Page 1
-1-
في يوم استثنائي من أيام شهر يناير القارس، سطعتْ الشمس على مدينة دبلن، وضرَبتْ بخيوط أشعتها المتلألئة وجْهِيَ الملفوف بأحزان الليل، والمتخمر بآلام الغربة· كان صباحا مشرقا باسما·
أفقتُ من نومي، وغضبُ الذكريات والأحلام يرتسم على شفتي، مرتعشا وكأنَّ أحدا وخزني بمخلب ذئب مفترس، ناظرا عبر نافذتي المطلة على جبال المدينة المتموجة المكفهرة ؛ فرأيت قرصَ الشمس وهو يعانق رأس الجبل عناقا حاراً، وكأنهما عروسان يتأهبان لقضاء شهر العسل· فقلت في نفسي: إنه حقا شيء لا يكاد يصـدق!
دلكتُ عينيَّ جيدا، إذ ربما يكون ذلك حُلما شيطانياً كما هي العادة· لكنني أحسستُ أن روحي تتصاعد نحو ذلك المشهد الخلاب· أحسستُ أن شيئا ما يجذبني·· شيئا ما يحركني ويهزني؛ فارتديت ثيابي وخرجت مسرعاً· إنها فرصتي، التي سوف أغتسل فيها من أدران همومي وأحزاني، وأتخلص فيها من أشباح الموت، التي ظلت تلاحقني في كل مكان·
لم يكن أمامي سوى الاتجاه إلى البحر، وتحديدا إلى مكاني المفضّل فيه ؛ أي إلى مرفأ الهوث (HOWTH HARBOUR)(1) شمالي العاصمة دبلن· مرفأ السكون والسكينة والبراءة والنقاهة· هكذا أسميه، وهكذا أنظر إليه· حيث الرياح الشمالية، التي تهب عابثة بالنوارس البيضاء النقية، وحيث الأمواج المتراقصة على أنغام السفن العابرة·
إنه المكان الوحيد، الذي ألوذ به، حينما تضيق عليَّ الدنيا بما رحبت·· حينما تكفهر وجوه البشر، وتكشر الأحزان عن أنيابها ؛ فتنغرس كالسهام المسمومة في نفسي·· حينما يتحشرج الموت في شراييني، ويتفجر الدم في عروقي، ويضيع الوطن في عقلي·· حينها لا أجد ملجأ سواه ؛ لتسكين آلامي الهائجة وهمومي المائجة كالبحر· أشعر حينها بالطمأنينة·· أشعر أن ثمة شيئا في الكون يشبهني·· أن ثمة عنفوانا يؤنسني في هذا المجهول السحيق·
Page 2
-2-
كنتُ وحيدا أسير على الرصيف· هناك في محطة بلاك روك (BLACKROCK)(2) للقطارات، المؤدية إلى ذلك الميناء· كنتُ تائها غريبا، أقلب بصري نحو اللانهاية ؛ علَّ القطار يأتي·· علّ العذاب ينتهي·· علَّ الوعوعة ترعوي· أجرّ قَدمَيّ تحت وهج الشمس المشرقة· أهرب من كلاب خائنة، ومن ذئاب شرسة تحاصرني عيونها، ويدمّرني لهاثها، ويصعقني نباحها وعواؤها·
وبينما أنا كذلك، إذا بظل آنسة يغمرني· ظننتُ أن سحابة عابرة دثرتني· رفعت رأسي ؛ فرأيت ملاكا يتوهجني!· كانت فتاة فارعة هيفاء، ترتدي معطفا أسود، مع وشاح قرمزي يلف عنقها الناعم· كان شعرها الذهبي مختبئا تحت قبعة مطرزة بطراز حريري أبيض·
قلت في نفسي: أهذه هدية السماء إليّ ؟ يا له من يوم رائع إذن! حتما سأسير معكِ إلى النهاية، وسأذيب هاتيك الثلوج المتراكمة على قلبي·
صَعَدَتْ إلى القطار وصعدتُ أنا على إثرها· جلست عند المؤخرة، فجلستُ قبالتها· أحسستُ أن أول جبل جليدي بدا يتهاوى·· أن كرة جليدية تتهشم·· شعرتُ أن نفسي ورقة خريف تتهادى·· تتراقص بين شجيرات الكهرمان(3)·
وانطلق القطار، وأمواج البحر على الجانب الأيمن منا، تتلاطم كتلاطم نفسي مع العواء ومع النباح· كانت النوارس تغرّد فوق أشرعة المراكب ؛ مبتهجة بزرقة السماء، بينما كنت أنا أبحث عن طريقة ؛ أزفر فيها مع الصبح زفرات الحب الأولى·
خلعتْ معطفها ووشاحها وقبعتها، ثم طفقتْ تسرّح شعرَها· أطلقته على منكبيها مسترسلا·· اعتدلت في جلستها، وأخرجت كتيبا من حقيبتها البُنيّة، ثم شرعت تقلب صفحاته بأناملها الفضيّة· أما أنا فظللتُ حائرا بين زرقة البحر وزرقة عينيها اللامعتين·· بين صفاء الجو وبين صفاء وجهها القمري· تمنيتُ أن أغفو إغفاءة بين جفنيها، أن تطبق عليّ هناك في مقلتيها ؛ لأصير دمعة من دموعها· وددتُ أن التحف بشعرها الحريري الناعم·· أحببتُ أن أفترش صدرها وسادة سرمدية·· تمنيت لو كنتُ صفحة من صفحات كتابها ؛ كي تداعبني بأناملها الرفيعة الملساء·
Page 3
-3-
وحتى لا أثير أية شبهة تجاهها، تذرعتُ بقراءة رواية (الخبز الحافي)(4)، كنت أحملها معي في حقيبتي، التي لا تفارقني، بينما ظللت أختلس النظر إليها· لم تكن - في الحقيقة - تهمني القراءة بقدر ما كان يهمني النظر إلى سحرها الفتان·
ثم قلت في نفسي: لِمَ لا أحاول أن أفتح معها بابا للحديث والحوار، فعسى أن يكون طريقا للولوج إلى عالمها الباطني· لِمَ لا أتوه كتيهان هذه النوارس·· لِمَ لا أمخر بحرها كما تمخر هذه السفن·· لِمَ لا أغوص في أعماقها كما تغوص هذه الأصداف· يا لي من جبان!·
فكرتُ فلجأت إلى فكرة سؤالها عن الوقت كم يكون الآن· أخفيتُ ساعتي، ثم خاطبتها قائلا:
- عفوا آنستي، كم الساعة الآن ؟
- إنها العاشرة والنصف·
- شكرا جزيلا لكِ!·
- مرحبا بكَ·
نطقتْ بهذه الكلمة الأخيرة مع ابتسامة كدتُ أخِرّ صريعا منها· ألاَ تبا لي ما أتعسني· آه لو ترددها مرة أخرى (مرحبا بك)، رقيقة·· عذبة·· ناعمة· في الحقيقة، لم أتعوّد أن أسمع مثل هذه الكلمة بمثل هذه الموسيقى الرومانسية، منذ زمن سحيق·
فكرت ثانية: كيف أصل إلى هذا الثغر المعطر· لقد كان حقا باقة ورد جميلة ؛ لا بل كيف أصل إلى البحر الأزرق في عينيها· كم تمنيتُ أن أسبح وأغرق فيه·· أن أموت وأدفن وأقبر فيه· عادت من جديد للقراءة·· وعدتُ أنا للتظاهر بالقراءة!· لكن هذا لا يكفي، لابد لي من أن أعيد الكرَّة من جديد بطريقة أخرى، تكون أكثر جاذبية· فخطر على بالي أن أسألها عن الطقس· أجل، فالأيرلنديون يحبون الحديث عنه، لا سيما عندما يكون صحوا كهذا اليوم!·تشجّعتُ ثانية مخاطبا إياها بأسلوب لبق جذاب:
- إنه يوم جميل، أليس كذلك ؟
رفعتْ رأسها مبتسمة:
- بلى، إنه حقا يوم جميل!
تابعتُ الحديث معها، حتى لا تنقطع الوصلة بيني وبينها كالمرة الأولى، قائلا:
- انظري إلى النوارس هناك وهي تترنم على أمواج البحر، أليس ذلك منظرا رائعا ؟
استرسلتْ معي في الحديث· لا أدري ربما نجحتُ في استدراجها· لقد وجَدَتْ عذوبة، هكذا كنتُ أعتقد· ثم أجابت:
- بلى، إنه منظر ساحر·
- بالمناسبة سيدتي، هل تحبين البحر ؟
- أجل، أحبه كثيرا·
- ما أجملُ شيء فيه برأيك ؟
- أجمل شيء فيه هو غموضه، فأنا غامضة مثله· هكذا ينعتنَنِي صويحباتي، ربما·
ثم ضحكت· زادتني هذه الضحكة دورانا، أحسستُ أن الأرض تمور بي مَوْرا·· شعرت أن القطار يتأهب للإقلاع نحو القمر·
Page 4
-4-
وفي هذه الأثناء، طرَحَتْ كتيبها جانبا، وأدارتْ وجهها الميسميّ نحوي، سائلة إياي:
- بالمناسبة، ما اسمك ؟
- اسمي سامي·
- اسم جميل!
- شكرا·
- وما اسمك أنتِ ؟
- اسمي صابرينا(5)·
- ولا أحلى ولا أجمل!
- ماذا تقصد ؟
- أقصد أنه أروع من رائع!· لي عمة اسمها قريب من اسمك، إنه (صبرية)·
- شكرا جزيلا، هذا من ذوقك الفائق، وليحفظ الله لك عمتـك!
- لكن لمْ تخبرني، من أي بلد أنت ؟
قلت في نفسي: هذا ما لا أريد الدخول فيه· لا أريد لهذا الجرح أن ينكأ، متمتما بقول الشاعر:
قعيدَك(6) أن لا تسمعيني ملامة
ولا تنكئي قرْحَ الفؤاد فييجعا(7)!!
ثم سارعتُ بالإجابة قائلا:
- أنا لا وطن لدي· انظري إلى هذا النورس، هل لهذا النورس من وطن ؟ إذن، فأنا مثله ؛ أنا نورس!
- يبدو أنك شاعر رومانسي!· عظيمة هذه اللغة التي تستخدمها، وأعظم منها تلك الروح الساكنة الخامدة وراءها· إنها للجَمرُ تحت رماد العشق!
لمَّا سمعتُ هذه الكلمات شعرتُ بالدفء يسري في أركاني، وكأنَّ نارا قد انطفأت لتوها في وجداني· آه ما أروع هذا اليوم! لقد نجحتُ، وها قد طفق الحديث ينسل كخيط الحرير من ثغرها الزبرجدي، ثم أردفت قائلا:
- الشِّعر - سيدتي - نغمة من نغمات الروح·· ووتر من أوتار النفس، يُنظم من أفواه البلابل والنوارس العاشقة·
- Wow ، إنك حقا نورس رائع!· هلاَّ زدتني كأساً أخرى!
- الشعر حُب، والحُب بحر·· أغرق فيه مع الأصداف·
- زدني!
- الشعر عنقود عنب مُتدَلٍ بين فمي وفمك ؛ حبَّة لي وعشرٌ لكِ·
- زدني!
- الشعر - سيدتي - شراع سفينة، يلوح في الآفاق·
- زدني!
- الشعر - آنستي - هو أنتِ·· أنتِ وحدَك في الأعماق!
Page 5
-5-
احمّرتْ وجنتاها خجلا ؛ حتى صارتا كياقوتة عـذراء! وانسكبـتْ دمعتان ساخنتان من مقلتيها، ثم دست رأسها في صدرها، وقالت:
- يا مَنْ علمتَني الحبَّ·· إني أحبكَ!
- زديني!
- سأكونُ وطنا في قلبك·
- زمليني!
- سأكونُ صدفة في بحرك·
- دثريني!
- سأكونُ هواءً في روحك·
وقف القطار·· أخذتْ بيدي إلى مرفأ الجمال، وهناك دفنّا أسراراً، وكتبنا ألواحا ودفاتر في العشق وفي الحب·· وفي جوف القلب الغارق بالهذيان·
يناير 2004
Page 6
-1-
كان (سام) يصطحبها إلى ناصية شارع منزلها الكائن في (كاسل نوك) بدلن رقم 51، ولم يمض على التحاقها بالجامعة ؛ كلية الفنون، قسم الدراسات المسرحية سوى شهر واحد فقط· لقد تجاهلتْ (سمر) تحذيرات أبيها (فرج) الصارمة تجاه ربط أية علاقات غرامية مع أحد من الشبان ؛ من شأنها أن تلطخ سمعته وشرف عائلته وتجلب لهم العار· كان فرج قد غادر وطنه الأم (ليبيا) منذ عشرين سنة· لقد جاء طالبا إلى أيرلندا، ووجد نفسه حينها واقعا في غرام فتاة دبلنية جذابة اسمها (نتاشا)· ولتنتهي به هذه العلاقة بعد مرور وقت من الزمن، إلى الزواج منها بعد أن حملتْ منه حملا غير شرعي· وكان المولود الأول ولدا ؛ وقد سمّياه (وليد)، وهو الآن يعمل ساقيا في أحد البارات بالبلدة· بينما جاءت المولودة الثانية بعد سنتين من مجيء وليد، وهي الفتاة (سمر)، التي دخلت الجامعة لتوها·
وبينما كان سام يُودِّعها بقبلة ساخنة، يطبعها على شفتيها، كان أبوها فرج عائدا إلى البيت من الطريق ذاته، ووقعت عيناه الضيقتان المنهكتان على هذا المنظر المريع· وهنا تجمَّد الدمُ في عروقه، وتسارعت دقات قلبه ؛ حتى كاد قلبه يقفز من قفصه الصدري· ولولا مُنبه السيارة القادمة من الاتجاه المعاكس، لحصل ما لا يُحمد عقباه!· لكنَّ الغريب أن كلا العاشقين لم يكونا ؛ لينتبها إلى ما يجري بقربهما من ضوضاء· لقد كانا ذائبين غارقين كلية في عملية التقبيل، حتى أنهما لم يشعرا بشيء يدور حولهما· أكمل فرج طريقه مرتبكا متوترا، غير مصدّق لما رأته عيناه، وبالكاد استطاع الوصول إلى المنزل سالما·
دخلتْ سمر عقب دخول أبيها المنزل، وصعدت مباشرة إلى الحمام في الطابق العلوي بعد أن ألقت حقيبتها جانبا· لقد كانت حقا ملتهبة·· كان كلُّ جسدها تقريبا يشتعل ؛ من أسفله إلى أعلاه· وأخذت تطرح ملابسها قطعة قطعة، إلى أن وصلت إلى كلسونها المنقّط، والذي كان يقطر من المذي· وهالها ما رأت!· فكرتْ في أن تأخذ حماما، لكنها عدلت عن ذلك ورأت أن تكتفي بعملية تبريد وانتعاش فقط ؛ فوضعتْ رأسَها تحت صنبور الماء البارد، في محاولة لتخفيف حدة الحرارة المتقدة على الرغم من برودة الطقس· فقد كانت في أواخر فصل الخريف· وأخذت تنتعش شيئا فشيئا وقد ابتلَّ جميع شعرها الأحمر المنسدل على كتفيها، والذي بدا كالمصبوغ بالحناء· دفعته للخلف بعد أن رفعت رأسها، وقطرات الماء تتحدر من على وجهها الباسم· ثم فتحت عينيها للمرآة باتساع ؛ لتكشف عن جمالهما الأخاذ، وخطفت نظرة إلى نهديها الصغيرين البارزين، وضغطتهما بأصابعها الملساء ضغطتين، ثم خطفت نظرة أخرى إلى شفتيها الذابلتين لتوهما من شدة التقبيل، ومصتهما مصا عميقا ؛ كي تنعشهما من جديد، وقد علت وجهها ابتسامة خفيفة، بدت فيها أكثر من جذابة في المرآة· لقد شعرت فعلا بالانتعاش والإعجاب، وسريعا ما تنهدت وهي تقول: كان حقا يوما رائعا! وطفقت بعدها تجفف أطرافها وشعرها، ثم هرعت إلى غرفتها مدثرة بمنشفها الوردي ؛ لترتدي ملابس خفيفة للراحة· ولم تمر لحظات حتى خفق باب غرفتها· سمعت صوتا أجشا، علا صوت الموسيقى، التي كانت تصغي إليها، يقول:
- هل لي أن أدخل ؟
Page 7
-تفضل· قالت ذلك بصوت ناعم وهي تلوك العلكة بين فكيها الطريين، وتصغي إلى أغنية جديدة بعنوان (Burn) للنجم المتألق (Usher)·
فتح البابَ ودخل، ودون أية مقدمات أخذ يقول لها وهو يُحدِّق في عينيها باشمئزاز واقفا:
- ألمْ أحذرْكِ ألفَ مرة من ارتكاب أي نوع من مثل هذه الحماقات الصبيانية ؟
- عفوا أبي·· عن أية حماقات صبيانية تتحدث ؟ قالت هذا بعفوية تامة بعد أن خفّضت من صوت الموسيقى، وهي لا تدري أنه كان يراقبها وهي تلثم شفتي سام، ووجنتيه على قارعة الطريق بشرهٍ تام·
واستعر الغضب في وجهه وبدا الدم يفور في عروقه، وقد زاد من نبرة صوته:
- أتعتقدين أنني أبله مثلك·· ما أقبحك وأنتِ تتظاهرين بالسذاجة أيتها الساقطة! لقد فقد أعصابه حقا، ولم يعد يملك السيطرة على نفسه، وقد تناثر رذاذ فمه الأبيض على وجهها من شدة صياحه· ثم واصل هيجانه كالثور، قائلا:
- لا أريد أن أطيل الحديث معكِ، لكني أقول لكِ هذه الجملة المختصرة: إذا لم تتركي هذه الحماقات المتهورة، فلسوف أذبحك بيدي هكذا! وأشار بيده وكأنه يجر بسكين على رقبتها·
لقد أدركتْ سمر بسرعة عما كان أبوها يتحدث، ولم تشأ أن تستسلم بسهولة لتهديداته وتطاوله الوقح هذا· كما أدركتْ أن من واجبها الدفاع عن نفسها، في تقديم وجهة نظرها في الموضوع، بدلا من أن تبقى كالدمية، أو كالخاتم بين أصابع أبيها· وانبرت بقوة شخصيتها وواجهته قائلة، بعد أن ابتلعت ريقها وانتصبت واقفة:
-كلا، يا أبي·· لن تستطيع إخافتي بهذه الطريقة، كما لن تستطيع أن تفرض عليّ أراءَك المتخلفة هذه· لتعلم أنني لم أعد صغيرة وأن لي حياتي الخاصة، التي أستطيع أن أزاول فيها ما أشاء وأرغب، بما في ذلك حياتي العاطفية· ولن أسمح لأي كان أن يُملي عليَّ ما يجب أن أفعله، وما لا يجب أن أفعله!
ولم تنهِ هذه الكلمات حتى رفع أبوها يده ؛ ملوِّحا بصفعها وهو يصيح متوعدا بأعلى صوته:
- اخرسي أيتها العاهرة·· اخرسي، وإلا هويتُ بكفي هذه على وجهك الوقح هذا!
- أنت الذي يجب أن تخرس، وإذا لم ترفع كفك عن وجهي، فلسوف أستدعي الشرطة حالا! قالت هذا والشرر يتطاير من عينيها المتقدتين جحيما·
- تهددينني إذن· حسنا·· حسنا، سوف نرى من ستكون نهايته···! ولم يكمل كلامه، ولفَّ لفة ثور مصروع وخرج وهو يهذي·
كان يعلم حقيقة قول ابنته في أن هناك فعلا من يوقفه عند حده· وتذكر أنه ليس في بلده، بل هو في أيرلندا، التي تعاقب قوانينها كل من يجرؤ على تعريض أبنائه للعقاب الجسدي· وشعر بالهزيمة والإهانة وأخذ يفكر في الانتقام· لقد كان يعتقد أنه ما لم يوقفها عند حدها، فلسوف تكون العواقب وخيمة· فماذا لو تمادت في علاقتها، وحملت منه، عندها ستقع الكارثة ويحل العار· وهذا ما لا يمكن أن يقبله بحال·
Page 8
-2-
هرعت نتاشا إلى الطابق العلوي غاضبة، بعدما سمعت صراخهما· كانت منهمكة في تجهيز العَشاء في المطبخ· ورأت زوجها وهو يخرج حانقا من غرفة ابنتها· لقد كانت تكره عنجهيته منذ زمن، وبالأخص ضد ابنتها الوحيدة سمر· وكانت كثيرا ما تنهره على تصرفاته الخرقاء ؛ كتدخلاته السافرة في خروجها من البيت ومع من تخرج ومتى يحق لها أن تعود، وما نوع الثياب التي يجب أن ترتديها ونحو ذلك· كان الأمر يصل أحيانا إلى صراع وعراك بالأيدي، ينتهي باستدعاء الشرطة·
- ما الأمر ؟· قالت متسائلة باندهاش!
لكن فرج لم يجبها، وقد أشاح بوجهه عنها ونزل ؛ فاتجهتْ مباشرة إلى غرفة ابنتها، وقد وجدتها جالسة على سريرها، تقضم أناملها وهي تكاد تميّز من الغيظ· جلستْ بقربها وربَّتت على ظهرها، ثم أخذت تضمها إلى صدرها· وقالت وهي تنظر في عينيها الممتلئتين بالدموع:
- ماذا حصل يا حبيبتي·· ماذا حصل ؟
-إنه كعادته يا أماه، يحاول أن يملي عليَّ آراءه وشروطه وطريقة فهمه للحياة· لقد هددني بالذبح بالسكين هذه المرة، إذا ما استمررت في علاقتي مع صديق لي في الجامعة· وعندما واجهته هذه المرة، وبينتُ له موقفي بصراحة، أوشك أن يصفعني وينهال عليّ بكفه· وحينما دافعت عن نفسي باستدعاء الشرطة إذا ما تجرأ ومدَّ يده عليَّ، ثارت ثائرته وخرج· إنني يا أماه لم أعد أطيق دكتاتوريته هذه ولا حتى رؤية وجهه، فهو يتدخل في كل شيء من حياتي· لقد أصبح كابوسا مرعبا· إنه يجعل حياتي جحيما لا يُطاق· وأخذت تنشج في البكاء!
- لا عليك يا بُنيتي·· لا عليك· لا تكترثي له كثيرا· إنه كالقط المتنمر سرعان ما يخور! هنا بلد القانون، لا تخافي ولن يستطيع لمس شعرة واحدة منك· قالت وهي تمرر يدها على شعرها بلطف·
- لكن ماذا يا أماه لو صَدَق في تهديداته هذه، وذبحني كما تذبح الشاة· هل سينفع كلامك وتجدي طمأنتك هذه فتيلا ؟ إنني حقا خائفة·· يا إلهي، ربَّاه أين أنت ؟!
- كلا·· ليس إلى هذا الحد، فكما قلت لكِ فهو أعجز من أن يذبح دجاجة! أنا أعرفه جيدا، فقد عاشرته مدة تزيد على خمسة عشر عاما· هيا يا بنيتي، دعينا منه الآن وتعالي معي ؛ لنتناول العشاء معا·
وأخذتها معها إلى المطبخ بعد أن كفكفت لها دموعها· كان أبوها جالسا على الصوفا قبالة موقد النار، يحتسي شرابه المفضل وهو يتابع فيلم رعب على التلفاز· جلسا على طاولة الأكل، وشرعت نتاشا تتكلم مع زوجها:
- هل ترغب في تناول العشاء ؟
- كلا، لا حاجة لي الآن·
وبينما كانا يتناولان عشاءهما، رنّ جرسُ هاتف المنزل· ولم تنته الرنة الثالثة حتى التقط فرج السماعة:
- ألو، هل يمكن أن أتكلم مع سمر ؟ لقد بدا الصوت صوت شاب·
- مرحبا، هل لي أن أعرف مع من أتكلم ؟
- أنا صديقها سام·
- للأسف·· إنها ليست هنا! أجاب إجابة حاسمة لا تخلو من الغلظة·
- لو تفضلتَ مشكورا بإخبارها عن اتصالي هذا· وسوف أحاول الاتصال بها في وقت آخر· شكرا لك على أي حال· وقد بدت علائم الاستغراب على وجهه!
- إلى اللقاء· وأقفل السماعة وقد اشتعلت النيران في عينيه·
Page 9
-3-
لقد كانت سمر تعتقد أن المتصل هو سام، وكانت تتوقع أن أباها سيصرفه عنها· وما هي إلا بضع دقائق حتى رنّ جرس هاتفها الخلوي· نهضت من على الطاولة بسرعة وفتحت الخط تجيب:
- مرحبا سام، لقد اشتقتُ إليكَ!
- أين أنتِ حبيبتي، فقد اتصلتُ بكِ على رقم المنزل قبل قليل، لكنَّ أباكِ أبلغني أنك غير موجودة·
وهنا صدق حدسها وتوقعها، وشعرت بالأسف والاشمئزاز لمثل هذه التصرفات الرعناء، قائلة له:
- على أية حال، أنا في المنزل ولم أخرج منه البتة· كان أبوها يسترق السمع إليها على الجانب الآخر· ولم تشأ هي أن تراوغ سام في قول الحقيقة، فقد كانت صريحة إلى أبعد حد· كانت تملك وجها واحدا فقط، وهذا ما يزيد شخصيتها قوة وانبهارا· دهش سام من صراحتها هذه على الطرف الآخر، لكنه لم يرد الدخول أكثر في التفاصيل ؛ مفضلا دعوتها بقوله:
- هل يمكن أن تقبلي دعوتي للخروج إلى السينما· إنه فيلم رومانسي رائع، وأنا أعلم أنك تحبين الأفلام الرومانسية ؟ أرجوكِ لا تقولوا لي: لا!
- حسنا، إنه عرض مغرِ يا سام، وقد قبلتُ دعوتك· هل ستأتي لتأخذني ؟
- نعم، دقائق معدودة وأكون عندك·
أقفلت الخط وهي تكاد تطير من الفرح· أخبرت أمها التي تمنت لها وقتا ممتعا· وطارت هي مع سام على دراجته النارية إلى السينما غير عابئة بتهديدات أبيها· كانت ليلة السبت ؛ أي عطلة نهاية الأسبوع، وكانت الساعة وقتها تقترب من التاسعة ليلا، وهو الوقت الذي حدده لها أبوها في عدم الخروج بعده· وكان هذا من القوانين الصارمة، التي ضربها على ابنته سمر· لم يكن ثمة تفاهم وانسجام بينه وبين ابنته· كان قاسيا وحشيا معها، ولم يكن ثمة ما يتعاطاه سوى الأوامر والنواهي الصارمة· لقد كان مبتعدا عنها كليا منذ صغرها ناهيك عن المعاملة السيئة التي كانت تتلقاها، والتي تعكس بوضوح كرهه الشديد لها· كان مشغولا فقط بلعب القمار في البارات وبتناول الكحول جُلَّ وقته· وهكذا هي حياته، وهكذا اعتاد على أن يمضيها منذ سنوات قدومه إلى هنا ؛ أي بين أعماله الحرة وبين مقامراته وإدمانه على شرب الخمور· ومن المفارقات العجيبة أن هذا الوجه العابس الكالح في وجه ابنته، لم يكن إلا وجها ودودا بشوشا في وجه ابنه وليد· فقد كان له مطلق الحرية في تصرفاته، يقضي لياليه مع من يرغب من الفتيات حتى ساعات متأخرة، ويخرج متى شاء ومع من شاء ؛ لا بل يصل الأمر إلى أنه يجلب معه بين الحين والآخر فتاة من الفتيات، يداعبها وتداعبه· وهذا كله يحدث تحت سمع وبصر أبيه، الذي كان غير آبهٍ بتصرفات ابنه! وربما أن الشيء الذي يفسر هذا السلوك المزدوج في شخصيته، هو ثقافة المجتمع الذكوري، التي نشأ عليها هناك وتربى في أحضانها· فربُّ العائلة في المجتمع العربي عموما من الممكن له، أن يتغاضى عن السلوك الغرامي لأولاده الذكور، لكنه لا يتغاضى بتاتا ولن يتغاضى عن السلوك ذاته إذا جاء من واحدة من إحدى بناته، ويعده عارا وشنارا، تصل عقوبته إلى الموت· وهو السبيل الوحيد لغسل هذا العار ومحوه لا غير· هذا فضلا عن نظرة غالبيتهم إلى الحُب على أنه جريمة من الجرائم، التي لا تغتفر!
Page 10
تناولت نتاشا شرابها المفضل وسيجارتها المفضلة، وجلست على الصوفا قرب زوجها· رفعت كأسها وارتشفت منه رشفة، ثم أدارت وجهها نحو وجه زوجها الشاحب، وقالت:
- أريد أن أسألك سؤالا واحدا: لماذا لا تدع ابنتي وشأنها ؟ هل تريدها أن تعيش بقية حياتها في مستشفى المجانين·· هل تريدها أن تموت منتحرة ؟ هل فقدتَ صوابك يا هذا ؟ ألاَ ترعوي عن أسلوبك الهمجي هذا ؟ متى تتحول عن عنجهيتك هذه، وتبدأ في معاملتها بلطف وحذر وذكاء ؟!
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه، وقال:
- أنا لستُ ذكيا! لقد بدا متصلبا متنمرا كعادته·
- حسنا، يبدو أن الحديث معك كالحديث إلى هذا الحائط· لكنني أحذرك من أن تلمس شعرة واحدة منها ؛ لا بل من أن تنبس في أذنها ببنت شفة! قالت ذلك حتى إنه يمكنه أن يسمع صوت اندفاع الدم في عروقها، الذي هو أشبه بصوت شلال متدفق من علٍ· لقد فقدت أي أمل في ثنيه عن مواقفه المتصلبة هذه·
- هل يمكن أن اعتبر هذا تهديدا منكِ ؟ سألها باستهزاء وهو يرفع عينيه الرماديتين الناعستين إلى السقف·
- لتعتبره ما تعتبره، لكنني من الآن فصاعدا لن أتساهل معك أبدا· وسأرمي بك في الشارع إذا ما تطاولتَ مرة أخرى· وإذا كنت تظن أنها لعبة من ألعاب قمارك التافهة، فأنت واهم وخاسر لا محالــة!
- يبدو أنكِ تخيفينني، لقد بثثتِ الرعب في قلبي! وأخذ يقهقه وهو يرفع الكأس إلى فمه·