Page 1
مقدمة
الحمد لله إله الأولين والآخرين، أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأقام الحجة، على الخلق أجمعين . والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين .
قصص الأنبياء فيها عبرة وعظة لأصحاب العقول، لأولي النهي، قال تعالى : { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } .
ففي قصصهم الهداية والنور، وفي قصصهم تسلية للمؤمنين وتقوية لعزائمهم، وفيه تعلم الصبر وتحمل الأذى في سبيل الدعوة إلى الله، وفيه ما كان عليه الأنبياء من الخلق الرفيع و الأدب الجم مع ربهم ومع أتباعهم، وفيه شدة ورعهم، وحسن عبادتهم لربهم، وفيه نصرة الله لأنبيائه ورسله، وعدم خذلانهم فالعاقبة الحميدة لهم، وسوء المنقلب لمن عاداهم وشذ عنهم .
وفي كتابنا هذا سردنا بعضاً من قصص أنبيائنا، لنعتبر ونتأسى بهم، فهم خير أسوة وخير قدوة، صلى الله عليهم وعلى نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، والحمد لله رب العالمين .
وكتبه :
فؤاد بن عبد العزيز الشلهوب
Page 2
قصة آدم عليه السلام
قال تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(30)وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(31)قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(32) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ(33)وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ(34)وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ(35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(36)فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(37)قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)} ( ) .
قال صلى الله عليه وسلم : (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب والسهل والحزن وبين ذلك ) ( ) . وجعله الله جسداً من طين أربعين سنة، فمرت به الملائكة وفزعوا لما رأوه ، وكان أشدهم فزعاً إبليس ، فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار ويدخل من فيه ويخرج من دبره ، وقال للملائكة، لا تخافوا منه فإنه أجوف وربكم صمد، وكان يقول : لأمر ما خلقت، ويقول: لئن سلطت عليه لأهلكنه . ويشهد لهذا ما رواه مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لما صور الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك ) ( ) .
ولما أخبر الله تعالى ملائكته بأنه سوف يجعل في الأرض خليفة، سألوه جل في علاه من باب معرفة وجه الحكمه ،لا على سبيل الاعتراض ، أو أن تساؤل الملائكة خوفاً أن يكون بدر منهم أو من أحدهم تقصير أو مخالفة ، فأسرعوا في تبرئة أنفسهم بقولهم : ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك . ثم علم الله آدم أسماء كل شيء يتعارف بها الإنسان ، علمه اسم الجبل والوادي والنهر والبحر ..إلخ. وطلب الله من الملائكة أن ينبئونه بالاسماء التي علمها آدم، فأرجعت الملائكة العلم إلى عالمه فقالوا : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم . ثم أمر الله آدم أن يخبرهم بالاسماء وأخبرهم بها .
Page 3
ثم أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم متى ما نفخ فيه من روحه، فسجد الملائكة ، واستكبر إبليس وأبى ، كبراً وحسداً ، واعتذر بشبهة شيطانية فقال : { لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون } وقال : { أنا خيرمنه خلقتني من نار ، وخلقته من طين } . فظن إبليس عليه لعنة الله أن النار خير من الطين ، وأن العنصر الناري خير من العنصر الطيني ، فكيف يسجد، وما ظن الجاهل أن السجود لآدم هو طاعة لله ، أولا وآخراً . ولكنه هو الحسد والكبر، ثم إن العنصر الطيني خير من العنصر الناري، فالنار من صفتها الخفة ، والإحراق، والطيش، والطين من صفته الليونة، والرزانة، والنفع . إلى غير ذلك مما بينه أهل العلم .
ولما أبى إبليس ، السجود طُرد من الملكوت الأعلى ، قال تعالى : { فاخرج إنك رجيم} ، وقال تعالى : { فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين } . ويقال إن إبليس كان معظماً ومقرباً ، ولما عصى أبعد وطرد . ولما عاين إبليس الحرمان ، سأل الإنظار إلى يوم الدين، فأجابه الله إلى ما سأل، { قال ربي أنظرني إلى يوم يبعثون . قال إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم } و قال : { أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلاً } قال تعالى : { قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جزاؤكم جزاء موفورا} وقال إبليس عليه لعائن الله لما استوثق من ربه : { قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين } . فأعلن العداوة على آدم من لحظة الطرد والإبعاد .
ثم أسكن الله آدم الجنة، وأمره الأكل والتمتع بما شاء من الجنة إلا شجرة نهاه ربه أن يأكل منها ، وخلق الله من آدم زوجه حواء ليسكن إليها { هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها } . وأمر الله آدم وحواء بالتنعم من الجنة وحذرهما من تلك الشجرة :{ ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين } . وحذر الله آدم من إغواء إبليس ليكون منه على حذر: { فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنك من الجنة فتشقى . إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى } ولكن إبليس زين لآدم الأكل من الشجرة، وجاءه من كل جانب، بل وأقسم لهما أنه ناصح لهما فخاطب آدم : { هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى } فسماها شجرة الخلد حتى يطمع آدم وتطمع حواء فيها . وقال لهما :
Page 4
{ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين } وهذا فيه إغراء بالأكل من الشجرة ، ثم أكد قوله بالقسم { وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين } . أقسم إبليس أنه ناصح لهما ، ويريد الخير لهما، فاغتر آدم وحواء بقسم إبليس فأكلا من الشجرة : { فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة } ( ) . فلما عصى آدم ، وعصت حواء ، تبدل الحال، وظهرت السوآت ، فالمعصية شؤم ، وحاول آدم وحواء أن يسترا سوآتهما من ورق الجنة ، ثم ناداهما الجليل ، {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين } ( ) . فأناب آدم عليه السلام وأنابت حواء إلى ربهما ، واعترفا بالذنب ، وطلبا المغفرة من الغفور الرحيم : {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } ( ) . وقال تعالى : { فتلقى آدمن من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } . وانظر إلى توفيق الله لآدم ، لما عصى ربه إذ هداه للتوبة، فسأله التوبة والمغفرة فتاب الله عليه، وإبليس لما عصى الله خُذل ولم يوفق للتوبة ولم يهتد إليها، فتجبر وسأل الإنظار ليضل الناس عن صراط الله المستقيم . ولله الحكمة البالغة .
ولكن توبة الله لآدم مقرونة بخروجه من الجنة ، فأهبطه الله وزوجه إلى الأرض ، وأهبط معهما إبليس عليه لعائن الله . {قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين(24)قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون(25)} ( ) . وقال تعالى : {قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ( ) . فعمر آدم عليه السلام وحواء الأرض وأنجبوا ، وكثر نسلهم .
ولم يعرف كم عمّر آدم على الأرض على وجه الدقة ، لكن روى الترمذي وغيره حديثاً في ذكر آخر أمر آدم عليه السلام فعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال أي رب من هؤلاء قال هؤلاء ذريتك فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ( ) ما بين عينيه فقال أي رب من هذا فقال هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود فقال رب كم جعلت عمره قال ستين سنة قال أي رب زده من عمري أربعين سنة فلما قضي عمر آدم جاءه ملك الموت فقال أولم يبق من عمري أربعون سنة قال أولم تعطها ابنك داود قال فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته وخطئ آدم فخطئت ذريته ( ) .
Page 5
قصة نوح عليه السلام أول الرسل إلى أهل الأرض
هو نوح بن لامك بن متوشلخ أول رسول إلى أهل الأرض ( ) . كان مولده بعد وفاة آدم بمائة سنة وست وعشرين سنة . ويؤيد ذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام . بعثه الله إلى الناس لما عبدت الأصنام، وضلوا عن عبادة ربهم . ومنشأ ضلال الناس بعد أن كانوا على الإسلام هو ما زينه الشيطان لهم من عبادة الأصنام، فعند تفسير قوله تعالى : { وقالوا لا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسر } قال ابن عباس هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ ( ) العلم عبدت ( ) . فدعاهم نوح عليه السلام إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وترك ما يعبد من دونه .فدعاهم ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا(5)فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا(6)وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي ءَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا(7)ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا(8)ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا}( ) . فدعاهم نبي الله نوح عليه السلام بكل طريقة وبكل وسيلة ، لعلهم يتوبون من شركهم بالله ، ويستغفرونه فيغفر لهم ، ولكن استمر أكثرهم على الطغيان والضلال البعيد وعبادة الأصنام، وأقاموا على عداوة نوح عليه السلام والسخرية به . قال تعالى : {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(59)قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(60)قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ(61)أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(62)} ( ) . ولبث نوح عليه السلام يدعوهم ويذكرهم بالله تسع مائة وخمسين عاماً كما أخبرنا ربنا { فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً } . ولما تطاول الزمن وأيس نوح عليه السلام من توبتهم من الشرك، ولما رأى عليه السلام استمرار قومه على المعاصي والعناد والمكابرة ، وتحديهم أن يأتيهم العذاب {قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} ( ) . عندئذ دعا عليهم نبيهم ولكل نبي دعوة مستجابة {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا(26)إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا(27)} ( ) . فاستجاب الله له {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} ( ) . ثم أمره الله سبحانه وتعالى أن يصنع سفينة وأن هؤلاء القوم مآلهم إلى الغرق ، وحذر الله نوحاً من مراجعته في قومه فإنهم قد حق عليهم العذاب ، قال تعالى :{ وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ ءَامَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(36)وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ(37)ْ} ولما شرع نوح في صنع السفينة سخر قومه منه { وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ
Page 6
تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} ( ) . ولما تكامل بناء السفية أمره الله أن يحمل فيها من كلٍ زوجين اثنين من الحيوانات والطيور وغيرها لبقاء نسلها {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ وَمَا ءَامَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} ( ) . وقال تعالى : {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ(11)وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ(12)وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ(13)تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ(14)وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا ءَايَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ(15)} ( ) . فماء ينزل من السماء ، وأرض تفجرت عيوناً، حتى أغرق الله القوم المكذبين ، ونجى برحمته نوحاً والمؤمنين فلله الحمد والمنة .
ولما أغرق الله قوم نوح إلا المؤمنين كان من جملة القوم الذين أغرقهم الله زوجة نوح عليه السلام فإنها كانت على الكفر ، قال الله عز وجل في شأنها : { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} ( ) . والخيانة المراد بها هنا ، هو عدم التصديق بالرسالة ، وعدم اتباع الرسول وبقائها على الكفر .
وابنه (يام) الذي أبى أن يركب السفينة مع أبيه ، قال تعالى : { وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ(42)قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} ( ).
وأمر الله رسوله نوح أن يقول إذا ركبوا الفلك واستقروا عليها : الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين . وأن يقول : رب أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين . قال تعالى { فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ( ) . ثم لما قضى الله الأمر ، وأغرق الظالمين، أمر الله السماء أن تمسك ، والأرض أن تذهب بالماء الذي عليها ، قال تعالى : { وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظالمين} ( ) . ثم أمر الله نوحاً أن يهبط على وجه الأرض سالماً ، مباركاً { قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} ( ) . فهبطت السفينة على الجودي ، وهو جبل معروف في الجزيرة ( ) . ثم لما أُهبط نوح ومن معه، سأل الله نجاة ابنه فإن الله وعد بإنجائه وأهله ، { وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ
Page 7
وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ(45)قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ(46)قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ(47)} ( ) . فبين الله له أن ابنه وإن كان من صلبه إلا أن بقاءه على الشرك أخرجه من مسمى الأهل . ثم طلب نوح عليه السلام من ربه أن يغفر له سؤاله ما ليس له به علم .
وكان من أخر آمره عليه السلام ، كما في مسند أحمد أنه لما دنا أجله ( وحضرته الوفاة قال لابنه إني قاص عليك الوصية آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين آمرك بلا إله إلا الله فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله ولو أن السموات السبع والأرضين السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله وسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق وأنهاك عن الشرك والكبر...الحديث ) ( ) .
قال ابن كثير : فإن كان ما ذكر محفوظاً عن ابن عباس من أنه بعث وله أربع مائة وثمانون سنة , وأنه عاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة، فيكون قد عاش على هذا ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة .