واصلتُ طريقي إلى البيت مُحدقاً في الأعلى، وقلبي يقول إنني لن أعود إلى دمشق إلا راحلاً عنها.
تحت سقف الطيبة المنزلية، ومع الإحساس المَرَضي بغياب السماء، شعرتُ بيُتمي. فجأةً، في البيت، شعرتُ للمرّة الأولى أنني بلا سماء، ثم بدأتُ أتفقّد الأرض من تحتي، وكان لي أن أترنّح على حواف الجنون الفجائيّ، ليس لأنني بلا سماء وأرض، بل لاكتشافي في غيابهما نَفْسي وحيدةً، ليس أنها بلا أحد، بل بلا نفْسها..
ويمرّ الوقت وكأنه لا يمرّ.
كالرحمة الإلهية نزلت رسالتكِ في الموبايل. وفيما أقرؤها وصوتٌ من الغيب يتلوها ملءَ المكان اجتاحتني عاصفة بكاء. داهمني الشعور بأنني فقدتكِ إلى أبد الآبدين، وبعد مرور لحظاتٍ ميّتةٍ تماماً، وقفتُ كالدرويش ورحتُ أُرقّيني، هلوساتي ارتجلتِ التعزيم في طقوسية الوداع. كان وداعاً للعالم... إذْ ماذا سأفعلُ بعدكِ؟
في الفترة التالية، ومع العافية المستعادة من بريدنا الالكتروني، رحتُ أتسلّى بتأليف الروايات، كلّ ساعة أختلقُ حبكةً وأستغرق فيها. أرويها لطارق العربي على «سكايب»، وفيما يظنّني أروي أواصل ارتجالاتي. أقول سأفعل كذا، وسيحدث كذا. وفي الساعة التالية أكتب له حبكةً جديدةً لا علاقة لها بكل ما عقدتُ العزم عليه، وبالطريقة ذاتها أغوص في كذا وكذا.
أركض إلى جدار «فيس بوك» وأكتب لكِ: «لماذا نكون مستعدين استعداداً تاماً للموت حينما نحبّ؟؟ أليس الحبّ هو الوقت المواتي للحياة، مطلق الحياة..؟ إذاً، في الحب السر العظيم: الموت مطلق الحياة».
القطعة الناقصة في سماء المدينة التي تكبر الآن، أغلب الظن، سمّيتها «ثقب أوزوني» لاعتبارات تتعلّق بإيماني المتأخّر بحصّتي فيها. طبعاً سيظلّ الناس يقولون إنها بسبب القصف، وسأظلّ أعاندهم على أنها من غيابكِ. وإذا كان لا بدّ من نقاش حقاً سأفهمهم بالهدوء الذي تعلّمته منكِ بأن السماوات لا تزعج زرقتها الحروب، فلو كان ذلك صحيحاً لما كانت هناك سماء منذ الحرب العالمية الثانية..!
ثقبُ السماء كبير لأنّ حصتَهَا منكِ، أنتِ الوحيدة، كبيرةٌ.. كبيرةٌ.. كبيرةٌ..
في فيلم محسن مخملباف «الصمت» الذي أشاهدُهُ الآن يسقط الطنبور من يد خورشيد، الطفل الأعمى، بينما يسير تحت وابل المطر. خورشيد المغرم بالأصوات يزحف إلى طنبوره وكأنه يراه فعلاً في الجو العابق إلى درجة اللا رؤية. حبال المطر المتساقطة على الأوتار عزفت موسيقاها المرتجلة ودلّت أذنيه على الطريق إليها.
لا أعرف أيّنا الصغير الأعمى، ولا أيّنا الطنبور، أعرف فقط الموسيقى التي بين قلبينا، أعرفها وأتبعها.
يدا خورشيد عينان أيضاً، حين سمع صوت البائعة ولمس خبزها، أطلق جملة ستبدو أكثر شعرية لو انتزعتْ من سياقها: «البنتُ ذات الصوت الجميل خبزها جيد»، هو أيضاً عرف صديقته من ملمسها: «جلدكِ مثل الخوخ».
خورشيد مخملباف أخذني إلى سخونة خبزكِ الطيب، وبشرتكِ التي تنافس الفواكه. مثله أغمضتُ وجلبتكِ مردّداً كلماته السحرية: «عيناكَ تصرفان انتباهك، لو أغلقتهما لتعلمتَ أفضل».
لا تقوى عليكِ العيونُ إلا مغمضةً، ولا تأتين إلا على شكل منام...!
كخورشيد الطيب الذي رقّ قلبه للنحلة ها إنني أرفع يدي إلى السماء، بفارق أنكِ أنتِ نحلتي المسافرة: «إلهي.. حين تعود هذه النحلة إلى بيتها لا تدع مكروهاً يحدث لها، ولا تدَعْهَا تضعْ».
أحنّ كثيراً إلى الغد الذي منحته لي. صحيحٌ أننا لم ننجز ماضياً يليق بالحبّ الذي نحمله، لكنني سعيدٌ بهذا القليل الذي حدث، كان قليلاً لتكون فينا طاقةٌ كبرى لانتظار الكثير الذي سيحدث.
جميل أننا لم ننجز ماضياً، بل وعود غدٍ.
لأنّك امرأة ذلك الغد أنتقل بسلاسة بين مخالب أيامٍ لا توفر أرضاً أو سماءً.
لأنكِ امرأة الغد أتسلح بقنديل كازٍ قديم وأعبر النفق.
صبّ أبي فنجان القهوة الأول، شربه بتلذّذ ثم راح ينشد في مديح القهوة العربية وهي تدور علينا. انفتحت القرائح على الشعر فتحوّل المجلس إلى ما يشبه مبارزة بالكلمات.
عدنا بدواً على غفلة منا، وعاد البيت مضافةً تعمر كل ليلة بالعائلة والأقارب والأصحاب والنازحين.
عدنا بدواً تجمعنا القهوة وقنديل الكاز في عشيّاتٍ حكائية.
كل يوم نشعر أنها التعليلة الأخيرة، فالعاصفة تقترب أكثر وأكثر، لذا أخذ المسرح شكله الأقصى؛ ليلةٌ لفرحٍ أقرب إلى الهبل ندبك فيها في الغرفة على «كاسيت» عرسٍ قديمٍ، وليلةٌ لحزنٍ متوحّشٍ لا يوفّر حتى لهب القنديل، فنراه يمعن في محو وجوهنا، إلى درجة تجعلكَ تظن أنك تساهر الظلال.
آه.. سرعان ما كبرنا، سرعان ما نما الشَّعر أسود فاحماً على وجوهنا السمراء. كأنما نكبر لنصير ليلاً، أو أنّ في الأعمار ليلاً بعيداً، مضِي الأيام يجعله يقترب أكثر فأكثر، لتأتي النهاية على شكل لطخةٍ سوداء كاملة. ربما يبدأ الأمر في لطخة سمائيّة سوداء، من يدري..!!
في مضافتنا الديمقراطية، على خلاف المضافات البدوية التقليدية، حيث يجلس الجميع، كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً.. نكتشف أننا فعلنا الأشياء ذاتها، الأجداد والآباء والأحفاد، جميعنا فعلنا الأشياء التي تجعلنا من عمر واحد، وها إننا نلتقي لنتحدث عن أوّلنا، فما من أحد منا إلا ولا يزال هناك، وها إنه يتحدّث ليثبّت أقدامه في الـ«هناك»، في الأول.
أولنا المخيم والخان والشيح.
أولنا مخيم خان الشيح اسماً مقدوداً من وصف المكان.
إذا أردتَ تأسيساً أسطورياً فدونك الماء. ها هو النهر، النهر الأعوج، واسمُهُ وصفُهُ.
لأننا من أصول بدوية اعتصمنا بالنهر. القبائل التي هاجرت من فلسطين المنكوبة خيّمت على ضفة النهر لخوف دفين في ذاكرة القوم من غياب الماء، من انعدام الثقة بالسماء، على عكس الفلاحين الذين يؤمنون بأنها لن تنساهم أينما حلّوا، بينما نحن الذين نؤمن بالأرض وبماء الأرض سكنا هنا. لحسن الحظ أنّا وجدنا نهراً أعوجَ نحاكيه. أهل البداوة لا يعرفون خطاً مستقيماً، وبشفاعة اعوجاج النهر شوارعنا كلها عوجاء. ما من شارع يستقيم لأكثر من ثلاثة بيوت.
ماء أعوج لمكان دهليزي.. لكنّنا واضحون. فرّغنا الاعوجاجات الداخلية ليكون لنا داخل خالٍ من كل عوج.
الخان القديم فقد وظيفته كمحطة بين الأستانة ومكة، ولم يبق منه غير هيكله الخارجي. بقي كذلك كدلالة للمكان الفلسطيني المؤقّت.
الشيح، النبتة البرية التي جلبَبَتِ المكان، قلّت إلى حفنات لا تكفي قطيعاً.
المخيّم رغم كل التحولات، من تهميشه بعد انتقال الثقل الفلسطيني إلى داخل الأرض المحتلة حيث غابت الشعارات الثورية عن جدرانه، وصار التغيير واضحاً في تسمية محلاته التجارية التي انتقلت من الأسماء الوطنية إلى الأسماء الدينية، وتوسّعه الكبير خارج الدائرة التي رسمتها «الأونروا»؛ المخيّم رغم كلّ ذلك ما يزال مخيّماً، ليس كمكان، لا، فهو بهذا المعنى مثل عشوائيات المدينة وضواحيها. المخيم أكمل تحوله من مكانٍ إلى إنسانٍ. لو سردتُ لك الأسماء: أبو فيصل، الفرنسي، الكوبي، الحنونيّة، مريومة، حازم.. ستجدهم كلَّهم واحداً. هذا الواحد هو خلاصة البداية التي نتعلّل عليها بالقهوةِ وضوءِ القنديل، لا سيما في الوقت الذي يرشّحنا جميعاً للموت. ثم إن فمويتنا الشيحيّة موتيّة، فنحن نعبّر بـ«تحت النهر» أو «فوق الطريق» دون أن نعني الغرق أو الدهس. هي مجرد أسماء محلية للجهات؛ شرقَ النهر وغربَ الطريق.
لكنّ هذا التحوّل يخفي نقلة نوعيّةً في جوهر الحياة، فمنذ غابت النّار وحلّت محلّها الكهرباء في البيوت والشوارع أخذ نوع أحيائيٌّ جديدٌ بالتكاثر كالبكتيريا، وتجلّى خطر هذا النوع أكثر ما تجلّى في تبشيره الكاسح بالاستغناء عن الشمس، واستطاعته، في الآن ذاته، محوَ الليل. لم يعد أكل الطعام المكهرب، وتنفّس الأوكسجين المكهرب، والعيش في نهار طويل وملفّق.. أمراً خطيراً، بل إن الخطر في تلك الكائنات الكهربائية التي لا يمكن أن ترى إليها إلا كبطارياتٍ باقيةٍ ما بقي فيها كربونٌ قابلٌ للشحن. منذ عادت النار إلى وظائفها في الإنارة والتدفئة، في حضور قوة الإلهيّ في البشريّ، حسّاً وعاطفةً وفكراً.. منذها، مع استعادة أهم عناصر الخلق، عدنا إلى أوّلنا.. عدنا ناريين جداً، وما لهب القنديل إلا علامة في التحول الكبير. فمثلما فعلت النار في التاريخ، إذ لم تكتف بتقديم النور وإنضاج الطعام، بل قامت بتطويع المعادن، ها هي ذي نار القنديل تطوّع معدن الخوف، ومعدن الألفة، كي لا تسمح للجحيم بأن يكون جحيماً.
النار وحدها كتبت بداية المخيم، ووحدها ستكتب نهايته أيضاً.
بسطات على طول الطريق. الذين فقدوا أعمالهم تحولوا إلى باعة بسطات، والطرق كلها صارت أسواقاً. طبعاً أقصد بسطات البلدات والضواحي، فالتي في المدينة هي بسطات ذات مهمات أمنية. في إحدى المقابلات التي بثّها التلفزيون السوريّ في الصيف الماضي قال بائع بطيخ في حي الميدان: «نحن متمركزون هنا».
الحياة نفسها بسطة مطروحة أمام العابرين، حياة الفقراء طبعاً، في حين أن حيوات القلة القليلة تبقى سوبر ماركت، حتى لو في يوم القيامة..!
الحشّاش فتح بسطة خضار. وقفتُ قرب بضاعته وأطنبتُ في مديح حبّات الفجل الفاخرة فاحتدّ وأوقفني ففي هذا المديح ظلمٌ للبطاطا. زميله الحشاش الآخر دخل على الخط وسأله: «بكم غرام البندورة؟». ضحكنا، ضحكت امرأةٌ عابرةٌ، ضحكت صناديق الخضار، فوحدة «غرام» ذات دلالة في عالم الحشيش.
المجنون مسّوس أبو الشيخ تحول إلى بسطة. وقف في الشارع وراح ينظّم السير. وقوفه ذكرني بقصة رواها لي صالح علماني كان قد قرأها لدى كاتب أمريكي لاتيني، تتحدث عن مجنونٍ طموحه الأكبر أن يتحول الى شرطي مرور. صفارته ظلّت تلعلع في الشوارع الخلفية وراء الدراجات والشاحنات، وحين جاءت الاضطرابات الأمنية إلى بلاده حصل على قبعة شرطي فخرج بها الى شارعٍ عامٍ ليحقّق حلم حياته، دون أن يدري، كما هي عادة الأحلام الكبرى، أنه سيكون هدفاً لرصاصة معارِضة سترديه بوصفه أحد أعوان النظام.
مسّوس كان عاقلاً ذات يوم، وكان اسمه موسى. تزوّج وأنجب بنتاً، لكن الحياة اللئيمة أفقدته عمله بالتوزاي مع جفاف ثديي زوجته، فسقى الرضيعة حليب بقر لتموت بين يديه وهو يركض بها بحثاً عن طبيب. مسّوس ظلّ يركض بابنته المتخيّلة، حتى قاده الجنون إلى تنظيم السير في بلاد لا يرعاها بالتنظيم إلا الموت.
مسّوس سيموت عما قليل، ربما دون أن يحصل على صفارة وقبعة شرطي. شخصٌ مثله يجعلك ترى موته بالعين المجردة، حتى لو لم تسمع بقصة ذلك الكاتب التي سولَفَها المترجم.
اشتريتُ سندويشة شاورما من المحل الذي اعتُقل عاملُه، وحلّ محله واحد آخر يصنع سندويشات لها طعم البلاستيك المحروق. أكلتُ سندويشتي كعلامة من القدر فيما أفكر بفتح بسطة، لكنْ بسطة ماذا؟ كل ما لدي هو كتبي. ضحكتُ في سرّي فقبل يومين نصحني يوسف بتفصيل مدفأة حطبٍ وإشعال الكتب فيها، ذلك أن الحطب عملة نادرة. قال واصفاً المكتبة: «تكفي لشتائين على الأقل». الناس يسطون على شجر البساتين بالمناشير والفؤوس. يوسف نفسه حطّب لأهله شجرة مشمش عملاقة، وحين اعترضتُ على سلوكه أمام نصيحته الخرقاء بحرق الكتب قال كحكيمٍ: «نموت مع أشجارنا أفضل من أن نموت كلٌّ على حدة».
عدتُ متأخراً من سهرةٍ أعادت رعشة الأيام الخوالي، كنا نتحدّث فيها كما لو أننا نستعيد ذواتنا كبشر.
عدتُ متأخراً وهالني عدد الكلاب التي تملأ الطرقات. الكلاب ملوكُ الليل، لكنها الآن أكثر من ذلك. في السابق كان يكفي أن ترمي حجراً ليهرب القطيع كله، اليوم بدون ضربة حجرٍ ركض ورائي اثنان بنباح لعين، وأقسم أنني أكتبُ هذه السطور باللهاث المتبقي من هربي.
الكلاب مسعورةٌ من أكل الجثث المتراكمة على قارعات طرق الأمكنة الساخنة، وداء الكَلَب يستعيد وهجه.
الحياة بسطاتٌ. التلفزيونات بسطاتٌ. الإنترنت بسطاتُ وَهْم. النساء (وهنا أتحدث عن دلال وأخواتها) بسطاتُ غرائز تشعل دمنا في هذا الصقيع.
الكتابة بسطةٌ أيضاً.. أتذكر صحفياً فلسطينياً أثار ضجة عبر زاوية سماها «بسطة كتابة».
بسطة كتابة.. هذا ما أفعله الآن، فمن يشتري هذا الألم..؟