eKtab
EN ع
لا تقرأوا هذا الكتاب
Read free sample

لا تقرأوا هذا الكتاب

by عدي حاتم ضاهر

Page 1

إهداء

بداية، أُهدِي كتابي هذا إلى روح المرحوم والدي الفاضل «حاتم ضاهر».. وإلى روح أخي.. الشاهد الشهيد «بلال حاتم ضاهر» رحمهما اللَّه وأسكنهما جنّاته الواسعة.. ثم إلى والدتي الحبيبة «عواطف» حفظها اللَّه ورعاها من كل سوء.. ثم إلى ولديّ الحبيبين «لؤي وبلال» أمدهما اللَّه بالصحة والعافية والسعادة وأنار لهما الطريق، خصوصاً أنهما شجعاني كثيراً على كتابة هذا المؤلف وكانا دائمي السؤال عن موعد إنجازه..

وأخيراً وليس آخراً بطبيعة الحال إلى أم أولادي «لينا» التي أرجو أن يشملها اللَّه برعايته الدائمة.. ويهديها خير السبيل وإلى شقيقي الأكبر «ربيع» وشقيقتي الصغريين «صبا وسمر» لهم مني جميعاً كل محبة واحترام والدُّعاء الدائم بدوام الصحة والعافية..

وإلى كل أصدقائي وصديقاتي.. وكل أقربائي وقريباتي، الأقربين منهم والأبعدين.. وإلى كل إنسان عرفته وعرفني.. ومن لم يتسن لي شرف معرفته في هذه الدنيا.. إليكم جميعاً أُهدي هذا الكتاب.. أملاً منكم أن تجعلوه «ذكرى وعِبْرة».. ذكرى عطرة تُذكِّركم بي.. وعبرة لي ولكم للآتي من الأيام..!!

عدي

Page 2

عزيزي القارئ..

كان من المفترض أن أبدأ بكتابة هذا المؤلّف منذ سنوات خلت، غير أن بعض الظروف الموضوعية.. وربما غير الموضوعية أملت هذا التأخير. إلا أنني في النهاية جلست إلى مكتبي، وبدأت كتابة هذه السطور علّني أستطيع أن أُعوِّض ما فاتني.. وأُضيف بقدر ما قدّرني اللَّه شيئاً أو بعض أشياء إلى مسرى أو مسار حياتنا التي نعيش، نحن كبشر.. وكأبناء «آدم وحواء»...

Page 3

غريرة.. خدّاعة

يصف كبير الفلاسفة القدماء، وأحد أهم حكماء عصره سُقراط الحياة بأوصاف هامة، وعميقة جداً أبرزها في قوله: «إن الحياة.. غريرة.. خدّاعة، أتيتُها مرغماً.. وعِشتُ فيها مُتحيراً، وها أنذا أُغادرها مُضطراً.. لا أعلمُ منها.. سوى أني لا أعلُم شيئاً».

وللحقيقة نعم، الحياة غريرة.. وخدّاعة بما فيها وما عليها، وجميعنا جئنا بغير إرادتنا، وكلنا حائرون في معيشتنا.. وكل واحد منا يُغادرها رُغماً عنه.. وقد تبع سُقراط الكثير الكثير من الأدباء والشعراء في رأيه هذا «كإيليا أبو ماضي» مثلاً في قوله يوماً: جئت لا أعرف من أين.. ولكني أتيت، ولقد أبصرت أمامي طريقاً فمشيت.. كيف جئت..!؟ كيف أبصرتُ طريقي.. لست أدري!!!

في أية حال، وفي معرض حديثنا عن «الحياة الدنيا»، ومن خلال نظرة سريعة ولكن متأنية إليها نعود إلى قول «اللَّه عزَّ وجلَّ» ونسترشد به في كتابه العزيز إذ قال تعالى (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)، فإذا ما تأملنا قليلاً بهذه العبارة القُرآنية نُدرك ودون أدنى شك حقيقة معنى الحياة، أو المعاني التي أراد اللهإيصالها إلى البشر سواء من خلال سُقراط أو غيره من العباد. فالحياة غريرة.. وخدّاعة من بدايتها إلى نهايتها، وإذا ما أراد كل شخص منّا التفكير ملياً في الأمر، فسيصل بلا ريب إلى النتيجة نفسها.. صدقوني! وإليكم البقية.

Page 4

الحمد لله.. هناك آخرة. الحمد لله.. إن الدنيا فانية

تصوروا معي، لو أن هذه الدنيا التي نعيش ليست فانية، وأن ليس هناك آخرة لا سمح الله...

تصوروا معي، لو أن هذه الدنيا باقية أبد الدهر.. فيبقى الفقير فقيراً... والمريض مريضاً.. والغني غنياً.. أو يزداد غنىً وثروة.. والمعوق معوقاً.. والمعوز معوزاً وربما أكثر عوزاً مع الوقت.. والحاكم حاكماً.. والطاغوت طاغوتاً.. والمُستبد مُستبداً وربما أكثر استبداداً.. إلى ما هنالك.. وكل ذلك إلى ما لا نهاية.. فهل سيكون هذا من العدل بشيء!!؟

بطبيعة الحال لا، فاللَّه سبحانه وتعالى خلق الدنيا والآخرة معاً ولم يخلق الدنيا لوحدها وأخبرنا في كتُبه السماوية وتحديداً في كتابه العزيز «القرآن الكريم» بأن( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَىٰ)(أي من الدنيا).(وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)

إن مُجمل هذا الكلام لهو دلالة واضحة على أن من ينشدُ العدالة على هذه الأرض لوحدها هو واهم دون شك، فالحياة لوحدها ليست عادلة بطبيعة الحال، ولن تكون، فهي لم تكن قبلنا، ولا هي الآن ولن تكون من بعدنا في أي حال، (وصدقوني، أقول هذا الكلام عن قناعة وإيمان.. لا عن يأس وحرمان) ليس لأن اللَّه ليس عادلاً «لا سمح اللَّه» بل لأن عموم البشر لا يقاربون العدالة لا بحق الآخرين، وأحياناً كثيرة لا يقاربونها بحق أنفسهم، إضافة وهنا الأهم طبعاً، أن خالق الكون «عزّ وجلَّ» ربما خلقها على هذا المنوال من يدري!!؟ «تلك أيام نداولها بين الناس»..

فتكراراً أُردد.. وأرجو أن ترددوا معي الحمد للَّه على وجود نهاية لكل شيء على هذه الفانية.. الحمد للَّه أن هناك آخرة يتساوى بها الجميع دون استثناء.. ويبقى وجه ربك «ذو الجلال والإكرام».

Page 5

مسيرون.. أم مخيرون..!!؟

سؤال طرحه كثيرون من قبل، وكثيرون من بعد، وربما سيطرحه آخرون من بعد بعد.. من يدري!؟ وللإجابة عن هذا التساؤل أقول إننا مخيّرون في ما نعلم.. ومسيّرون في ما لا نعلم.. وأكثر ما نحن فيه في هذه الدنيا أشياء لا نعلمها. فالإنسان منا يُولد في بيئة لا يختارها.. ومن أبوين لا يختارهما هو أيضاً، «بغض النظر عن صلاحهما أو عدمه في الدنيا»، ناهيك عن مُحيطه وأقاربه، إلى ما هنالك من أمور تدل دلالة واضحة على أن الخط البياني لحياتنا هو خط مرسوم ومكتوب ومُقدر بشكله العام، وكل ما هو دون هذا «الخط البياني» العام يُساهم الإنسان في صُنعه وإن بنسب مختلفة بين الناس، فالذاهب إلى عمله أو العائد منه أو الجالس في مكتبه أو بيته، أو الخارج منهما بناءً على موعد أو اتصال ورده في حينه، هو مسؤول عن قيادة سيارته بشكل جيد وآمن للوصول إلى موعده أما ما يمكن أن يعترضه أو يتعرض إليه من أحداث قد لا يكون هو وحده مُسبباً لها أو مسؤولاً عن حدوثها، فذلك لا يكون بخياره أو باختياره، بل يكون مُقدراً حصوله معه. إضافة طبعاً إلى العديد من الأمثلة التي تمر معنا يومياً في حياتنا وقد نتنبه لها أحياناً، وأحياناً أخرى لا نُعيرها كثير اهتمامنا، فما هو التفسير المنطقي مثلاً لشقيقين أو أكثر تربيا في البيت المنزلي نفسه وتحت رعاية أبوين صالحين أو طالحين من يدري!! وعاشا الظروف المعيشية ذاتها سواء كانت ظروفاً قاسية أو عادية أو مُرفّهة مثلاً، فأحدهما قد يصبح ناجحاً ومُرضياً في حياته وأحياناً كلاهما أو جميعهم في أحيان كثيرة، والعكس صحيح أيضاً بأن ينجح أحدهم ويفشل الآخرون أو يفشل أحدهم أو أكثرهم وينجح آخرون، إلى ما هنالك من أمور وأحوال شتى تستوقفنا في كل يوم ونتحدث عنها في مجتمعاتنا ولا نجد سبباً واضحاً ووجيهاً لها. وهذا غيض من فيض الأمثال التي يمكن أن نضربها أو نستشهد بها على الأقل للاستنتاج بأن حياة المرء هي مُسيّرة عموماً، ومُخيّرة أحياناً، وإذا ما أردنا أن نقول أو على الأقل هذا رأيي على المستوى الشخصي أقول بأن حياتنا مُسيّرة ما بين 60 و70 % ومُخيّرة في الباقي أي ما نسبته 30 إلى 40 %، والنتيجة الحتمية لخياراتنا في الحياة تتلخص في ما هو مُقدر لنا وليس في ما نختاره نحن على هذه الأرض..!!

فالخيار دائماً كما نردد هو في ما اختاره «اللَّه عزَّ وجلّ». فصحيح أنه على الإنسان أن يسعى، ولكن في أن يصل أو لا يصل في مسعاه إلى مبتغاه فتلك مسألة أخرى، فالسعي في الحياة أمر ضروري ولا بدَّ منه ولكن الوصول إلى المبتغى أو المرتجى المنشود أمر ليس في أيدينا.. ونحن لا نُقرره على الإطلاق.. «وللإنسان ما سعى».

Page 6

الحظوظ.. والعقول..!!

هنالك قول قديم ومأثور لوالدة «الإسكندر الكبير» وهو أشبه بدُعاء شهير كانت تدعو له به أمه أمام المذبح في الكنيسة الملاصقة لقصره إذ كانت تبتهل إلى اللَّه وتناجيه بالقول والدعاء:

«ربّي امنح ولدي حظاً... يستخدم به أصحاب العقول ولا تمنحه عقلاً... يستخدمه به أصحاب الحظوظ!!».

فدُعاء أم الإسكندر أو دعاء أية أُم أخرى على هذه «المعمورة» لولدها هو دُعاء ومناجاة «للَّه تعالى» لكي يُعطيه حظاً أكثر من العقل وليس العكس، وفي ذلك دلالة واضحة عن أن دُعاء الأم عموماً والتي كما قِيل دائماً أن «الجنة تحت أقدام الأُمهات» هو دُعاء للحظ لا للعقل، فأصحاب الحظوظ مثلاً يمكن أن يأتوا بالكثير من أصحاب العقول من حولهم ويتحولوا بفضلهم وبخبرتهم إلى ظاهرة كلٌّ في مجال عمله، سواء كانت تلك الظاهرة سياسية، أو فنية أو اجتماعية في عالمنا هذا في حين أن أصحاب العقول لوحدهم قد ينجحون في مجال مُعيَّن ربما. إلا أنه قد يصعب عليهم تحقيق مُجمل ما يرغبون في تحقيقه بواسطة عقولهم فقط.

Page 7

الحظوظ.. والعامل الوراثي..!!

وإذا ما أردت أن أضيف، يمكنني القول إلى حدّ الجزم ربما إن عامل الحظ في دُنيانا هذه، يكاد يقارب أي عامل وراثي آخر يرثه المرء عن أبيه وجده أو خاله وعمه، كأن يكون الإنسان عصبّي المزاج مثلاً أو هادئ الطباع أو مريضاً بالسكري أو ضغط الدم، أو أي مرض آخر يمكن له أن يرثه عن والديه مجتمعين أو عن أحدهما لا فرق، أو عن صلة قُربى بعيدة بعض الشيء عن العائلة الصغيرة، وربما تعود أو تذهب بعيداً إلى الجدّ أو العمة أو جدّ الجد أو الجدّة مثلاً، فالحظ أو التوفيق في الحياة كما كان يتداوله الناس منذ القِدم فيه الكثير في رأيي من «الوراثة العائلية» الجينية طبعاً، ولعل إذا ما جلس أحدنا وفكّر ملياً ولو لفترة وجيزة في أمور حياته أو في مسار حياته بشكل عام لتوصل إلى استنتاج عام أيضاً بأن العديد من المحطات التي يمر بها كانت تتشابه ولو بحدود مُعينة مع حقب أو مع ظروف بعض من أسلافه وليس جُلهم كالأب أو الخال أو العم أو الجدّ أو.. أو إلى ما هنالك.

باختصار، لقد شبهت مسار حياتنا على هذه الأرض مثل «الكورب»، الذي يمكن لنا أن نعمل ونلهو ونلعب ونمرح ونُنتج إلى ما هنالك من أمورنا الدنيوية في إطاره ومن ضمنه، وليس خارج هذا الإطار الذي في تقديري أراه مرسوماً ولا يُمكننا تخطيه مهما حاولنا، والإطار المرسوم هنا أي «الكورب» هو ما اصطُلح على تسميته بالقدر الذي لا يمكننا تجاوزه على الإطلاق..

Page 8

كلاهما سينحسر..

هنالك قول مأثور للإمام علي بن أبي طالب «رضي الله عنه وأرضاه» كنت أراه يُزين بعض مكاتب الساسة في لبنان الذين لا يزال لدي بعض من صداقاتهم وقلّة من صدقهم ولكني كنت أراه وأقرأه منقوصاً عند معظمهم فأُسارع إلى إكماله عند نهايته فيتعجبون ويقولون لي إنه جاءهم هدية من فلان أو فلان وإن لا علم لهم بأي نقص في محتواه والقول المأثور يُورد الآتي:

»إني ذُقت الطيبات كلها... فلم أجد أطيب من العافية وإني ذُقت المرارات كلها... فلم أجد أمرّ من الحاجة إلى الناس وقد حملت الحديد والصخر... فلم أجد أثقل من الدّين.. يا ابن آدم الدهر يومان.. يوم لك ويوم عليك. فإن كان لك فلا تبطر.. وإن كان عليك فاصبر فكلاهما سينحسر»!!

وهي الجملة الأخيرة التي كانت ناقصة في معظم مكاتب أصدقائي الساسة، والتي تختصر معنى هذا القول المأثور. وهي بأن لا شيء على هذه المعمورة يمكن له أن يدوم سواء كان عزّاً أو مالاً أو شهرة.. أو شباباً أو فقراً أو مرضاً أو اعتلالاً أو أي شيء آخر، بل كله إلى زوال.. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام على الدوام. ونعم باللَّه العلي القدير..

وفي السياق ذاته يحضرني قول كريم للإمام عليّ نفسه إذ يقول «ولدتك أمك يا ابن آدم باكياً... والناس حولك يضحكون سروراً، فاجهد بنفسك أن تكون إذا بكوا.. من حول نعشك ضاحكاً مسروراً» والمُراد هنا من الكلام أن الإنسان هو زائر غير دائم في هذه الدنيا فنحن جميعنا ولدتنا أُمهاتنا ونحن نجهش بالبكاء فيما الناس المجتمعون من حولنا كانوا يهلّلون ضاحكين بأن من أنجبت أنجبت ولداً أو فتاة والحمد للَّه بصحة جيدة.. وأنه في نهاية المطاف على الإنسان في ما كتبه له اللَّه جلَّ جلاله من حياة أن يعمل عملاً صالحاً يؤسس له لنهاية سعيدة وهو مُمدد على فراش الموت فيما الناس من حوله يبكونه حُزناً على فراقه.

Page 9

رزقكم... رزقان..!!

.(وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)هو كلام اللَّه جلّ جلاله وعلّى في القرآن الكريم الذي وعد عباده بالرزق في حياتهم الدنيا ووعدُ «اللَّه» حق دون نقاشيَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.. والبشر عموماً وعلى مرّ العصور والأزمنة يلجأون في أدعيتهم في السر والعلن إلى أقوال باتت في معظمها متعارفاً عليها ومنها «سبحان مُقسِّم الأرزاق».. أي سبحان اللَّه.. وما الرزق إلا من عند اللَّه سبحانه وتعالى، وأن اللَّه يرزق الطير والحوت في البحر.. أو ليس من أسمائه الحسنى أنه «الرزاق» أو الوهّاب!!

ولعلني أورد ذلك في هذه الفقرة للدلالة على أن الرزق الموعود للناس في دنياهم هو رزق مكتوب أو مرسوم أو معلوم ومُقر من عند اللَّه، غير أن ذلك لا يعني أبداً أن على الإنسان أن يجلس أو ينتظر رزقه الموعود دون أي عمل تبعاً للمثل الشعبي المصري الشهير «لو تركض ركض الوحوش.. غير رزقك ما تحوش»، فصحيح أن الرزق مكتوب ولكن السعي للاستحصال عليه أمر ضروري ومطلوب «وللإنسان ما سعى»، والصحيح أيضاً أن الكثير من الناس يسعون في حياتهم إلى أمور شتى ولا يحصلون عليها في حين أن هنالك العديد من الأمور التي تُهيأ لهم دون كثير عناء أو تعب. وهذا ربما ما فسّره لنا الإمام عليّ «كرَّم اللَّه وجهه» في قوله المأثور عن الرزق بأن قال:

«رزقك يا ابن آدم.. رزقان

رزق تسعى إليه.. ورزق يسعى إليك

فإن لم تأته.. أتاك!

وهو تحدث هنا عن رزقين للبشر في الدنيا، رزق يأتي من خلال السعي والعلم.. ورزق آخر مكتوب.

Page 10

الحقيقة... والرجلان!!

قال كبير من أُمتنا في ما مضى... إن «الحقيقة تحتاج إلى رجلين» وعندما سأله أحدهُم عن السبب أجاب: «إن الحقيقة المطلقة والوحيدة في هذا الكون وخارج هذا الكون هي وجود «اللَّه عزَّ وجلَّ» ورغم ذلك يوجد من يشكك بها مع الأسف... فما بالكم بالحقائق الدنيوية التي نجهد دائماً نحن البشر في البحث عنها!!؟ هي حقائق جدلية يراها كل طرف أو شخص من وجهة نظره، لذلك وحتى تصبح هذه الحقائق واقعة ومثبّتة فهي تحتاج إلى رجلين أو شخصين: «واحد ينطقُ بها.. وآخر لكي يُثبتها»!

والصعوبة في رأيي تكمن في الجزء الثاني من القول، لا في جزئه الأول، فالإنسان يمكنه أن ينطُق بما يريد سواء عن عدل أو غير عدل.. أم سواء عن ضلالٍ أو صواب، وذلك بالأمر السهل.. غير أن إثبات أي أمر أو نفيه عموماً يحتاج إلى دلائل وإثباتات وحُجج مُقنعة، وهذا منطق الأمور وأضعف الإيمان. فالحقيقة كما نعلم نسبية في أغلب الحالات، «فروما من فوق هي غير روما من تحت» وفقاً للمثل الشائع والمعروف.. وليس هناك منيران واحد للحقيقة لدى كل الناس.. فالحقيقة موسمية حيناً.. ومصلحية حيناً آخر.. وتسووية أحياناً أخرى.. وسويّة ربما.. ولكن في أحيان قليلة..!!

فأمورنا العامة والخاصة لم تعد تخضع في مُجملها للمنطق أو للمعقول خصوصاً في عصرنا الحالي.. فنحن ومع الأسف الشديد نعيش في عالم تسويات، بعيداً جداً عن الحق والحقيقة إلا في ما ندر.. وفي هذه الحال قد تذهب الحقيقة.. ويذهب أهلها... ويذهب الرجلان.. ويغيب المنطق أو يضيع وتسود معه شريعة الغاب التي نعيش في حناياها الآن.