Page 1
ملاحظات هامة حول الكاميرون
الكاميرون بلدٌ مكوَّن من 238 مجموعة إثنية، لكلٍّ منها لغتها الخاصة، بالإضافة إلى اللغة الفرنسية واللغة الإنكليزية واللغة الكاميرونية ـ الفرنسية ـ الإنكليزية (الكامفرنكليزية) le camfranglais. وأهم هذه المجموعات: الإيووندو les Ewondo حول ياووندي Yaoundé، والباموم les Bamoum حول فومبان Foumban، والباميليكيه les Bamilékés حول دشانغ Dschang، والمانكون les Mankon في بامندا Bamnda، والدوالا les Douala على الساحل، والفولبيهles Foulbés في الشمال...
أما تاريخياً، حوالي القرن السادس، ففي معرض حديث القائد القرطاجني حنون عن الرحلة التي قام بها إلى الشواطئ الأفريقية، حوالي القرن السادس، ذكر "عربة الآلهة" التي أصبحت جبل الكاميرون.
1472: أطلق البحّار البرتغالي فرناو دو بوو Fernao do Poo على نهر ووري Wouri اسم "ريو دوس كامارويس Rio dos Camaroes" أي (نهر القريدس)؛ فأصبحت كلمة "كامارويس" الكاميرون.
12 تموز 1884: وقّع رؤساء من دوالا معاهدةَ مساعدةٍ مع تجّارٍ ألمان، تبعها بعد عدة أيام إعلان سيادة الحكومة الألمانية على كامل أراضي الكاميرون.
28 حزيران 1914: تمّ اغتيال الأرشيدوق فرانسوا-فرديناند، ونشبت الحرب العالمية الأولى. وقد دارت المعارك في أفريقيا أيضاً، في أراضي القوى المتحاربة، ومنها الكاميرون.
8 آب 1914: شُنق رودولف دوالا مانغا Rudolf Douala Manga، رئيس دوالا، وسكرتيره أدولف نغوسو دين Adolf Ngosso Din، ومارتان بول سامبا Martin Paul Samba، بعد أن اتّهمتهم السلطات الألمانية بالخيانة. وهو نفسه تاريخ ولادة القومية الكاميرونية.
1916: خسرت ألمانيا معركة الكاميرون. وقُسّم الكاميرون الألماني ليدخل تحت هيمنة الاحتلال الإنكليزي والفرنسي: فوقعت فومبان في البداية تحت الاحتلال الإنكليزي، وياووندي تحت الاحتلال الفرنسي.
10 تموز 1919: عهدت عصبة الأمم إلى كل من فرنسا وإنكلترا بإدارة الكاميرون في قسمين منفصلين مؤكّدةً بذلك الاحتلالَ الفعلي لهذه المستعمرة.
1920: اختيرت ياووندي عاصمةً للكاميرون الشرقي، الفرنسي؛ وأصبحت بويا Buéa، العاصمةُ السابقة إبّان الاستعمار الألماني، عاصمةَ الكاميرون الغربي، البريطاني.
1921: نفَتْ السلطات الفرنسية نْجُويا من فومبان، عاصمة سلطنته. وأنجز كتابَهُ الشهادة: ساآنعام Saa'ngam، المعروف أكثر بترجمته الفرنسية: تاريخ الباموم وعاداتهم، وقد حُرّر بإشراف السلطان نْجُويا.
22 تشرين الأول 1922: وصل المونسنيور فرانسوا ـ كزافييه فوغت François-Xavier Vogt إلى الكاميرون. وبعد يومين، أعلَن عن نيته في الاستقرار في ياووندي.
30 كانون الثاني 1933: أصبح أدولف هتلر مستشاراً لألمانيا.
30 أيار 1933: وفاة نْجُويا في منفاه في ياووندي.
3 أيلول 1939: نشوب الحرب العالمية الثانية.
1 أيلول 1943: وفاة الرئيس الأعلى للإيووندو شارل أتانغانا في ياووندي.
13 تموز 1955: طالَب حزبُ اتحاد سكان الكاميرون (UPC) وهو حزب قومي، باستقلال الكاميرون وإعادة توحيده، فحظرتْه السلطات الفرنسية.
1 كانون الثاني 1960: استقلّ الكاميرون الناطق بالفرنسية.
1 تشرين الأول 1961: استقلّ الكاميرون الناطق بالإنكليزية. وأُعيد توحيد الجزء الجنوبي من الأراضي الواقعة تحت الوصاية البريطانية المسمّى: "Southern Cameroon" وجمهورية الكاميرون تحت اسم جمهورية الكاميرون الاتحادية.
Page 2
ـ 1 ـ
محادثات في إحدى ظهيرات شهر آب
كانت سارة صبياً عندما دخلَتْ إلى مون بليزان، مقر إقامة السلطان في منفاه. هذه هي الحقيقة بكل بساطة. لم يكن عمرها آنذاك إلا تسع سنوات، ومع ذلك فقد أُهديت إلى السلطان نْجُويا لدى وصوله إلى ياووندي، عربونَ صداقة، "صداقة وأخوّة". الرئيس الأعلى للإيووندو شارل أتانغانا هو من أقنع الحاكمَ المطلق بمغادرة بلده باموم لكي يقيم في عاصمة المحمية. وأقلّ ما يفعله هو أن يجعل إقامة ضيفه مريحة، فالتقليد يفرض عليه ذلك ـ آه، ويا له من تقليد!
أصاب الجفافُ الموسمَ في تلك السنة، سنة 1931. الأشجار تتحدّث عن شهر آب، والنهارُ متّشحٌ بألوان الرفض: رفْض سارة ـ هكذا صاروا ينادونها منذ أن أخطأ كاهنٌ كاثوليكي في كتابة اسمها الحقيقي: سالاـ لأنها لا تريد أن تترك أمها. ورفْض السلطان الذي لا يفهم لماذا قد يقلّل وجودُه في كَنَف وصاية الفرنسيين من الريبة التي يكنّها له هؤلاء منذ أن نشَب خلافُه مع ممثّليهم المحلّيين في فومبان، قبل عشر سنوات.
ذات يوم، سأل نْجُويا صديقَه الذي يضغط عليه:
ـ أليس هذا سحق ذيل الأفعى؟
أجابه شارل أتانغانا وهو يداعب قبّعته المصنوعة من اللبّاد القاسي:
ـ ماذا أقول؟ ما هذا إلا تغيير للمشهد.
هو ونْجُويا يعلمان، أن الفرنسيين، إذا كانوا يكرهونهما، فليس ذلك بسبب كلماتهما ولا بسبب سلطتهما، بل لتحالفهما السابق مع المستعمرين الألمان.
وأضاف الرئيس:
ـ هل تجهل أن فرنسا امرأة غيورة جداً؟ مع نسائكَ كلّهنّ....
قاطعه السلطان قائلاً بابتسامة ماكرة:
ـ وأنتَ إذاً! ليس لديك سوى زوجة واحدة، ومع ذلك...
ماذا بوسع شارل أتانغانا أن يقول؟ فهو ونْجُويا ما يزالان معروفين بقصص ما قبل الحرب التي لا يمكنهما التخلّص منها. كَتَبَ نْجُويا في كتاب مذكّراته ساآنغام: "أنا مثل امرأة، والبيض مثل الرجال. فماذا بوسعي أن أفعل سوى الطاعة؟" إنه يلمّح إلى الإنكليز لأن الفرنسيين تركوه بلا صوت، وهم الذين قرّروا نَفْيَه، نعم بلا صوت. وهكذا فإن سارة تشعر هي الأخرى أنها بلا صوت، لأسباب مغايرة تماماً، بطبيعة الحال. وقد لفظت كلماتها الأخيرة ليلة ذهابها. لم تَدَعْ لها أمُّها أيَّ مجالٍ بعد أن أيقظتها، وضاع همسها في الليل، في بامبو السرير الذي تحدّده بأسنانها وهي تأكله بصمت.
Page 3
في ذلك الصباح، أيقظ صوتُ أمها الأجوف الصالونَ في عمليةِ حرقٍ احتفالية للأحلام. وجهُ الطفلة الشاحب فراغٌ لم يشأ أحدٌ أن ينظر إليه نظرةً جادّة، وبخاصة أمها، تلك الفلاحة العاقلة التي كانت في الليلة السابقة قد جفّفت دموعها راضيةً بقَدَر ابنتها؛ انتابها الحزنُ أياماً طويلة حتى وصلت إلى هذا القبول المر، وهي التي رأت مراراً الرجال يبتّون في مصائر النساء. والآن، ها هي تشدّ خصرها بمئزر لكي تفتح فمها بشكل أفضل في هذا الغبش المحتوم الذي ستعيش فيه ابنتُها من الآن فصاعداً. صمَتَ العمُّ أوونا، عرّاب الفتاة. لطالما أمِل أن يضع هذه اللحظة من العذاب خلفه بحيث لم يعد لديه كلمة يقولها. هو يعلم أنه مسؤول، وهذا كافٍ.
ولمّا كان كارل، أخو سارة، ما يزال صغيراً جداً، لم يجد أيٌّ من الكبار نفسَه مضطرّاً إلى أن يفسّر له لماذا يجب عليه أن يُمضي أيامَه من الآن فصاعداً من دون أخته.
وسارة؟ لقد أُبلغَتْ أن ساعة "حظّها" قد أزفت، نعم حظّها، بحسب رأي أمها، بتلبية نداء القدر وهي ما تزال مجرّد طفلة.
أضافت أمها:
ـ لو كنتُ مكانكِ، لسعدتُ.
"سعدتُ؟" هذا هو السؤال الذي عبر خاطر الطفلة الصامتة، بينما أخذت عيناها تحفران الصالون الصامت لكي تُحصي خفقانات مصيبتها بشكل أفضل.
ـ كنتُ سأرقص.
ـ ترقصين؟
لا تستطيع سارة أن ترقص، حتى بعد أن مشَت أمُّها بضعَ خطوات، وبدأت تغنّي أغنيةً معروفة، أغنية تغطّيها بأسماء المديح:
ـ ابنة الفهد، كما تقول الأغنية.
ـ ابنة النهر، تقول أيضاً.
ـ زهرة الليل.
ـ أم فستق العبيد.
الغناء بالنسبة إلى هذه المرأة الريفية طريقةٌ لطرد بكائها. ومع ذلك فهي تعلم أنْ لا فائدة من أن تُخفي عن ابنتها حياةَ المرأة التي بدأت بالنسبة إليها. فيما بعد، وبعد زمن طويل جداً، ظلّت سارة تسمع صوت أمها وهي تناديها في أغاني المديح. وأحياناً تسمع أصواتاً أخرى تناديها في الليل، أصواتاً مألوفة، أو غريبة أيضاً. وأحياناً تسمع مقاطع اسمها تتردّد بين هضاب ياووندي السبع، ثم تتدحرج على صخر الوادي، قبل أن تتلاشى بين حبّات المطر، وفي ضحكات أترابها الفرِحة. وتسمع أيضاً صوتَ أخيها الصغير الذي لم ترَهُ إلا مرة بعد ذلك الصباح، وكان في الثامنة فقط من عمره، يحمل زجاجة العرق، عفواُ، الكحول، بين ساقيه، ويناديها "يا امرأة"، كما يفعل الزوج حين ينادي زوجته.
Page 4
بكل تأكيد، سمعت أيضاً صوت نْجُويا الرملي الذي يناديها من جوف سرير الموت، وسط ذهول الستمائة والثمانين امرأة. أوه، سارة ستسمع هذه الأصوات كلّها التي تتناثر دائماً عند أسفل هضاب حي نسيميونغ الخضراء، ستسمع هذه الصرخات وهذه النداءات، وهذه الثرثرات وهذه الأغنيات عن القدر. في الواقع، قصتها أغنية، أغنية مؤثّرة جداً وعميقة جداً بحيث أنها لا تستطيع أن ترنّ إلا في صمت الأب الذي كان غائباً يوم رحيلها. ظلّت سارة تبحث عن صوت هذا الأب طوال حياتها، طوال حياتها. هي تخشى الصوتَ الحازم لهذا الأب المجهول حتى في صدى نباحات الكلاب النهمة، ومواءات القطط الليلية.
وسأعود إلى هذا التفصيل.
عندما التقيتُ بها، لم تكن تتذكّر من السلطان إلا عينيه. وكيف تنساهما؟ كان وجه نْجُويا مُرضياً كهاوية، قالت لي.
ـ هاوية؟
ـ نعم.
ـ كيف؟
ـ كان كأنه يستطيع أن يبتلع روحاً.
وابتسمت. في سن التسعين، ما تزال سارة تُظهر الطفلةَ التي كانتْها في سن التاسعة: مذهولة. سألتُها ما إذا كانت قد نظرت إلى نفسها في المرآة فيما مضى، فردّت:
ـ لا. وكيف كان بوسعي أن أفعل ذلك؟
لم أستطع أن أصدّق أنها رأت نفسها لأول مرة عبر نظرة نْجُويا. فقالت مصحِّحةً:
ـ لا، نظرة الرئيس.
وهي تقصد نظرة شارل أتانغانا.
Page 5
ـ 2 ـ
اختطـــــاف ابنــة الآخـــر
وصل رسُل الرئيس الأعلى في وقت مبكّر جداً، فتركتْهم أمُّ سارة ينتظرون. كانت نظراتهم مُتوعِّدة كرجالٍ آتين بمهمة. وكان أحدهم يعتمر خوذة استعمارية وهو غزير الشعر على صدره وظهره، وعلى خصره مئزر أرجواني معقود على جانبه، مع زهرة تتدلّى برخاوة. طريقته في الحركة تنمّ عن مراقب استعماري بقدر ما تنمّ عن نصّاب، أو عن الاثنين معاً.
وهو من طلب "الفتاة"، فردّت الأم بصوت حانق:
ـ لن تهرب!
التفت المراقب النصّاب نحو رفاقه فانفجروا ضاحكين، ثم قال بعد لحظة صمت:
ـ نعلم ذلك... نعلم ذلك!
وأيّده رجاله قائلين بجوقة واحدة:
ـ نعلم ذلك.
ـ نعم، نحن نعلم.
قدّمت لهم أم سارة ماءً وطعاماً، وجلسوا في غبار فناء البيت، ودخّنوا سجائر، وتبادلوا رواية نكات جنسية لم تُضحك سواهم. ومع ذلك فإن قائدهم، الرجل الذي يعتمر الخوذة، لم يكن يخفي أهميته. سأل أمَّ سارة ثلاث مرات، وثلاث مرات أجابت إن الفتاة ليست جاهزة بعد. وفي المرة الرابعة غضب الرجل وقال وهو يشد المئزر حول خصره كمن سيدخل في مشاجرة:
ـ علينا أن نذهب!
ـ علينا...
ـ الذهاب.
توسّلت إليهم أم سارة:
ـ خمس دقائق أخرى، من فضلكم...من فضلكم خمس دقائق أخرى.
سد الرجل أذنيه بأصابعه، وأشار إلى رفاقه فنهضوا ونفضوا الغبار عن مؤخراتهم وأزالوا تقلّص سيقانهم. وبصق بعضهم على الأرض. إن تفصيلات حبٍّ أمومي يمكن أن تجعل رئيساً إلى الأبد على طريق الزمن الضائع، الرجال يعرفون ذلك.
انفجر الرجل ذو الخوذة صارخاً وهو يُبدي ظاهر يده:
ـ يا امرأة! ليس لدينا وقت!
Page 6
طلبت أم سارة:
ـ امنحوني دقيقتين أيضاً!
ولكن الرجل يعرف أن دقيقةً إضافية هي رجاء لن يعيره الرئيس الأعلى أية أذن مُصغية.
أضاف المراقب وهو يراقب مدخل البيت:
ـ يجب أن نأخذ الفتاة!
شدّد على "الفتاة" وهو يحكّ خصيتيه من خلال مئزره. ورجاله من خلفه كرّروا "نعم" بصوت واحد، وألقوا نظرات موافقة.
ـ الفتاة.
ـ نعم، الفتاة.
سألت الأم فجأةً:
ـ ثم ماذا؟
ـ السلطان ينتظر هو أيضاً.
أجاب الرجل ذو الخوذة كما لو أن كلامه يتميّز.
جرض ريقه، لأن الرد العنيف من أم سارة أفقده توازنه.
ردّ الرجال:
ـ نعم، السلطان ينتظر أيضاً.
ـ ينتظر.
ـ أيضاً.
فشلت تمثيليتهم في إخفاء الخوف الذي يشعرون به من جعلهم نْجُويا أو الرئيس ينتظران.
انفجرت أم سارة:
ـ وهل دقيقة كثير بالنسبة إليكم؟ يا إلهي، أليس لديكم أولاد؟ ماذا تنتظرون مني؟ أن أعطيكم ابنتي ببساطة، هكذا؟ أي نوع من الرجال أنتم؟
العنف غير المتوقّع الذي أظهرته المرأة فرض الصمت. وأخذ رجال الرئيس ينظر كلّ منهم إلى الآخر.
وأضافت:
ـ هل أنتم حيوانات؟
Page 7
وكانت تضع قبضتيها على ردفيها، بينما كان فمها يُلقي حممه. ووصفت الرجل ذا الخوذة بأنه من أنصار العبودية، وأنه مصدر عار كل الإيووندو، وبأنه قاتل، وابن جرذ. وأطلقت قاموساً من الأسماء المنحطّة، لكن رفاق الرجل لم يدعوها تكمل سيمفونيتها الشاتمة. إنهم يعرفون أن فم امرأة من الإيووندو يمكن أن يكون عنيفاً كلسعِ سوطِ جنديٍّ مستعمِر. دخل أحدهم إلى البيت ثم خرج منه حاملاً على كتفه سارة وهي تصرخ طالبةً النجدة. كانت فوضى هذا الخطف عنيفةً، لكنّ رجال الرئيس نجحوا في مهمّتهم.
وتتذكّر سارة أن عمَّها، وحدَه من بين كلّ الرجال الذين تجمّعوا لدى سماع صراخها، أمسك بيد أمها وطلب منها أن تدع الأمور تسير. وهو يقول:
ـ هذه هي الحياة. ما هذه إلا الحياة!
ربما كان العم أوونا يعلم أن ألمَ أمٍّ بابٌ لا يتمنّى أي رجلٍ أن يُبقيه مفتوحاً زمناً طويلاً جداً.
أضافت سارة:
ـ وما لا يعلمه هو أني لن أراه بعد ذلك حيّاً.
أظلم وجهها. فقد فهمت في ذاك اليوم أنها إذا أرادت أن تهرب من جسدها الأسير، يجب عليها أن تكون شخصاً آخر. تُرى لماذا قرّرت أن تروي لي قصّتها؟ لن أعرف إلا مبكّراً جداً.
في أثناء رحلة بحث إلى البلاد قمتُ بها منذ بضع سنوات، قال لي صديق كاتبٌ إن عليّ أن أرى بيتاً سمع كلاماً عنه. انطلقنا بالسيارة نحو نسيميونغ، وتهنا في دروب بلا نهاية. ليس لدى الحي الصغير ما يقدّمه لي، ما خلا الوجوه المألوفة لمدينة مفطومة عن المستقبل، تختنق تحت وطأة الموسم الجاف، مع فتيات شابّات يراهنّ على الشبكات الافتراضية لكي يطرن إلى "شاب أبيض" مفترض، وشبّانها هُرعوا جميعاً إلى إشارتي لأن لي هيئة القادم حديثاً.
وعندما ذكرت اسم السلطان، ظهر نحو دستة من الوجوه من حولي وأقسموا لي جميعاً أنهم سميّوه وأسلافه. ففي الكاميرون، وكنتُ أعرف هذه المعلومة من قبل، يوجد اسم نْجُويا بقدر أوراق الشجر. في الواقع، في الجوار، عدد من يُسمّون أتانغانا كان بلا حدود أيضاً. ومع ذلك، فإن أحداً من هؤلاء الأشخاص لم يستطع أن يقول لي أين يقع المكان الذي أبحث عنه. وكان صديقي قاطعاً: فالمكان يحوي آثاراً لفئة نشيطة من فنانين اجتمعوا طوال عقد الثلاثينيات في أرض مرتفعة على قمة نسيميونغ، حول السلطان نْجُويا في منفاه، وكانت تُسمّى مون بليزان.
تدخّل صوتٌ من مجموعة الشبّان المضطربين بقدر ما هم تائهون، وقال:
ـ أنا أعرف ما تبحثين عنه.
للشاب الذي تكلّم عينان واسعتان وابتسامة ساخرة، واسمه أرونا. سرعان ما عرفتُه، تماماً مثلما عرفتُ الاتساعَ الضاري لأحلامه. فهي بسيطة في الواقع ـ "الولايات المتحدة، لأن فرنسا انتهت ـ، وبالتأكيد يأمل أن أسهّل له الحصول على البطاقة الخضراء كثمن لجهده، إلا إذا تزوّجتُه بكل بساطة لتسهيل هجرته. حالياً، حديثنا محدود لأنه رفع آمالي...
ـ أنت تبحثين عن العميدة، أليس كذلك؟
Page 8
ـ العميدة؟
... من أجل تخييب أملها بسرعة:
ـ فقط هي بكماء.
ـ ليتني استطيع أن ألتقي بها.
ـ إنها لا تكلّم الغرباء.
ـ أو رؤية بيتها.
أنا أعلم أن هذا الحديث الذي يميل إلى التفاهة هو طريقة آرونا لكي يرفع ثمن معلوماته. سلطة صوته فرضت الصمت من حوله. لقد صار دليلي لانعدام الأدلاء، وفي الوقت نفسه صوت شبّان نسيميونغ. فهو من أخذني إلى فناء بيت من الطين المضروب، وعرّفني بالأم العجوز.
هكذا التقيتُ بسارة، عميدة الحي، بحسب تعبير آرونا الذي يعني أنها الأكبر سناً في هذا الحي الصغير. سارة لم تخالفه، بل بالعكس، قالت له وهي تزين كلماتها:
ـ البيت الذي تبحثين عنه احترق منذ زمن طويل.
ذُهل آرونا وأصدقاؤه، فقد كانوا يحسبونها بكماء. وقالوا إن الأم العجوز لم تتكلّم طوال "ثمانين سنة"، وسألوني عمّا فعلتُه لحلّ عقدة لسانها. مثل حريق بيت الفنّانين، وحي هذا الصمت الطويل أضاف إلى إرادتي في المعرفة ما أغلق شفتي هذه السيدة. بقي من مون بليزان قرميدتان فقط، ولكن انطلاقاً من هذه الزيارة الأولى، أملتُ أن تتمكّن سارة التي استعادت صوتَها المفقود أن تُحسن تشكيل كلمات كبيرة ما يكفي لتحل محل الجدران التي لم تبقَ بعد وفاة بُناتها. وكان هذا قضية أخرى بكل تأكيد.
Page 9
ـ 3 ـ
وجــــه ســــارة العجــــوز
ليست عودة صوت سارة المدهشة هي التي جعلتني أتخلّى عن أبحاثي عن القومية الكاميرونية لأستمع إلى قصصها كعميدة، بل وجهها هو ما دفعني إلى ذلك. من كان سيقول لي إنها سوف تأسرني منذ كلماتها الأولى في شبكة شهادتها، وأنني سأحتاج إلى أسابيع، بل إلى أشهر لإيضاحها؟ ومن كان سيقول لي إنها هي، في حقيقة الأمر، التي ستعطينني مفتاح عصرٍ كنتُ قد عدتُ لأبحث فيه بالتحديد في الكاميرون؟ هي وليس آرونا، أوه، ليس آرونا الذي عندما رآني لاهثة كسمكة جزّيثٍ واقعة في فخٍّ وهو يميل إلى التسلّي! ثم إن دفْعَ سارة إلى استئناف قصتها من النقطة التي انتهت عندها في الليلة السابقة ليس بالأمر السهل.
في اليوم التالي لزيارتي، أوحت إليّ عيناها المجعّدتان بأنها لم يعد لديها ما تقوله. وأمام جبينها الثائر، الجبين النموذجي للمرأة في بلادنا، لم ألحّ عليها، بل جلستُ على مقعد واستسلمتُ لصمتها. الأمر سهل: فسارة معْلَمٌ تاريخي. وحتى فمها المَخيط كان حدثاً بحدّ ذاته. عيناها لم تتأثّرا بسنّها، بل بدتا كمصباحين متوهّجين، تشقّان طريقهما عبر جلدها المتهاوي. وحدهما يداها جفّفهما الزمن، وجلدهما المعروق يُظهر أوردة متعرّجة زرقاء.
سيول الحياة افترست سارة، فجلست على الأرض تائهة في فستانها الواسع، الكابا نغودو، الذي غالباً ما ترتديه نساء ياووندي. ورأسها معصوب بمنديل أحمر، وقدماها متقاطعتان أمامها. تنفث التبغ ببطء، وترفع رأسها لترمي للدجاجات حبوب الذرة الصفراء فتنقرها بشراهة، أو تكشط حلقها وتبصق بعيداً.
لاحظتُ أنها تحبّ التبغ حبّاً جمّاً وتتزوّد منه بكمية كبيرة لا تتخلّى عنها. تمدّ لسانها وتضع عليه سيجارة ثم تنظر بفرح طفولي. قلتُ لها:
ـ إن هذا التبغ من فرجينيا، في الولايات المتحدة.
وكان آرونا قد أخبرها من قبل أني قادمة من "أمريكا"، فلم أكرّر ما تعرفه.
أوه، أنا أرى سارة يومياُ في الوضع نفسه- وضعها المفضَّل: وهي ترتدي كابا نغوندو بلون مختلف في كل مرة، ورأسها مغطّى بمنديل أصفر أحياناً، وأزرق أو أحمر أحياناً أخرى. وسرعان ما انغرست في روحي بقوة كانغراس تمثال شارل أتانغانا في ياووندي، أو كتمثال نْجويا في فومبان، شرق البلاد، وسط المدينة، حيث كانت تنتصب في السابق شجرة حُميرة ضخمة. شهادة حية على زمن أظهرت لي ما خفي منه بجزء من جملة، فجسم سارة كان يتكلّم حتى عندما تصمت، قصر ألف صوتٍ صامت متساقط على ضفة الزمن. وسط باحة بيتها، قالت لي حتى بصمتها إن كلاً منا يحمل على منكبيه مجموع عصره. هدية الزمن هي الذاكرة: فسارة تبدو وكأنها تعيش في انتظار. ولكن انتظار ماذا؟ هذا ما سأكتشفه بسرعة.
Page 10
ـ 4 ـ
عينا سارة حكاية تبدأ بسؤال
ـ ما اسمك؟
كرّر آرونا سؤال العجوز:
ـ ما هو اسمك؟
شرح لسارة أني أحببتُ نسيميونغ، وأني أريد أن أعرف تاريخها. لم أعارضه حتى لو كانت معلوماته كلّها عني من نسج خياله. كان ينظر إليّ ويبتسم وهو يتكلّم. وأنا أعرف أنه يقدّمني أحسن تقديم لكي يطلب مكافآت على جهوده فيما بعد. يجب أن أعترف أني بحاجة إلى بعض الوقت لكي أردّ هذا الصبي إلى الجدّية. كيف خمّنتُ أن بقيةً من خيال نقدي ما تزال توجد في افتتانٍ كهذا بكل ما هو أمريكي-وبصورة خاصة من أجل الدولارات؟
ما جعلني أغيّر رأيي عن شبّان نسيميونغ هو الصمت الذي يهبط على كلامه المتناثر بمجرّد أن تفتح سارة فمها. في البداية، آرونا وحده هو من كان يطرح عليها الأسئلة. ولم أكن أستطيع أن أفعل شيئاً في الواقع، فسارة تعرفه منذ طفولته. قلت لنفسي بكل تأكيد هي تفكّر أني "زبونة" جديدة بالنسبة إليه، كشبّان الجامعة الذين غالباً ما يأتون حاملين آلة تسجيلهم ليسجّلوا حقائق المسنّين التي يسمّونها فيما بعد أدباً.
ـ اسمكِ؟
أجبت:
ـ برثا.
لمعت عينا سارة ونقلتا إليّ "آه!" وفي الوقت نفسه انفجرت في ضحكة لن أنساها أبداً، ضحكة فرضت الصمت على الكون. ورنّ صوت العجوز في الفناء ففرّق الدجاجات، ثم أضافت:
ـ ولكنك لستَ مثلها.
وتحوّلت ضحكتها إلى سعال مجنون، جعلها تكرّر "مثلها" في جري للكلمات كما لو أنها تريد أن تكبح التوثّب المفاجئ لذكرى قابعة في قاع ذاكرتها.
سألتً:
ـ مثل من؟
بقي آرونا حائراً.