Page 1
كلمات جعلتني أكتب
"الذاكرة هي كل ما يبقي لنا من النسيان...الكتابة هي كل ما تبقي لنا من الذاكرة"
(سارتوريوس)
تعكس المرآة الصورة تماماً
لا تخطيء لأنها تفكر
أيفكر المرء.. يعني أن يرتكب الأخطاء
(شاعر برتغالي)
أننا معارضون وبمختلف المعاني لأي إكراه يحاول هذا العالم أن يجرنا إليه
(برتون)
الذي لا يحب الوحدة لا يحب الحرية
(شوبنهاور)
اسع لأن تكون كلّ نهاية مفترضة براءة جديدة
(رينيه شار)
ما يؤلمني ليس ما ينبع من القلب
بل تلك الأشياء الجميلة التى لن تكون أبداً
Page 2
قسامي
فراغ يمتلئ بالمستحيلفراغ ممكنه فارغ
فراغ يبدعه الرحيل
فراغ يغترب ويتوطن
فراغ يتوطن فيغترب
فراغ يرحل ولا يعود إلا إلى فراغ
فراغ فارغ من الهواء
فارغ من الصمت
فارغ من الجنون
فراغ يرحل بالألم إلى فراغات أخرى آلامها مؤجلة
ينتظر يقظة تفاجئه ليلسعه الوجع
فراغ لا أحد يدري من أفرغه
لا أذكر إلا ضباب وخزة في وريدي المحتقن
لا أذكر سوى شبح ابتسامات تلاطفني قبل الغياب
فراغ × فراغ
فراغ + فراغ
فراغ ÷ فراغ
فراغ - فراغ
فراغ = فراغ
فراغ % فراغ
فراغ؟ فراغ
فراغ! فراغ
بريدي الإلكتروني:
فراغ مفروغ منه @ فراغ. com
Page 3
فراغ فوق فراغ تحت فراغ وسط فراغ.. فراغ فراغ فراغ إلى ما لا نهاية ووصلت إلى ما لا نهاية ومازال الفراغ فارغاً وأنا لا أحب الرياضيات فعجزت عن تفسير المسألة أو حساب المسألة.. فراغ رأسي يطير وينقلب ويتدحرج ويفرغ ويتفرغ هنا وهناك في سماء يجهل كنهها يبدو سعيداً مبتهجاً كما لو أنه يؤدي عروضاً بهلوانية أثيرية وهذا كلما دغدغه كسل الطفولة وكلما فاجأته طزاجة الذكريات اليانعة، ولكنه فجأة توقف بجبينه الغائر المحفور وأخذ يهتز بعنف فجائي كما لو أنه يمر بمنطقة مطبّات هوائية.
غادرت البهجة، تبخرت النشوى لتحلَّ محلهما الدهشة والإستفهام؟!.
أنفي مفصول عن جبيني ومنطقياً آنذاك أني لا أشم لكن من أين لي كما تقول التقاطات ذاكرتي بمنطق غير مشطور.. منطقياً لا يوجد انـتصاف..السّـكين شطـّــار مائل.. الذي ضاجعنا هو المنطق.. أما الجنون فأضحكَ عـلينا الوجوم الأبله..!!.
أيعقل أن تأسرنا الحيرة وندمن التساؤل إلى الحد الذي تتكلس فيه كرامتنا ويفرض فيه البحث عن اللا جواب وجوده الصامت.. أحقاً لا نملك سوى الدوران في عجلة التبلد؟!.
بت لا أطيق البحث في دروب المتاهة عن كبة ندثر بها عورة جليدنا!
سنستحلب معاً قسوة الصحراء إلى متى سيظل هذا الهتاف الأخرس مدمدماً؟!
إننا نعيش على أمل سحائب الجفون أن تنعش الأفئدة العجاف؟!
الخراطيم مقلصة والصنابير ظامئة والحيتان فاغرة أفواهها.. وغابات الصبّار تستنزف الطاقات بالرغم من أجسادنا النازة بعرق الانكماش ولسع السياط العالق بنا كذرات رمال متصمغة إلا أن الشفاه والأهداب تتحدى النواجذ الزعاف.. صمت مخجل يخيم على أجوائنا أهي الرغبة عن اللا جواب، ذاكرتي تسوح كبقعة زيت طافية تردم شاطئ أساي المتورم بذريراتها الذارفة، البحر يلفظها هناك حيث اشتممت بذاكرة الماضي رائحة طازجة، ليس بخور والدتي قسامي ولا سخاب جدتي الفزانية ولا زهر جدي الفيتوري ولا جاوي سيدي عبد السلام ولا صابون السوسي الذي تستعمله جدّاتنا في غسل ملابسهن النظيفة أصلاً، ولا المروّن الذي تبلل به أمي شعرها، الرائحة ليست لقفة عمتي التي تأتينا بها من البر محملة بخيرات الله، ولا رائحة عطر "البروت" الممتزجة بدخان الروثمان التي تفوح دائماً من حضور أبي، ولم تكن الرائحة للسجائر المعمرة بالكيف التي يدخنها المراهقون تحت نافذة بيتي المستأجر بالصابري، ليست للمفرقعات والقومّات التي يشعلها التائهون تعبيراً عن احتفالهم بعيد المولد النبوي، الرائحة ليست لبحر الصابري ولا لعجاج سيدي المهدي، ليست كرائحة المعقّمات، إنها رائحة شياط الفجيعة المنبعثة من الجثث متفسخة الهوية والحلم، حللتها ذاكرتي عبر وشائم الوجع النازف وصرخات الفجائع المدبوغة على جبل من الضحايا بمذابح سجون العالم التي اشتمت ذاكرتي الماضية قذارة فعل يلازم هول ماحدث لكنه يعجز عن التطاير والطيران مع المتشظيات السابحة في ملكوتات طاهرة متجددة كموج البحر الحي، خلف كل حياة حيوات حتي وإن لم تكن جديدة فحتماً ليست كالتي عشناها.
أحاول أن أكتب عن لوحة فراغ شيئاً لكني عاجزة، لا تريد أن تنطبق لأرى الملامح بوضوح وأكتب عنها، أرسمها وتتمرد علي، لم أرفع نصف الوجه العلوي عن السفلي، لقد طار لوحده، استطعت فقط أن أضبطه، أن أوقفه لحظة قبل رحيله في عالم الحكايات، أوقفه كي أراه، يمكنني ملء المسافة الفاصلة، أمزّق الفراغ الذي بين النصفين، أحرقه بمشاعري وأحاسيسي، لو تركته يغيب عن ناظري ويحلق خارج الورقة سينبثق الدم من رقبتي كنافورة وأنا لا أريد أن أكتب بالحبر الأحمر الذي لم أستخدمه قط حتى وأنا أصحح كراسات مهجة وجبير وكل تلميذاتي، لوحتي أحبها وهي من ألهمتني كتابة هذا النص الذي منحته اسم أمي التي فقدتها وأنا في سن صغيرة، المرحومة قسامي:
غادرت البهجة، تبخرت النشوى لتحلَّ محلهما الدهشة والإستفهام؟!.
أنفي مفصول عن جبيني ومنطقياً آنذاك أني لا أشم لكن من أين لي كما تقول التقاطات ذاكرتي بمنطق غير مشطور.. منطقياً لا يوجد انـتصاف..السّـكين شطـّــار مائل.. الذي ضاجعنا هو المنطق.. أما الجنون فأضحكَ عـلينا الوجوم الأبله..!!.
أيعقل أن تأسرنا الحيرة وندمن التساؤل إلى الحد الذي تتكلس فيه كرامتنا ويفرض فيه البحث عن اللا جواب وجوده الصامت.. أحقاً لا نملك سوى الدوران في عجلة التبلد؟!.
بت لا أطيق البحث في دروب المتاهة عن كبة ندثر بها عورة جليدنا!
سنستحلب معاً قسوة الصحراء إلى متى سيظل هذا الهتاف الأخرس مدمدماً؟!
إننا نعيش على أمل سحائب الجفون أن تنعش الأفئدة العجاف؟!
الخراطيم مقلصة والصنابير ظامئة والحيتان فاغرة أفواهها.. وغابات الصبّار تستنزف الطاقات بالرغم من أجسادنا النازة بعرق الانكماش ولسع السياط العالق بنا كذرات رمال متصمغة إلا أن الشفاه والأهداب تتحدى النواجذ الزعاف.. صمت مخجل يخيم على أجوائنا أهي الرغبة عن اللا جواب، ذاكرتي تسوح كبقعة زيت طافية تردم شاطئ أساي المتورم بذريراتها الذارفة، البحر يلفظها هناك حيث اشتممت بذاكرة الماضي رائحة طازجة، ليس بخور والدتي قسامي ولا سخاب جدتي الفزانية ولا زهر جدي الفيتوري ولا جاوي سيدي عبد السلام ولا صابون السوسي الذي تستعمله جدّاتنا في غسل ملابسهن النظيفة أصلاً، ولا المروّن الذي تبلل به أمي شعرها، الرائحة ليست لقفة عمتي التي تأتينا بها من البر محملة بخيرات الله، ولا رائحة عطر "البروت" الممتزجة بدخان الروثمان التي تفوح دائماً من حضور أبي، ولم تكن الرائحة للسجائر المعمرة بالكيف التي يدخنها المراهقون تحت نافذة بيتي المستأجر بالصابري، ليست للمفرقعات والقومّات التي يشعلها التائهون تعبيراً عن احتفالهم بعيد المولد النبوي، الرائحة ليست لبحر الصابري ولا لعجاج سيدي المهدي، ليست كرائحة المعقّمات، إنها رائحة شياط الفجيعة المنبعثة من الجثث متفسخة الهوية والحلم، حللتها ذاكرتي عبر وشائم الوجع النازف وصرخات الفجائع المدبوغة على جبل من الضحايا بمذابح سجون العالم التي اشتمت ذاكرتي الماضية قذارة فعل يلازم هول ماحدث لكنه يعجز عن التطاير والطيران مع المتشظيات السابحة في ملكوتات طاهرة متجددة كموج البحر الحي، خلف كل حياة حيوات حتي وإن لم تكن جديدة فحتماً ليست كالتي عشناها.
أحاول أن أكتب عن لوحة فراغ شيئاً لكني عاجزة، لا تريد أن تنطبق لأرى الملامح بوضوح وأكتب عنها، أرسمها وتتمرد علي، لم أرفع نصف الوجه العلوي عن السفلي، لقد طار لوحده، استطعت فقط أن أضبطه، أن أوقفه لحظة قبل رحيله في عالم الحكايات، أوقفه كي أراه، يمكنني ملء المسافة الفاصلة، أمزّق الفراغ الذي بين النصفين، أحرقه بمشاعري وأحاسيسي، لو تركته يغيب عن ناظري ويحلق خارج الورقة سينبثق الدم من رقبتي كنافورة وأنا لا أريد أن أكتب بالحبر الأحمر الذي لم أستخدمه قط حتى وأنا أصحح كراسات مهجة وجبير وكل تلميذاتي، لوحتي أحبها وهي من ألهمتني كتابة هذا النص الذي منحته اسم أمي التي فقدتها وأنا في سن صغيرة، المرحومة قسامي:
Page 4
فراغ فراغ فراغ هذا ما أشعر به الآن، نصف رأسي العلوي ينفصل عن نصفه السفلي، يهرب جبيني بمخي وعيني وأذني وشعري الأكرد الذي يحمل الحنين لأنامل والدتي الحانيتين وهي تفليني في الشمس تحت شجرة الزيتون بمزرعة جدي من صيبان وقمل وبرغوث الحياة ومن ثم تمشطني بمشط العاج ذي الأسنان المتلاصقة جداً، تمشطني و تشدو لي صادحة بصوتها الكرواني العذب:
ياعيشة.. عيشة.. عيشة
ياعيشة بنت خليفة
ياجمّارة في ليفة
شعرك داني داني
كيف سبيب الخيلاني
عطيني منه قضبة
باش نملّخ صباطي
صبّاطي عند القاضي
والقاضي ماهو راضي
صبحت عيلته حرجانه
علي الششة والعصبانة
والششة وين بيلقوها
نقلب عيني على الحماس
يجوني سطاشن فرّاس
يافارس يامتعلي
ضبحلي على باباي
باباي شيخ مسمّي
قطّايته مجليّة
بالذهب مكسيّة
ياعيشة.. عيشة.. عيشة
ياعيشة بنت خليفة
ياجمّارة في ليفة
شعرك داني داني
كيف سبيب الخيلاني
عطيني منه قضبة
باش نملّخ صباطي
صبّاطي عند القاضي
والقاضي ماهو راضي
صبحت عيلته حرجانه
علي الششة والعصبانة
والششة وين بيلقوها
نقلب عيني على الحماس
يجوني سطاشن فرّاس
يافارس يامتعلي
ضبحلي على باباي
باباي شيخ مسمّي
قطّايته مجليّة
بالذهب مكسيّة
Page 5
نصف رأسي العلوي ينفصل عن نصفه السفلي فيهرب جبيني بمخي وعيني وأذني إلى أعلى تاركاً أنفي وفمي ورقبتي وما تحت رقبتي من أجزاء آدمية ولا يعود إلى نصفه الآخر إلا بعد أن يشبع تجوالاً ولعباً وتسكعاً في كل الأماكن والأزمنة التي عاش فيها قديماً، يعود ليلتصق في نصفه الأسفل جالباً معه غنيمة كبيرة من أحاسيس ومشاعر وأحداث يكبّها جميعها في براح القلب ليبدأ نبضه في تسطيرها ورقنها على الورق أو أزرار مفاتيح الحاسوب، نصف رأسي الأعلى يهرب مجدداً ويعود ونصف جسمي الأسفل ينتظره بفارغ الصبر، ليملأ من صيده الجميل صهاريج حزنه وكآبته بالسعادة والهناء وبكل الأشياء الجميلة التي تجعل الحياة محتملة ورائعة، شيء غريب يجري في دمي، يتجول في عروقي، جئت للمستشفى من أجل منح الإنسانية حياة جديدة، جئت في حالة نزف شديد، الإعياء يجعلني أترنح يسندني زوجي وممرضة فلبينية، ويستقبلني طبيب مصري وممرض سوداني بابتسامة حب، وبعد حقن ذراعي بدأت الرحلة، نصف رأسي يتركني في المستشفى ويطير في السماء، يرى أشياء كثيرة أعتقد أنها قد حدثت لي وقد عشتها سابقاً ثم يعود إليّ لأحس بهذه الأحداث ولا يبقى طويلاً فيغادرني من جديد، أشعر أن رأسي وردة تتفتح وتنقفل، كما كانت دائرة زمننا تنفتح وتنغلق في دائرة لعبنا في فناء مدرسة التقدم الابتدائية حيث كنا نلعب لعبة:
فتّحي ياوردة
غمّضي ياوردة
ونهز أيدينا بحماس قوي دون أن نفكها أو يخترق أحدنا نظام الدائرة ونهتف.. طرابلس.. بنغازي.. وعند ترديدنا "شيكا شيكا هي" نتقرفص أرضاً ونعيدها مراراً وتكراراً دون كلل أو ملل إلى حين انتهاء الدوام "التسريح" وكثيراً ما وقعت وسط زحام تلاميذ الصف الثالث والرابع الابتدائي وداست أطرافي النحيلة مداساتهم وهم يتغنون مبتهجين
تسريح
عجاج وريح
والدّبة تمشي وأطّيح
أخرج لأجد ابن جيراني سالم ينتظرني كجندي يؤدي واجبه على أكمل وجه وهو لايغفل عن إعطاء المتحرشين ببنيات زنقتنا نصيبهم من الصفع والركلات التي تطيحهم أرضاً.. أشعر بوردة رأسي تنفتح بعنف، فلا أحس بأي ألم، أحس أني منتعشة وسعيدة وأتمنى أن تكون حياتي كلها مثل هذه اللحظات، رأسي ينفصل عن نصفه ثم يعود، الحواس تنفصل عن بعضها ثم تتحد، مرارة مُرّة أن تعيش الحياة برأس ثابتة لا تتجول في زمن الذكريات ولا تطير ولا تتسكع، الممرض السوداني يغرز في وريدي حقنة جديدة، أشعر بالانتعاش، نصف رأسي يواصل رحيله باحثاً في كل رحلة عن المزيد من المغامرة، المزيد من الألم والمزيد من المفاجآت التي ظننت أني دفنتها في قبور النسيان إلى الأبد......
ها هو نصف رأسي يعود إلى مرة جديدة وها أنا أشعر بأني أحوم في فراغ يحكي الحكاية.. ماكنت لأكتب لولا هذا المخدر الذي عبث بجسدي وحرر مخيلتي لتصطاد أزهار الحكاية من متشظياتها وتضعها في قارورة حبر ثم تسكبها بعفوية على وشاح رمش العين.. وشاح منتصب كشراع في وجه الرياح.. رياح العون تجفف الحبر.. رأسي يرى عند عودته فسيفساء بهيجة من الذكريات.. ألتقط منها وألصق على اللوحة الخالية وألصق على وجه السماء الذي أعرف أنه لن يخذلني.. أنظر أنظر بعيون روح شفافة غائرة في العمق ولكن
ما سرى في جسدي من خدر جعل رأسي ينفصل محلقاً يطوف بأصقاع وعوالم من عصور غابرة و حضارات لأمم قرأنا عنها في كتب التاريخ.. لا حدود ولا مطارات لا تفتيش ولا مصادرات لا جواسيس ولا بصّاصين.. لم أر سبابة واحدة.. كل السبابات تقلّب الصفحات أو تنبش طيات الأرض أو أنها بمساعدة الإبهام تطبقان على ريشة، إما لتدوين مخطوطات أو لإبداع لوحات تتحف الإنسانية بروعتها وبهائها.. الكل على حاله.. تصّوف ووجوه هائمة.. فن وأصوات شجية صادحة.. فنانون يعبثون بالبيض ويسحقون اللازورد.. أحدهم حقن حقنة مملوءة بألوان ليست كالخراء طبعاً.. رأيته يحقن شرجه بجنون إبداعي.. مررت على أحدهم يعتني بوردة وعرفت أنه إمبرتوا إيكو قابلت وقابلت ولم أكن لأحظى بتلك العوالم الرحبة النقية كنقاء مانخل من رمش العين لولا جرعة المخدر التي جعلت رأسي ينفصل عن باقي جسدي ويطير دونما قيود.. لا فواصل بين الأزمان عالم تلتقي فيه كافة الأجناس والملل تجد جلال الدين الرومي يجلس قبالة ابن عربي والرازي مع أفلاطون و كونفشيوس مع بوذا وكل عبقري مع مريديه و أشعر بصداع، أعود لاسبرين فسيفسائي البهيجة التقطت والتقطت وألصقت على لوحتي الخالية وألصقت مجدداً على وجه السماء، وهاأنذا أنظر ما صنعت من كولاج أحبه.. ليس بإمكاني إطالة النظر طويلاً فالمطر لم يمهلني لأرى اللوحة كاملة وأيضاً دموعي تمسح اللوحة أسرع من مسح ماء المطر.. اللوحة تشرب دموعي وأنا أشرب ماء المطر..
فتّحي ياوردة
غمّضي ياوردة
ونهز أيدينا بحماس قوي دون أن نفكها أو يخترق أحدنا نظام الدائرة ونهتف.. طرابلس.. بنغازي.. وعند ترديدنا "شيكا شيكا هي" نتقرفص أرضاً ونعيدها مراراً وتكراراً دون كلل أو ملل إلى حين انتهاء الدوام "التسريح" وكثيراً ما وقعت وسط زحام تلاميذ الصف الثالث والرابع الابتدائي وداست أطرافي النحيلة مداساتهم وهم يتغنون مبتهجين
تسريح
عجاج وريح
والدّبة تمشي وأطّيح
أخرج لأجد ابن جيراني سالم ينتظرني كجندي يؤدي واجبه على أكمل وجه وهو لايغفل عن إعطاء المتحرشين ببنيات زنقتنا نصيبهم من الصفع والركلات التي تطيحهم أرضاً.. أشعر بوردة رأسي تنفتح بعنف، فلا أحس بأي ألم، أحس أني منتعشة وسعيدة وأتمنى أن تكون حياتي كلها مثل هذه اللحظات، رأسي ينفصل عن نصفه ثم يعود، الحواس تنفصل عن بعضها ثم تتحد، مرارة مُرّة أن تعيش الحياة برأس ثابتة لا تتجول في زمن الذكريات ولا تطير ولا تتسكع، الممرض السوداني يغرز في وريدي حقنة جديدة، أشعر بالانتعاش، نصف رأسي يواصل رحيله باحثاً في كل رحلة عن المزيد من المغامرة، المزيد من الألم والمزيد من المفاجآت التي ظننت أني دفنتها في قبور النسيان إلى الأبد......
ها هو نصف رأسي يعود إلى مرة جديدة وها أنا أشعر بأني أحوم في فراغ يحكي الحكاية.. ماكنت لأكتب لولا هذا المخدر الذي عبث بجسدي وحرر مخيلتي لتصطاد أزهار الحكاية من متشظياتها وتضعها في قارورة حبر ثم تسكبها بعفوية على وشاح رمش العين.. وشاح منتصب كشراع في وجه الرياح.. رياح العون تجفف الحبر.. رأسي يرى عند عودته فسيفساء بهيجة من الذكريات.. ألتقط منها وألصق على اللوحة الخالية وألصق على وجه السماء الذي أعرف أنه لن يخذلني.. أنظر أنظر بعيون روح شفافة غائرة في العمق ولكن
ما سرى في جسدي من خدر جعل رأسي ينفصل محلقاً يطوف بأصقاع وعوالم من عصور غابرة و حضارات لأمم قرأنا عنها في كتب التاريخ.. لا حدود ولا مطارات لا تفتيش ولا مصادرات لا جواسيس ولا بصّاصين.. لم أر سبابة واحدة.. كل السبابات تقلّب الصفحات أو تنبش طيات الأرض أو أنها بمساعدة الإبهام تطبقان على ريشة، إما لتدوين مخطوطات أو لإبداع لوحات تتحف الإنسانية بروعتها وبهائها.. الكل على حاله.. تصّوف ووجوه هائمة.. فن وأصوات شجية صادحة.. فنانون يعبثون بالبيض ويسحقون اللازورد.. أحدهم حقن حقنة مملوءة بألوان ليست كالخراء طبعاً.. رأيته يحقن شرجه بجنون إبداعي.. مررت على أحدهم يعتني بوردة وعرفت أنه إمبرتوا إيكو قابلت وقابلت ولم أكن لأحظى بتلك العوالم الرحبة النقية كنقاء مانخل من رمش العين لولا جرعة المخدر التي جعلت رأسي ينفصل عن باقي جسدي ويطير دونما قيود.. لا فواصل بين الأزمان عالم تلتقي فيه كافة الأجناس والملل تجد جلال الدين الرومي يجلس قبالة ابن عربي والرازي مع أفلاطون و كونفشيوس مع بوذا وكل عبقري مع مريديه و أشعر بصداع، أعود لاسبرين فسيفسائي البهيجة التقطت والتقطت وألصقت على لوحتي الخالية وألصقت مجدداً على وجه السماء، وهاأنذا أنظر ما صنعت من كولاج أحبه.. ليس بإمكاني إطالة النظر طويلاً فالمطر لم يمهلني لأرى اللوحة كاملة وأيضاً دموعي تمسح اللوحة أسرع من مسح ماء المطر.. اللوحة تشرب دموعي وأنا أشرب ماء المطر..
Page 6
أين الملح يا رأسي المنفصل الآن والراحل من جديد في رحاب السماء؟!.
أين الملح الذي تذوقته في قنان السعد عندما كانت تعجنه لنا عمتي حدود بحب فأقضم منه قضمة وأضع باقيه تحت مخدتي لأحلم بالسعد:
ياملح ياللي ذريراتك حب
وريني سعدي وين يطب
أين ملح كركورة يامحنّي ذيل العصفورة.. وملح سبخة رأس عبيدة.. أين ملحة العيد التي تغمسها جدتي في أول زخة من دم أضحية العيد.. أشعر أني طرت بعيداً برأسي أما ذاكرتي فلا زالت بطزاجتها ولم يستطع ذاك المخدر اللعين كبت غيها.. يا لروعة اللوحة الآن تشرب دموعي وأنا أشرب ماء المطر.. أين الملح يا رأسي المنفصل الآن والراحل من جديد في رحاب السماء؟
أسألك مجدداً.. أين الملح الذي تذوقته من دموعي وأين سكر السماء الذي رشفته في ماء المطر والتبروري الذي كنت في حيوات غابرة أغمس فيه ورقتي تحت نجيمات السماء لتجففه رياح العون وأضع فيه حلوي حب عزيز وحصيوات من ملح كركورة وقديدة العيد وشعير وفحم
هاكم
شعير لخيلكم
ملح لزادكم
شحيمة
فواح طعامكم
فحيمة
أوقودوا ناركم
وحليوة
لخطّاركم
.. فراغ.. فراغ.. فراغ.. رأسي يرحل بنصفه العلوي ويعود إلى محملاً بخيرات كثيرة.. سأترك نصف رأسي في رحلة دائمة.. سأرسله للمريخ وزحل والزهرة وعطارد وسأنتظر أوبته الأكيد.. فمن سيغني أثناء الانتظار ولساني سيزغرد.. لقد رحل نصف رأسي بأكثر حواسي أهمية وترك في جسدي اللسان والقلب والنهد الذي أرضع به أبنائي لبن الحب والدفء والنماء.
أين الملح الذي تذوقته في قنان السعد عندما كانت تعجنه لنا عمتي حدود بحب فأقضم منه قضمة وأضع باقيه تحت مخدتي لأحلم بالسعد:
ياملح ياللي ذريراتك حب
وريني سعدي وين يطب
أين ملح كركورة يامحنّي ذيل العصفورة.. وملح سبخة رأس عبيدة.. أين ملحة العيد التي تغمسها جدتي في أول زخة من دم أضحية العيد.. أشعر أني طرت بعيداً برأسي أما ذاكرتي فلا زالت بطزاجتها ولم يستطع ذاك المخدر اللعين كبت غيها.. يا لروعة اللوحة الآن تشرب دموعي وأنا أشرب ماء المطر.. أين الملح يا رأسي المنفصل الآن والراحل من جديد في رحاب السماء؟
أسألك مجدداً.. أين الملح الذي تذوقته من دموعي وأين سكر السماء الذي رشفته في ماء المطر والتبروري الذي كنت في حيوات غابرة أغمس فيه ورقتي تحت نجيمات السماء لتجففه رياح العون وأضع فيه حلوي حب عزيز وحصيوات من ملح كركورة وقديدة العيد وشعير وفحم
هاكم
شعير لخيلكم
ملح لزادكم
شحيمة
فواح طعامكم
فحيمة
أوقودوا ناركم
وحليوة
لخطّاركم
.. فراغ.. فراغ.. فراغ.. رأسي يرحل بنصفه العلوي ويعود إلى محملاً بخيرات كثيرة.. سأترك نصف رأسي في رحلة دائمة.. سأرسله للمريخ وزحل والزهرة وعطارد وسأنتظر أوبته الأكيد.. فمن سيغني أثناء الانتظار ولساني سيزغرد.. لقد رحل نصف رأسي بأكثر حواسي أهمية وترك في جسدي اللسان والقلب والنهد الذي أرضع به أبنائي لبن الحب والدفء والنماء.
Page 7
فراغ فراغ فراغ.. رأسي يهبط الآن هبوطاً حاداً ولكنّ أشجار غابة كثيفة متلاصقة وملتحمة بتعاضد حميمي منعت ارتطامي بالأرض.. منعت عودتي لألتحم بجسدي المسكين ذاك الجسد المخدر العاجز عن أي ردة فعل حيال المباضع ومشارط الأطباء.. شمس حارقة جعلتني أحلق مجدداً.. عيناي تختزل مشاهد قاسية وأذني تسمع شكاوى هامسة لأطفال يكدحون في حقول شاسعة ويجنون حبيبات البن الحمراء قبل أن تتفحم جرَّاء استعارها على نار الشقاء.. يكدحون ويكدحون من أجل ربح يسير يكاد لايسد رمق جوعهم.. رأسي غادر الحقول ليشم نسيم البحر.. ماعاد هواؤه نقياً كذي قبل.. ماعادت عالقة به روائح الطحالب المنشطة للغدد والغازية للنخاشيش.. الموازين انقلبت رأساً على عقب! الماء معكر.. الجمال تشوه بصورة تقريرية.. تمسخ.. تقيح.. أحلق فوق الضفة الغربية الآن.. أرى أناساً محتشدين منهم من جعل حقيبته كرسياً يجلس عليه ومنهم من استـند إليها ومنهم من توسدها وغط في نوم عميق.. الكل يحمل جواز سفره بيده وحالماً رأوا رأسي الطائر لوّحوا لي بجوازاتهم بحماس فائض لعلهم ظنوني جسماً طائراً أو مركبة فضائية ودّوا عبرها الحصول على الخلاص العتقي!
أفكاري مشحونة بالغربة..
آنة بالانقسام!
بعذاباتي يتلذذون
أوغاد يسخرون من براءتي
تباً لضحكاتهم الفارغة كعيني تمثال أجوف نهم.. نهم..
يتملكهم الدمار!
أطرافي تبتر أمام ناظري
ويطالعون ذلك في المرناة
يصعّدون القمة
سيبتكرون بحذاقتهم المزمنة
أفيونا جديداً
ها.. ها
يجمعون التبرعات من الجائعين
أريد الترياق!!
قرعت أجراس وأجراس إيذانا بهول النكسات
صرخات الإغاثة أرسلناها دونما حساب
الزغاريد حركت النيازك المتحجرة.. جمّدت الإنسانية......
أفكاري مشحونة بالغربة..
آنة بالانقسام!
بعذاباتي يتلذذون
أوغاد يسخرون من براءتي
تباً لضحكاتهم الفارغة كعيني تمثال أجوف نهم.. نهم..
يتملكهم الدمار!
أطرافي تبتر أمام ناظري
ويطالعون ذلك في المرناة
يصعّدون القمة
سيبتكرون بحذاقتهم المزمنة
أفيونا جديداً
ها.. ها
يجمعون التبرعات من الجائعين
أريد الترياق!!
قرعت أجراس وأجراس إيذانا بهول النكسات
صرخات الإغاثة أرسلناها دونما حساب
الزغاريد حركت النيازك المتحجرة.. جمّدت الإنسانية......
Page 8
نازفة جراح قلبي
المروج وحدها توآزرني في النفخ ببوحي الوحيد
العالم يتفرج بكل صفاقة
رباه.. كيف للجرح أن يلتئم؟
أين الزنار؟ أين الزنار؟ أين الأين؟
هل انتظر حتى اغتصب على مرأى من الشمس؟!
فراغ فراغ فراغ يلف برأسي فوق دلتا النيل هناك بأم الدنيا حيث استحمت نفرتيتي بضوءالشمس بعد أن دلكت جسدها الناعم بحليب الآتان وغطت في نوم عميق قرب كوبرا الكبرياء الملفوفة بالسلة مخضبة الحواف.. غطّت وغطّت وما ضرها الفحيح.. رقدت بسلام ونامت نومتها الأبدية بشموخ مجيد كما شموخ أبي الهول الجليل.. وراء كل عظمة وشموخ انسحاق وألم.. أجساد تنز عرقاً.. عظاماً تنكسر وسرعان ما تعاود الشغل دونما جبيرة من أجل شظف العيش الذي أجبرني على الكتابة الآن ورأسي منفصل عن جسدي وأجبركم على القراءة لترحلوا بدوركم إلى واقع مرير! الأطفال تنسحق أجمل سني عمرهم يئنون تحت سياط الحياة التي لن ترحم براءتهم البكر.. صودرت أحلامهم.. حرموا ممارسة حقوقهم بكل تبجح وعنجهية حتي في ذرف دموعهم وهي كل مايملكون.. مرَّ رأسي الذي ليس بدائخ بأطفال يحملون أرغفة العيش في سفر كبيرة تتمايل رؤوسهم ذات اليمين وذات الشمال تفوح في أنوفهم روائح العيش الذي يسيّل لعابهم.. يتذمرون جوعا فستبتر أيديهم إذا ماحاولوا أن يتذوقوه.. عجباً يا قلب يحمل الرغيف على رأسه و لا يأكل منه.. حتى الطير حرم من الأكل منه.. في الواقع والأحلام.. أطفال يدفعون الإطارات الثقيلة بأجسادهم البضة النحيلة والكبار يشفطون النارجيلا.. أصابعهم ذاوية.. أراهم في التلفاز الآن.. في الهند وباكستان منهمكين في لظم العقيق واللؤلؤ وطرزه وتثبيته في أقمشة الحرير وفساتين البذخ.. في المحاكم تزوّر أعمار الصغيرات.. يحدث ذلك في معظم الأرياف وفي حاضرة بعض البلدان.. تباع ليست نخاسة بل من أبوين شرعيين من أجل البقاء في غابة البشر.. يزج بها في الحوانيت والخانات لتبدأ رحلة الضياع وتصرف عليها سنتات قليلة لإسكات صرخة جوع وخّاز والباقي يتنعم به مدير حانة البغاء وشركائه في غض النظر والكتمان.. يعقدون مع الأهالي عقود صفقات تباع فيها الكلى وما أمكن من أعضاء إزاء مبالغ لا تسمن ولا تغني من جوع.. أنا في الهند في بنغلاديش في العراق في المغرب في مصر في في في آه .. بل خسئت يا قلمي.. أنا قريب من الوطن الآن.. أنا في الوطن الآن.
فراغ فراغ فراغ.. يهبط رأسي ويدور أشعر بتضاؤل نسبة الأوكسجين لحد الانعدام، إنها الخفافيش تتجمهر في هالة سوداء هاربة من صوت ورائحة الديناميت لنهب قلب البسيطة وإن كانت في كل مرة تزداد عروق الأرض قوة فتصبح قدرتها أكثر كفاءة من ذي قبل على ضخ دماء العطاء أينما طار رأسي.. أينما تدحرج.. أينما انقلب.. يرتطم بخيالات أطفال ترتسم على السحب.. أطفال مشردين جائعين مرضى مبتزين جهلي لم يواصلوا تعليمهم.. إما للفاقة والقهر والمعاناة وإما لأنهم عانوا من ويلات الحرب أو ماندعوه غضب الطبيعة من فيضانات وزلازل وبراكين.. رأسي يحلق.. يدور.. يتدحرج.. هاهم يستلمون الروبيات ويشربون نخب عودة ابنهم سالماً ومع الجدة يودعونه بعد أن استلموا المبلغ ليحسن من وضع الأسرة مقابل غياب ابنهم ثلاث سنوات قد يرجع خائباً وقد يضيع بين الشواطئ وقد تغرقه أمواج السماء.. هذا إن لم يغرق ويكون لقمة سائغة ووجبة سهلة لحوت البحر.. أراهم يتوشحون سواد الليالي الحالكة ويرتدون قروصة البرد مفترشين القليل من التفل المخلوط بالقواقع الملتصقة بالطحالب ومتوسدين كومات من بلح البحر مبللين ريقهم بالماء المتقاطر من صناديق الثلج التي تحفظ فيها الأسماك.. أرى أكفهم وبواطن أرجلهم وقد نخرها السوس.. لكن قلبهم لا يعض.. لا سوس نخره.. حتى سوس الأحلام ابتعد عن نبضه البرئ الطازج على الدوام.. حتى سوس السفر والطيران.. انطلق أربعتنا في سيارة أجرة إلى مطار بنينة، ثلة من الأصدقاء الكتاب والصحافيين ينتظرون المتأخرين هناك لنطير جميعنا إلى طرابلس ومنها براً إلى بلدة الرجبان للمشاركة في الاحتفالية الخاصة بذكريى الشاعر الراحل الجيلاني طريبشان.
المروج وحدها توآزرني في النفخ ببوحي الوحيد
العالم يتفرج بكل صفاقة
رباه.. كيف للجرح أن يلتئم؟
أين الزنار؟ أين الزنار؟ أين الأين؟
هل انتظر حتى اغتصب على مرأى من الشمس؟!
فراغ فراغ فراغ يلف برأسي فوق دلتا النيل هناك بأم الدنيا حيث استحمت نفرتيتي بضوءالشمس بعد أن دلكت جسدها الناعم بحليب الآتان وغطت في نوم عميق قرب كوبرا الكبرياء الملفوفة بالسلة مخضبة الحواف.. غطّت وغطّت وما ضرها الفحيح.. رقدت بسلام ونامت نومتها الأبدية بشموخ مجيد كما شموخ أبي الهول الجليل.. وراء كل عظمة وشموخ انسحاق وألم.. أجساد تنز عرقاً.. عظاماً تنكسر وسرعان ما تعاود الشغل دونما جبيرة من أجل شظف العيش الذي أجبرني على الكتابة الآن ورأسي منفصل عن جسدي وأجبركم على القراءة لترحلوا بدوركم إلى واقع مرير! الأطفال تنسحق أجمل سني عمرهم يئنون تحت سياط الحياة التي لن ترحم براءتهم البكر.. صودرت أحلامهم.. حرموا ممارسة حقوقهم بكل تبجح وعنجهية حتي في ذرف دموعهم وهي كل مايملكون.. مرَّ رأسي الذي ليس بدائخ بأطفال يحملون أرغفة العيش في سفر كبيرة تتمايل رؤوسهم ذات اليمين وذات الشمال تفوح في أنوفهم روائح العيش الذي يسيّل لعابهم.. يتذمرون جوعا فستبتر أيديهم إذا ماحاولوا أن يتذوقوه.. عجباً يا قلب يحمل الرغيف على رأسه و لا يأكل منه.. حتى الطير حرم من الأكل منه.. في الواقع والأحلام.. أطفال يدفعون الإطارات الثقيلة بأجسادهم البضة النحيلة والكبار يشفطون النارجيلا.. أصابعهم ذاوية.. أراهم في التلفاز الآن.. في الهند وباكستان منهمكين في لظم العقيق واللؤلؤ وطرزه وتثبيته في أقمشة الحرير وفساتين البذخ.. في المحاكم تزوّر أعمار الصغيرات.. يحدث ذلك في معظم الأرياف وفي حاضرة بعض البلدان.. تباع ليست نخاسة بل من أبوين شرعيين من أجل البقاء في غابة البشر.. يزج بها في الحوانيت والخانات لتبدأ رحلة الضياع وتصرف عليها سنتات قليلة لإسكات صرخة جوع وخّاز والباقي يتنعم به مدير حانة البغاء وشركائه في غض النظر والكتمان.. يعقدون مع الأهالي عقود صفقات تباع فيها الكلى وما أمكن من أعضاء إزاء مبالغ لا تسمن ولا تغني من جوع.. أنا في الهند في بنغلاديش في العراق في المغرب في مصر في في في آه .. بل خسئت يا قلمي.. أنا قريب من الوطن الآن.. أنا في الوطن الآن.
فراغ فراغ فراغ.. يهبط رأسي ويدور أشعر بتضاؤل نسبة الأوكسجين لحد الانعدام، إنها الخفافيش تتجمهر في هالة سوداء هاربة من صوت ورائحة الديناميت لنهب قلب البسيطة وإن كانت في كل مرة تزداد عروق الأرض قوة فتصبح قدرتها أكثر كفاءة من ذي قبل على ضخ دماء العطاء أينما طار رأسي.. أينما تدحرج.. أينما انقلب.. يرتطم بخيالات أطفال ترتسم على السحب.. أطفال مشردين جائعين مرضى مبتزين جهلي لم يواصلوا تعليمهم.. إما للفاقة والقهر والمعاناة وإما لأنهم عانوا من ويلات الحرب أو ماندعوه غضب الطبيعة من فيضانات وزلازل وبراكين.. رأسي يحلق.. يدور.. يتدحرج.. هاهم يستلمون الروبيات ويشربون نخب عودة ابنهم سالماً ومع الجدة يودعونه بعد أن استلموا المبلغ ليحسن من وضع الأسرة مقابل غياب ابنهم ثلاث سنوات قد يرجع خائباً وقد يضيع بين الشواطئ وقد تغرقه أمواج السماء.. هذا إن لم يغرق ويكون لقمة سائغة ووجبة سهلة لحوت البحر.. أراهم يتوشحون سواد الليالي الحالكة ويرتدون قروصة البرد مفترشين القليل من التفل المخلوط بالقواقع الملتصقة بالطحالب ومتوسدين كومات من بلح البحر مبللين ريقهم بالماء المتقاطر من صناديق الثلج التي تحفظ فيها الأسماك.. أرى أكفهم وبواطن أرجلهم وقد نخرها السوس.. لكن قلبهم لا يعض.. لا سوس نخره.. حتى سوس الأحلام ابتعد عن نبضه البرئ الطازج على الدوام.. حتى سوس السفر والطيران.. انطلق أربعتنا في سيارة أجرة إلى مطار بنينة، ثلة من الأصدقاء الكتاب والصحافيين ينتظرون المتأخرين هناك لنطير جميعنا إلى طرابلس ومنها براً إلى بلدة الرجبان للمشاركة في الاحتفالية الخاصة بذكريى الشاعر الراحل الجيلاني طريبشان.
Page 9
وصلنا إلى مطار بنينة الصغير ودخلنا صالة الإنتظار فجلست صحبة طفلي على الكرسي اللدائني البارد بينما ذهب زوجي لإنهاء الإجراءت، وظلت مهجة تشاكس أصدقاء والدها الجالسين قربنا وهم يضحكون من بعض مواقفها الطريفة وشقاوتها الزائدة عن الحد.. ثم استلطفت سائحة أوروبية فأجلستها إلى جنبها وأعطتها ورقة بيضاء لترسم فخربشتها مهجة بخطوط نالت إعجاب السائحة الفنانة.
الصديقة الصحفية إلهام بن على نزعت وشاحها الصوفي المزركش بألوان ليبية هافتة وأوقفتني من على الكرسي البارد مرددة "أنت حامل" وطرحته خلف ظهري فشعرت بدفئها الروحي قبل أن يطالني دفء الوشاح المخضب بمثلثات تانيت، ابتسمت بود وجلست بجانبي تؤانسني لحظات لا أدري كيف مرقت سريعاً من فرط حلاوتها، تجاذبنا أطراف الحديث الشيق حول مدي مقدرة الإنسان في الإصرار وإزاحة العراقيل العارضة والصعبة وغير المألوفة لبلوغ هدفه ونيل مراده:
- بصراحة أنت استطعت أن تثبتي وبجدارة كل ذلك وهذا واضح من إصرارك على الارتباط بالروائي محمد رغم غرابة أطواره وظروفه غير المحمسة للاقتران بأي امرأة بدءاَ من خطواته السريعة التي لا أدري كيف استطعت مجاراتها إلى ضعف سمعه إلى سرحانه إلى هوسه الجنوني بالكتابة الطاغية حتي على هيئته وهندامه فهو لا يكتب من أجل النشر بل يكتب ليحكي كما قال جبرائيل جارسيا ماركيز في سيرته الذاتية أو ربما يكتب لشيء آخر لم نكتشفه بعد، أرى أن الكتابة صارت له تماماً كالهواء الذي يحيا به، يستنشق عبير مايدور حوله من أحداث بدءاً من صعوده الحافلة مروراً بالشارع ومقاهي النت والفندق البلدي وشوارع بنغازي العتيقة وسوق الحوت والحدائق العامة وحتي مجلة الثقافة العربية ومؤسسة الصحافة والمنتدى الإذاعي، يسجل في ذاكرته الأحاديث العابرة التي تدور سريعاً بينه وبين الكثيرين، ليزفرها لنا من خياله الخصب الذي لا يعرف الجفاف روائح إبداعية فوّاحة، ماشاء الله عليك وأنت واقفة إلى جانبه تشجعينه باستمرار ولا تفتعلي له المشاكل التي تفتعلها بقية الزوجات.
أول معرفتي به قرأت له نصاً نشر بجريدة الجماهيرية الصفحة الأخيرة في 18 - 7 – 1999 م بعنوان "من مذكرات شجرة" مازالت ذاكرتي محتشدة بشيء منه سأقرأه سريعاً الآن:
لا أستطيع أنْ أبدأ منذ الأزل.. فالأزل مازال مجهولاً.. رغم كل ما قيل عنه من نظريات نقلية أو عقلية? ولكني سأبدأ من يوم كنت جزءاً من شجرة باسقة غرستها الرياح ذات فجر في جوف جبل أشم.
الأمطار تغسلني شتاء والصيف يجفف كل ما يؤذيني من رطوبة وبرد? أسعد بزقزقة العصافير وثغاء المواشي وعواء الذئاب? كنا نصنع حفيفاً شجياً وقت الغروب.. أحياناً أسترق السمع لأناس يجلسون متوسدين أقدام أمي أنظر إليهم وهم يتهامسون في هدوء كأنهم يدبرون مكيدة? تهتـز أمي مع الرياح فنرقص معها ولكنها سرعان ما تـتوقف وتبكي بدمع من صمغ خاثر. ذات صباح سمعنا دوياً وهـرجاً ومرجاً كأنها القيامة قامت وفجأة انهالت على أقدام وبطن أمي مناشير مشرشرة من المعدن وفؤوس حادة كلسان يتكلم! وطوقت رقابنا حبالاً تجذبها بغال قوية ونداء بشع يصرخ (بهيلا هـُب) الطعنات تأتي من كل حدب وصوب، لا تفرق بين جذع أو غصن أو ورقة.. صرخت أمي (وامعتصماه) تـناثرت نشارات دموعها وبدأ عنقها يصغـر حتى خـرّ تماماً لم ينجدها أحد، كانت الزراعة نائمة والمرشد يتـفرج على مباراة في كرة الصدر، أما شرطة النبات فلديهم (زردة) مع مدرسة البنات في بطن الوادي..
اجتـثت أمي المسكينة.. لم يرحموا أوراقها التي تخرّفت قبل الخريف ولا ثمارها التي أطعـمت الجائعين.. اقتادها نخاسو الفحم، جرجروها على الصخر.. بكى الظل لفراقها وشعر أنه هو الذي اجتث? في الماضي كان بكاؤه في منتصف النهار فقط! أما الآن فسيـبكي هذا الظل الشجرة منذ أنْ كانت شتلة وبدأت تكبر وهو معها? كان يفارقها في منتصف النهار فقط أما باقي الوقت فدائماً معها، أحياناً تسأل الشجرة الظل لماذا أنت أناني? تجعلني دائماً درعاً واقية لك من أشعة الشمس، أحبّ ظلك الليلي لأنني لا أتألم من الحر، ولكن ظل النهار مؤلم وتصرخ فيه مازحة: يا أناني.. يـبتسم لها الظل قائلاً:
لن يحبك أحد أكثر مني والظل الذي نكونه أنا وأنت ليس لمصلحتـنا وإنما لمصلحة الغير، الغير المحتاج لهذا الظل، الأرض التي لا تستطيع أنْ تحتمل الحرارة طويلاً، الحيوانات الهاربة من القيظ، عابري السبيل، ألا تريني أقصر وأطول وأدور? لا أعرف أين أقسّم نفسي، المهم أنا حزين جداً لفراقك.
قام نخاسو الفحم بجرّنا بواسطة دواب قوية، دفنونا في خندق مستعر، كان سجناً مظلماً لا هواء فيه، كوة واحدة تركوها، ليس من أجل إنعاشنا ولكن من أجل أنْ لا تخبو النار، أهالوا علينا التراب، حتى دُفنا أحياءاً، أخذت أموت رويداً في هدوء.
أحياناً أنام فأحلم بنار إبراهيم عليه السلام? أحلم ببرد وسلام.. ولكن أين كوني؟ أين? أشعر أن لحمي وعظامي وعصارتي تحترق.. ولكن روحي لا يحرقها اللهب.. قد تحرقها دمعة أو كلمة أو ابتسامة صادقة.. ولكن اللهب النار الأتون.. لا.. لا.. لا.. ثم أستيقظ لاستقبال مزيد من الكي والاختـناق والتـفحم.
بعد عـدة أيام تـفحّمتُ، أصبحتُ لا أدري ما أنتظره أو بالأحرى ما ينتظرني.
هل هناك نار أخرى بعد التـفحم? هل ستـُحرق روحي أيضاً? كيف? ومن الذي سيحرقها? وأين أمي? أشعر أنّ أمي مازالت في الأرض، مازالت بذرة...
الصديقة الصحفية إلهام بن على نزعت وشاحها الصوفي المزركش بألوان ليبية هافتة وأوقفتني من على الكرسي البارد مرددة "أنت حامل" وطرحته خلف ظهري فشعرت بدفئها الروحي قبل أن يطالني دفء الوشاح المخضب بمثلثات تانيت، ابتسمت بود وجلست بجانبي تؤانسني لحظات لا أدري كيف مرقت سريعاً من فرط حلاوتها، تجاذبنا أطراف الحديث الشيق حول مدي مقدرة الإنسان في الإصرار وإزاحة العراقيل العارضة والصعبة وغير المألوفة لبلوغ هدفه ونيل مراده:
- بصراحة أنت استطعت أن تثبتي وبجدارة كل ذلك وهذا واضح من إصرارك على الارتباط بالروائي محمد رغم غرابة أطواره وظروفه غير المحمسة للاقتران بأي امرأة بدءاَ من خطواته السريعة التي لا أدري كيف استطعت مجاراتها إلى ضعف سمعه إلى سرحانه إلى هوسه الجنوني بالكتابة الطاغية حتي على هيئته وهندامه فهو لا يكتب من أجل النشر بل يكتب ليحكي كما قال جبرائيل جارسيا ماركيز في سيرته الذاتية أو ربما يكتب لشيء آخر لم نكتشفه بعد، أرى أن الكتابة صارت له تماماً كالهواء الذي يحيا به، يستنشق عبير مايدور حوله من أحداث بدءاً من صعوده الحافلة مروراً بالشارع ومقاهي النت والفندق البلدي وشوارع بنغازي العتيقة وسوق الحوت والحدائق العامة وحتي مجلة الثقافة العربية ومؤسسة الصحافة والمنتدى الإذاعي، يسجل في ذاكرته الأحاديث العابرة التي تدور سريعاً بينه وبين الكثيرين، ليزفرها لنا من خياله الخصب الذي لا يعرف الجفاف روائح إبداعية فوّاحة، ماشاء الله عليك وأنت واقفة إلى جانبه تشجعينه باستمرار ولا تفتعلي له المشاكل التي تفتعلها بقية الزوجات.
أول معرفتي به قرأت له نصاً نشر بجريدة الجماهيرية الصفحة الأخيرة في 18 - 7 – 1999 م بعنوان "من مذكرات شجرة" مازالت ذاكرتي محتشدة بشيء منه سأقرأه سريعاً الآن:
لا أستطيع أنْ أبدأ منذ الأزل.. فالأزل مازال مجهولاً.. رغم كل ما قيل عنه من نظريات نقلية أو عقلية? ولكني سأبدأ من يوم كنت جزءاً من شجرة باسقة غرستها الرياح ذات فجر في جوف جبل أشم.
الأمطار تغسلني شتاء والصيف يجفف كل ما يؤذيني من رطوبة وبرد? أسعد بزقزقة العصافير وثغاء المواشي وعواء الذئاب? كنا نصنع حفيفاً شجياً وقت الغروب.. أحياناً أسترق السمع لأناس يجلسون متوسدين أقدام أمي أنظر إليهم وهم يتهامسون في هدوء كأنهم يدبرون مكيدة? تهتـز أمي مع الرياح فنرقص معها ولكنها سرعان ما تـتوقف وتبكي بدمع من صمغ خاثر. ذات صباح سمعنا دوياً وهـرجاً ومرجاً كأنها القيامة قامت وفجأة انهالت على أقدام وبطن أمي مناشير مشرشرة من المعدن وفؤوس حادة كلسان يتكلم! وطوقت رقابنا حبالاً تجذبها بغال قوية ونداء بشع يصرخ (بهيلا هـُب) الطعنات تأتي من كل حدب وصوب، لا تفرق بين جذع أو غصن أو ورقة.. صرخت أمي (وامعتصماه) تـناثرت نشارات دموعها وبدأ عنقها يصغـر حتى خـرّ تماماً لم ينجدها أحد، كانت الزراعة نائمة والمرشد يتـفرج على مباراة في كرة الصدر، أما شرطة النبات فلديهم (زردة) مع مدرسة البنات في بطن الوادي..
اجتـثت أمي المسكينة.. لم يرحموا أوراقها التي تخرّفت قبل الخريف ولا ثمارها التي أطعـمت الجائعين.. اقتادها نخاسو الفحم، جرجروها على الصخر.. بكى الظل لفراقها وشعر أنه هو الذي اجتث? في الماضي كان بكاؤه في منتصف النهار فقط! أما الآن فسيـبكي هذا الظل الشجرة منذ أنْ كانت شتلة وبدأت تكبر وهو معها? كان يفارقها في منتصف النهار فقط أما باقي الوقت فدائماً معها، أحياناً تسأل الشجرة الظل لماذا أنت أناني? تجعلني دائماً درعاً واقية لك من أشعة الشمس، أحبّ ظلك الليلي لأنني لا أتألم من الحر، ولكن ظل النهار مؤلم وتصرخ فيه مازحة: يا أناني.. يـبتسم لها الظل قائلاً:
لن يحبك أحد أكثر مني والظل الذي نكونه أنا وأنت ليس لمصلحتـنا وإنما لمصلحة الغير، الغير المحتاج لهذا الظل، الأرض التي لا تستطيع أنْ تحتمل الحرارة طويلاً، الحيوانات الهاربة من القيظ، عابري السبيل، ألا تريني أقصر وأطول وأدور? لا أعرف أين أقسّم نفسي، المهم أنا حزين جداً لفراقك.
قام نخاسو الفحم بجرّنا بواسطة دواب قوية، دفنونا في خندق مستعر، كان سجناً مظلماً لا هواء فيه، كوة واحدة تركوها، ليس من أجل إنعاشنا ولكن من أجل أنْ لا تخبو النار، أهالوا علينا التراب، حتى دُفنا أحياءاً، أخذت أموت رويداً في هدوء.
أحياناً أنام فأحلم بنار إبراهيم عليه السلام? أحلم ببرد وسلام.. ولكن أين كوني؟ أين? أشعر أن لحمي وعظامي وعصارتي تحترق.. ولكن روحي لا يحرقها اللهب.. قد تحرقها دمعة أو كلمة أو ابتسامة صادقة.. ولكن اللهب النار الأتون.. لا.. لا.. لا.. ثم أستيقظ لاستقبال مزيد من الكي والاختـناق والتـفحم.
بعد عـدة أيام تـفحّمتُ، أصبحتُ لا أدري ما أنتظره أو بالأحرى ما ينتظرني.
هل هناك نار أخرى بعد التـفحم? هل ستـُحرق روحي أيضاً? كيف? ومن الذي سيحرقها? وأين أمي? أشعر أنّ أمي مازالت في الأرض، مازالت بذرة...
Page 10
ولتتواصل قراءتي للنص إلى قراءتي له هو شخصياً حتى أني صرخت في المدرسة في لحظة جنون بغرفة الكونترول: "جيبولي الأصفر".
و جاء حبيبي سريعاً وتزوجنا سريعاً ليواصل نصوصه حتى نهايتها لتبدأ مشاريع قصص وروايات جديدة لا تنتهي ولا تبدأ إلا بي أي بنا جميعاً.
- "يعني يا أمّولة طلعلك محمد وعلي قولتك حمادة في قنان السعد". قنان السعد هذا الذي دوخني، قنان السعد يا صديقتي إلهام، قنان خبز لذيذ ساخن، كنا نتنافس على أكله والنوم باكراً لنحلم بالسعد بعد أن تعجنه عمتي "حدود" بحفنة دقيق مع حفنة ملح وتقرصه أقراصاً صغيرة تسمي القنان وتخبزه أخيراً في التنور بعد الانتهاء من خبز "خبزة التنور الكبيرة المفلطحة".
الوحيدة التي كنا نتوسل إليها أن تعجنه هي "عمتي حدود" لأن عمرها تجاوز الخمسين ويزيد.. فقنان السعد لا تعجنه إلا من انقطع حيضها للأبد.. قبل النوم أقضم قضمة من قنان سعدي المالح ولا أشرب الماء بعده وأضعه تحت وسادتي ثم أهجع للنوم على أن لا أكلم أحداً.. فمن شدة العطش سأحلم بالماء ومن يسقيني بمنامي فهو سعدي:
"ياملح يامليح
وريني سعدي
وين إيطيح"
"ياملح يلي ذريراتك حب
زعما سعدي وين إيطب"
الملح ذكرني بالقصة التي لا أملها وأتلهف لسماعها من جدتي في ليالي الشتاء الباردة قرب موقد الفحم ورائحة الشاي بالزعتر والنعناع المخلوط بالبردقوش، كنا نتزاحم على احتضانها وننصت إليها في شغف منسجمين مع حركات يديها وإيماءات رأسها والمسح على ثديها أو مسك أحدهما إشارة للأمومة والحنان مع تغير نبرة صوتها صعوداً وهبوطاً همساً وجهراً غناءً وإنشاداً، ألماً وفرحةً، تتقمص الشخصية كما لو كانت هي ذاتها، هذا الملح الذي ارتبط ارتباطاً وثيقاً بطفولتي، بسبخة السلماني وراس عبيده، بملحة العيد، بملح كركورة، بخرافة عيشة "بنت البر" التي افترقت عن زوجها الذي ذهب للحج وعاد محملاً لها بالهدايا ليجد المكان خاوياً على عروشه فقد تعرضت هي وقبيلتها للغزو فمات منهم من مات والذين نجوا تفرقت بهم السبل لكن زوجها لم ييأس وهام ليس على وجهه بل مجتهداً باحثاً عنها، يطوف القري ويخترق النجوع بأتانه المحملة بالأقمشة والمرايا والقلاّمات والمشابك والعطور وكل مستلزمات النساء في ذاك الزمان من أمشاط.. خلله.. أحزمة.. رقاع.. عباريق.. خواتم.. دبالج.. خراص.. صوالح.. خلاخيل وهلله.. وينادي على عيوشته في كل نجع يدخله وكلما تحولقن حول حمارته النسوة يتفقدن بضاعته وكلما سألته إحدى النسوة عن ثمن شيء مما يعرضه للبيع
- بيش
يجيبها "بضحكة" حتي يتحقق ما أد كانت عيشوشته بسنها البارقة الملبسة بالذهب..
ويستمر منادياً بصوته الغارق في الأسي والشجن:
"ياملح ياملاح
ريتش من الناس الملاح
ريتش بنت تلتهب
سنها تبترق
منها ريت عجب
فرقت مني في الظلام
ما وادعتني بالسلام"
و جاء حبيبي سريعاً وتزوجنا سريعاً ليواصل نصوصه حتى نهايتها لتبدأ مشاريع قصص وروايات جديدة لا تنتهي ولا تبدأ إلا بي أي بنا جميعاً.
- "يعني يا أمّولة طلعلك محمد وعلي قولتك حمادة في قنان السعد". قنان السعد هذا الذي دوخني، قنان السعد يا صديقتي إلهام، قنان خبز لذيذ ساخن، كنا نتنافس على أكله والنوم باكراً لنحلم بالسعد بعد أن تعجنه عمتي "حدود" بحفنة دقيق مع حفنة ملح وتقرصه أقراصاً صغيرة تسمي القنان وتخبزه أخيراً في التنور بعد الانتهاء من خبز "خبزة التنور الكبيرة المفلطحة".
الوحيدة التي كنا نتوسل إليها أن تعجنه هي "عمتي حدود" لأن عمرها تجاوز الخمسين ويزيد.. فقنان السعد لا تعجنه إلا من انقطع حيضها للأبد.. قبل النوم أقضم قضمة من قنان سعدي المالح ولا أشرب الماء بعده وأضعه تحت وسادتي ثم أهجع للنوم على أن لا أكلم أحداً.. فمن شدة العطش سأحلم بالماء ومن يسقيني بمنامي فهو سعدي:
"ياملح يامليح
وريني سعدي
وين إيطيح"
"ياملح يلي ذريراتك حب
زعما سعدي وين إيطب"
الملح ذكرني بالقصة التي لا أملها وأتلهف لسماعها من جدتي في ليالي الشتاء الباردة قرب موقد الفحم ورائحة الشاي بالزعتر والنعناع المخلوط بالبردقوش، كنا نتزاحم على احتضانها وننصت إليها في شغف منسجمين مع حركات يديها وإيماءات رأسها والمسح على ثديها أو مسك أحدهما إشارة للأمومة والحنان مع تغير نبرة صوتها صعوداً وهبوطاً همساً وجهراً غناءً وإنشاداً، ألماً وفرحةً، تتقمص الشخصية كما لو كانت هي ذاتها، هذا الملح الذي ارتبط ارتباطاً وثيقاً بطفولتي، بسبخة السلماني وراس عبيده، بملحة العيد، بملح كركورة، بخرافة عيشة "بنت البر" التي افترقت عن زوجها الذي ذهب للحج وعاد محملاً لها بالهدايا ليجد المكان خاوياً على عروشه فقد تعرضت هي وقبيلتها للغزو فمات منهم من مات والذين نجوا تفرقت بهم السبل لكن زوجها لم ييأس وهام ليس على وجهه بل مجتهداً باحثاً عنها، يطوف القري ويخترق النجوع بأتانه المحملة بالأقمشة والمرايا والقلاّمات والمشابك والعطور وكل مستلزمات النساء في ذاك الزمان من أمشاط.. خلله.. أحزمة.. رقاع.. عباريق.. خواتم.. دبالج.. خراص.. صوالح.. خلاخيل وهلله.. وينادي على عيوشته في كل نجع يدخله وكلما تحولقن حول حمارته النسوة يتفقدن بضاعته وكلما سألته إحدى النسوة عن ثمن شيء مما يعرضه للبيع
- بيش
يجيبها "بضحكة" حتي يتحقق ما أد كانت عيشوشته بسنها البارقة الملبسة بالذهب..
ويستمر منادياً بصوته الغارق في الأسي والشجن:
"ياملح ياملاح
ريتش من الناس الملاح
ريتش بنت تلتهب
سنها تبترق
منها ريت عجب
فرقت مني في الظلام
ما وادعتني بالسلام"