eKtab
EN ع
قصص مختارة من الأدب العالمي
Read free sample

قصص مختارة من الأدب العالمي

by مجموعة مؤلفين

Page 1
قطة في المطر
 
بقلم : أرنست هيمنجواي
 
ترجمة: مهدي عبداللّه
 
كان هناك أمريكيان إثنان في الفندق· لم يكنا يعرفان أي شخص يمران به على السلم في طريقهما إلى الغرفة· غرفعنما بالطابق الثاني تطل على البحر كما تطل أيضاً على حديقة عامة ونصب تذكاري للحرب· كانت هناك أشجار كبيرة وكراسي طويلة خضراء في الحديقة· خلال الطقس الحسن يتواجد هناك دائماً فنان مع حامل لقماش الرسم·
 
الفنانون يحبون طريقة نمو الأشجار والألوان المشرقة للفنادق المطلة على الحدائق والبحر· يأتي الإيطاليون من مسافات بعيدة لمشاهدة نصب الحرب· كان مصنوعاً من البرونز ويتلألأ في المطر· كانت السماء تمطر· يتساقط المطر من أشجار النخيل· يتجمع الماء في برك على الممرات المفروشة بالحصباء· اندفع ابحر في خط طويل في المطر وإنزلق متراجعاً عن الشاطئ ليأتي مرة أخرى ويندفع في خط طويل في المطر· غادرت السيارات الميدان القريب من نصب الحرب· وعبر الميدان على بار المقهى وقف نادل ينظر إلى الخارج، إلى الميدان الخالي·
 
الزوجة الأمريكية وقفت عند النافذة تنظر إلى الخارج· مباشرة تحت النافذة لفتت إنتباهها قطة تجثم تحت واحدة من الطاولات الخضراء التي يقطر منها المطر· كانت القطة تحاول أن تجعل نفسها منكمشة حتى لا تبلل·
 
إنني ذاهبة إلى الأسفل لإحضار تلك القطة قالت المرأة الأمريكية·
 
سوف أقوم أنا بذلك عرض عليها زوجها وهو فوق السرير·
 
لا، أنا سوف أحضرها· القطة المسكينة في الخارج تحاول أن تبقى جافة تحت طاولة·
 
إستما الزوج في القراءة، مستلقياً ومستنداً على مخدتين أسفل السرير·
 
لا تتعرضي للبلل قال·
 
ذهبت الزوجة إلى الطابق السفلي فوقف مالك الفندق وانحنى لها حينما مرت بالمكتب· كانت منضدته في الطرف البعيد من المكتب· كان رجلاً مسناً وطويلاً جداً·
 
قالت الزوجة بالإيطالية إنها تمطر زحبت القائم على شؤون الفندق·
 
قال لها بالإيطالية أيضاً إنه طقس سيء جدا
 
وقف خلف منضدته في الطرف البعيد من الغرفة المعتمة· أحبته الزوجة· أحبت طريقته الجادة للغاية في إستلام أية شكاوي· أحبتوفاره· أحبتالطريقة التي يريد بها خدمتها· أحبت الطريقة التي يشعر بها إزاء كونه مديراً للفندق· أحبت وجهه المسن الثقيل ويديه الكبيريتن·
 
وهي تحبه فتحت الباب، نظرت إلى الخارج· كانت السماء تمطر بصورة أشد· كان هناك رجل يرتدي رداء خارجياً مطاطياً للكتف يعبر الميدان الخالي إلى المقهى· كانت القطة في تلك الأرجاء جهة اليمين· ربما إستطاعت أن تبقى تحت الافريز· بينما كانت واقفة في المدخل إنفتحت مظلة خلفها· لقد كانت العاملة التي تقوم نبخدمة غرفتهما·
 
يجب ألا تتبللي تكلمت بالإيطالية وهي تبتسم· بالطبع أرسلها مدير الفندق·
 
رفعت العاملة المظلة فوقها ومشت المرأة على إمتداد الممر المفروش بالحصباء حتى وصلت إلى أسفل نافذتهما· كانت الطاولة هناك، مغسولة وخضراء برّاقة في المطر، لكن القطة ذهبت· أصابتها فجأة خيبة أمل· نظرت العاملة إليها·
Page 2
عن ماذا تبحثين، سيدتي؟
 
كانت هناك قطة قالت البنت الأمريكية·
 
قطة؟
 
نعم
 
قطة؟ ضحكت العاملة؟ قطة في المطر؟
 
نعم قالت، تحت الطاولة ثم أريدها جداً· أريد قط
 
عندما تحدثت بالانجليزية إحتقن وجه العاملة·
 
تعالي سيدتي قالت يجب أن نعود إلى الداخل· ستكونين مبلّلة
 
أظن ذلك قالت البنت الأمريكية·
 
رجعا على الممر المفروش بالحصباء ومرا بالباب· بقيت العاملة بالخارج لتغلق المظلة· حينما مرت البنت الأمريكية بالمكتب إنحنى لها مدير الفندق من منضدته· شيء ما كان يبدو صغير جداً وضيقاً داخل البنت· المدير جعلها تشعر بأنها صغير جداً أو في نفس الوقت مهمة في الواقع· إنتابها شعور مؤقت بأنها ذات أهمية فائقة· صعدت إلى أعلى، فتحت باب الغرفة· كان جورج على السرير، يقرأ·
 
هل حصلت على القطة؟ سألها واضعاً الكتاب جانباً·
 
لقد ذهبت
 
أتعجب إلى أين ذهبت قال، مريحاً عينيه من القراءة·
 
جلست على السرير·
 
أريدها جداً قالت· أنا لا أعلم لماذا أريدها جداً· أريد تلك القطة المسكينة· إنه ليس سهلاً أن تكون قطة مسكينة في المطر بالخارج
 
عاود جورج القراءة·
 
نهضت وجلست أمام منضدة التزين وأخذت تنظر إلى نفسها وبيدها مرآة صغيرة· تفحصت منظرها الجانبي، أولاً من جهة واحدة ثم من الجهة الأخرى· تفحصت ظهر رأسها وعنقها·
 
ألا تعتقد بأنها ستكون فكرة جيدة لو تركت شعري يطول؟ سألت وهي تنظر إلى صورتها الجانبية مرة أخرى·
 
نظر جورج ورأى ظهر عنقها حيث كان الشعر مقصوصاً وقصيراً كشعر ولد·
Page 3
أنني أحبه كما هو عليه الآن
 
إنني متمللة جداً منه قالت إنني متمللة جداً من الظهور كولد
 
غير جورج من مكانه في السرير· لم يكن قد نظر إليها منذ أن بدأت في الكلام·
 
أنت تبدين جميلة جداً قال·
 
وضعت المرأة على المنضدة واتجهت إلى النافذة ونظرت إلى الخارج· كانت السماء تقترب من الظلام·
 
أريد أن أسحب شعري وأجعله مشدوداً وناعماً وأصنع عقدة كبيرة في الخلف لكي أشعر به قالت· أريد أن أحصل على قطة لتجلس في حضني وتخرخر عندما أمرر يدي عليها
 
نعم؟ قال جورج من السرير·
 
وأريد أن أتناول الطعام على مائدة بطبقي الفضي الخاص وأريد شموعاً· وأريد الوقت أن يكون ربيعاً وأريد أن أمشط شعري في الخارج أمام مرآة وأريد قطة وأريد بعض الملابس الجديد
 
أوه، أسكتي وخذي شيئاً تقرأينه قال جورج· وأخذ يقرأ مرة ثانية·
 
كانت زوجته تنظر من النافذة· أصبح الوقت مظلماً جداً الآن ولا زالت الدنيا تمطر في أشجار النخيل·
 
في أي الأحوال أنا أريد قطة قالت، أريد قطة· أريد قطة الآن· إذا كنت لا أستطيع أن أحظى بشعر طويل أو أي تسلية، أستطيع أن أحصل على قطة
 
لم يكن جورج يصغي· كان يقرأ كتابه· نظرت نزوجته من النافذة حيث أضيء الميدان بالأنوار الآن·
 
شخص ما طرق الباب·
 
أدخل قال جورج بالإيطالية· نظر من فوق كتابه·
 
على الباب وقفت العاملة· كانت تمسك قطة كبيرة ذات لون بني وأصفر وتضغطها بشدة أمامها ثم تنزلها متأرجح ضد جسمها·
 
المعذرة قالت، قد طلب مني مدير الفندق توصيل هذه القطة إلى السيدة
Page 4
قراءة المسرحية
 
بقلم الأديبة الإنجليزية: إليزابيث جولي
 
ترجمة : مهدي عبداللّه
 
ماذا سأعد للسيد هوجيتس والعمّة شوفل حين يأتيان لتناول الشاي؟
 
جلست إمي تتساءل بجانب طاولة المطبخ· كانت متعبة جداً بسبب مجيئها مباشرة من مبنى سوث هايتس حيث تنظف الشقق الفخمة كل يوم·
 
ما رأيك في وجبة لحم الغنم مع زبادي السردين اللذيذة إقترح أخي· إنها قد تجعلهما يغيران رأيهما في المجيء إلى هنا لتناول الشاي كل ليلة نظرت أمي إليه كما لو كانت تراه فجأة طويلاً جداً بالقرب من الباب·
 
طوال هذا الشتاء دأبت أمي على حضور الدروس المسائية· تقول إنها تستطيع أن تشعر بأن مخّها يتمدد من رأسها·
 
أنا أعرف قالت أمي مبتهجة· سوف نقوم بقراءة مسرحية أخذت كتاب المدرسة الليلية من شنطتها· إنها مسرحية كتبها رجل يدعى أبسن، وهو صاحب الفكرة التي تقول بأنه فقط عندما يموت الجسد فإن الأشخاص حقاً يأتون إلى الحياة·
 
ما إسم المسرحية سألتها أنا·
 
عندما نموت ونحن مستيقظين
 
هل هناك أي اهتمام بالجنس فيها سألتها·
 
البنات المؤدبات لا يسألن مثل هذه الأسئلة·
 
قال أخي وهو يقلّب الأوراق بسرعة يبدو أنها تتضمّن بعض المشاهد الجنسية، فهنا على الصفحة 226 جاء ما يلي: إنه يذكرني بالليلة التي قضيناها في القطار في طريقنا إلى هنا· فردت عليه: لماذا جلست في المقصورة ونمت طوال الطريق· فأجابها:·············
 
سوف أفعل ذلك قالت أمي· إنها جميعاً ذات رمزية عالية· الكاتب يرى الجسد الإنساني كلّه مستلقياً فوق الأشجار والسياج والإسطبلات·
 
سألتها أنا كيف؟
 
الشكل الخاص للإنسان وعواطفه يتم التعبير عنها في المشهد الطبيعي قالت الأم بصوت عذب جداً·
 
هنا أيضاً قال أخي· في الصفحة 252 إنها تتكلم مرة ثانية وتقول: هناك في الأسفل، في سفح التلال حيث تكون الغابة أشد كثافة· أماكن لا يستطيع الأشخاص القادمون أن يخترقونها أبداً
 
انتزعت أمي الكتاب بقوة منه وقالت لي سوف تفهمين عندما تكبرين·
 
هذه المسرحية رباعية قالت وصوتها يصبح عذباً مرة أخرى، وأنفها يتحول إلى الاحمرار بالطريقة التي يصبح عليها حينما تكون مندهشة إزاء شيء ما·
 
سألتها أنا ماذا تقصدين بالمسرحية الرباعية·
 
قطعت الأم تفاحة إلى أربعة أجزاء· سوف أوضح لك قالت وهي توزع قطع التفاح· هؤلاء هم الشخصيات الأربع· هذا البروفيسور روبيك وزوجته الشابة مايا، الجالسة فرب إناء الشاي
 
لماذا يجلسان قرب إناء الشاي سأل أخي·
Page 5
إنه يمثّل الفندق قالت أمي بصبر· البروفيسور روبيك وزوجته جالسان وهما يتناولان الشمبانيا نبعد الفطور وهاتان الشخصيتان الأخريان وضعت القطعتين الباقيتين من النفتاحة بعيداً على قماش الطاولة وقالت هما إيرين وصائد الدببة· وهذا الموز هنا يمكن أن يكون مدير الفندق، الذي له دور صغير جداً في المسرحية· أوه! لقد أكلت البروفيسور روبيك إتهمت أمي أخي·
 
إيرين وصائد الدببة ذهبا أيضاً قلت أنا·
 
لماذا فعلت ذلك يا إبن الكلبة قفزت أمي واندفعت تجاه أخي الذي راح يجري حول طاولة المطبخ عدة مرت وهي تجري خلفه· وفجأة وقف أخي فاصطدمت أمي به، فتراجع إلى الكرسي الخشبي·
 
النجدة ، إني أغص بالطعام! إرتدى أخي وجهه المجنون· النجدة·
 
في تلك اللحظة متنا جميعاً من الضحك· ظلت زوجة البروفيسور وحيدة على قماش الطاولة هناك فسارعت أنا بأكلها·
 
جلست أمي لتستعيد أنفاسها وهي تقول: ماذا سأعد حينما تأتي العمة شوفل لتناول الشاي؟·
 
فتح الباب ودخلت العمة شوفل والسيد هوجيتس مع كل مشترياتهما·
 
ترى ماذا تخبرنا الملائكة؟ قالت أمي ببراءة·
 
أظن لا شيء يستحق أن أقوله عن نفسي قالت العمة شوفل وهي ترخي جسمها على أفضل كرسي· هل الشاي جاهز؟·
 
لقد جئتما في الوقت المناسب لقراءة المسرحية قال أخي· إن البروقيسور وزوجته غارقان للتو في مرح صاخب بعد تناولهما الكورن فليكس
 
أوه؟ قالت العمة شوفل·
 
نعم قالت أمي بسرعة· السيد هوجيتس، باستطاعتك أن تكون البروفيسور روبيك· إبتسم السيد هوجيتس وهو يرى نفسه في المرآة الواقعة فوق مغسلة الأيدي· رتّب شعره وتفحص لسانه وقال بكل سرور سيدتي العزيزة، بكل سرور·
 
ضع هذا الشريط القماشي حولك قالت أمي· البروفيسور يرتدي شالاً فوق ملابسه ليظهر للمشاهدين إنه يغدو عجوزاً· ذلك واحد من رموز الكاتب أوضحت·
 
السيد هوجيتس لا يغدو عجوزاً قالت العمة شوفل· السيد هوجيتس في ريعان شبابه· أنظري فقط إلى عنقه لترين إنه في ريعان الشباب
 
سوف أكون إيرين قالت أمي متجاهلة العمة شوفل· إيرين هي فتاة الموديل العارية للبروفيسور· إنهما لم يريا بعضهما البعض منذ وقت طويل· هو يريدها أن تأتي معه إلى الجبل
 
ذلك يكفي! بدأت العمة شوفل في جمع أكياس المشتريات·
 
أوه يا عزيزتي الجميلة، إنها فقط مسرحية! قال السيد هوجيتس مبتسماً من داخل الشريط القماشي·
 
إذا دعي العمة شوفل تلعب دور إيرين قال أخي وهو يستعين بالكتاب· لقد جاء فيه هنا إها من المفترض أن تكون مجنونة بدبابيس الربط المثبتة في رأسها وهناك سكين مخبأة بين···
 
فقط حاسب لكلامك قالت أمي· شوفل، تستطيعين أن تكون الراهبة، إنه دور جميل، فحينما يغرق الجميع في الانهيار الثلجي في نهاية المسرحية، تبقى الراهبة هي الوحيدة على قيد الحياة
 
كيف يمكن أن أكون راهبة عندما أكون أنا والسيد هوجيتس متفاهمين·
 
أصبح أنف العمة شوفل أحمر مثل أنف أمي· كلتاهما سألتا أخي عما إذا كان أنفهما أحمر على إفتراض أنه إهتم بذلك·
 
هيا يا هربرت، سوف نلحق على باص الخامسة والنصف قالت العمة شوفل وهي تخرج والسيد هوجيتس يتبها· صفق الباب بعنف·
 
قلت: إنه لا يزال يرتدي الشريط القماشي عليه
 
لا يهم قالت أمي· لم أكن أعلم فيما إذا كانت تضحك أم تبكي لكنها قالت إنها ستكون على ما يرام مباشرة· وعندما نزلت أمي إلى الشاعر لاحضار ثلاثة سندويتشات ستيك سارع أخي بأكل مدير الفندق·
Page 6
السكون
 
بقلم الأديب الاسترالي: موريه بيل
 
ترجمة: مهدي عبداللّه
 
جلس جو تاب ذو العينين الصغيرتين والأنف الذي يشبه أنف الصقر القرفصاء كما يجلس أحد سكان أستراليا الأصليين أو أحد العرب أو الهنود الحمر·
 
كانت فردتا بنطاله كالكيسين الرماديين المدسوسين في زوج حذاءه العالي الساق· مثل العامل الثقيل الوزن· كان يرتدي فقط قميصاً داخلياً رفيعاً أبيض وقبعة رمادية مائلة إلى الخلف· بين أصبعيه تأرجحت سيجارة· أحرق ورقة وأشعلها· تطاير الدخان من أنفه مداعباً شعر رأسه وأذنيه·
 
كان وحيداً· مخيمة بقعة في فضاء شاسع· إنتصبت الشمس في الأعلى· حرارتها شقت بياض الأرض وقتلت النباتات والحشائش وأمالت الأشجار إلى هياكل سوداء، ملائمة لخشب النار· أفخاخ الأرانب ظلت متشابكة، أما الخيمة والثلاجة المرتفعة البيضاء وبراميل النفط والقمامة فكلها متباعدة· مكان عجيب لمخيّم· لكن جو كان يحصل على الأرانب هناك، في الصحراء، منذ أكثر من سنة· كانت تختبئ في التلال الرملية وتخرج في الليل·
 
لم يكن جو يفعل شيئاً في منتصف النها· إستراح الذباب على ظهر قميصه· نظر لبرهة إلى نملتين قبل أن يسحقهما· تفحص الفوضى المنتشرة على الأرض الملتهبة· إستمر في الجلوس تحت الشمس في فترة بعد الظهر، سمع صوتاً قادماً من بعيد·
 
ربما كانت مركبة خفيفة، فالصوت يشبه ذلك النوع· بعيد جداً، كالطائرة الضئيلة الحجم في ليلة صيفية فقط هذا الشيء كان يعمل: تغيير ناقل الحركة· علم جو أنها الشاحنة· كان يصغي طوال اليوم إليها·
 
نهض ووقف· فردتا حذاءه أحدثتا صوتاً أعلى من جلجلة الشاحنة· صعد فوق برميل نفط· إلى يمينه كانت الشاحنة تثير عاصفة من الغبار ضد السماء·
 
نزل وجلس مرة أخرى، هز رأسه منتظراً أن يصل الرجل· سمع الشاحنة قادمة نحوه بحماس· تم إبطاء ناقل الحركة وأحدثت حركة واقيات الطين قرقعة في أذنه عندما أصبحت الشاحنة تترنح قرب ناظره· شاحنة حمراء ذات إطارات قديمة وحاجب زجاجي منقْط· المخيم الذي كان صامتاً ساكناً قبل ثوان قليلة، أصبح الآن يعج بالضوضاء· فردتا الحذاء العاليتا الساق ترتطمان بالأرض باب الشاحنة يغلق بعنف· خطا نورم تريلور نحوه، نظارته الشمسية اعتلت أنفه· له وجه ودود، العرق الغزير ملأ ظهره·
 
سأله تريلور كيف حالك؟
 
ليس سيئاً
 
إتضح لجو أن تريلور تحدث أكثر من اللازم وكان مذهولاً بصوته الذي قفز عبر الهواء·
 
هل لديك الكثير؟ سأله تريلور
 
حوالي 300 زوج
 
ها ها
 
غيّر جو من جلسته واحتار فيما إذا كان هناك شيء آخر سيقوله·
 
لا شيء·
Page 7
بدأ الاثنان في إلقاء أكياس الأرانب اللامعة من الثلاجة إلى الشاحنة· الأرانب المتجمدة وضعت على الصينية· ملئاً الشاحنة في غضون نصف ساعة·
 
حسناً أيها الصديق الآن قدّم لنا كوباً من الشاي قبل أن أغاد· يجب عليّ أن أصل إلى كيليبوي قبل أن تذوب الأرانب· لديّ وقت لكوب واحد فقط
 
تريلور شرب كوبين· تجرعهما بسرعة وغص أثناء شربه ثم تحدث عن إجتماع السباق الأخير· في النهاية صعد إلى الشاحنة·
 
يجب عليّ أن أذهب يا صديقي! سوف أراك بعد أسبوعين· لديك بترولك، أليس كذلك؟ وطعامك أيضاً؟ وأصطد لنا أكثر من 300 زوج في المرة القادمة، ألن تفعل؟
 
إبتسم إبتسامة عريضة·
 
جو في قميصه الداخلي وحذاءه العالي الساق أومأ بالموافقة· زأر محرّك الشاحنة وهز المخيّم محدثاً ضجيجاً في أذنيه· تحركت الشاحنة بعيداً· أصغى للمحرّك وهو يصدر صوتاً مزعجاً من بعيد مخترقاً الشجيرات الصحراوية الخفيضة ولم تخفت الضوضاء في الهواء إلاّ بعد أن قطع مسافة طويلة· أذناه المليئتان بالشعر عكستا الصوت لوقت قصير· إنتظرت السماء والأرض كي يتحرك جو·
 
يومه بدأ مبكراً· خرج من سرير النوم المطاطي ومن المخيمة قبل أن يظهر ضوء الصباح· طقطقة وإشعال نار في خشب لاأشجار، إعداد إناء الشاي قبل شروق الشمس· تلك هي الحياة· ظلال برتقالية إنتشرت في أرجاء المخيم ولونت السماء·
 
توجه إلى التلال الرملية مرتدياً سترة جلدية· على ذراعه كيس طحين قديم· مشى بين التلال وهو يفك أسنان الأفخاخ ويلوي أعناق الأرانب ويلقي بها في الكيس· أصبح الكيس ثقيلاً على ذراعه· أخذه إلى المخيم وأتى بكيس ثانٍ وملأه· ملأ كيساً ثالثاً· الذباب يئز· عاد إلى التلال ونصب الأفخاخ مرة أخرى· شعر بالحر الشديد عندما انتهى من عمله· خلع قميصه، مسح عنقه وذراعيه ووجهه· خلع حذاءه الأسود ذا الرباط الجلدي السميك· نظفه من الرمل· توجه إلى إناء الشاي الموضوع على النار· إنه يغلي جيداً· صبّ الشاي الأحمر· تناوله· أصبحت السماء أشدّ لهيباً· لبس حذاءه مرة ثانية· إستلقى· إسترخى· التقط الصحيفة التي تركها نورم تريلور· ألقاها في النار· أشعل سيجارة·
 
كيسان من الأرانب ظلا في الشمس· تلك الذبابات ملأت أرجاء الهواء في الخارج· سحب جو الكيسين نحو خيمته· زكمل ثلاثة أكياس من الأرانب· ألقى كمية جيدة من اللحم في الثلاجة· مسح سكينه· بعد ذلك لم يكن هناك شيء يفعله· قام بجولة حول المخيم·
 
ثم أزف الليل· صنع جو لنفسه ناراً· أصبح داخل السرير المطاطي مبكراً· سترته الجلدية وسادته· نام نوماً عميقاً· عادة ما يشخّر وأحياناً يصدر نخيراً·
 
وصل نورم تريلور بعد أسبوعين· كالعادة سمع جوالشاحنة على مسافة أميال· تساءل عن ماذا سيتحدث تريلور هذه المرة· بالطبع سيقول كيف حالك؟ دائماً كان يفعل هذا· ماذا تطتطيع أن تعمل إزاء ذلك؟ لا شيء· تريلور أتى متوقعاً إيّاه أن يتكلّم· كيف حالك؟ كيف حالك؟ كيف حالك؟· تريلور دائماً يثرثر في أية لحظة·· غدت الشاحنة قريبة جداً· كانت مزعجة، أصابت إذن جو بالصمم·
 
توقفت·
 
كيف حالك سأله تريلور·
 
كان جو ينتظرها· لكن الصوت فاجأه، يبدو أنه طفا في الهواء لثانية واحدة قبل أن يصل إليه· والكلمات، من الغريب أنها لم تظهر مطابقة للفم المتحرّك·
 
نظر جو إلى تريلور· راقبه وهو يتحدث·
 
كم عدد الأرانب التي حصلت عليها هذه المرة؟ سأله تريلور··
 
لم يعرف ماذا يقول· يريد أن يختبر صوته أولاً· بدأ ببعض الكلمات داخل فمه· فتح قمه·
 
ثلاثمائة؟ افترح تريلور·
Page 8
أومأ جو رأسه·
 
حسناً، هل سقط هنا مطر في الأسبوع الماضي؟
 
هز جو رأسه بالنفي·
 
الصمت جعل تريلور ينظرعبر الشاحنة إلى الغبار· المنظر كان مسطحاً تماماً·
 
نعم، إن الطقس جاف جداً
 
استمر جو في مراقبته وهو يتكلّم·
 
نعم إنه جاف بالتأكيد كرّر تريلور·
 
أراد جو الآن أن يعبّأ الشاحنة· لم يرد أن يسمع صوت تريلور· أراده أن يتحرك· جالساً هناك وجد نفسه يحملق في الأرض· ذلك زفضل من النظر إلى عيني تريلور تراقبه· شر بانشداد أعصابه خشية أن يسأله تريلور سؤالاً آخر ويجبره على استخدام صوته· كان هناك توتر· شعر جو بأن الأمر كله، الأصوات في الهواء، شيء غريب·
 
مرة أخرى كسر تريلور الصمت· نقّى حنجرته· جهز حذاءه، أرجع قدمه إلى الوراء وانتصب واقفاً·
 
هيا لنحمل الأرانب
 
ساعد جو الرجل بعناية·
 
بعد ذلك قفز الصوت عالياً إليه·
 
إعتن بنفسك أيها الصديق· أنا ذاهب· سوف أراك بعد أسبوعين·
 
أرسل المحرك موجات صلبة خلال الهواء إلى جو· غادر المتطفل الآن· بدأ جو في الاسترخاء· الهواء كله ترك له· لا شيء يزعج أذنيه·
 
إنتقل إلى أسبوعين آخرين من الصيد· نصب الأفخاخ· إعداد النار، الخلود إلى النونم، الاستيقاظ، إخلاء الأفخاخ، تقشير الطعام،تناول الأكل· في أحد الأيام قام بتقطيع سبع شجرات ميتة وحولها إلى خشب للنار· بالرغم من ذلك، عقب عمله الصباحي نادراً ما كان يفعل شيئاً· استطاع أن يجلس في السكون لساعات، وهو يحب ذلك· مثل أحد سكان إستراليا الأصليين· استطاع أن يخطط أماكن جديدة للأفخاخ· فكر قليلاً في لحم الكنغر· تذكر إنه شاهد بعض الكلاب المتوحشة قرب الأفخاخ·
 
هذا السكون تم كسره· كان يجلس تحت الشمس عندما حدث الآتي· مرتدياً قميصه الأبيض الرفيعوقبعته· شفتاه إنشقتا قليلاً، دون حراك· يداه بنيتان، متسختان باهمال مع بقع سوداء وأصابع قاطعة· ذلك هو جو· كان يتحسس أنفه عندما سمع الشاحنة·
 
هذه المرة قفز بسرعة· كانت ترسل سحابة من الغبار ربما على بعد ميلين· إستطاع أن يراها هناك· إنه تريلور قادم· وجب على جو أن يفكر· إنه قادم من أجل الأرانب· حسناً، لكن هناك الكلام المزعج، غير المفيد· ومع إقتراب الضجيج شيئاً فشيئاً، جو قرر· ركض في أرجاء المخيم· فتح باب الثلاجة· بقميصه وقبعته، والبنطال ذي الساقين الملتويين نظر إلى الخلف وهرب إلى التلال الرملية· إختفى وراء شجرة حيث يقع المخيم أسفلها بالضبط·
 
أصبحت الشاحنة قريبة· لا آثار· كانت تشق طريقها بشكل منظم· غبارها جرى في هيئة قمع على طوال الطريق خلفها· إقتحمت المخيم وزادت من دوران المحرك·
 
لمح جو الباب يغلق بقوة، وسمع خطوات أقدام تتقدم بوهن إلى الأمام· كان تريلور يمشي في المخيم مستعداً لأن يقول كيف حالك؟· وجب عليه أن ينظر داخل الخيمة· أن ينظر داخل الثلاجة· لمحه جو هو يحك رأسه· إنتظر تريلور لبضع دقائق وما زال ينظر· مشى عائداً إلى الشاحنة وضغط على بوقها الحاد الصوت المتواصل الذي سرى في الكثبان وأوجع رأس جو غير الصبور· ما زال تريلور بنتظر· جلس على القضيب المعدني الواقي للشاحنة وأشعل سيجارة· ثم تحرّك داخل وخارج المخيم باحثاً عن شيء ما· إنتظر لفترة أطول· ثم حملق متعمداً في التلال الرملية·
 
في نهاية الأمر شرع تريلور في تحميل اللحم إلى الشاحنة· أنهى عمله وساق الشاحنة بعيداً·
 
الأرض الواسعة إنتظرت الشاحنة· عندما رحلت، ظل الغبار عالقاً· حل الصمت مرة أخرى· نزل جو من على التل على مهل· عاد مخيمه بأشيائه المعهودة إلى حالته الطبيعية· الآن تحوّل هواء الصحراء النقي إلى البرودة· حان وقت نصب الأفخاخ· قرر جو مسبقاً التلال التي سوف يختفي فيها في كل مرة يسمع صوت تريلور قادماً· إنه لا يتحمل أن يكون قريباً من هذا الرجل الثرثار· جو قرّر·
Page 9
السادة اليابانيون غير المنظورين
 
بقلم الأديب الانجليزي: جراهام جرين
 
ترجمة: مهدي عبداللّه
 
كان هناك ثمانية رجال يابانيين يتناولون طعام العشاء في مطعم بنتلي الشهير· كانوا لا يتحدثون إلى بعضهم البعض إلاّ نادراً وبلغتهم غير القابلة للانضعاط لكن دائماً بابتسامة دمثة وغالباً بانحناءة صغيرة· جميعهم ارتدوا نظارات عدا رجل واحد· المرأة الجميلة الجالسة في الخلف قرب النافذة أحياناً تنظر إليهم نظرة عابرة لكن مشكلتها الخاصة تبدو كبيرة جداً لدرجة إنها لم تستطع أن تعطي اهتماماً حقيقياً لأي شخص في العالم عدا نفسها ورفيقها·
 
شعرها أشقر متباعد ووجهها جميل وصغير بملامح ملكية، بيضاوي مثل المنمنمة، رغم طريقتها الفظة في الكلام، ربما بلهجة طالبات مدرسة رودين أوكلية جلتنهام للبنات التي تركتها قبل فترة قصيرة· كانت تلبس خاتماً منقوشاً في الأصبع الذي تلبس فيه الفتيات عادة خاتم الخطوبة وحينما جلست أنا إلى طاولتي والسادة اليابانيون بيننا قالت: إذن أنت ترى بأننا نستطيع الزواج الاسبوع القادم
 
نعم؟
 
بدا رفيقها مذهولاً بعض الشيء· أعاد ملء كأسيهما بنبيذ الشبليه الفنسي وقال: بالطبع، لكن الأم··· لم أستطع أن أسمع بقية المحادثة بعد ذلك لأن أكبر السادة اليابانيين سناً مال على الطاولة وإبتسم وانحنى انحناءة صغيرة وراح يلقي فقرة كاملة أشبه بالغمغمة التي تصدر من قفص كبير للطيور، في الوقت الذي انحنى كل واحد منهم تجاهه وابتسم وأنصت بينما لم أستطع الإصغاء إليه شخصياً·
 
كان خطيب الفتاة يشبهها جسمانياً· استطعت أن أراهما كمنمنمتين معلقتين جنباً إلى جنب على أعمدة خشبية بيضاء· كان ينبغي أن يكون ضابطاً شاباً في بحرية نيلسون في الأيام التي لم تكن فيها الحساسية والضعف حاجزاً عن الترقية·
 
ثالت: إنهم يعطونني مبلغاً مقدماً مقداره 500 جنيه وقد باعوا حقوق الغلاف الورقي للكتاب مسبقاً جاء هذا الإعلان التجاري الصعب بمثابة الصدمة لي وكان صدمة أيضاً لأن البنت واحدة من مهنتي الشخصية، لم يزد عمرها عن العشرين واستحقت حياة أفضل·
 
قال: لكن عمي···
 
أنت تعرف بأنك لا تنسجم معه، وبهذه الطرثقة سوف نكون مسنقلين تماماً
 
أنت ستكونين مستقلة رد مستنكراً·
 
قالت له: تجارة النبيذ لن تناسبك حقً، أليس كذلك؟ لقد تكلمت مع ناشري عنك وهناك فرصة جيدة جدً لك إذا بدأت ببعض القراءة
 
لكني لا أعرف شيئاً عن الكتب
 
سوف أساعدك في البداية
 
أمي تقول إن الكتابة دعامة جيدة·
 
500 جنيه ونصف حقوق الغلاف الورقي هذ دعامة قوية جداً قالت· هذا الشبليه جيد، أليس كذلك؟
 
أعتقد ذلك·
 
بدأت أغير رأيي فيه، لم يكن يتحلى بملسة نيلسون، حكم عليه بالهزيمة· جاءت إلى جانبه وهاجمته بعنف من الأمام والخلف·
Page 10
هل تعلم ما قاله السي دوايت؟
 
من هو دوايت حبيبتي؟
 
أنت لا تستمع، أليس كذلك؟ إنه ناشري· قال إنه لم يقرأ رواية أولى خلال السنوات العشر الماضية أظهرت مثل قوة الملاحظة هذه·
 
ذلك رائع قال بحزن·
 
رائع، إنه فقط يريدني أن أغير العنوان·
 
نعم؟
 
إنه لم يحب عنوان النهر المتدحرج إلى الأبد· يريد أن نسميه زمرة تشيلسي
 
مادا قلت؟
 
وافقت· أنا أعتقد بأنه مع الرواية الأولى ينبغي على المرء أن يسعى لأن يجعل ناشره مسروراً خصوصاً عندما سيكون مستعداً حقاً لدفع تكاليف زواجنا، أليس كذلك؟
 
أفهم ما تعنين· وبشرود ذهن حرّك نبيذه بشوكة الطعام، ربما قبل الخطوبة كان دائماً يشتري الشمبانيا· انتهى السادة اليابانيون من أكل السمك وبكلمات إنجليزية قليلة جداً لكن باحترام متقن طلبوا من النادلة المتوسطة العمر أن تأتيهم بسلطة فواكه طازجة·
 
نظرت الفتاة إليهم ثم نظرت إليّ لكنني أظن بأنها كانت ترى المستقبل فقط· أردت أن أحذرها ضد أي مستقبل يعتمد على رواية أولى إسمها زمرة تشلسي· كنت مع رأي أمه، كانت فكرة مخزية لكنني بالطبع كنت في سن أمها تقريباً·
 
أردت أن أسألها، هل أنت متأكدة من أن ناشرك يقول الحقيقة؟ الناشرون بشر، أحياناً ربما يبالغون بفضائل الشباب والجمال· هل ستكون زمرة تشلسي مقروءة في خمس سنوات؟ هل أنت مستعدة لسنوات الجهد· الهزيمة الطويلة الأمد بعدم عمل أش شيء جيداً؟ ومع مرور السنين لن تصبح الكتابة أسهل من ذي قبل، والجهد اليومي سوف يغدو أصعب وأشد من أن تتحمله؟ وقوة الملاحظة تلك ستصبح ضعيفة، وسوف يتم الحكم عليك، حينما تصل سنك إلى الأربعينات بالأداء وليس بالوعد·
 
رواتي التالية ستكون عن سانت تروبيز·
 
لم أعرف إنك زرت تلك المدينة·
 
لم أزرها· النظرة الجديدة مهمة جداً· ظننت إننا ربما نستقر هناك لستة أشهر·
 
لن يكون هناك كثير من المبلغ المقدّم بحلول ذلك الوقت·
 
المبلغ المقدّم هو مقدّم فقط· سوف أحصل على 15% بعد بيع خمسة آلاف نسخة و 20% بعد عشرة آلاف· وبالطبع سيحل موعد مقدم آخر حبيبي، حينما يتم الانتهاء من الكتاب القادم· كتاب أكبر إذا حقق زمرة تشلسي مبيعات طيبة·
 
إفترضي إنه لم يحقق
 
السيد دوايت قال إنه سيحقق· لا بد أنه يعرف·
 
عمي سيبدأ معي العمل بمرتب 1200 جنيه·
 
لكن حبيبي، كيف ستستطيع حينها المجيء إلى سانت تروبيز؟
 
ربما سيكون من الأفضل أن نتزوج حينما تعودين·