Page 1
مقدمة
بعد حمد الله على فضله ونِعَمِهِ والتسليم على خير من تكلم العربية النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم، ألتمس أن أتكلم عن كتابي هذا بأنه جملة متواضعة من الخواطر التي خرجت لترى النور في مسرح الحياة، وكنت قد سعيت في كتابتها للاختيار من الكلمات أسهلها وأبلغها ومن العبارات أبسطها وأوجزها في حدود استطاعتي، وجاءت جملة هذه الخواطر في نسقها هذا دون أن يحكمها ترتيب خاص مبنيٌ على تقارب الموضوعات أو تشابه الأفكار وإنما جاءت في سياقها هذا حسب تواردها في مخيلتي وقد أبقيت على ذلك لتجنيب نفسي والقارئ الملل والضجر من تتابع الأفكار المتقاربة في المعنى.
لماذا قطر الندى؟
لأن قطر الندى في الصباح يعني الصفاء والنقاء والطهارة، فتتسابق أجنحة الطير وأوراق الشجر وحبات الرمل وظاهر الصخر والحجر لتكون سكناً لقطر الندى،
ولأن قطر الندى هو ابتسامة ترتسم على الوجوه نتبادلها والآخرين إذ نتبادل تحية الصباح،
ولأن قطر الندى ضحكات تعلو شفاه الأطفال في استقبالهم صباح يومهم الجديد،
ولأن قطر الندى يترافق والفجر حيث الأمل وجديد العمل، إذ الفجر يأتي بعد كل ظلام حاملاً لليائسين والمحزونين إشراقات أمل، وللمقصرين والمتخاذلين أوقاتاً جديدةً للعمل، وللمخطئين والمسيئين فرصاً ذهبيةً لتصحيح الخطأ وسؤال العفو والصفح، وللمذنبين والعاصين أبواباً مفتوحة لطلب التوبة والرحمة والمغفرة،
* * * *
Page 2
ماذا ينقصني؟
يائس يصف حاله فيقول:
إن صنعت فأعطيت الأمر من الصنع حقه، وزرعت فاخترت للغرس من العام وقته، وراعيت في صناعتي إجراءات ولوائح وتحرَّيت في زراعتي الطيب من البذور والصالح من الأرض، ثمَّ وقفت في آخر خط الإنتاج في مصنعي وانتظرت طويلاً ولم أحظَ بمنتجي الذي أردت، وحضرت باكراً لحقلي يوم الحصاد فلم أجد الطيب من الثمر لأقطف، فأنكرت ذلك ورفضته ووجدت أنَّ القدر يحول بيني وبين مُرادي وأن أعدائي قد حاكوا المؤامرات، وضاقت علي الدنيا حينما حلمت بصديق فرح بمكروهي، فاستيقظت والألم يلفني وحزمت حقائبي والسفر يدعوني لمغادرة المكان والأهل والأقران، خليلي في ذلك اليأس وناصحي فشل الماضي، مشيت وأنا ألعن الظلام وأهدر في ذلك الساعات والأيام.
التوقيع: يائسٌ فقد الأمل
يا من فقد الأمل:
مني ومن كل من جادت نفسه بالنصيحة ووجد أنَّ التذكرة هي لأولي العقول وأصحاب الأهداف العظيمة، تذكر أنَّ:
اليأس كفر فلا ترضخ لسطوته
وجنة الله خُصَّت للأولى صبروا
فلتكن اللبيب الذي يستخدم وقته في تأملات العقل التي تصنع من أغصان الأشجار ورفاتها أوراقاً تزينها السطور والتي ترتسم عليها حروف الكلام لتجعل من الظلام نبراساً ومن الليل الحالك سواده سبباً للتغيير فتلهمنا السبيل الصحيح إذ يستيقظ الأمل، ويغادر من النفس الفتور فتعلو الهمة وترتفع العزيمة لصنعٍ جديد وزرع حسن، حيث نجاحنا فيه خطوة جديدة و فشلنا فيه تجربة مفيدة.
Page 3
قال محمد إقبال:
قلت للصقر و هوفي الجو عـــــــال
اهبط الأرض فالــــهواء جديب
قال لي الصقر في جناحي و عزمي
و عنان السماء مرعى خصيب
وحتى نُحَصِّلَ النجاح في الحياة وعلى كل الصعد وجب أن نمتلك الرغبة فيه وفي التميز والإبداع بما نريد القيام به ما يستوجب فينا امتلاك القدرات اللازمة لإنجاز ما يراد إنجازه ممثلة بالمعارف والمهارات والسلوك، معطوفاً على كل ذلك السعي للفرصة المناسبة والمتوافقة وما نمتلكه من مؤهلات، فصدق رسول الله صلوات الله ورحمته عليه ""القصدَ، القصدَ تبلغ""" (صحيح البخاري )
"كثير من إخفاقات الحياة هي لأناسٍ لم يدركوا كم كانوا قريبين من بلوغ النجاح"
توماس أديسون
* * * *
Page 4
من المصيب ومن المخطئ
لك أيها الأب، لكِ أيتها الأم،
إن كنتما مُقَصِّرين....
لن ألوم ابناً ابتعد عنكما في الطاعة أو ابنةً وجدت في عصيانها لكما هدفاً وغاية، في عالم يحفل في كل لحظة باختراع جديد أو اكتشاف مهيب، ولست في كلامي هذا محرِّضاً لعدم البِّر ولا متحرراً من شرع أو دين وإنما أدق ناقوس الخطر وأعلن حالة الطوارئ - أعلنها في غير اتجاه- إذ ضاع الآباء والأمهات عن أبنائهم قبل ضياع أبنائهم عنهم " فالعجب كل العجب من عرب هذا الزمان إذ ينكرون ويرفضون ويشجبون عقوق الأبناء لآبائهم وأمهاتهم، وقد نسوا أن هؤلاء الأبناء عندما كانوا أطفالاً لم يرضعوا من حليب أمهاتهم ولم يذوقوا حتى طعم اللبأ وإنما رضعوا حليباً مستورداً مجففاً وكامل الدسم"، فليست بيوتنا فنادق للنوم أو مطاعم للأكل، هي ليست ساحات للَّعب وليست عيادات نفسية نتلف فيها هموم أعمالنا وضغوطنا النفسية، هي كل ذلك مسبوقاً بكونها ميادين لصناعة الرجال منذ طفولتهم ومدارس لتربية الأمهات منذ نعومة أظفارهنَّ.
وقد روى الأستاذ محمد الصباغ فقال: ((سمعت من الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله أن رجلاً جاء يسترشد لتربية ابن له أو بنت وُلِدت حديثاً فسأله كم عمرها ؟ فقال الرجل: شهر ، قال: فاتك القطار، وقال: كنت أظن في بادئ الأمر أني مبالغ ثم عندما نظرت وجدت أن ما قاله الحق وذلك أن الولد يبكي فتعطيه أمه الثدي فينطبع في نفسه أن الصراخ هو الوسيلة إلى الوصول إلى ما يريد ويكبر على هذا)).
فلنؤدِّ حقوق الأبناء كما نطالبهم بأداء واجباتهم تجاه آبائهم، فقد سبَّ أعرابي ولده وأخذ يذكره بحقه عليه ,فقال له الولد:يا أبتاه إن عظيم حقك علي ,لايبطل صغير حقي عليك.
* * * *
Page 5
طفولتهم مدرسة
تداعبه بابتسامتها وتراقص ضحكاتها تضاريس وجهه فتنفك عن جبينه عقدة أولى،
تعلِّمه الرقص وبانسجام فهي تجيد الإيقاع في نبرات صوتها فتنفك عقدة أخرى،
يتلاشى الإيقاع الهادئ حين تصرخ مستعجلة إياه فيعجز عن إرضائها، فهي قاضية في محكمة قوانينها شرعية ودستورها ملزم من غير أن يكتب في كتب من ورق حيث بكاؤها عقاب وفي صمتها تأنيب وحزنه يأتي من هربها فإن لم تجد إلى ذلك سبيلا وخلَّته عنها كان الاحتضان حقاً لها وواجباً عليه وفرحاً لكليهما، فإن فعلت ذلك وأسرعت في سعيها لاحتضانه عجزت يداها عن اللقاء خلف عنقه فحضنها الصغير لا يتسع لألعابها وأبيها معاً، فأبطال قصتنا طفلة وأب - هو تلميذ لمعلمة- وإن لم تُجد أبجديات الكلم إلّا أنها بلعبها وإيماءاتها أفهمته الدرس فقد شرحته وهي تنظر في عينيه بابتسامتها معلنة رغبتها بالعناق وحينما شعرت بعدم فهمه عاقبته بصراخها فزاد فهمه وتوجه سلوكه فعانقها أب دافئ أشعرها بالحنان، فكان بذلك مثال التلميذ المجتهد الذي يدرك أنه يعطي ويأخذ يعلم ويتعلم .
كل هذا حدث في هذه المعمورة في حياة فيها الأخذ والرد كأدوات للتوازن، فيها اليوم والغد كأدوات للتغيير الموجه والتطوير، فيه التعامل مع الآخرين مرآة تعكس عالماً يقطن في أعماق ذاتنا لنتمكنَّ من العيش بإنسانيتنا واحترام ذواتنا والآخرين.
جاء في كتاب الطريق الصحيح لتشخيص وعلاج العقم للدكتور نجيب ليوس في نقلٍ عن العالم النفساني مورتن برنس
في كتاب اللاشعور: ان الشخصية هي مجموعة الاستعدادات والنزعات والميول والغرائز والقوى البيولوجية الفطرية الموروثة والمكتسبة، ومُحصِّلتها هي التي تتحكم في التنشئة الاجتماعية، فعلينا إذاً أن نلجأ الى العقل السليم للاستفادة من خبراته المخزونة ليكون في مقدورنا اختيار الأسلوب الأنسب والأفضل في تنشئة الطفل بعد أن نتأكد من مستوى نضوج المربي وجودة صفاته الإنسانية.
Page 6
وإلى جزءٍ آخر من هذا الكتاب يقول الكاتب: (تبدأ الخلايا الدماغية التي تجعل الإنسان قادراً على القيام بالعمليات العقلية بالتطور منذ تكوين الجنين. فتشير الدراسات إلى أن معدل نمو الخلايا الدماغية تكون في أوجها خلال فترة الثمانية عشر أسبوعاً من الحمل حتى السنتين الأوليين بعد الولادة، وتكون سرعتها في المرحلة الثانية (من سنتين إلى أربع سنوات) سريعة ولكن أقل سرعة من المرحلة الأولى وبعد ثماني سنوات من عمره تكاد هذه الخلايا تنمو . وقد تبين أن الكمال العقلي للطفل يتمثل بشعوره بالاستقرار، وفضوله القوي، وقدرته على المشاهدة الدقيقة والاستنتاج بدلاً من المعلومات المحشوة.
ومن هنا يتأكد دور الأهل في مساعدة طفلهم خلال مرحلة النمو السريع للخلايا الدماغية، فعلى الأهل إشعار الطفل بحبهم واهتمامهم اللذين لا ينتهيان، وكذلك الاهتمام بحركاته وإشاراته .وأهم من هذا كله، عليهم إعطاؤه ما يلزم من المواد الغذائية اللازمة لصنع الخلايا الدماغية في هذه الفترة.
قال الشاعر عمر بهاء الدين الأميري عندما وصف بيته بعد مغادرة أولاده له وبقائه وحيداً:
أين الضجيج العذب والشغبُ
\ أين التدارس شابــه اللعبُ؟
أين الطفولة في توقدهـــا
أين الدمى في الأرض والكتبُ؟
أين التبــاكي والتضاحك في
Page 7
وقت معـاً، والحزن والطربُ؟
يتزاحمون على مجالستــي
والقرب مني حيـثما انقلبـوا
فنشـيدهم: (بابا) إذا فرحـوا
ووعيدهم: (بابا) إذا غضـبوا
وهتـافهم: (بابا) إذا ابـتعدوا
ونَجيّهم: (بابا) إذا اقتربــوا
ألفيـتـُني كالطفل عاطفــة
فإذا بـه كــالغيث ينسـكبُ
* * * *
Page 8
بين الأمس واليوم والغد
هكذا فهمته،
أمس عرفت عنه الهدوء، ألفت منه الصمت، مللت فيه البرود واستهجنت الغموض، كنت إذا سألته أعرض ولم يجب فأجيب عن سؤالي كمن يخاطب نفسه، وإذا حاورته وحادثته جالت عيناه في كل مكان إلّا عن المكان الذي أجلس فيه، أغضبته فما غضب، أيقنت في نفسي بأنَّ صمته خوف، وهدوءه ضعف، وبرودته نقص في إنسانيته، وغموضه تكبر، حياته ليس لها قيمة أو حتى معنى، أنكرت عليه ذلك ولكن في نهاية الأمس قلت مالي وله، فدعِ الخلق للخالق.
أمَّا عن صباح هذا اليوم فهو صباح غريب على غير ما تعودت، فعلى غير عادته يلملم حاجياته، يجمع أغراضه ويرتب مقتنياته، وعلى غير عادته كاد يغادر بسرعة لولا أن استوقفته كلماتي" عفواً! إلى أين؟" فنظر إلي نظرة الراحل وتبسَّم ابتسام الواثق كمن يستعد لأمر جلل، فأضمرت في نفسي ضحكة استغراب! كاد وجهي يفضحها فأنا أعرفه ضعيفاً خائفاً تنقصه الأحاسيس والمشاعر، وأراهن على عجزه، وما ستؤول إليه حاله هذا المسكين.
ولكن!!!
فضولي الدائم دفعني لغرفته فرأيت دفتراً لمذكراته وطموحاته على طاولة، فتخيل إلي أنه قد نسيه، فلعلَّه يفضح أسراره ويكشف غموضه، قلبت الصفحات لأصل إلى أولها لأجد إهداءً موجهاً إلي:
"صديقي، رفيقي،.......، اقبل مني الوصف الذي تشاء، شكراً لك لمؤانستي وحدتي وتحمِّل غرابتي، أعترف بذلك وأريد أن أردَّ الجميل فاعلم.............
وبدأت أقرأ
Page 9
أما وقد أصبح سِرُّه بين يدي فسأحاكي صمته وأقرأ غموضه وأكسب ودَّ بروده، في صفحاته الأولى وبعد الإهداء وجدت عالماً كان قد بناه في عقله وأمدَّه بالأمل من قلبه، هو بطل في عالمه هذا، لا ينازعه البطولة أحد وإنما تشاركه رفيقة درب حيث في ذلك سكينة وطمأنينة، في عالمه هذا قصر جميل كان قد اختار هو موقعه وحجارة بنائه، واختارت هي زينته وزخارفه، وتشاركا معاً حياكة وصناعة أرائكه ومجالسه حيث سيكون للسمر حكايات وللحديث صولات وجولات، وتفترش حدائق هذا القصر بأقحوان السعادة، وبزعفران النبل، وبزهور الروز كرمز للوفاء،عالمه جميل، هو ليس خالياً من المشكلات أو التحديات، هو مليءٌ بالروح والأمل مليءٌ بالإصرار والإرادة.
واستمرت القراءة
في صفحات أخرى حيث كان العنوان فيها بأن الأسر حرية، تعلمت منه أن في الأسر خلوة وفي الخلوة انطلاق للعقل وفي هذا الانطلاق حرية للنفس، فهمت أنَّ في العتمة نوراً واحداً فقط يعنينا نستدل به على الطريق كبحارة يستدلّون بمنارة مأربهم في بحر علت أمواجه وحلكت ظلمات ليله، وليس كمن يستدل على ماءٍ في صحراء سطعت شمسها وزاد ضوءها فخدعه سرابٌ مكتنزٌ بكل ما لذَّ وطاب، فما عاد على الدرب القويم يسير وعن الهدف المرغوب أصبح يضل الطريق.
فهكذا أفهمني نفسه على غير ما فهمت فهو كما قال إبراهيم طوقان:
صامت لو تكلما
\ لفظ النار والدما
قل لمن عاب صمته
Page 10
خُلق الحزم أبكما
وأخو الحزم لم تزل
يده تسبق الفما
لذلك
لم يعد لي الحق في أن أنكر عليه صمته المتكلم، وهدوءه الحكيم، وبرودته التي تخفي دفئاً في صدق أحاسيسه، ولا أن أرفض غموضه، غموضه الذي حرَّك فضولاً عاقلاً لا يسعَ بأن يمنع الطيور من أن تحلِّق فوق رؤوسنا وإنما يسعى لأن يمنع الطيور من أن تبني أعشاشاً داخل عقولنا.
أما أنا
والذي كنت ممن كثر كلامه وقلَّ فعله وكنت مزهواً بنفسي ومشغولاً بنقد الآخرين، فقد عقدت العزم بأن يكون للغد معنىً جديد،
فغداً
بالنسبة لي شمسه مختلفة حيث عصافيره تعزف معزوفة على غير عادتها في عالمي الجديد، حيث فيه البداية لما له قيمة ومعنى.
"من أجل النجاح الفعلي اسأل نفسك التالي: لماذا؟ لِمَ لا؟ لِمَ لا أكون أنا؟ لِمَ ليس الآن؟"
اللهم إنَّ إبليس عبد من عبيدك، ناصيته بيدك، يراني من حيث لا أراه، وأنت تراه من حيث لا يراك، اللهم إنك تقدر على أمره كلِّه، وهو لا يقدر من أمرك على شيء".
* * * *