجة أن أقرب المقربين إلي يعتقد أنني...!
لا أعرف، هل هو حسن حظي الذي أوصلني إلى كشف هذا الكنز، أم إنه سوء طالعي، الذي جعلني أحمل هذه الأمانة، التي (لو عرضت على الجبال، لأبين أن يحملنها، وحملها الإنسان. إنه كان ظلوماً جهولا..)
وهذه الأمانة ليست مزحة، إنها مسؤولية. ففي أيامنا هذه، تجد الجشعين الجهلاء يحفرون، باحثين عن كنوز الذهب، وعندما يصادفهم تمثال قائد كنعاني مهول مثل الملك صادق، أو امرأة بجمال الربة عناة، ذات النهدين الرمانتين، فإنهم يفغشون رأس التمثال، الذي هو مثل الوطن، لا يباع، ولا يُثمّن بالذهب. وأما عندنا، فالنمرود منهم يأخذ رأس التمثال، ويبيعه لجهة أجنبية، تتبنى هذه الآثار اليتيمة، وتحتضنها، وترعاها في متاحفها، ثم تنسبها لتاريخها، مُسكِتةً تاريخنا الفلسطيني العريق. هذه الجهة التي تعمل على أن يكون كل شيء لها، يسمونها اليوم "شريك استراتيجي" يشتريه هذا "الشريك الاستراتيجي" بعشرة دولارات، تماماً كما يشتري كل أشيائنا بعشرة دولارات! ونحن نأخذ العشرة دولارات ونشتري بها حلاوة، ونأكلها، فنفرح بعيشنا آثمين!
الناس عندنا يا رجل (طَعّة وقايمة!)، لا تعرف لهم رأساً من رجلين في مسألة الآثار هذه، فكيف بهم إذا عثروا على هذه المخطوطات الفريدة من نوعها، والتي تأخذك في (بانوراما) كنعانية، منذ بدء المعرفة، وخلق الحضارة الإنسانية، وكأنك تعيش معها في يومنا هذا؟
كنت أبحث ليل نهار، فأنسى نفسي في الطرقات، وتتعثر قدماي بحجارتها، وأضيع بين الغابات، مُعَرِّضاً نفسي لمخاطر الثعابين والوحوش، فأجدني أمام باب مغارة متوحشة كبيرة، أو أنبش فوهة ضيقة لمغارة انهالت عليها السنون، فصارت مثل فم عجوز ذابت أسنانها، وصارت تمضغ شفتيها الغائرتين داخل فمها. مغلق هذا الكهف، ولكن منحوتات ونقوشاً كنعانية تتوج صخرته العليا، لتؤكد أن في مخبئه شيء من عبق التاريخ.
أنا خلد أحفر تحت الأرض، باحثاً عن تاريخي المُسكَّت، والمُعمّى! تسألني لماذا أنبش في مجاهل التاريخ، فأجيبك إنني عندما أعيش تاريخ الأُحفورات، فإنما أضيف عمراً إلى عمري، لا بل أوصل عمري الحالي بالماضي، فأضيف السبعة آلاف سنة منذ أن نشأت فيها الحضارة الكنعانية، إلى عمري الحالي، الذي يناهز- هذه السنة - الثانية والعشرين، فيصير عمري سبعة آلاف سنة ونيف.. هل تلاحظ كم هو عمري ضئيل، أمام عمر التاريخ المحيط، الهادر من حولي؟
وهذه المغارة الغائرة في أعماق التاريخ السحيق، والمتوجة بتمثال محفور على رأس واجهتها الأمامية، للنصف العلوي من امرأة جميلة، تبرز ثدييها النافرتين، وعلى جانبي كتفيها قطوف كرمة... يرهبني الدخول في فمها المفتوح على مصراعيه، مثل شدقيّ أسد يتثاءب. يبدو أن كثيراً من الناس قد فتشوها قبلي... لا شيء يغري في قاع هذه العتمة، سوى هذا الذي أراه على الجانب الأيمن، وهنا على الجانب الأيسر، وفي صدر المغارة. يبدو أنها أُحفورات قبور دارسة، منبوشة ألف ألف مرة، ومنهوب ما بداخلها من أشياء ذات قيمة، فلم يبق فيها سوى تربة بيضاء ذرورية، تهاوت من فتات صخور المغارة الكلسية، المتساقطة بعوامل التعرية والتحلل..
خبطات هنا.. طرقات هناك.. لا شيء في هذه المغارة. ولكنها رطبة، ظليلة في عز الصيف، دافئة رؤوم في عز البرد..(لا ترى فيها شمساً ولا زمهريراً). إنها مريحة للجلوس، للتمدد على أرضها. أختلي بها، فأبتعد عن شرور وإزعاجات الآخرين. أسترخي قرير العين فوق ضريح دارس.
هذا الضريح الأيمن، مكان رطب للاسترخاء.. كم يريحني النوم هنا. أنت بسهولة تغفو في هذا الظل الظليل. لا ينقصك سوى قطوفه الدانية على صدر تلك الحسناء التي ترصد الباب. تغفو ملء جفنيك، وتنام بهدوء. أحلام سعيدة. غابات كرملية متشعبة. خضرة داكنة تغطي المكان. صوت هامس يصدر من بعيد.
ليس في المكان أحد! من أين يأتي هذا الصوت الشجي؟ صوت فيه براءة وأنوثة وشفافية. إنها ليست أنغام فيروز الجبلية. يتدفق الصوت بخفة جدول رقراق، ينبلج من شقوق صخور أجمة وارفة الظلال. كروم العنب تشرئب قطوفها السمينة بعسلها. كل حبة عنب هي حلمة معشوقة لذيذة المذاق. قطوف العنب الممتلئة، أثداء نافرة، وحلماتها حبات عنب نبيذ أبيض، أو زهر رمان كرملي شفاف.. والنساء تمد أذرعتها متشابكة، لتشكل فروع شجر كرمة مستلقية على ربوع الخضرة.
وأنا مدمن مغارات. أحب أن أتعبد في كل مغارة كرملية. الصوت الشجي يقترب. أكاد أسمع مزيداً من الوضوح. الصوت يمتزج مع موسيقى، وصفير رياح الغابات الجبلية. أتخيلهم أناساً يتنفسون من شقوق الصخور، وأكاد أسمع شهقاتهم وزفراتهم، أُوقِد لهم سراجا لعلهم يفيقون. آخذ إليهم خبز أمي، ونبيذ أبي، لعلهم معي يفطرون. صوت ناي..أرغول. عتابا وميجنا.
10-1- 2009
السر لا يبقى سراً، والكنز يكسر جراره، ويدفشها بقدمه، ويخرج مستنشقاً نور الحياة، وهذه المخطوطات الكنعانية التي اكتشفتها، وأخفيتها طيلة هذه المدة، لم أعد قادراً على إبقائها في أدراجي، فأنا أخاف عليها من التلف بين يدي أمي، التي تكنس وتشطف غرفة نومي، بسطول ماء تتدفق من حولي، مثل إعصار تسونامي، وقد تقع بين يدي أبي الذي قد يتلفها، لأنه لا يهتم إلا بأخبار اليوم، طول النهار أخبار أخبار أخبار! ولكنه يتجاهل التاريخ الكنعاني، المأخوذ من حفريات أثرية، أو المستقى من التاريخ الإنساني.
وحيث أن (خير جليس في الزمان كتاب)، فإن خير جليس لي، هو هذه المخطوطات الكنعانية المذهلة! وكثيراً ما أنظر من حولي، لأتأكد من كوني وحيداً، فلا يطّلع على مخطوطاتي هذه أحد! فأضطر لقراءتها مرّة ثانية وثالثة.. وعاشرة بصمت، لدرجة أن أقرب المقربين إلي يعتقد أنني...!
لا أعرف، هل هو حسن حظي الذي أوصلني إلى كشف هذا الكنز، أم إنه سوء طالعي، الذي جعلني أحمل هذه الأمانة، التي (لو عرضت على الجبال، لأبين أن يحملنها، وحملها الإنسان. إنه كان ظلوماً جهولا..)
وهذه الأمانة ليست مزحة، إنها مسؤولية. ففي أيامنا هذه، تجد الجشعين الجهلاء يحفرون، باحثين عن كنوز الذهب، وعندما يصادفهم تمثال قائد كنعاني مهول مثل الملك صادق، أو امرأة بجمال الربة عناة، ذات النهدين الرمانتين، فإنهم يفغشون رأس التمثال، الذي هو مثل الوطن، لا يباع، ولا يُثمّن بالذهب. وأما عندنا، فالنمرود منهم يأخذ رأس التمثال، ويبيعه لجهة أجنبية، تتبنى هذه الآثار اليتيمة، وتحتضنها، وترعاها في متاحفها، ثم تنسبها لتاريخها، مُسكِتةً تاريخنا الفلسطيني العريق. هذه الجهة التي تعمل على أن يكون كل شيء لها، يسمونها اليوم "شريك استراتيجي" يشتريه هذا "الشريك الاستراتيجي" بعشرة دولارات، تماماً كما يشتري كل أشيائنا بعشرة دولارات! ونحن نأخذ العشرة دولارات ونشتري بها حلاوة، ونأكلها، فنفرح بعيشنا آثمين!
الناس عندنا يا رجل (طَعّة وقايمة!)، لا تعرف لهم رأساً من رجلين في مسألة الآثار هذه، فكيف بهم إذا عثروا على هذه المخطوطات الفريدة من نوعها، والتي تأخذك في (بانوراما) كنعانية، منذ بدء المعرفة، وخلق الحضارة الإنسانية، وكأنك تعيش معها في يومنا هذا؟
كنت أبحث ليل نهار، فأنسى نفسي في الطرقات، وتتعثر قدماي بحجارتها، وأضيع بين الغابات، مُعَرِّضاً نفسي لمخاطر الثعابين والوحوش، فأجدني أمام باب مغارة متوحشة كبيرة، أو أنبش فوهة ضيقة لمغارة انهالت عليها السنون، فصارت مثل فم عجوز ذابت أسنانها، وصارت تمضغ شفتيها الغائرتين داخل فمها. مغلق هذا الكهف، ولكن منحوتات ونقوشاً كنعانية تتوج صخرته العليا، لتؤكد أن في مخبئه شيء من عبق التاريخ.
أنا خلد أحفر تحت الأرض، باحثاً عن تاريخي المُسكَّت، والمُعمّى! تسألني لماذا أنبش في مجاهل التاريخ، فأجيبك إنني عندما أعيش تاريخ الأُحفورات، فإنما أضيف عمراً إلى عمري، لا بل أوصل عمري الحالي بالماضي، فأضيف السبعة آلاف سنة منذ أن نشأت فيها الحضارة الكنعانية، إلى عمري الحالي، الذي يناهز- هذه السنة - الثانية والعشرين، فيصير عمري سبعة آلاف سنة ونيف.. هل تلاحظ كم هو عمري ضئيل، أمام عمر التاريخ المحيط، الهادر من حولي؟
وهذه المغارة الغائرة في أعماق التاريخ السحيق، والمتوجة بتمثال محفور على رأس واجهتها الأمامية، للنصف العلوي من امرأة جميلة، تبرز ثدييها النافرتين، وعلى جانبي كتفيها قطوف كرمة... يرهبني الدخول في فمها المفتوح على مصراعيه، مثل شدقيّ أسد يتثاءب. يبدو أن كثيراً من الناس قد فتشوها قبلي... لا شيء يغري في قاع هذه العتمة، سوى هذا الذي أراه على الجانب الأيمن، وهنا على الجانب الأيسر، وفي صدر المغارة. يبدو أنها أُحفورات قبور دارسة، منبوشة ألف ألف مرة، ومنهوب ما بداخلها من أشياء ذات قيمة، فلم يبق فيها سوى تربة بيضاء ذرورية، تهاوت من فتات صخور المغارة الكلسية، المتساقطة بعوامل التعرية والتحلل..
خبطات هنا.. طرقات هناك.. لا شيء في هذه المغارة. ولكنها رطبة، ظليلة في عز الصيف، دافئة رؤوم في عز البرد..(لا ترى فيها شمساً ولا زمهريراً). إنها مريحة للجلوس، للتمدد على أرضها. أختلي بها، فأبتعد عن شرور وإزعاجات الآخرين. أسترخي قرير العين فوق ضريح دارس.
هذا الضريح الأيمن، مكان رطب للاسترخاء.. كم يريحني النوم هنا. أنت بسهولة تغفو في هذا الظل الظليل. لا ينقصك سوى قطوفه الدانية على صدر تلك الحسناء التي ترصد الباب. تغفو ملء جفنيك، وتنام بهدوء. أحلام سعيدة. غابات كرملية متشعبة. خضرة داكنة تغطي المكان. صوت هامس يصدر من بعيد.
ليس في المكان أحد! من أين يأتي هذا الصوت الشجي؟ صوت فيه براءة وأنوثة وشفافية. إنها ليست أنغام فيروز الجبلية. يتدفق الصوت بخفة جدول رقراق، ينبلج من شقوق صخور أجمة وارفة الظلال. كروم العنب تشرئب قطوفها السمينة بعسلها. كل حبة عنب هي حلمة معشوقة لذيذة المذاق. قطوف العنب الممتلئة، أثداء نافرة، وحلماتها حبات عنب نبيذ أبيض، أو زهر رمان كرملي شفاف.. والنساء تمد أذرعتها متشابكة، لتشكل فروع شجر كرمة مستلقية على ربوع الخضرة.
وأنا مدمن مغارات. أحب أن أتعبد في كل مغارة كرملية. الصوت الشجي يقترب. أكاد أسمع مزيداً من الوضوح. الصوت يمتزج مع موسيقى، وصفير رياح الغابات الجبلية. أتخيلهم أناساً يتنفسون من شقوق الصخور، وأكاد أسمع شهقاتهم وزفراتهم، أُوقِد لهم سراجا لعلهم يفيقون. آخذ إليهم خبز أمي، ونبيذ أبي، لعلهم معي يفطرون. صوت ناي..أرغول. عتابا وميجنا.
Page 2
" إننننننننن آآآآآآآآآآآآآ را ريرا ريرا رارا را.." أفيق من سباتي.. أسمعهم يقتربون..
لا أرى أحداً، بل أصواتاً متناغمة تتجلى! هه! اسمع معي ماذا يُغنّون:
"تبذرين القمح في الحقول،
تبذرين الآمال الكبار،
تبذرين السلام والمحبة،
تمطرين الأرض عسلاً ندياً،
ويسيل السمن من يديك في السواقي.
تلونين الحقول بالخضرة،
تُبرعمين الأفرع المورقة بالأزهار،
تحبل الأزهار بالثمار،
يتسلل الندى العسلي إلى عناقيد الكرمة،
وتحتفلين بعودة بعل من الموت،
ليحيا من جديد، ويعيد تخصيب النماء."
- من هذه التي تمطر وتخصب وتثمر؟ ما هذا العالم السحري الذي أحيا فيه؟ من بين الأغصان المتعانقة بالخضرة، يظهر ظل امرأة.. شكلها من آثارنا، ولكنها حيةٌ تسعى! نور امرأة رائعة الحسن، شهية النظرات. عيناها تتكلم. ترسم المحبة على الشفتين!
ولكن لماذا لا تتكلمين؟ أنت! يا أنت! هيه! أيها الطيف الجميل! أنت! من أنت؟ من تكونين يا شعاع جمال أخاذ، يطل من أغصان الغابة الإلهية؟ قولي، كلميني! بالله عليك أن تكلميني! ولو كلمة واحدة! ولو حرفاً! أريد منك ولو همسة، تشعرني أنني في عِلمٍ، ولست في حلم! يكاد الخيال أن يقتلني يا امرأة.. أعيش كل عمري خيالاً، خيالي حقيقة، وحقيقتي خيال. خيالك يتجسد أمامي حقيقة، وحقيقتك أمامي مجرد خيال.. قولي.. ناشدتك بالله أن تقولي! انطقي! سأسلط عليك كل قواي المحبة، لتجذبك إليّ، لتنطقي، ولو كلمة واحدة. تنطق الملاك الساحرة قائلة:
" أنا..!"
تفرح بها ملعلعاً:" هه! نطقَت! إنها تفهم عليك..! ها أنت تنطقين! ولكن قولي لي: من أنت؟" تجيبك متلعثمة:
" أنا لست سوى..!"
تلتهب مشاعرك الدفينة، ويقشعر بدنك، وتهتز ساقاك تحتك، وترتعش يداك وأنت تمدهما لاهثاً مستعطفاً باتجاهها: " سوى ماذا؟ أخبريني. أسوق عليك جاه الله أن تنطقي! ها! تكلمي! قولي أي شيء". تقول لك:
" أنا.. لا أعرف من أنا!
أنا تائهة بين عناة الماضي، وعنة الحاضر، وعناء المستقبل."
- لا! لا أكاد أصدق! هل أنت..؟
" نعم أنا عناة،
ابنة الإله إل،
وابنة الإلهة عشيرة،
وأخت الرب بعل."
- وها أنت تقفين عالية مرموقة مجملة، مبجلة في مدى ناظري.. يا ألله ما أجملك يا عناة! لم أكن أتصورك بهذا البهاء، والجمال الساحر! حقيقتك أجمل بكثير مما قالته عنك كل الأساطير. هل أصدق نفسي بمرآك؟ هل أصفع وجهي كي أعرف أنني في علم، ولست في حلم يزول مثل غيمة صيف!
" إنه ليس حلم منتصف ليلة صيف!
إنني حقيقة تسعى!
لا أرى أحداً، بل أصواتاً متناغمة تتجلى! هه! اسمع معي ماذا يُغنّون:
"تبذرين القمح في الحقول،
تبذرين الآمال الكبار،
تبذرين السلام والمحبة،
تمطرين الأرض عسلاً ندياً،
ويسيل السمن من يديك في السواقي.
تلونين الحقول بالخضرة،
تُبرعمين الأفرع المورقة بالأزهار،
تحبل الأزهار بالثمار،
يتسلل الندى العسلي إلى عناقيد الكرمة،
وتحتفلين بعودة بعل من الموت،
ليحيا من جديد، ويعيد تخصيب النماء."
- من هذه التي تمطر وتخصب وتثمر؟ ما هذا العالم السحري الذي أحيا فيه؟ من بين الأغصان المتعانقة بالخضرة، يظهر ظل امرأة.. شكلها من آثارنا، ولكنها حيةٌ تسعى! نور امرأة رائعة الحسن، شهية النظرات. عيناها تتكلم. ترسم المحبة على الشفتين!
ولكن لماذا لا تتكلمين؟ أنت! يا أنت! هيه! أيها الطيف الجميل! أنت! من أنت؟ من تكونين يا شعاع جمال أخاذ، يطل من أغصان الغابة الإلهية؟ قولي، كلميني! بالله عليك أن تكلميني! ولو كلمة واحدة! ولو حرفاً! أريد منك ولو همسة، تشعرني أنني في عِلمٍ، ولست في حلم! يكاد الخيال أن يقتلني يا امرأة.. أعيش كل عمري خيالاً، خيالي حقيقة، وحقيقتي خيال. خيالك يتجسد أمامي حقيقة، وحقيقتك أمامي مجرد خيال.. قولي.. ناشدتك بالله أن تقولي! انطقي! سأسلط عليك كل قواي المحبة، لتجذبك إليّ، لتنطقي، ولو كلمة واحدة. تنطق الملاك الساحرة قائلة:
" أنا..!"
تفرح بها ملعلعاً:" هه! نطقَت! إنها تفهم عليك..! ها أنت تنطقين! ولكن قولي لي: من أنت؟" تجيبك متلعثمة:
" أنا لست سوى..!"
تلتهب مشاعرك الدفينة، ويقشعر بدنك، وتهتز ساقاك تحتك، وترتعش يداك وأنت تمدهما لاهثاً مستعطفاً باتجاهها: " سوى ماذا؟ أخبريني. أسوق عليك جاه الله أن تنطقي! ها! تكلمي! قولي أي شيء". تقول لك:
" أنا.. لا أعرف من أنا!
أنا تائهة بين عناة الماضي، وعنة الحاضر، وعناء المستقبل."
- لا! لا أكاد أصدق! هل أنت..؟
" نعم أنا عناة،
ابنة الإله إل،
وابنة الإلهة عشيرة،
وأخت الرب بعل."
- وها أنت تقفين عالية مرموقة مجملة، مبجلة في مدى ناظري.. يا ألله ما أجملك يا عناة! لم أكن أتصورك بهذا البهاء، والجمال الساحر! حقيقتك أجمل بكثير مما قالته عنك كل الأساطير. هل أصدق نفسي بمرآك؟ هل أصفع وجهي كي أعرف أنني في علم، ولست في حلم يزول مثل غيمة صيف!
" إنه ليس حلم منتصف ليلة صيف!
إنني حقيقة تسعى!
Page 3
إنني عناة التي ذكرت!"
- وكيف تعطّفتِ، فأشرقتِ على وجهي الحالم بكِ، رغم كل وسائل إسكات تغريدك الجميل،
وإسكات الآلهة الذين أنجبوك، منذ سالف العصر، وغابر الأزمان؟
" في الحقيقة،
كنتُ أُراقبكَ منذ ولدت يا عمر،
وأرى فيكَ معاشي،
كانت نظراتي ترعاكَ في كل مكان تذهب إليه،
وأتابعكَ وأنت تدرس علوم التاريخ والأُحفورات في جامعة حيفا،
وألهث وراءك وأنت تحفر هنا وهناك.
أنت باحث ذو بصيرة،
ترى وتدرك كل ما حولك،
فنحن الكنعانيين،
ما زلنا نعيش حياتنا في كل الساحل والمرتفعات والوديان،
وداخل كهوف النطّوف، وتحت الأرض..
لقد تراجعنا إلى المغارات..
هدم الأعداء البيوت على ساكنيها،
فحمتنا مغارات النطّوف،
وجعلتنا نبقى ونستمر.."
- وتعرفين اسمي وجامعتي وتخصصي أيضاً.. ولكن ها هي مغارات النطوف التي تتحدثين عنها، فماذا بداخلها؟ هذا هو كل ما في المغارة، ثلاثة أضرحة متآكلة، على شكل حذوة حصان، في عمق الكهف! وماذا بعد؟
"أخاف يا عمر،
لو فتحت لك كنوزنا،
لما استطعتَ تحمُّل المشهد المذهل الذي ستراه!"
- أنا أتمنى! إنني مستعد لدفع حياتي ثمناً لرفقتك إلى حيث تشائين، فأنا يا عناة! لا!
لا أصدق أنني أتحدث مع الربة عناة، نفسها! أرجوك يا مولاتي أن تسامحيني، فلا ألفظ اسم جلالتك، إلا بالتبجيل والتكريم، والحفاوة التي تستحقين!
" أنا أتابع خطواتك يا عمر منذ عدة سنوات،
وحيثما حللت في مغارة أثرية،
ولكنني كنت أضحك،
وأستسخف بحثك في مغارات ليست ذات بال."
- قرأتُ عنكِ في الكتب القديمة، وعرفت أنكِ السيدة العذراء الخطّابة، التي تبارك الزواج الشرعي. وقرأت أن أخاك بعل، حينما يطل على الحقول من عليائه، فإنها تغل بغزارة، وحينما يغيب تحت الأرض، تموت الحقول في مهادها!
" لدى متابعتي خطواتك يا عمر،
وثقت من جديّة بحثك، وصدق معاناتك،
التي صارت توأم معاناتي،
فقررت أن أقدم لك دليلاً واحداً على كينونتنا المجيدة."
- وكيف تعطّفتِ، فأشرقتِ على وجهي الحالم بكِ، رغم كل وسائل إسكات تغريدك الجميل،
وإسكات الآلهة الذين أنجبوك، منذ سالف العصر، وغابر الأزمان؟
" في الحقيقة،
كنتُ أُراقبكَ منذ ولدت يا عمر،
وأرى فيكَ معاشي،
كانت نظراتي ترعاكَ في كل مكان تذهب إليه،
وأتابعكَ وأنت تدرس علوم التاريخ والأُحفورات في جامعة حيفا،
وألهث وراءك وأنت تحفر هنا وهناك.
أنت باحث ذو بصيرة،
ترى وتدرك كل ما حولك،
فنحن الكنعانيين،
ما زلنا نعيش حياتنا في كل الساحل والمرتفعات والوديان،
وداخل كهوف النطّوف، وتحت الأرض..
لقد تراجعنا إلى المغارات..
هدم الأعداء البيوت على ساكنيها،
فحمتنا مغارات النطّوف،
وجعلتنا نبقى ونستمر.."
- وتعرفين اسمي وجامعتي وتخصصي أيضاً.. ولكن ها هي مغارات النطوف التي تتحدثين عنها، فماذا بداخلها؟ هذا هو كل ما في المغارة، ثلاثة أضرحة متآكلة، على شكل حذوة حصان، في عمق الكهف! وماذا بعد؟
"أخاف يا عمر،
لو فتحت لك كنوزنا،
لما استطعتَ تحمُّل المشهد المذهل الذي ستراه!"
- أنا أتمنى! إنني مستعد لدفع حياتي ثمناً لرفقتك إلى حيث تشائين، فأنا يا عناة! لا!
لا أصدق أنني أتحدث مع الربة عناة، نفسها! أرجوك يا مولاتي أن تسامحيني، فلا ألفظ اسم جلالتك، إلا بالتبجيل والتكريم، والحفاوة التي تستحقين!
" أنا أتابع خطواتك يا عمر منذ عدة سنوات،
وحيثما حللت في مغارة أثرية،
ولكنني كنت أضحك،
وأستسخف بحثك في مغارات ليست ذات بال."
- قرأتُ عنكِ في الكتب القديمة، وعرفت أنكِ السيدة العذراء الخطّابة، التي تبارك الزواج الشرعي. وقرأت أن أخاك بعل، حينما يطل على الحقول من عليائه، فإنها تغل بغزارة، وحينما يغيب تحت الأرض، تموت الحقول في مهادها!
" لدى متابعتي خطواتك يا عمر،
وثقت من جديّة بحثك، وصدق معاناتك،
التي صارت توأم معاناتي،
فقررت أن أقدم لك دليلاً واحداً على كينونتنا المجيدة."
Page 4
- أن تظهري عليّ أنا، وليس على أحد غيري، هذا كرم منك يا مولاتي، وتقدير قد لا أستحقه! يا إلهي، هل أنا حقاً في حضرة الخاطبة المنتصرة السعيدة، مصدر الخير والعناية، الرحيمة عناة؟ لو اقتربتِ مني يا سيدتي، لتمنيت أن أضعك في قلبي، وأقدم روحي رخيصة على مذبحك.. تماماً كما يقدم أطفالنا المقاومون للاحتلال اليوم أرواحهم رخيصة للوطن! ولكن ماذا ستقدمين لي؟ خذيني معك إلى النور، إلى الخصب الذي قرأت عنه، إلى الماء الطاهر النقي، غير الملوث بحضارة الديمقراطية القاتلة التي نعيشها اليوم!"
" سأقدم لك يا عمر مخطوطات كنتُ قد دفنتها تحت الصخر،
مثبتة تحت هذا الضريح الأيمن، داخل عتمة المغارة.
اقرأها، فستعرف كل شيء."
- كيف أحصل عليها؟ هل أحفر في الصخر؟
" احفر قليلاً بيديك، وعندما تظهر الصخرة، استخدم عتلة حديدية، خلخلها بتؤدة!"
- ها أنا أنبش بأظافري.لا نهاية لهذه الأتربة البيضاء.
" احفر تحت الضريح المفرغ من جثته منذ عهود،
وستجد بلاطة تحته. لقد دفنتها هناك تحت البلاطة السفلى..
خلخلها يا عمر!"
- ولكن كيف أخلخلها؟
" انظر، انظر، هناك عتلة حديدية يبدو أنها منسية تحت شجرة التين القريبة من المغارة، أحضرها ثم حاول أن تستخدمها في الخلخلة؟"
- تحت شجرة التين؟ آه! نعم! إنني أشاهدها هناك..! سأحضرها حالاً! ولكن لا تغيبي عني وأنا أخطو هاتين الخطوتين لإحضارها..لا أريد أن أكتشف أنني في حلم، وليس في علم..ها هي العتلة. لقد أحضرتها.لا أستطيع أن أعود بنفس السرعة..إنها ثقيلة ولا شك. تستطيع خلع أكبر حجر! رب رمية من غير رامٍ! يبدو أن حفّار قبور قد تركها هنا تحت التينة!
"أسرع يا عمر! لا تضيِّع الوقت، فالظروف مواتية!"
- ما دمت قد وجدت الوسيلة فالعملية سهلة! ها أنا أعود..سأحاول.إنها ليست سهلة.
"أضرب يا عمر بالعتلة فوق الجهة اليمنى للضريح. أضرب قبل أن يأتي أحد!"
- ها أنا أضرب فأسمع صوت فراغ تحت الصخر. يبدو أن هناك شيئاً فعلياً تحت الصخر، حتى لو كان مجرد فراغ...ها هي تتزحزح. لقد ظهر شق بين الصخور.. يبدو أنني أزحزح بلاطة ثقيلة. ها هي تتزحزح. الشق يتسع.. لو كان معي صديق يساعدني لـ.. ولكن لو....إه...! لو كا.. لو كان.. فقد..لا يكو...إن فجوة تفتح في هذا ال.. سأرفعها، حتى ولو انكسر ظهري! ها هي تطلع! اطلعي يا محترمة! بلاطة مخيفة ولا شك! كيف ثبتوها هنا بسرية محمية؟ ما هذه العتمة المقتولة بيد الزمن؟ ما هذا المدفون تحتها؟ إنها جرار قديمة!
" انبشها، وأزل الردم عن فوهتها. ثم أخرج ما فيها!"
- ها أنا أمتثل لتعليماتك سيدتي! إنها مملوءة بقماش الكتان الملفوف.. دعيني أفك هذا القماش..! يا إلهي. إنه كالمومياء! مومياء ورقية ولا شك! والمومياء الورقية في هذه المواقع أهم من المومياء الإنسية.. يجب أن تفتح بتؤدة! الآثار مسألة بالغة الحساسية..! بالغة التعقيد..! خاصة لمن يفهمها ويقدرها حق قدرها..! إنه كتاب قديم مُسطّر بمداد أسود كأنه الحرق، على قماش يبدو أنه مُحنّط! إنه قماش ملفوف على شكل لفافة نبوية.
" اقرأ ما فيها يا عمر."
- ها أنا أحاول القراءة يا سيدتي..إنها لغة عربية. نفس اللغة الكنعانية، أصل الآرامية التي تعلمناها في الجامعة! لا أستطيع أن أقرأ! هل تساعدينني على القراءة؟ أين أنت يا عناتي؟ أين اختفيتِ؟ هل تلاعبينني، فتختفين من أمامي؟ أين أنت يا...! لقد اختفت، واختفى صوتها! شيء مذهل! ولكن.. ما هذا المكتوب هنا؟ دعني أقرأ! بمشقة بالغة، تقرأ مقدمة المخطوط:
"بخار وضباب، ومياه مالحة،
تتلاقح مع مياه حلوة،
وعجينة ترابية تنعجن ضمن هذا ال هولي ال عظيم،
عالم ضبابي غير واضح ال معالم،
يبدو مثل بيضة لا نهائية ال حجم،
تشقها الإلهة الأولى، الإلهة الأم (يم) إلى شقين..
قامت ال حياة، وانشق ال كون..
فصار نصفه ال علوي سماءً وضباباً وبخاراً،
" سأقدم لك يا عمر مخطوطات كنتُ قد دفنتها تحت الصخر،
مثبتة تحت هذا الضريح الأيمن، داخل عتمة المغارة.
اقرأها، فستعرف كل شيء."
- كيف أحصل عليها؟ هل أحفر في الصخر؟
" احفر قليلاً بيديك، وعندما تظهر الصخرة، استخدم عتلة حديدية، خلخلها بتؤدة!"
- ها أنا أنبش بأظافري.لا نهاية لهذه الأتربة البيضاء.
" احفر تحت الضريح المفرغ من جثته منذ عهود،
وستجد بلاطة تحته. لقد دفنتها هناك تحت البلاطة السفلى..
خلخلها يا عمر!"
- ولكن كيف أخلخلها؟
" انظر، انظر، هناك عتلة حديدية يبدو أنها منسية تحت شجرة التين القريبة من المغارة، أحضرها ثم حاول أن تستخدمها في الخلخلة؟"
- تحت شجرة التين؟ آه! نعم! إنني أشاهدها هناك..! سأحضرها حالاً! ولكن لا تغيبي عني وأنا أخطو هاتين الخطوتين لإحضارها..لا أريد أن أكتشف أنني في حلم، وليس في علم..ها هي العتلة. لقد أحضرتها.لا أستطيع أن أعود بنفس السرعة..إنها ثقيلة ولا شك. تستطيع خلع أكبر حجر! رب رمية من غير رامٍ! يبدو أن حفّار قبور قد تركها هنا تحت التينة!
"أسرع يا عمر! لا تضيِّع الوقت، فالظروف مواتية!"
- ما دمت قد وجدت الوسيلة فالعملية سهلة! ها أنا أعود..سأحاول.إنها ليست سهلة.
"أضرب يا عمر بالعتلة فوق الجهة اليمنى للضريح. أضرب قبل أن يأتي أحد!"
- ها أنا أضرب فأسمع صوت فراغ تحت الصخر. يبدو أن هناك شيئاً فعلياً تحت الصخر، حتى لو كان مجرد فراغ...ها هي تتزحزح. لقد ظهر شق بين الصخور.. يبدو أنني أزحزح بلاطة ثقيلة. ها هي تتزحزح. الشق يتسع.. لو كان معي صديق يساعدني لـ.. ولكن لو....إه...! لو كا.. لو كان.. فقد..لا يكو...إن فجوة تفتح في هذا ال.. سأرفعها، حتى ولو انكسر ظهري! ها هي تطلع! اطلعي يا محترمة! بلاطة مخيفة ولا شك! كيف ثبتوها هنا بسرية محمية؟ ما هذه العتمة المقتولة بيد الزمن؟ ما هذا المدفون تحتها؟ إنها جرار قديمة!
" انبشها، وأزل الردم عن فوهتها. ثم أخرج ما فيها!"
- ها أنا أمتثل لتعليماتك سيدتي! إنها مملوءة بقماش الكتان الملفوف.. دعيني أفك هذا القماش..! يا إلهي. إنه كالمومياء! مومياء ورقية ولا شك! والمومياء الورقية في هذه المواقع أهم من المومياء الإنسية.. يجب أن تفتح بتؤدة! الآثار مسألة بالغة الحساسية..! بالغة التعقيد..! خاصة لمن يفهمها ويقدرها حق قدرها..! إنه كتاب قديم مُسطّر بمداد أسود كأنه الحرق، على قماش يبدو أنه مُحنّط! إنه قماش ملفوف على شكل لفافة نبوية.
" اقرأ ما فيها يا عمر."
- ها أنا أحاول القراءة يا سيدتي..إنها لغة عربية. نفس اللغة الكنعانية، أصل الآرامية التي تعلمناها في الجامعة! لا أستطيع أن أقرأ! هل تساعدينني على القراءة؟ أين أنت يا عناتي؟ أين اختفيتِ؟ هل تلاعبينني، فتختفين من أمامي؟ أين أنت يا...! لقد اختفت، واختفى صوتها! شيء مذهل! ولكن.. ما هذا المكتوب هنا؟ دعني أقرأ! بمشقة بالغة، تقرأ مقدمة المخطوط:
"بخار وضباب، ومياه مالحة،
تتلاقح مع مياه حلوة،
وعجينة ترابية تنعجن ضمن هذا ال هولي ال عظيم،
عالم ضبابي غير واضح ال معالم،
يبدو مثل بيضة لا نهائية ال حجم،
تشقها الإلهة الأولى، الإلهة الأم (يم) إلى شقين..
قامت ال حياة، وانشق ال كون..
فصار نصفه ال علوي سماءً وضباباً وبخاراً،
Page 5
عمّدَته يم بالربة شمس نهاراً،
وبالقمر والنجوم المتلألئة ليلاً،
وجعلت نصفه السفلي أرضاً،
ثم خلقت ابنها الإله ال.
وبينما هو نائم، سحبت أحد أضلاعه،
وخلقت منه امرأة سمتها عشيرة،
فجعلتها زوجة له،
فصارت عشيرة تُسيِّر وتنظم كل ال كائنات،
التي تتصارع وتتعاون على سطح ال أرض،
ثم نفخت يم من روحها،
فهطلت أمطار ال ربة طلية مدرارة،
وتجمعت ال مياه العذبة هنا وهناك،
فأجراها الرب نهر بين ال وهاد،
فإذا ال خضرة وال حشرات وال زواحف وال ماشية وال ناس،
يدبون في كل ال أرجاء،
وتتكامل ال حياة على سطح ال أرض،
فيخصبه حفيدها ال رب بعل بالتناسل والتكاثر،
لكل ال كائنات ال حية،
من نباتات وحيوانات، وأناس..
ما هذا الكون المحب القاتل؟
ما هذه السمكة المُعتدى عليها من السمك الأكبر،
والمعتدية في نفس الوقت على السمك الأصغر!
ما هذا الرب بعل،
الذي يتآمر على إلهه وعلى أبيه ال؟
ما موت، الذي يقتل أخاه، بعل الحياة،
وما عناة، التي تجمع شمل ال محبين،
وتخلق الأُسَرَ المنبثقة من ال زواج ال شرعي،
فتصير روح ال عطاء وال تسامح وال كرم وال محبة؟
وبالقمر والنجوم المتلألئة ليلاً،
وجعلت نصفه السفلي أرضاً،
ثم خلقت ابنها الإله ال.
وبينما هو نائم، سحبت أحد أضلاعه،
وخلقت منه امرأة سمتها عشيرة،
فجعلتها زوجة له،
فصارت عشيرة تُسيِّر وتنظم كل ال كائنات،
التي تتصارع وتتعاون على سطح ال أرض،
ثم نفخت يم من روحها،
فهطلت أمطار ال ربة طلية مدرارة،
وتجمعت ال مياه العذبة هنا وهناك،
فأجراها الرب نهر بين ال وهاد،
فإذا ال خضرة وال حشرات وال زواحف وال ماشية وال ناس،
يدبون في كل ال أرجاء،
وتتكامل ال حياة على سطح ال أرض،
فيخصبه حفيدها ال رب بعل بالتناسل والتكاثر،
لكل ال كائنات ال حية،
من نباتات وحيوانات، وأناس..
ما هذا الكون المحب القاتل؟
ما هذه السمكة المُعتدى عليها من السمك الأكبر،
والمعتدية في نفس الوقت على السمك الأصغر!
ما هذا الرب بعل،
الذي يتآمر على إلهه وعلى أبيه ال؟
ما موت، الذي يقتل أخاه، بعل الحياة،
وما عناة، التي تجمع شمل ال محبين،
وتخلق الأُسَرَ المنبثقة من ال زواج ال شرعي،
فتصير روح ال عطاء وال تسامح وال كرم وال محبة؟
Page 6
الحياة متاهة بلا حدود،
فأنت تمسكها بيدك، مثلما تمسك الغيوم،
ولكنها تخرج من يديك ال قابضتين عليها، والمتشبثتين بها،
فتختفي مثلما برزت حقيقة واقعة!
من بين ضباب وعدم وضوح، وتوهان في التفكير،
وتشابك ضعف الرؤية والرؤيا،
يفتح باب من الغيوم والضباب،
فتظهر ملامح المكان..
تنقشع الغيوم، فتشاهد عالماً آخر..
ولكن ما هذا العالم الذي ترى؟
سهول خضراء ومحاريث تجرها وعول،
وحمير تحمل الناس،
وأخرى تحمل معطيات موسم الحصاد..
وسماء الربة شاما، بلاد ال شام، بلاد السماء!
تشاهد الأشياء على حقيقتها،
بعدما انقشع ال ضباب!
بحر لجي في ال قاع، يمتد إلى آخر مدى.
وسماء زرقاء، بلون ال بحر.
وربوع غابات متشابكة ال أغصان،
ومروج خضراء، ترعى فيها ال أغنام وال ماعز!
غزلان شاردة في مراعي ال غابة!
هذه البلاد الكنعانية، دنيا واسعة،
تتمطى على شواطىء بحر كنعان الكبير!
إنها عالم فيه جبال وغابات ووديان وسهول ومراع.
مدن حضارية حصينة، فيها بيوت حجرية عظيمة،
وقصور وهياكل وآلهة،
مدن مسورة بأسوار منيعة،
ترتفع إلى حدود ال سماء.
هناك هيكل كنعاني مهيب.
أنت الآن أمام تمثال ضخم للإلهة يم!
ال ساحة ال كبيرة ال خضراء أمام الهيكل." (*)
فأنت تمسكها بيدك، مثلما تمسك الغيوم،
ولكنها تخرج من يديك ال قابضتين عليها، والمتشبثتين بها،
فتختفي مثلما برزت حقيقة واقعة!
من بين ضباب وعدم وضوح، وتوهان في التفكير،
وتشابك ضعف الرؤية والرؤيا،
يفتح باب من الغيوم والضباب،
فتظهر ملامح المكان..
تنقشع الغيوم، فتشاهد عالماً آخر..
ولكن ما هذا العالم الذي ترى؟
سهول خضراء ومحاريث تجرها وعول،
وحمير تحمل الناس،
وأخرى تحمل معطيات موسم الحصاد..
وسماء الربة شاما، بلاد ال شام، بلاد السماء!
تشاهد الأشياء على حقيقتها،
بعدما انقشع ال ضباب!
بحر لجي في ال قاع، يمتد إلى آخر مدى.
وسماء زرقاء، بلون ال بحر.
وربوع غابات متشابكة ال أغصان،
ومروج خضراء، ترعى فيها ال أغنام وال ماعز!
غزلان شاردة في مراعي ال غابة!
هذه البلاد الكنعانية، دنيا واسعة،
تتمطى على شواطىء بحر كنعان الكبير!
إنها عالم فيه جبال وغابات ووديان وسهول ومراع.
مدن حضارية حصينة، فيها بيوت حجرية عظيمة،
وقصور وهياكل وآلهة،
مدن مسورة بأسوار منيعة،
ترتفع إلى حدود ال سماء.
هناك هيكل كنعاني مهيب.
أنت الآن أمام تمثال ضخم للإلهة يم!
ال ساحة ال كبيرة ال خضراء أمام الهيكل." (*)
Page 7
الرب بعل
خلال مروره في الغابة،
بعل هو أقوى الأرباب الشباب،
إزاره أخضر صوفي قصير،
وحذاؤه جلدي طويل،
وصدره عريض ذو شعر غزير،
وشعر رأسه الغزير، مُجدّل كشعر امرأة،
وعلى رأسه قرنا ثور،
يلبس لباساً مثل إله،
مسلح ببلطة،
وفي يديه حربة وترس،
يرسل الرياح والأعاصير،
فلا تسمع إلا صوت الريح،
ولا ترى سوى انهمار المطر،
وبعدها تخضرّ الأرض، وتتفتح الأزاهير.
بعل لا يستبعد من رعايته أحد،
فهو يرعى تلقيح الأبقار وولادة الماعز.
أزهار اللوز والزيتون والتفاح لا تخصب إلا برعايته،
والحبوب والكروم لا تنضج إلا بإرادته،
والنحل بمشيئته يلقح الأزهار،
والأيائل تتلاقح بطاقته،
إذ يثير شبقَها، فتتقدم راغبة.
*****
خلال مروره في الغابة،
بعل هو أقوى الأرباب الشباب،
إزاره أخضر صوفي قصير،
وحذاؤه جلدي طويل،
وصدره عريض ذو شعر غزير،
وشعر رأسه الغزير، مُجدّل كشعر امرأة،
وعلى رأسه قرنا ثور،
يلبس لباساً مثل إله،
مسلح ببلطة،
وفي يديه حربة وترس،
يرسل الرياح والأعاصير،
فلا تسمع إلا صوت الريح،
ولا ترى سوى انهمار المطر،
وبعدها تخضرّ الأرض، وتتفتح الأزاهير.
بعل لا يستبعد من رعايته أحد،
فهو يرعى تلقيح الأبقار وولادة الماعز.
أزهار اللوز والزيتون والتفاح لا تخصب إلا برعايته،
والحبوب والكروم لا تنضج إلا بإرادته،
والنحل بمشيئته يلقح الأزهار،
والأيائل تتلاقح بطاقته،
إذ يثير شبقَها، فتتقدم راغبة.
*****
Page 8
تربى بعل مع حيوانات البرية،
وراح يرسل الضباب والندى، ويُسقط المطر،
وراحت هي تأكل عشب الأرض.
كان بعل أقوى من في البلاد،
وذا بأس شديد!
إنه مثيل ال،
ولكنه مدملج شَعور، وأقصر منه قامة،
يحب السباع، والأيائل، والرعاة،
فيجعل ربواتهم خضراء،
ونعاجهم تلد خرافاً جميلة،
فيفرح به الرعاة والزُّراع،
ويشعرون أنه الرب القوي الأكبر،
متكامل القوة والحكمة،
ويركض فوق العشب مع الأيل،
ويتدافع بمحبة مع الوحش عند جداول المياه.
إنه رب مجيد، ذو بأس شديد،
أتى من جبال الكرمل، وانحدر مع التلال،
فصاحَب حيوان البر،
ومنع صيدَهُ، إلا في أيام معدودة.
*****
شاهد أهل صور شعاعاً ساطعاً،
قادماً من موج البحر ذات ليلة،
فتجمعوا عند رمال الشاطىء،
فخرجت عشتار من بين الأمواج،
ربة الجمال والحب والخصب،
ونشرت معها المحبة والبهجة واللذة.
شاهدته عشتار على هذا الحال الأرعن،
رأت الوحش المتحفز في بعل،
أبصرت القوي الآتي من قلب الغابات،
أُعجبت به البغي المقدسة،
فقعدت له على الشاطىء،
تتمنى أن يخصبها،
فشقت ثوبها نصفين،
وراح يرسل الضباب والندى، ويُسقط المطر،
وراحت هي تأكل عشب الأرض.
كان بعل أقوى من في البلاد،
وذا بأس شديد!
إنه مثيل ال،
ولكنه مدملج شَعور، وأقصر منه قامة،
يحب السباع، والأيائل، والرعاة،
فيجعل ربواتهم خضراء،
ونعاجهم تلد خرافاً جميلة،
فيفرح به الرعاة والزُّراع،
ويشعرون أنه الرب القوي الأكبر،
متكامل القوة والحكمة،
ويركض فوق العشب مع الأيل،
ويتدافع بمحبة مع الوحش عند جداول المياه.
إنه رب مجيد، ذو بأس شديد،
أتى من جبال الكرمل، وانحدر مع التلال،
فصاحَب حيوان البر،
ومنع صيدَهُ، إلا في أيام معدودة.
*****
شاهد أهل صور شعاعاً ساطعاً،
قادماً من موج البحر ذات ليلة،
فتجمعوا عند رمال الشاطىء،
فخرجت عشتار من بين الأمواج،
ربة الجمال والحب والخصب،
ونشرت معها المحبة والبهجة واللذة.
شاهدته عشتار على هذا الحال الأرعن،
رأت الوحش المتحفز في بعل،
أبصرت القوي الآتي من قلب الغابات،
أُعجبت به البغي المقدسة،
فقعدت له على الشاطىء،
تتمنى أن يخصبها،
فشقت ثوبها نصفين،
Page 9
وألبسته واحداً منهما، لتكسي عريه،
فكشفت عن فتنتها، وأبانت أسرار الجسد.
فرآها بعل، وانجذب إليها،
فألهبت مشاعره، ثم راودته عن نفسه،
وقامت بدور المرأة اللعوب،
البغي المقدسة،
فانقض عليها،
وبالقبلات دغدغ مفاتن جسدها.
نام بعل مع عشتار سبع ليال متواصلات،
حتى شبع منها وأشبع شبق أنوثتها،
ثم قام إلى ثيرانه عند الوادي،
ولكن قواه قد وهنت وخارت،
خذلته ركبتاه عندما أراد اللحاق بها،
أضحى خائر القوى،
لا يطيق العدو كما كان يفعل من قبل.
ولكنه صار ذكياً، واسع الحيلة،
راجح العقل.
قالت له عشتار:
صرت تفهم مثل إل، بعدما تزوج من عشيرة.
تعال آخذك إلى دمشق، ذات الأسوار الكبار،
لنُتوِّج داغون رباً هناك تعبده بلاد السماء،
وأذهب معك إلى أوغاريت،
لأجعل الملك الكبير يقدسك،
ويفضلك على الأوحد ال.
وما إن ينتبه بعل إلى اسم ال،
حتى يشعر بتحد كبير،
فيقول لها والشر في عينيه:
هلمي يا عشتار،
خذيني إلى نصب ال،
إلى حيث يحكم بالحول والقوة،
ويُنبت النبات،
ويُعيِّش الإنسان والحيوان،
وأنا سأطالبه بكل الصلاحيات،
وسأصرخ في قلبه قائلاً:
أنا الأقوى!
أنا الذي سيبدل مصائر البشر!
الابن بعل، هو الأشد والأقوى من أبيه ال!
فكشفت عن فتنتها، وأبانت أسرار الجسد.
فرآها بعل، وانجذب إليها،
فألهبت مشاعره، ثم راودته عن نفسه،
وقامت بدور المرأة اللعوب،
البغي المقدسة،
فانقض عليها،
وبالقبلات دغدغ مفاتن جسدها.
نام بعل مع عشتار سبع ليال متواصلات،
حتى شبع منها وأشبع شبق أنوثتها،
ثم قام إلى ثيرانه عند الوادي،
ولكن قواه قد وهنت وخارت،
خذلته ركبتاه عندما أراد اللحاق بها،
أضحى خائر القوى،
لا يطيق العدو كما كان يفعل من قبل.
ولكنه صار ذكياً، واسع الحيلة،
راجح العقل.
قالت له عشتار:
صرت تفهم مثل إل، بعدما تزوج من عشيرة.
تعال آخذك إلى دمشق، ذات الأسوار الكبار،
لنُتوِّج داغون رباً هناك تعبده بلاد السماء،
وأذهب معك إلى أوغاريت،
لأجعل الملك الكبير يقدسك،
ويفضلك على الأوحد ال.
وما إن ينتبه بعل إلى اسم ال،
حتى يشعر بتحد كبير،
فيقول لها والشر في عينيه:
هلمي يا عشتار،
خذيني إلى نصب ال،
إلى حيث يحكم بالحول والقوة،
ويُنبت النبات،
ويُعيِّش الإنسان والحيوان،
وأنا سأطالبه بكل الصلاحيات،
وسأصرخ في قلبه قائلاً:
أنا الأقوى!
أنا الذي سيبدل مصائر البشر!
الابن بعل، هو الأشد والأقوى من أبيه ال!
Page 10
سنقيم الأفراح كل يوم في الساحات،
حيث الشباب الباحث عن الفتيات الحسان،
يفوح من أجسادهن أريج الأنوثة!
سننشد البهجة في العيش، ونفرح بالحياة!
سأجعل كل ذكر مزهواً بفحولته،
وكل أنثى ساحرة بنعومتها الجذابة،
تحلي أجسادهن المفاتن والمباهج.
سأجعل الربة شمس تطل مزهوة على الكائنات،
الإنسان والحيوان، والنبات!
سأسير مختالاً بين الأشبال!
ستسقط الشهب بين يديّ، برداً وسلاماً"
تجمع الكنعانيون حوله، رجالاً ونساء،
وتدافعوا عليه، واعتقدوا بأنه الرب،
فقبلوا كتفيه، فأحبهم،
وانحنى على بعضهم كما ينحني على امرأة،
وجاءت البغي المقدسة عشتار،
فحدثته وهي جالسة في حجره،
وراحا يمارسان الهوى وملذاته.
نسي بعل المكان الذي ولد فيه من عشيرة،
في قمة الكرمل،
ونزل يتجول في الأسواق،
وانتقل مع عشتار إلى أورسالم،
فرآهما ملك يبوس على هذا الحال الفاضح،
وكاد أن يلتهمهما بنظراته الشزراء،
وبعد أن تنكر لبعل، ولم يتقبل انفلاته،
انطلق الأخير مع عشتار إلى أوغاريت،
ونزلا سلاماً على الملك الكبير،
الذي سحرته عشتار بجمالها الأخاذ،
ففرح الكبير بهذه الزيارة،
واعتبرها فتحاً جديدا،
فأعطته بأساً شديدا،
حيث الشباب الباحث عن الفتيات الحسان،
يفوح من أجسادهن أريج الأنوثة!
سننشد البهجة في العيش، ونفرح بالحياة!
سأجعل كل ذكر مزهواً بفحولته،
وكل أنثى ساحرة بنعومتها الجذابة،
تحلي أجسادهن المفاتن والمباهج.
سأجعل الربة شمس تطل مزهوة على الكائنات،
الإنسان والحيوان، والنبات!
سأسير مختالاً بين الأشبال!
ستسقط الشهب بين يديّ، برداً وسلاماً"
تجمع الكنعانيون حوله، رجالاً ونساء،
وتدافعوا عليه، واعتقدوا بأنه الرب،
فقبلوا كتفيه، فأحبهم،
وانحنى على بعضهم كما ينحني على امرأة،
وجاءت البغي المقدسة عشتار،
فحدثته وهي جالسة في حجره،
وراحا يمارسان الهوى وملذاته.
نسي بعل المكان الذي ولد فيه من عشيرة،
في قمة الكرمل،
ونزل يتجول في الأسواق،
وانتقل مع عشتار إلى أورسالم،
فرآهما ملك يبوس على هذا الحال الفاضح،
وكاد أن يلتهمهما بنظراته الشزراء،
وبعد أن تنكر لبعل، ولم يتقبل انفلاته،
انطلق الأخير مع عشتار إلى أوغاريت،
ونزلا سلاماً على الملك الكبير،
الذي سحرته عشتار بجمالها الأخاذ،
ففرح الكبير بهذه الزيارة،
واعتبرها فتحاً جديدا،
فأعطته بأساً شديدا،