المثـلـث الـتعظيم
أولاً، تعلم المقدمات.
اعتبر جميع الظواهر أحلاماً.
اختبر طبيعة الإدراك الذي لم يولد.
اترك كل شيء حراً على هواه حتى العلاج ذاته.
تجذرْ في طبيعة المعرفة الأساسية، الجوهر. اعتبر الظواهر بين الجلسات أشباحاً.
تدربوا بشكل جماعي على الأخذ والعطاء معاً.
افعلوا هذا بامتطاء هواء التنفس..
ثلاثة عناصر، ثلاثة سموم، ثلاث قواعد للفضيلة، تدرب بالعبارات على كل نموذج من نماذج السلوك.
الدين ليس علماً كما هي علوم الفيزياء والكيمياء والرياضيات، لكنه لا يزال علماً لأنه يعبّر عن المعرفة القصوى. إن كلمة علم تعني المعرفة، فإنْ لم يكن الدين علماً فأي علم سواه؟ إنه المعرفة الأسمى والأنقى.
العلم العاديّ هو معلومات وليس معرفة، بينما الدين هو المعرفة بحد ذاتها. العلم العاديّ يهتم بالأشياء، إنه يعرف شيئاً، لذلك يكون عبارة عن معلومات. تعرف المعرفة نفسها كما تعكس المرآة نفسها حيث تكون خالية تماماً من أي محتوى. لذلك لا يكون الدين معلومات بل هو معرفة.
العلم أدنى أنواع المعرفة والدين أرقاها. الدين هو الفلسفة النهائية، هو المعرفة النهائية. لا يتعلق الفرق بين الاثنين بالروح، لأن الروح هي ذاتها، لكن الفرق هو في النقاء تحديداً.
العلم ممزوج بكثير من الطين، بينما الدين جوهر نقيّ وشذاً نقي. لقد اختفى الطين وظهر زهر اللوتس، وفي المرحلة النهائية سيختفي حتى زهر اللوتس ولن يبقى سوى الشذا. تلك هي المراحل الثلاث من المعرفة: الطين، اللوتس، الشذا.
بإمكاننا إيضاح الطريق لك. بالإمكان الإشارة إلى الطريق كما تشير الأصابع إلى القمر، ليست الأصابع قمراً لكن من الواضح أن بإمكانها الإشارة إلى القمر.
هذه هي "النقاط السبع للتدريب الذهني" للمعلم العظيم (أتيشا) وهي عبارة عن أصابع، سبع أصابع تشير إلى القمر. لا تقع في مصيدة الأصابع ولا تجعلها تستحوذ عليك لأنها ليست الهدف، إن استحوذتْ عليك ستفقد الهدف، استخدم الأصابع وراقب إلى أين تشير ومن ثم انسها، من يأبه بالأصابع عندما يرى القمر؟ من يتذكر الأصابع عندما يرى الهدف الذي أشارت إليه؟ تصبح الأصابع مهملة أتوماتيكياً ومن ثم تختفي.
(أتيشا) واحد من المعلمين النادرين، وسبب ندرته هو أنه تعلّم على يد ثلاثة من المعلمين المستنيرين، وهذا لم يحدث قبله ولا بعده. أن تصبح مريداً لثلاثة معلمين مستنيرين أمر غير قابل للتصديق، لأن معلماً مستنيراً واحداً يكفي فكيف بثلاثة؟ هناك دلالة مجازية في هذه القصة وهي صحيحة وتاريخية أيضاً.
كان أول المعلمين الثلاثة هو (دارماكيرتي) وهو صوفي بوذي عظيم. وقد علّم (أتيشا) اللاعقل، وهي حالة الفراغ، علّمه كيف يكون بدون تفكير وكيف يتخلص من محتويات عقله وبقي فارغاً. أما المعلم الثاني فكان (دارماراكشيتا) وهو صوفي بوذي آخر علّمه الحبّ والتعاطف. وكان المعلم الثالث (يوجين مايترايا) الصوفي البوذي الذي علّمه فن تخليص الآخرين من المعاناة واختزانها في القلب، علّمه الحبّ كممارسة، الحبّ كفعل.
حدث ذلك لأن أولئك المعلمين كانوا أصدقاء في السابق ثم بدؤوا البحث معاً واستمروا معاً وبقوا معاً بعدما حقق كل منهم هدفه.
أصبح (أتيشا) تلميذ (دارماكيرتي) وقد قال له: "سوف أعلمك المبدأ الأول، وبعدها تذهب إلى (دارماراكشيتا) من أجل المبدأ الثاني، وسوف تذهب بعدها إلى (يوجين مايترايا) من أجل المبدأ الثالث، وبتلك الطريقة ستعرف الأوجه الثلاثة المطلقة للحقيقة، الأوجه الثلاثة ـ الثالوث ـ وبتلك الطريقة سوف تتعرف في كل شخص على أفضل حضورٍ لله وأكثرها كمالاً."
تلك هي الطرق الثلاث التي يصل الناس فيها إلى المطلق. إن وصلت من خلال حالة الفراغ فسوف تحقق الأمرين الآخرين أيضاً، لكن طريقك يبقى الطريق المؤسس على حالة الفراغ. أنت تعرف أكثر عن حالة الفراغ، وسيكون التأكيد على تلك الحالة في كل ما تعلمه. هذا ما حدث مع (بوذا)، لقد حقق هدفه من خلال حالة الفراغ، وبقيت كل تعاليمه ضمن التوجه القائم على حالة الفراغ. لقد وصل (بوذا) إلى ما وصل إليه عبر تفريغ العقل بالكامل، إن طريق (بوذا) هو طريق السلبية، الطريق الأكثر نقاء.
ذلك هو الحال أيضاً مع (دارماكيرتي) فقد كان أفضل معلم لحالة الفراغ، كان المعلم الذي لا منازع له. وعندما أنهى (أتيشا) علومه على يديه قال المعلم: "من الأفضل لك أن تذهب إلى (دارماراكشيتا) الذي وصل عن طريق مختلف تماماً وهو طريق التعاطف. باستطاعتي أن أعلمك التعاطف لكن معرفتي بذلك الطريق مجرد معرفة غير مختبرة، وهي أشبه بمن ينظر إلى الطريق من القمة.
"لقد وصلت من خلال طريق الفراغ. عندما تصل إلى القمة يمكنك رؤية كل الطرق في الأسفل، لكن اتخاذك لطريق معين بأبعاده المختلفة وبكل تفاصيله أمر مختلف تماماً. ولو لم يكن هناك شخص آخر هنا لكان عليّ أن أعلمك الطريق الآخر أيضاً، لكن بوجود شخص مثل (دارماراكشيتا) وهو الجار الذي يعيش في الكهف التالي يكون من الأفضل لك أن تذهب إليه."
عليك أولاً أن تصبح فارغاً تماماً، لكن ليس عليك التعلق بالفراغ، وإن تعلقت فإن حياتك لن تعرف التعبيير الإيجابي عن الدين. ستقفد حياتك شاعريتها وستفقد فرحة المشاركة، سيكون لديك نوعٍ من الحرية، لكنها (حرية من) ولن تكون (حرية من أجل). مالم تصبح الحرية كليهما معاً، سيبقى هناك شيء مفقود، ستبقى حريتك فقيرة ناقصة. أن تكون (حراً من) يعني أن لديك نوعاً بسيطاً من الحرية.
تبدأ الحرية الحقيقية فقط عندما تكون (حراً من أجل) بحيث يمكنك أن تغني أغنية وترقص رقصة، كما يمكنك أن تحتفل وتفيض، وهذا هو المقصود بالتعاطف.
يعيش الإنسان في شغف، وعندما يختفي العقل يتحول الشغف إلى تعاطف. يعني الشغف أنك متسول تحمل وعاءك وتطلب المزيد من كل شخص، يعني أنك تستغل الآخرين، تصبح علاقاتك عبارة عن استغلال، عبارة عن وسائل ماكرة للاستحواذ على الآخرين، استراتيجية ذكية من أجل السيطرة. عندما تعيش مع العقل ولديك الشغف تصبح حياتك عبارة عن استخدام سياسة القوة، حتى حبك وخدماتك الاجتماعية وأعمالك الخيرية ما هي إلا سياسة قوة. هناك رغبة كبيرة في العمق بأن تكون صاحب قوة وسلطة على الآخرين.
عندما تتخلص من العقل وتصبح متعاطفاً، تأخذ الطاقة نفسها منعطفاً جديداً تماماً، حيث لم يعد هناك تسول، بل تصبح إمبراطوراً وتبدأ بالعطاء. يصبح لديك شيء جديد وقد كان لديك هذا الشيء دائماً لكنك لم تكن تدرك وجوده بسبب العقل. يتصرف العقل وكأنه ظلام يحيط بك فلا ترى الضوء من خلاله، ويخلق العقل بالطريقة نفسها وهماً لديك بأنك متسول بينما كنت إمبراطوراً على مدار الوقت. كان العقل يخلق وهماً بالحاجة لديك بينما لم تكن تحتاج شيئاً في الواقع. كان كل ما تحتاجه قد أُعطِي لك سلفاً. بسبب العقل وما يعنيه من الحلم والرغبة، لم تنظر إلى داخلك بل تابعت الاندفاع نحو الخارج، تركت نفسك في الخلف وتابعت النظر نحو الخارج حتى أصبحت عيناك مركزتين هناك. هذا ما يعنيه العقل: تركيز النظر نحو الخارج.
علينا أن نتعلم كيف ننتزع تركيزنا من هناك وكيف نجعل عيوننا تسترخي وتصبح أقل صرامة وأكثر طرواة، وهذا ما سيحولها نحو الداخل. في اللحظة التي تكتشف فيها من أنت يختفي المتسول. هو لم يكن موجوداً أساساً بل كان مجرد فكرة، كان حلماً وحسب.
خلق العقل كل تعاستك التي ستختفي بدورها مع اختفائه، سوف تمتلئ بالطاقة بشكل فجائي وستحتاج تلك الطاقة إلى التعبير والمشاركة، تحتاج تلك الطاقة لأن تصبح أغنية، رقصة، احتفالاً. إن التعاطف يعني أن تبدأ المشاركة.
تعلّم (أتيشا) التعاطف من (دارماراكشيتا) لكنْ لهذا التعاطف وجهان. الوجه الأول هو تعاطف ساكن يجلس فيه الممارس للتأمل في كهفه ويمطر تعاطفه على كل الوجود. هذا نوع خامل من التعاطف إذ عليك أن تذهب إليه وتشاطره تعاطفه، لأنه لن يأتي إليك. عليك أن تذهب إليه لتشاركه السعادة فهو لن يتحرك بأي شكل من الأشكال وهو لن يتخذ أية خطوة فعالة ولن يفيض باتجاه الآخر، هو لن يحاول البحث بين الناس عمن يشاركه رقصته بل سيجلس وينتظر.
هذا هو النوع الأنثوي من التعاطف لأنه مشابه لانتظار المرأة التي لا تقوم بأي مبادرة باتجاه الرجل. ربما أحبت المرأة رجلاً لكنها لن تكون البادئة بقول عبارة "أنا أحبك" بل سوف تنتظر. تأمل المرأة أن يقوم الرجل بيوم أو بآخر بطلبها للزواج وهي بذلك نموذج للحبّ الخامل، الحبّ السلبي بينما يكون الرجل هو الحبّ الفعّال لأنه يقوم بالمبادرة.
بالطريقة نفسها هناك إمكانيتان للتعاطف وهما التعاطف الأنثوي والتعاطف الذكري. لقد تعلّم (أتيشا) من (دارماكشيتا) الفن الأنثوي في أن يقع في حبّ الوجود، وعرف أنه بحاجة إلى خطوة أخرى وهي الذهاب إلى (يوجين مايترايا) ليتعلم كيف يحوّل الطاقة الأساسية إلى طاقة فعالة بشكل يصبح فيه الحبّ فعالاً. عندما يصبح الحبّ فعالاً سيصبح التعاطف فعالأً أيضاً. لقد تعلّم (أتيشا) الأبعاد الثلاثة للحقيقة وهي الفراغ المطلق ومن ثم التعاطف أثناء صعوده وبعدها أثناء انهماره كالمطر وتعلم أن الحياة تتحقق إن حدثت معه تلك الحالات الثلاث.
بما أن (أتيشا) قد تعلم على يد ثلاثة معلمين مستنيرين فقد دعوه (المثلث التعظيم). لا شيء آخر معروف عن حياته الشخصية. لقد وُلِدَ في مكان ما في الهند في القرن الحادي عشر، وما إن أصبح حبه نشيطاً حتى تحرك باتجاه التيبت كما لو أن مغناطيساً جذبه إلى هناك. لقد حقق ذاته في الهملايا ولم يعد إلى الهند، تحرك باتجاه التيبت وأمطر حبه عليها، وقد قام بتغيير نوعية الإدراك التيبيتي بكامله. كان يقوم بالمعجزات حيث يتحول كل ما يلمسه إلى ذهب، لقد كان واحداً من أعظم الخيميائيين الذين عرفهم العالم على الإطلاق. منح التيبت تعاليمه الأساسية وهي "النقاط السبع للتدريب الذهني" وكانت بمثابة هدية من الهند إلى التيبت. لقد قدمت الهند هدايا عظيمة للعالم وكان (أتيشا) واحداً من تلك الهدايا، وكما أهدت الصين (بوديدارما) فقد أهدت التيبت (أتيشا). إن التيبت مَدينة بشكل كبير لهذا الرجل.
إن النقاط السبع هي أصغر دراسة يمكنك إيجادها وهي ذات قيمة هائلة. إنها تكثيف لكامل الدين حيث عليك أن تفتح كل نقطة منها فهي مشابهة للبذور التي تحتوي الكثير. ربما لا تكون ظاهرة بشكل واضح، لكن ما إن تدخل في نقطة من النقاط وتختبرها حتى تتفاجأ، سوف تغوص في أعظم مغامرة في حياتك.
النقطة الأولى:
أولاً: تعلم المقدمات
ما هي المقدمات؟ المقدمة الأولى: الحقيقة ليست شيئاً عليك أن تخلقه وهي ليست شيئاً بعيداً عنك، الحقيقة موجودة هنا والآن وهي محيطة بك كما يحيط المحيط بالأسماك. ربما لا تعي الأسماك ذلك لكنها إن أصبحت مدركة للمحيط فسوف تستنير. إن الأسماك غير مدركة للمحيط ولا يمكنها أن تدرك لأنها وَلِدَت وعاشت وستختفي فيه، إنها جزء منه كما الموجة جزء منه. ربما لن تعرف الأسماك المحيط، لتعرف شيئا ما أنت بحاجة لمسافة صغيرة عنه، لتعرف شيئاً ما أنت بحاجة إلى فسحة صغيرة.
وهذا الوضع هو نفسه بما يتعلق بالحقيقة، وتستطيع هنا أن تستخدم كلمة المطلق إن كنت ترغب. هذا هو الوضع مع المطلق، ليست المشكلة بأنه بعيد ولا نعرف شيئاً عنه بل لأنه قريب جداً وحتى قولك لعبارة "قريب جداً" غير صحيح، لأنك هو. إنه في الداخل والخارج، إنه الكل بدون استثناء.
هذا أول شيء يجب أن يُسمَحَ لك بالغوص فيه في قلبك: الحقيقة دائماً موجودة ونحن دائماً داخلها وهذا أكثر الاشياء التي عليك البدء بها أساسية. ليس عليك اكتشافها فهي غير مغطاة. كل ما تحتاجه هو نوع جديد من الإدراك المختبئ فيك. الحقيقة هناك لكنك غير مدرك وغير منتبه، أنت غير واع للأمر ولا تعرف كيف تراقب ولا تعرف كيف تنظر وترى. لديك عينان لكنك لا زلت أعمى، لديك أذنان لكنك لا زلت أصمّ.
المقدمة الثانية: العقل هو العائق. لا شيء آخر يعيقك عن الحقيقة سوى عقلك الخاص. يحيط بك العقل وكأنه فيلم مستمرّ تبقى أنت مستغرقاً ومسحوراً به. العقل قصة متخيلة مستمرّة تحيط بك وبسبب استغراقك تستمرّ بنسيان ما هي الحقيقة. العقل ليس شيئاً بل هو مجرد وهم، هو قدرة على الحلم وحسب.
ليس العقل إلا أحلاماً، أحلام من الماضي وأحلام من أجل المستقبل، أحلام تشرح كيف على الأمور أن تكون وأخرى عن الطموحات العظيمة والإنجازات، لقد صُنِعَ العقل من الأحلام والرغبات وهو يحيط بك مثل سور الصين العظيم وبسببه تبقى الأسماك غير مدركة للمحيط.
المقدمة الثالثة: اللا عقل هو الباب. يسمي (أتيشا) اللا عقل بـ (بوديشيتا): من الممكن ترجمة تلك الكلمة لتكون (عقل بوذا أو إدراك بوذا) كما يمكنك أن تدعوه (وعي يسوع) أو (وعي كريشنا) إن كنت ترغب بذلك، حيث لن يشكل الاسم المستخدم أي فرق. إن الأهمية الأساسية لـ (بوديشيتا) هي أن لا وجود للعقل، وقد يبدو الأمر متناقضاً إذ أن العقل هو حالة من اللاعقل، لكن المعنى واضح جداً، إن ما تشير إليه الكلمة وما تعنيه هو عقل بدون محتويات، عقل بدون أفكار.
تذكر كلمة (بوديشيتا) لأن (أتيشا) يقول: إن كل الجهود المبذولة ليست إلا محاولات لخلق (بوديشيتا)، لخلق وعي بوذا، لخلق العقل الذي يعمل وكأن لا وجود للعقل، العقل الذي لم يعد يحلم ولم يعد يفكر، العقل الذي يدرك فقط، يدرك الإدراك النقي.
الدرس الثاني:
اعتبرْ جميع الظواهر أحلاماً.
لقد بدأ العمل الآن. إن (أتيشا) مكثف جداً الآن وهو يشبه البذرة وهذا هو معنى الدرس. إنه مجرد خيط، مجرد تلميح وعليك بعدها فك الشيفرة.
اعتبرْ جميع الظواهر أحلاماً.
تعني الظواهر كل ما تراه وكل ما اختبرته وتختبره. ليست الأشياء الموجودة في العالم وحدها الظواهر بل هناك العناصر الموجودة في الوعي أيضاً. يمكن أن تكون الظواهر عبارة عن أشياء موجودة في العالم وربما كانت مجرد أشياء خاصة بالعقل، ربما كانت خبرات روحانية عظيمة. كل تلك الأمور ظواهر.
ربما تلاحظ أن (الكونداليني) تظهر فيك وهي أيضاً ظاهرة، إنها حلم جميل، حلم لطيف جداً لكنه يبقى حلماً. ربما رأيت ضوءاً يغمر كيانك أو رأيت زهر اللوتس يتفتح بداخلك وينثر شذى رائعاً من خلال كينونتك، تلك أيضاً عبارة عن ظواهر لأنك الشخص الذي يرى ولست المرئي، لأنك الشخص الذي يختبر وليس الواقع تحت الاختبار، لأنك الشاهد ولست المُشَاهَد.
كل ما يمكن مراقبته ورؤيته وفهمه هو عبارة عن ظواهر. ظواهر مادية، ظواهر نفسية، ظواهر روحانية ـ إنها القصة نفسها. ليس هناك من داع للتمييز بينها لأن الشيء الأساسي الذي علينا أن نتذكره هو أنه أياً كان الشيء الذي باستطاعتنا رؤيته يكون حلماً.
اعتبر جميع الظواهر أحلاماً.
هذه آلية قوية جداً. حاول التفكير بتلك الطريقة: إن كنت تسير في الشارع وتفكر بأن الناس الذين يعبرون أمامك هم عبارة عن أحلام، المتجر والبائع والزبائن والناس الذين يذهبون ويأتون جميعهم أحلام، كما هي حال البيوت والحافلات والقطارات، إن فكرت بذلك فسوف تتفاجأ فوراً بشيء ذي أهمية كبيرة يحدث بداخلك. في اللحظة التي تفكر فيها بأن "كل ذلك عبارة عن أحلام." سيقف أمام ناظريك شيء واحد وهو "أنا أيضاً حلم." لأنه إن كان كل ما أراه حلماً فعندها من هو هذا "الأنا"؟ إن كانت المادة عبارة عن حلم فالموضوع هو حلم أيضاً. إن كان العنصر زائفاً فكيف للموضوع أن يكون حقيقة؟ مستحيل.
إن راقبت كل شيء كأنه حلم فسينزلق شيء ما من كينونتك فوراً: إنها فكرة (الأنا). إنها الطريقة الوحيدة والأبسط للتخلص من (الأنا). جرّب هذه الطريقة وتأملها وسوف تحدث المعجزة يوماً: سوف تنظر ولن تجد (الأنا) هناك.
(الأنا) نتيجة جانبية لوهمك بأن كل ما تراه صحيحاً. إن ظننت بأن العناصر حقيقية ستوجد (الأنا) كنتيجة وإن ظننت أن العناصر عبارة عن أحلام فستختفي (الأنا). إن كنت تعتقد بشكل متواصل بأن كل شيء عبارة عن حلم فعندها وفي يوم ما وخلال حلم في الليل سوف تتفاجأ. سوف تعرف في الحلم أن هذا حلم أيضاً! وما إن يحدث التذكر حتى يختفي الحلم. سوف تختبر ذاتك لأول مرة في النوم العميق وأنت لا تزال واعياً. إنها تجربة متناقضة لكنها مفيدة جداً.
تظهر نكهة جديدة لنوعية وعيك في اللحظة التي ترى فيها حلمك يختفي لإدراكك بأنه حلم. سوف تستيقظ في الصباح التالي بحالة مختلفة لم تعهدها من قبل. سوف تستيقظ للمرة الأولى وستشعر بأن كل تلك الصباحات الماضية كانت مجرد زيف ولم تكن صباحات حقيقية. كانت الأحلام مستمرة مع فارق وحيد وهو أنك تحلم في الليل بعيون مغلقة وتحلم في النهار بعيون مفتوحة، لكن إن اختفى الحلم بسبب الوعي تصبح فجأة واعياً في الحلم. إن الحلم والوعي لا يوجدان معاً وما إن يظهر الوعي حتى يختفي الحلم. عندما تصبح واعياً في نومك سيكون الصباح التالي شيئاً مهماً بشكل لا يقارن لأن شيئاً مثل هذا لم يحدث من قبل، ستكون عيناك صافيتين شفافتين، ستكون الأشياء مليئة بالألوان، ستكون حية لدرجة تشعر فيها بأن الصخور تتنفس وتنبض، عندما تصبح واعياً سيتغير الوجود من حيث النوعية.
نحن نعيش في حلم. نحن نائمون حتى عندما نعتقد بأننا مستيقظون.
اعتبر جميع الظواهر أحلاماً.
أولاً، ستخسر الأشياء الموضوعية موضوعيتها. ثانياً: سوف تخسر الذات ذاتيتها وهذا سيوصلك إلى حالة من السموّ حيث لم يعد الموضوع مهماً ولا الذات مهمة، ما الذي يبقى إذن؟ يبقى الإدراك السامي، (بوديتشيتا)، تبقى المراقبة بدون أية فكرة عن أنا وأنت، مجرد مرآة نقية تعكس ما هو موجود وليس الله إلا عبارة عما هو موجود.
الدرس الثالث:
اختبر طبيعة الإدراك الذي لم يولد.
الآن أنت تعرف ما هو الإدراك. لقد عرفت الإدراك السامي حيث لم تعد المواضيع والذوات أموراً وجودية. لقد عرفت ولأول مرة ذلك المستوى من النقاء، تلك المرآة الكرستالية الصافية. الآن اختبر طبيعة هذا الإدراك، تفحصه وانظر إليه في العمق. ضع نفسك في أقصى حالة يقظة ممكنة، استيقظ وانظر وسوف تبدأ بالضحك لأنك تدرك الآن بأنه لم يكن هناك ولادة ولن يكون هناك موت.
هذا هو الإدراك الذي لم يولد ولن يموت. لقد كان دوماً هنا، إنه أبديّ وخارج الزمن. كم كنت خائفاً من الموت، كم كنت خائفاً من الشيخوخة ومن الكثير من الأشياء التي لم يحدث منها أي شيء، كلها كانت عبارة عن حلم.
سوف تبتسم لهذه الرؤية، سوف تضحك لأن حياتك حتى هذه اللحظة كانت سخيفة وكان لديك مخاوف لا معنى لها وشراهة لا ضرورة لها، كانت لديك معاناة كبيرة وتعيش كابوساً كنت خلقته لنفسك.
اختبر طبيعة الإدراك الذي لم يولد.
أنت حرّ من كل البؤس والمعاناة، حرّ من كل ذلك الجحيم.
اترك كل شيء حراً على هواه حتى العلاج ذاته.
لا تتعلق الأن بالعلاج والوسيلة. يظهر ذلك الإغواء، إنه الإغواء الأخير والجهد الأخير من العقل لينجو. يحاول العقل الدخول من الباب الخلفي، يحاول مرة أخرى قبل أن يختفي للأبد ويقوم بجهد واحد وأخير وهو التعلق بالوسيلة، يتعلق بوسيلة التفكير بان كل تلك الظواهر هي مجرد أحلام.
لقد منحتك الوسيلة تلك السعادة وتلك الخبرة العميقة عن الواقع وسترغب بالتعلق بها بشكل طبيعي. في اللحظة التي تتعلق بها تعود إلى الروتين القديم نفسه مرة أخرى، لقد عاد العقل مقنّعاً. تعلّق بأي شيء ويعود العقل لأن التعلّق هو العقل، التمسك أو الاعتماد على أي شيء هو عودة للعقل لأن العقل اعتماد، إنه عبودية. حاولْ أن تتملك أي شيء حتى لو كان طرقاً روحانية أو طرق تأمل، وسوف تستحوذ تلك الممتلكات عليك. إن امتلاك المال أو امتلاك طريقة تأمل هامة لن يشكّل فرقاً لأن أياً كان ما تملكه يستحوذ عليك، وسوف تخشى أن تفقد هذا الشيء.
جيء مرة بصوفي باطني إليّ. كان ولمدة ثلاثين عاماً يستخدم طريقة (الذكر) الصوفية وكان قد حقق خبرة رائعة. يستطيع أي شخص أن يرى ذلك، حتى الناس العاديون كانوا مدركين لكونه يعيش في عالم مختلف تماما.ً تستطيع أن ترى ذلك في عينيه اللتين تشعان بالسعادة. كينونته بحد ذاتها كانت تنبض بالعالم الآخر.
أتى به تلاميذه وقالوا لي: "لقد أدرك معلمنا الروح. فما الذي تقوله عن هذا؟"
قلت: "اتركوا معلمكم معي ثلاثة أيام، وعودوا بعدها."
بقي المعلم معي ثلاثة أيام وأصبح غاضباً جداً في اليوم الثالث وقال: "لقد دمرت سنواتي الثلاثين من العمل!" وذلك لأني قلتُ له تلك العبارة لـ (اتيشا): اترك كل شيء حراً على هواه حتى العلاج ذاته.
لقد قلت له: "كنت تتذكر ولمدة ثلاثين عاماً شيئاً واحداً فقط وهو أن كل شيء سماوي. لثلاثين عاماً كتت تتذكر ذلك باستمرار." وقد قمت بجهد مخلص حقيقي.
أجاب: نعم.
قلت: "توقف الآن عن التذكر. كم من الوقت عليك أن تتذكر؟ إن حدث ذلك توقف عن التذكر ودعنا نرَ ما سيحدث. إن كان ذلك قد حدث بالفعل فسيبقى حتى إن تخليت عن التذكر."
كان طلبي منطقياً جداً فوافق عليه: "لقد حدث ذلك".
قلت: "لنقم بمحاولة. انس التذكر ثلاثة أيام، توقف عن التذكر."
قال: "لا أستطيع التوقف عن التذكر، لقد أصبح شيئاً أتوماتيكياً."
قلت: "عليك أن تنتظر وتحاول."