قالت لي:-
- حينما تكلمت.... نطقت كذباً...
قالت:
- لقد انحرفت عن طريق الصواب، وسلكت طريق المراهقة، لم تعرف عمرك الحقيقي، داست أقدامك طريق الخطأ في مسارات رجولتك....
نظرت إلى وجهها، لأدرك بصدق تلك الدمعة اللحوح، التي رفضت النزول.
قلت لها:-
- ألهذا الحد وصلت أنا؟ ألهذا المدى كان تفكيرك بي؟...
صمتُّ للحظات، بين مندهش وحائر، طرزت نظري عليها، وقلت بنبرة غاضبة:-
- لتكن ثقتك بي كبيرة، فأنا أرفض بشدة ما لا أرضاه لغيري...
لحظتئذٍ نظرت إليَّ، ولم تنطق بكلمة واحدة.
هي تعرفني جيداً، لذا كانت كلماتي، كريح هائجة من الصمت على شفتيها، في داخلي ألم ظنها، وفي لساني دموع الكلمات، وأكملت:-
- أنا لست متسولاً للمشاعر، وإن كنت محروماً منها - فجأة رفعت رأسها إلي، لم أبال، وأكملت:-
- أنا لا أعرف أن أجلس على الرصيف المزدحم، لأشحذ مشاعر تمنيتها من القلوب التي لا أعرفها.
أخذت الغرفة جيئة وذهاباً، لم أكن أطيق صبراً، خطواتي تأتي ثقيلة الوطء أمام صمتها، قررت الخروج من الغرفة، فتحت الباب وخرجت،
أوصدته على نحيب بكائها.
لم يكن صديقي فحسب، كان بئر أسراري، سألني:-
- لِم لمْ تتمالك أعصابك؟ هل هذا ما أوصيتك به؟...
كان يجلس خلف وقوفي، لم يكن أمامي، سوى نافذة تنفذ إلى الطريق، دون أن أرى الطريق، وأجبته:-
- كل كلماتك ونصائحك، التي ألقيتها علي، عادت إلي صامتة، عاجزة عن إفهامها، فهي لا ترضى سوى بما يهيم في عقلها فحسب، يا صديقي
صمت ممزوج بالدموع، هذا هو عنوان أيامي معها.
سألني مرة أخرى:-
- أتحبها؟...
خرجت من سؤاله غاضباً، لم يتحرك من مكانه، ظل على ما هو عليه، وبعد دقائق كانت طويلة جداً عدت، افترت من شفتاه عن ابتسامة،
وقال بعفوية:-
- عدت سريعاً...
ذهبت إلى مكان وقوفي الأول أمام النافذة، أجبته بهدوء وكأن الأمر يعنيني أنا فقط:-
- نعم أحبها.....
ولم أنظر إليه، لكني شعرت أن ابتسامته تمددت حتى غطت وجهه كاملاً.
أغاظتني ابتسامته، شعرت أنني صغير أمامه، وكي أتفادى هذا الموقف الصعب علي، قلت له ودون مقدمات:-
- لقد قررت أن أتزوج...
تقلصت ابتسامته، لم أنظر إليه، ولكني شعرت بكياني أمامه، اختفت تلك الابتسامة نهائياً حين التفت إليه، وبدت الدهشة على محياه، وحتى لا
يصيبني باللوم قلت بسرعة:-
- أنت تعلم أني أحبها، وتعلم حياتي معها كل تلك السنين...
نظرت إليه لبرهة، كان منبهراً بكلماتي، وكله شغف لنهاية حياتي وأكملت:-
- ولكنك لم تعلم عن سبب صمتها وظنونها...
حينئذٍ أدركت أنني أبسط بساطاً تحت الشمس، صمته يغريني في التأني في حديثي، لأجد الكلمات المناسبة والمقنعة له، وأكملت:-
- هي لم تكن تبني ظنونها من فراغ....
لم أكن أحب تلك النظرات التي طوحني بها، لم ألتزم الصمت، ولكني جرفته بكلماتي كما السيل الجارف:-
- ألم تتوقع أن صمتها كان من خوف؟...
تحرك من مكانه أخيراً، لعله استوعب مضمون كلماتي، اقترب مني، رمى نظراته مع نظراتي من النافذة، ووضع يده على كتفي، ليحثني على
المواصلة في الحديث، وقلت:-
- برغم الحب والصمت والظنون، كانت حياتي ناقصة...
حيئنذٍ عرف صديقي كل شيء، اقترب معي على خط النار، ولأول مرة ينطق، بعد فترة طويلة من الاستماع لي وقال:-
- ولكن هذا نصيبك، وما كتبه الله عليكما، لا تظلمها يا صديقي...
تقدم خطوات أمامي، سد تلك النافذة بجسده، وكأنه لا يريد أن يواجهني وقال:-
- ربما منك...
قال تلك الجملة بهدوء مبالغ فيه، وكأن ضميره كان يعذبه في نطقها، وبسرعة أجبته:-
- ليس مني، لقد فحصت عند الطبيب، وقال لي إنك سليم، لم أبح لها بذلك خوفاً على شعورها، فلقد وجدت تقريراً طبياً باسمها عن حالتها،
وجدته صدفة، مندساً في مكان مخفي.
- الآن عرفت سبب سكوتها وظنها.
طوق الصمت مكاننا، وفجأة ودون شعور، وكأني أخاطب نفسي قلت له:-
- خفت على إحساسها، وخافت على حياتها...
- لقد قررت أن أتزوج...
لم تبدِ أي انفعال، وكأنها كانت تنتظر مني هذه الجملة، اغرورقت عيناها بالدموع - لم أعلم هل دموعها كانت من فرح أم هي دموع حزن -
وعادت إلى الصمت.
هذا الصمت، الذي لم يتملكني وقتاً أطول من هذا، ولكنه تملك كل شيء بيننا، كنت أتمنى أن تفعل أي شيء، وربما لو قالت لي:- لا تتزوج،
ربما لن أتزوج...
أخذتني بصمتها الطويل، ووجدت أنا الزوجة الثانية.....
أحــجــار الــطــريــق
كان ذاك الراعي الذي نسي جلده في المرعى وخطا خطوات لا يعرفها نحو المدينة البعيدة، والتي لم يشهدها من قبل، هو يعلم أنه ترك جلده،
ولكنه في مساء سابق، عاهد نفسه إن لم يجد لقمته في المدينة، سيعود إلى أرض أجداده، هناك تحت شجرة تقيه أشعة الشمس، ولا تحجب
الرؤية، بل أوصى ابن عمه أن يهتم بها، وغادر الصحراء، لا يعرف القراءة ولا الكتابة، يفيق مع الفجر، وينام عندما يهبط الظلام، وأحاديثه
لم تكن سوى قصائد يرددها أمام أغنامه، وكأنه عاشق تليد.
وصل إلى المدينة بعد جهد جهيد، تحامل على نفسه كثيراً، وأكثر ما أوجعه، هـو رؤية الناس له، أو اشمئزازهم منه، كانت أرصفة المدينة
توصله إلى أرصفة جديدة، تاه بين المباني الاسمنتية، وهو ما يزال يبحث عن قريب له، سكن المدينة منذ سنين، وقيل له إنه يملك تجارة
عقارية هناك، بعدما أتى المدينة يجر قدميه، يبحث عن ظل من الشمس، وقطرة ماء.
وقف أمام عمارة شاهقة البنيان، تقافزت أحلامه وهو واقف أمامها، حلم أنها له، دخلها، مر بجانب كل أبوابها، استعمل الدرج في صعوده
ونزوله، قابل وجوهاً كثيرة داخله وخارجه، تعامل معها بالنظر، تارة كما يعامل أغنامه، بحنان فائق، وتارة كما يعامل الخطر الذي يأتيه من
الصحراء، كل الوجوه كان يراها لا تشبه تلك الشجرة، والتي لا تحجب الرؤية عليه، حين أدرك حجم نفسه، من نظرات الآخرين له، خرج من
العمارة، وعرف حدود نفسه جيداً.
سأل الكثير والكثير عن قريبه، ولكن لا أحد في هذه المدينة يعرف جاره، فكيف يعرف رجلا قدم من الصحراء منذ بضع سنين.
مضت أيام كثيرة، لم يتراجع فيها، كان بحثه عن ابن عمه، صادقاً، عمل في مختلف المهن البسيطة، نام على أرصفة لم تزعجه كثيراً، لا يريد
أن يخسر معركته الأولى في المدينة، ضاق به العيش كثيراً، عاند نفسه كثيراً، لدرجة أنه استلف من ابن عمه بعض مال ليعينه على معيشة
المدينة.
لم يكن مسكوناً بأحلام كبيرة، حلمه أن يلبس ثوباً أبيض، وأن ينتعل حذاء أسود، ولكن المدينة أكبر من أحلامه البسيطة، فضاع في طرقاتها،
قبض عليه الأمن أكثر من مرة، حتى إنه أصبح يتحاشى الأماكن التي تعج بالوجوه البراقة...
لم يجد قريبه، الذي حلم يوماً من الأيام أن ينتشله من واقعه الذي سئمه، ووجد نفسه في عالم آخر أكبر من كل أحلامه الماضية، قرر أخيراً أن
يعود من حيث أتى، وعزم أمره مع إشراق نور شمس الغد، أن يرحل كما أتى، لا يحمل في داخله فرحة خروجه من الصحراء، بل يحمل
إحباط خروجه من المدينة.
رجع إلى الصحراء، لم يجد أغنامه، ووجد راعياً جديداً، ذهل لوجوده، وحين سأله عن سبب وجوده في مكانه، قال له الراعي الجديد:-
- لقد أتيت إلى هنا بعدما رحلت أنت، فمن يرعى الأغنام من بعدك؟
لم يجبه، أدرك أن راعي الأغنام، قد استبدله بهذا الراعي الجديد، ذهب إلى ابن عمه، لا ليعطيه المال الذي اقترضه منه، بل ليبحث له عن
عمل، فما كان من ابن عمه سوى أن يشاركه الرعي، ويتقاسم معه لقمته.
وذات مساء، صعبت عليه نفسه كثيراً، وجدها تتضاءل حد التلاشي، ووجد نفسه يزاحم ابن عمه على قوته، قرر في صباح اليوم التالي، أن
يرحل مرة أخرى إلى المدينة، من دون أن يخطر ابن عمه بما قرر، وبالفعل بعد صلاة الفجر، ترك الصحراء مثلما تركها أول مرة.
لم يفكر بقريبه الذي سكن المدينة، وحين سأله ابن عمه عنه، لم يعطه الإجابة الشافية، فكر بنفسه ذاك المساء الذي قرر فيه الرحيل، أن يبدأ
كما بدأ قريبه في المدينة، وأن يصبح مثله.
المدينة ضاقت بأهلها، وضاق هو بنفسه، كان يسير في الطرقات بهيئته القذرة، يفكر كل يوم بعمل يبدأ منه، وذات صباح كان يمر في إحدى
الطرقات بجانب دار كبيرة، توقف ينظر إلى أشجارها الفارعة الطول من خلف الأسوار، فجأة انفتح باب الدار، وكان ذلك الشخص الذي يحمل
وجهاً براقاً، نظر إليه، ووجده يناديه بإشارة من يده، اقترب منه بخوف واضح، وطلب منه صاحب الدار أن يساعده في حمل بعض الأشياء
من داره إلى مركبته، وبأخلاق الصحراء التي تأسست في داخله، لم يتوان، قدم لذلك الرجل المساعدة، ركب الرجل مركبته، وفتح زجاج
سيارته، ودس ورقة نقدية في يده، وتحرك تاركاً إياه ناظراً هو لورقة النقود التي في يده، شعر براحة كبيرة، اتجه إلى آخر الشارع باحثاً عن
متجر يبتاع منه ما يسد رمق جوعه.
كل صباح كان يأتي وينتظر صاحب الدار، ليساعده ويقبض ثمن مساعدته، كان يرى صاحب الدار يومياً يخرج من داره، من دون أن يلتفت
إليه، حتى شعر بالملل، وغادر ذلك الطريق باحثاً عن طريق آخر لوجه براق آخر ليقبض منه ثمن مساعدته.
لم تأت الأيام على أحلامه الماضية، أو حتى قريبة منها، قضى أيامه في المدينة بين تشرد وجوع، ولم يجد أدنى وسيلة للعيش فيها، حتى إنه
في النهاية لجأ للجلوس أمام بوابات المساجد، يستجدي المصلين، يجودون عليه بالصدقات.
سنتان وهو لا يزال كل مساء يرسم أحلامه بأحجار على الإسفلت، فألهبت جسده حرارة الصيف، لم تحمه ظلال الأشجار من سموم الهواء،
شعر بتعب شديد، وبخواء في أمعائه، لم يكتف من شرب ماء سبيل المساجد، وقرر أن يعود إلى ابن عمه، ليأكل منه بقايا طعامه أو فتات
طعامه، فليس للحياة في جسده سوى أن يعود، وأن يرضى بأي شيء ليعيش.
وفي فجر اليوم الجديد، وقف أمام الحافلة، وحين هم بركوبها دفع آخر ما يملك من نقود كانت باقية من صدقات المحسنين، وقبل أن تنطلق
الحافلة بدقائق معدودة، صادف بائع المحل الصغير في القرية الصغيرة، ومنه عرف أن ابن عمه مات من لدغة ثعبان، شعر بخواء كل
الأمكنة، ذرفـت عينـاه دموعهـا علـى الرغم منه، تباطأ الهواء في صدره.
وقبل أن تنطلق الحافلة، كان قد نزل منها، فليس لطريق عودته انتظار....
وجد دموعه وضيق صدره وخطواته، تدفعه إلى صاحب الوجه البراق الذي نقده ثمن مساعدته في حمل أشيائه لمركبته، دون شعور وجد نفسه
قابعاً على الرصيف المقابل لداره، ينتظر خروجه، شمس الصيف تكاد تخترق رأسه، مرت أيام ولم ير صاحب الدار أبداً، وذات يوم وجد
رجلاً غريباً يخرج من الدار، شعر وكأن ماءً بارداً انسكب عليه، ركض نحوه، وسأله عن صاحب الدار، فعرف أنه مسافر وحين سأل الرجل
الغريب عن وضعه، قال له الرجل الغريب، إنه يعمل هنا منذ أشهر، يهتم بالحديقة ويغسل فناء البيت و... و... و....حينئذ لم يسمع كل
كلامه، ولكن وقعت كلماته الأخيرة في نفسه وكأن سيفاً أغمد في قلبه حينما قال له إنه يساعد صاحب الدار في حمل أشيائه إلى مركبته.
رجع كسيراً إلى أبواب المسجد، حتى إنه أصبح سمة ذلك المسجد، وحين فقده المصلون، بحثوا عنه رأفة به، ووجدوه ميتاً على الرصيف أمام
باب الرجل ذي الوجه البراق وفي يديه كيسان من البلاستيك ممسكاً بهما بقوة، وحين فتحوا الكيسين لم يجدوا سوى أحجار صغيرة وكبيرة،
كانت ذات يوم خريطة أحلامه.
قال:-
- ماما... هل هو عيب أن أفرح وألعب مع زملائي في المدرسة؟...
نظرت إليه أمه باستغراب وقالت:-
- لا يا بني ليس عيباً...
أمسكت بيده وضغطت عليها بحنو وأكملت:-
- افرح والعب مع زملائك ولكن لا تؤذ أحداً وحافظ على نفسك...
ارتسمت بسمة براءة على وجهه، سرعان ما تبدلت إلى تقطيب جبينه، أطرق ببصره إلى الأرض وحمل حقيبته المدرسية، وقبل أن يضعها
على ظهره سألها ونظراته لا تزال تتساقط نحو قدمه:-
- ولكن... أبي في السجن...
لم يكن أبوه كبيراً في السن... ولكن الوفاء الذي يعيشه، وورثه عن أبيه هو الذي دفعه ليترك ابنه الوحيد معلق النظرات على باب الدار في
انتظار أن يأتي...
مسح الشيب سواد شعره، وتكاثفت التجاعيد في وجهه، أردفه العمر نحو الكبر وهو لم يتجاوز الثلاثين عاماً...
هكذا كان... رجلٌ سرق منه صديقه بسمته وحين نضب الزمن لم يجده حوله.
لم يكن عمله يفي بالشيء الكثير له، لم يرث عن والده سوى اسمه وطيبته، وعاش عليهما تحيطه الظروف من كل جانب، كراء المنزل
ومصاريف أسرته وكل شيء يبدو للوهلة الأولى يقف ضده، كان يصنع سعادته حينما يرى عيون ابنه الوحيد، ويأوي لعتبة بيته مثقلاً بهمومه
وقد أنهكه التعب، حيث كان يعمل سائقاً في إحدى الشركات الخاصة، يقوم فجراً ويقود الحافلة الخاصة بنقل الموظفين من مقر سكنهم إلى مقر
عملهم، وذات يوم شعر بالجوع بعدما أوصل الموظفين فقاد الحافلة وأوقفها على الرصيف المقابل لمحل صغير للمأكولات الشعبية ليسد رمق
جوعه، وفي أثناء تناوله طعامه وقف أمامه صديق قديم من قريته ذاتها، تقطعت بهما السبل حينما قرر كل منهما ترك القرية والسفر إلى
المدينة للبحث عن عمل، صافحه بحرارة وأجلسه بجانبه وطلب له من عامل المحل ما طلبه لنفسه.
كان وجه صديقه شاحباً، وكأنه خرج للتو من عاصفة رملية، يمد يده ويتناول ما أمامه ويجيب عن أسئلة صديقه بكلمات مقتضبة تحمل نبرة
الحزن، أدرك صديقه أن هناك شيئاً ما يكدر صفوه وسأله:-
- ما بك؟...
أجاب صديقه دون أن يرفع رأسه عن طعامه:-
- لا شيء
صمت برهة ثم أكمل مجيباً عن سؤال صديقه:-
- سيقودونني إلى السجن...
دهش صديقه وترك لقمته التي كانت في طريقها لفمه وسأله بدهشة:-
- ومن هم الذين سيقودونك إلى السجن؟
رفع رأسه نحو صديقه ومسح دمعة كانت عالقة بين جفنيه وقال بصوت خافت:-
- لقد جئت إلى هنا أبحث عن عمل بعدما دس الجوع نفسه في أنحاء بيتي، بحثت كثيراً عن عمل وتعبت، لم أجد عملاً أستطيع أن أمارسه
بجد، كنت أشحذ لقمة غدائي وأقتسمها بين غدائي وعشائي، أفترش ظل الأشجار ليرتاح جسدي من عناء البحث، طالت بي الحال هكذا،
تحملتها بالرغم مني، ولكن عائلتي لم تستطع أن تتحمل كل هذا، أخذتهم إلى القرية وتركتهم هناك لأواجه الجوع والتعب وحيداً.
سكت لسانه عن تكملة رحلة شقائه وكأن الأحرف أبت أن تتدلى من لسانه، فحجم العناء كان أكبر من تعبير الأحروف، ضاقت بي السبل
فأصبحت أبحث عن الأسماء التي تركت القرية وكانت هنا، لعلها تساعد ابن قريتها، وجدت بعضهم فاقترضت منهم على مضض بعض المال،
ووقعت لهم على أوراق تضمن حقوقهم.
رفع نظره إلى سقف المحل وقال:-
- لم أكن أعرف أن الفلوس تغير النفوس...
فحين أقرضوني المال لم يكن بدافع الشفقة، أو أننا أبناء القرية الواحدة، ولكنهم خافوا أن يصل إلى أسماع القرية أنهم تركوا ابن قريتهم حين
طلب منهم المساعدة، وبمالهم الذي اقترضته دخلت عالم التجارة من بابه الضيق، ولكني فشلت، لم تكن لدي الخبرة في معالجة الأمور، لم
يرحموا قلة حيلتي وضعفي، ليتني لم أقترض منهم المال، إذاً لما كنت الآن تحت سيوفهم التي تحيط برقبتي، ليتهم يا صديقي قبل أن يعطوني
المال علموني من أين يبدأ طريق التجارة من بين طرق المدينة الكثيرة، والآن يطالبونني بالمال، ومعهم حق، فلا أحد يرمي ماله على قارعة
الرصيف.
- وماذا ستفعل الآن؟
- لا شيء، سيقاضونني في مالهم ولن يجدوا معي شيئاً، وسيرمونني في السجن...
أسقط رأسه على الطاولة الخشبية المتآكلة الأطراف وكأنها خريطة العالم، وذرف دموعه بحرقه، قام صديقه من مكانه ومد يده ليرفع رأسه
ويمسح دموعه، أقامه معه بعيداً عن أنظار من كانوا في المحل ودفع ثمن ما أكلاه وخرجا معاً إلى مكان الحافلة.
كان موقف بكاؤه موقفاً بالغ التأثير عليه، شمله بين راحتيه وأركبه الحافلة بجانبه، مسح دموعه ونظر إلى صديقه الذي دس المفتاح في مكان
تشغيل الحافلة وقال له:-
- طلبت منهم مهلة قبل أن يقاضوني أمام القضاة، تمنعوا كثيراً وبعد عناء أيام طويلة وافقوا على أن أحضر كفيلاً لي...
- وهل تستطيع أن توفر لهم المال؟
- أستطيع، سأحاول بكل ما أوتيت من قوة، ولكن الوقت لا يسعفني، لذا طلبت منهم مهلة لأتدبر نفسي...
- لا تحزن يا صديقي... سأكون معك...
- كل ما أطلبه منك الآن أن تقف معي بصدق، وأن تكفلني عندهم، لأزيد قليلاً من الأيام، وسأعمل على تسديد ما لدي من ديون...
لم ينقصني في صداقته التردد، أجبته:-
- وهل تستطيع أن تسدد المبلغ في الوقت المحدد؟
أجاب والابتسامة تعلو شفتيه قائلاً:-
- نعم أعدك بذلك....
ضمنته عندهم، قبل رأسي راضياً بصنيعي ذلك، وافترقنا لكي يعود لتدبير المبلغ.
وذات صباح، جلست مع زوجتي نشرب قهوتنا الصباحية، كنت في هذا الوقت بالذات أفكر فيه، وأدعو له أن يوفقه الله ويرزقه، وكانت
زوجتي تدعو معي، فقد انقضت عشرة أيام على موعد التسديد، وتبادر إلى ذهني أنه سدد المبلغ، وبرأ ذمته وذمتي، لأسمع طرقاً على الباب،
قمت لأفتح الباب، ووجدت عند الباب رجل الأمن، ومعه طلب إحضار لي، ذهبت معه، لأكتشف أنه لم يسدد المبلغ، وصدر حكم علي بالسجن
أو التسديد، ولأني أطارد لقمة أهلي من الفجر حتى غروب الشمس، أودعوني السجن كمجرم وثق بصديقه فسجنه وفاؤه له...
زارني أخي وأنا أتنفس خلف القضبان وقال لي:-
- وجدت صديقك الذي كفلته...
- أتقول ذلك جاداً؟
- نعم
- هل يعاني من شيء...
- صحته أفضل من صحتك....
ذهبت إليه أستنجده وأخبره عن سجنك، ولكنه أنكر معرفته بك وطردني...
- وأين وجدته؟
- لديه متجر لبيع الأدوات الكهربائية وله عدة متاجر في مناطق متعددة.
- يا الله... قد لا يكون هو... أنا أعرفه جيداً، اذهب إليه مرة أخرى... أرجوك يا أخي.
- سأذهب له ولكني متأكد أنه لن يفعل شيئاً...
في صباح اليوم التالي، جاء أخي في موعد الزيارة وقال لي إنه طرده مرة أخرى، لم أكن أحتاج إلى سماع ذلك، صرخت، لماذا فعل بي ذلك،
لقد أنقذته من السجن، فأدخلني فيه،
لا أصدق أنه صديق الطفولة، لا أصدق أنه ابن قريتي، كان يعلم بحالتي، حسبي الله ونعم الوكيل فيه، حسبي الله ونعم الوكيل فيه.
شعرت بألم في قلبي، تراجعت بجسدي نحو الوراء حتى اصطدمت بالجدار، وسقطت على الأرض.
قال ابنه:-
- ماما... هل هو عيب أن أفرح وألعب مع زملائي في المدرسة؟...
نظرت إليه أمه باستغراب وقالت:-
- لا يا بني ليس عيباً...
دست يدها في يده وضغطت عليها بحنو وأكملت:-
- افرح والعب مع زملائك ولكن لا تؤذِ أحداً وحافظ على نفسك...
ارتسمت بسمة براءة على وجهه، سرعان ما تبدلت إلى تقطيب جبينه، أطرق ببصره إلى الأرض وحمل حقيبته المدرسية وقبل أن يضعها
على ظهره سألها ونظراته لا تزال تتساقط نحو قدمه:-
- ولكنني يتيم