eKtab
EN ع
لبنان من دويلات فينيقيا إلى فيدرالية الطوائف - الجزء الأول
Read free sample

لبنان من دويلات فينيقيا إلى فيدرالية الطوائف - الجزء الأول

by د. فهد حجازي

Page 1

الجزء الأول : منذ ما قبل التاريخ حتى الاحتلال العثماني

مقدمة

بكائية لا بد منها

منذ فجر التاريخ كانت فينيقيا. وفينيقيا حقيقة في التاريخ. وجبل لبنان هذا قلب فينيقيا، وإن لم تبدأ فينيقيا في هذا الجبل! إلا أن لبنان عكس فينيقيا، ولأن فينيقيا كانت مفعمة بالغموض، هكذا شاءت! فقد بدت للعالم أخاذة، ولعل هذا ما لم تُرده، لكأن الجاذبية تجلب الصداع! وهذا ما تحاشته الجدة، وهذا ما حدث!
منذ مئة مليون عام((1))، أشرقت الشمس على جبل تيث (لبنان)، فانتصب منتظراً من يبارك ترابه، ولم يكن يتوهم كثيراً! فلم يكن يومها مخترع المظلة قد وجد بعد، وحده الزحف البسيط أصبح متاحاً، ولو بعد حين! ولا يعلم أحد متى جاءت البذرة الأولى لتنغرس في تربته، جاهلة أن الوهم والقلق سينموان معها إلى ما شاء الله!
ومنذ خمسين ألف عام((2)) ترعرع هنا إنسان أنطلياس، ومات ولم يترك أخباراً! وحدها العظام بقيت شاهدة على وجوده – عبوره. لكن شيئاً لم يدلنا على فرح أو قلق، أو وهم. ولم يترك أثراً في الصخر، أو التراب، ولا الرمل! يدل على الجهة التي منها قدم، لكنه لم يأت به البحر يقيناً، ولم يهبط من السماء!
ولبنان هذا امتداد في الجغرافيا، وله اتصال في التاريخ، وفي التاريخ تسطّر الأحداث، وفي وعاء الجغرافيا تطبخ. وإذا كانت الجغرافيا تلزم بالجيرة، فلزوم الصبر على متاعب الجيرة أمر واجب، وإلّا فاحزم متاعك وامض! علق صخرتك في نجم، أو اجعلها مقلعاً لأحلامك. عدا ذلك، عليك الانخراط في هموم التخوم، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
وما دام الترابط وثيقاً، فلماذا عناء البحث بعيداً؟ يكفي أن تنظر إلى غيمة تقطر ماءها فوق رأسك، وفوق رأس جارك، فإن لم تبرِّد أحدهما، فالعاقبة للمتقين!
قد لا يكون لبنان - الملجأ بؤرة طبيعية للقلق، إلا أنه لم يستطع - على توهم انعزاله - أن يؤمّن الأمان الواثق لمن توهّم! وقد لا يكون لبنان - الإنسان هو مخترع الاضطراب في هذا الشرق، إلا أنه لا يستطيع أن يبرئ نفسه، كشاهد على الأقل! ولا أن يدعي البراءة، رغم أنه هرب ذات يوم، إما من اضطراب صنعه؛ وإما من اضطراب أزعجه، لكنه رافقه، أو لحق به! فماذا يفعل؟
والجغرافيا، هذا الوعاء الذي يحمل جلّ الأهمية، هي المكان الذي بدونه لا يحصل التاريخ. ولأن فينيقيا - لبنان، موجودة على شرخ زلزالي طبيعي يمتد من خليج إيسوس (الإسكندرون)، مروراً ببحر الملح (الميت)، وصولاً إلى بحر القلزم (الأحمر)، شاء القدر أن يكون هو ذاته شرخ الزلازل السياسية التي تعصف بالمنطقة منذ بدأ صراع المكونات الأولى للأمم في الشرق. وعبر هذا الشرخ يكون المعبر الإلزامي للفرار، والثروات، والأزمات السياسية، وللجيوش.
ولعنة الجغرافيا، أو حسن طالعها، ليست أحادية الجانب، وليس اللبناني ملاكاً! وإن كان يفتش في كل مرة عن آخر يحمِّله، أو يحمل عنه، تبعات وجع الرأس الملازم. وما دام الأمر كذلك، وما دام هو لا يريد أن يغادر، وإن غادر فيبقى رأسه مزروعاً في حقل مشاكله الذي غادره، فلماذا القلق؟
واللبناني صاحب ذكاء، وصاحب طموح، ويبدي الكثير من الصبر رغم ضيق الصدر! إلا أنه دائم الشكوى، جم الصراخ. وهو يتعلم كل شيء، ويجهل التعلم من تجاربه! حائر محيَّر، مُجبر مخيَّر.
لماذا لا يعرف اللبناني الاستقرار؟ ولماذا لا يتقن فن الاتحاد؟ ورغم هذا وذاك، يريد أن يكون علامة مميزة، وربما هو كذلك! مؤثر هو، وشديد التأثر هو، لكنه كأنه لا يستطيع أن يتحمل مسؤولية ما يصنع، ومن أهم ما يحب أن يصنع، وما يفشل - على الأقل حتى اللحظة - هو أن يكون صاحب دولة! وللدولة شروط يجب تحقيقها حتى تتحقق، وأولها المصلحة العليا، وهذا ما يفتقده أصحاب الجبل، منذ الأزل!
ميزتان قلقتان، ملازمتان للذهنية اللبنانية: الهوية والعلاقة. ورغم أننا من أشد خلق الله خليطاً في هذا العالم، تجد بعضنا - من أصحاب القلق - يعيدوننا إلى أصل واحد، أو يطيرون بنا بعيداً إلى ما وراء الماء المالح. ورغم صلة التراب والحجارة، فإن بعضنا - أصحاب الشكوى - يهربون بنا إما إلى طلب نجدة بعيدة، وإما الخضوع إلى مسيطر قريب! ولعل القوي البعيد يستغل فطرتنا في لحظة حاجة، أو أن الجار القوي يتبرم منا لشدة اضطرابنا، فيدير الظهر، أو يضيق صدره فيضمنا تحت جناحه، ولكننا لا نتقن السكينة، فيعيد لفظنا!
أمّا في الدين فحدّث! لقد حيَّر اليهودُ الله وأنبياءه، أما نحن فقد حيَّرنا أنفسنا والعالم! فالإيمان عندنا مسألة نسبية، ومصلحة لا يغيّرها فينا الله ما لم نرحم أجيالنا فنغيرها!
ولكن يبدو أننا لسنا غرباء في هذا المحيط. فمن جبلةٍ هنا صُنِعنا، وإلى التراب أو الرمل المديد هذا نعود.

Page 2

البدايات

منذ بدايات الوجود البشري، وعقلية السيطرة ترافقه. وما المُلكية إلا أحد أهم مظاهر السيطرة، بل هي جلّ السيطرة. والسيطرة تتطلب القوة، والقوة هي وسيلة المقتدر لتحقيق السيطرة - الملكية! وهنا تصبح وسيلة الضعيف للتكيف هي الخضوع، أو يصبح قوياً!
ومنذ القدم، كان الأفراد، فالجماعات التي خضعت للمبدأ نفسه في التراصف - سيطرة الفرد القوي - فالدول التي خضعت فيها الأغلبية لمجموعة من الأقوياء تربطها مصالح يقودها رمز يمثلها. كانت هذه القوى - الدول تبحث دائماً عن مصادر جديدة، وأماكن أخرى لتعزيز سيطرتها، لمراكمة أرباحها، وكانت على الدوام تتوسل القوة لتحقيق هذا الأمر! يكون بذلك مبدأ الملكية - السيطرة - الربح - التوسع، هو الذي يتحكم بمصير البشرية، منذ انتظامها في جماعات.
والشرق هذا، كان من أولى الأماكن التي فعل فيها هذا المبدأ، لتتوالى عليه منذ فجر التاريخ، الشعوب التي تركت مواطنها الأولى بحثاً عن سبل العيش، والسيطرة، والتوسع. والحروب كانت الوسيلة لمن لا يريد الخضوع طوعاً! وكثير من الشعوب التي استطاعت أن تتشكل في أمم وأن تحقق طموحها في أن تكون دولة. ومنها الكثير التي تجاوزت منطوق الدولة لتصبح إمبراطورية. وهناك العديد من الشعوب التي اضمحلت، أو ذابت في غيرها، ومنها من قادته مقاومته للتدمير المحتم فبقيت عبرة في التاريخ، ومنها من وصل إلى قمة القمم ثم تلاشت مع الزمن بظهور قوى أفتى وأقوى.
يبقى أن هناك شعوباً تمتلك كل مقومات الأمة، واستمرت في الزمن، لكنها لم تستطع يوماً تحقيق الطموح الذي يراود كل الشعوب، وهو تأسيس دولة ذات سيادة، ولو لمرة واحدة في الزمن! بل إن هناك شعوباً امتلكت القوة، اقتصادياً وعسكرياً، وامتلكت الجغرافيا؛ ودخلت التاريخ بحضارة مرموقة تنسب إليها. وللحيرة، أنّ هذه الشعوب لم تستطع، أو لم تشأ أن تتوحّد فتؤسس دولة قوية ذات سيادة، لا تكون خاضعة لهذه القوة أو تلك! ومن هذه الأمم فينيقيا التي هي موضوع بحثنا في هذا الجزء، والتي ظلت تنتقل بين القوى التي تجاذبتها وسيطرت على مجالها. فكانت مدنها التي لم تعرف الاتحاد، تخضع تارة طوعاً لهذه القوة، وتارة تتمنّع فتُدّك على يد تلك. وطوراً تتنازع فتستقوي على بعضها - كل بقوة تلجأ إليها - لينتهي الأمر بهذه الأمة أن تتلاشى في ضجيج تلاطم الأمم القوية دون أن يتنبه لأفولها أحد!
يقول أنيس فريحة: «إن هذا اللبناني الأول الذي لم يكن يختلف عرقاً وحضارة عن عرق حوض البحر الأبيض المتوسط، تلاشى في العرق السامي الذي طغى على البلاد من شمالي الجزيرة العربية»((3)).
وبما أن المنطقة العربية اليوم، لم تكن في التاريخ مغلقة يوماً في أي من أجزائها، بما فيها لبنان اليوم والماضي، فإن التنقلات فيها لم تتوقف يوماً، ولم تُنجد المناطق المنعزلة أي من «الطافرين» إليها عبر الزمن من التحاق غيرهم بهم، إما هرباً، وإما غزواً! من هنا يضيف أنيس فريحة: « كان تاريخ الشرق الأدنى بكامله مشهد حركة كبرى تنطوي على تلك الغزوات والهجمات المتكررة التي يقوم بها البدو الطامعون في حياة الرخاء التي تمتع بها السكان الحضر في الأراضي المجاورة»((4)).
وبما أن اسم شبه الجزيرة العربية، قد لا يكون معروفاً منذ القديم السحيق، إلا أن أبا التاريخ هيرودوت، عرّف تلك المنطقة بـ«العربية»، وسمى المنتسبين إليها بـ«العرب». ولأن كل الهجرات المعروفة بالهجرات السامية قد جاءت من ذلك الحيز الجغرافي؛ ولأن السامية هي تعريف لغوي أطلقه الألماني شلوتزر على الناطقين بلغة (أو الأدق بلهجة) تتفرع من الأصل الواحد لهذه اللغات، وهي: الأشورية والكلدانية البابلية والفينيقية والكنعانية والعبرية، والأمورية (العمورية)، والأرامية فالسريانية فالعربية والأمهرية والحبشية. وبما أنّ الأعراق «السامية» المتعارف عليها عبر التاريخ هي الأقوام التي نطقت بهذه اللغات، فمن الأصح تسميتها بالشعوب العربية.
ولأنّ هذه الجغرافيا (الفينيقية) تعتبر ملجأً للكثير من الهاربين أو المُبعَدين، فإن للهجرات أسباباً وتواريخ، ونظراً لأن تواريخ هذه الهجرات باتت مقدرة على وجه التقريب، فإنه لا تتوافر معلومات مؤكدة عن سبب الهجرات الأولى التي دفعت الإنسان القديم إلى ترك مواطنه الأولى والتفتيش عن أماكن أخرى، ربما تكون أكثر أماناً أو أكثر توافراً لأسباب العيش.
وابتداءً، كانت الهجرات الكبرى الأولى للمجموعات البشرية التي غادرت مواطنها في آسيا الوسطى، والتي تعرف بالهجرات الهند- أوروبية، والتي ذهبت بالقسم الكبير منهم شمالاً إلى أوروبا (الأوروبية أو الآرية) وتتوزع هناك على مراحل لتتشكل منها (مبيدة السكان الأصليين أو مختلطة بهم) الأمم الأوروبية كافة. ومنها على سبيل المثال لا الحصر: السكيث الذين يعتقد أنهم من المكونات الأولى للشعوب السلافية التي عرفت عند العرب فيما بعد بالصقالبة؛ والقبائل المؤسِّسة للشعوب الإنكليزية كالسلت والتيوتون والبريتون والفايكونج؛ والجماعات المؤسسة للشعوب اليونانية القديمة كمثل الدوريين والآخيين والميسينيين والإغريق واليونان واللاكيديمونيين وغيرهم؛ والجماعات المؤسسة للشعوب الرومانية كمثل الإتروسك والداك والجيتاي وغيرها؛ وقبائل الفرنك والهون والفاندال؛ والقبائل الجرمانية على اختلافها والتي منها الشعوب الآرية التي تفرعت عنها المجموعات التي أخذت مساراً إلى الجنوب (الهندية) وهي مجموعة الشعوب الإيرانية القديمة التي تفرع عنها السومريون والحثيون والعيلاميون والكوت والفرث والفرس والكرج والأرمن والأكراد. ثم الهجرات المتوالية التي خرجت من شبه الجزيرة العربية، وعلى الأغلب من اليمن والشواطئ العربية الشرقية للمحيط الهندي، والتي وزعت في أرجاء الشرق بالجماعات التي عرفت فيما بعد بالشعوب «السامية»، على أساس وحدة أصول اللغة، ومنها الأكديون والبابليون والأشوريون والأموريون والأراميون و«العبرانيون» والكنعانيون - ومنهم الفينيقيون - وعلى ذلك تكون هذه الأقوام كلها متحدرة من أصل عربي.
وكان الكثير من الهجرات أو التهجيرات تحدث بسبب المجاعات أو الغزوات المتتالية، أو المناقلات التي كان يجريها الحكام المنتصرون، عندما كانوا ينقلون بعض المكونات السكانية إلى مناطق أخرى، إما لإبعاد خطرها، وإمّا للاستفادة منها في العمل الاقتصادي أو العسكري، كمثل نقل نبوخذ نصر لبعض المجموعات الكنعانية من فلسطين، أو نقل أرتحششتا وسنحريب لبعض سكان المدن الفينيقية.

Page 3

أمّا الهجرات التي تلت ذلك في العصور التي أعقبت زوال الأمم القديمة، فهي تلك الهجرات أو التهجيرات التي نقلت جماعات بعينها من مناطق استيطانها إلى أماكن جديدة تلجأ إليها من اضطهاد معيَّن، أو جيء بها لتلعب دوراً وظيفياً محدداً، ما أدى إلى انقسام في بعض المجموعات وتفرعها، أو أدت إلى تغيير في الديانات وتفرعها، ومنها الهجرات الداخلية في بعض الأقاليم، والتي يرصد الباحثون من خلالها تنقلات المجموعات ومتفرعاتها من أسر، وتوزعها الجغرافي، وذلك من خلال تقصي أخبارها، ما أدى إلى فرز إثني أو طائفي في بعض المناطق وتغيير طابعها الديموغرافي. وهذه الهجرات الحديثة يمكن أن نقسمها إلى نوعين:
1- الهجرات الطوعية كهجرات القبائل العربية المسيحية التي حدثت في مستهل الدعوة العربية الإسلامية، إلى مناطق جديدة للمشاركة في الفتوحات أو لتقوم بوظيفة الدفاع عما سمي بثغور المسلمين، ومنها هجرة العشائر العربية إلى مختلف المناطق في سورية والعراق ولبنان وحتى إيران ومناطق تركيا الحالية وصولاً إلى مناطق أخرى في آسيا وأوروبا. كذلك الهجرات التي حدثت في العهد العثماني بدءاً من القرن 16م والذي دفع بمجموعات دينية وطائفية بعينها لتستقر في مناطق جديدة لتقيم توازناً طائفياً أو مذهبياً كما حدث في كسروان مثلاً من أجل إقامة توازن مع الشيعة أو الموارنة. وهجرات الموارنة إلى «مناطق الدروز» في القرنين 17 و18م بأعداد كبيرة ليعملوا في الاقطاعيات الزراعية كشركاء أو كأيد عاملة في إنتاج الحرير، ثم كوسطاء لبيعه، وبعدها كتجار منتجين له.
2- الهجرات القسرية وعلى الأصح تهجيرات كان سببها إما الاضطهاد الديني كما حدث في مراحل المسيحية الأولى واضطهاد الرومان لهم ما دفعهم إلى الهجرة الكبيرة إلى مناطق وعرة المسالك كجبال لبنان، وهجرة الموارنة أثناء حملات التعسف في فترة صراع المذاهب المسيحية الأولى، وتهجير الشيعة على زمن الأمويين، كتهجيرهم من مناطق جنوب العراق إلى لبنان وسورية ليكونوا تحت المراقبة المباشرة، وإما الهجرات الأرمنية والكردية بسبب الاضطهاد الذي تسببت به السلطة العثمانية، أو نتيجة الصراع بين الحكام والأهالي كتهجير المماليك للشيعة من كسروان أو التهجيرات التي حصلت نتيجة للحروب الأهلية المتفرقة، كتهجيرات الجبل اللبناني التي لا تزال ثمارها المأسوية قائمة حتى كتابة هذه السطور.
وأما عن أصل الأعراق، وإن يكن من العبث في هذا الزمن التحدث عن عرق بعينه، خصوصاً وأن آخر الدراسات بدأت تتحدث عن أن أصل سكان أوروبا يأتي في الأصل من جذور شرق أوسطية كانت تعمل في الزراعة ذات المنشأ الشرق أوسطي (حسب دراسة الدكتورة باتريشيا بالاريسك من جامعة لستر البريطانية). وبذلك تكون الهجرات الأولى قد انطلقت من الشرق، ربما! وقد جرى الامتزاج بين هذه العناصر حتى بات من المستحيل أن تحدد هوية كل منها، حتى ولو استعملت أدق الوسائل العلمية! وبعد هذا الاختلاط المذهل للمجموعات البشرية وتفرعها إلى تشكيلات جديدة، فلا بأس أن نؤشّر حتى إلى هذا الأمر ولو بشكل موجز. ولئلا نتشبّه باليهود في كل شيء كما في حب التميّز. فلنفتش إذن من أي أصل ننحدر، علنا بذلك نشفي ذاتنا الحائرة في الانتماء (والبشر كما كل شيء في هذا الكون، بذرة واحدة، وأصل واحد)! أو نقنع العالم بأن لنا شأناً ليس لغيرنا مثله! وعليه فإن «عرق حوض البحر الأبيض المتوسط الذي تنتمي إليه الشعوب التي سكنت شمال سورية وفلسطين ولبنان في العصر الحجري الحديث، حوالى 5000 ق.م وتنتمي إليه أغلب شعوب شمال أفريقيا وجنوب أوروبا، وهو يختلف عن إنسان مغارة أنطلياس البدائي. وإلى هذا العرق الأبيض القوقازي تنتمي الشعوب السامية (العربية)، والتي تظهر فيها أيضاً بعض مزايا العرق الأرمني الذي هو الجزء الشرقي من العرق الألبي، وهو عرق جبلي يقطن الأراضي المرتفعة الممتدة من جبال الألب إلى القوقاز»((5)). يعني أنه مهما درنا فإننا نعود إلى النقطة نفسها، العرق الأبيض القوقازي. أما «بدو الجزيرة العربية في نجد برؤوسهم الطويلة وملامحهم النحيفة يمثلون الفرع السامي من العرق المتوسطي في أنقى خصائصه. أما العرب الباقون، ولا سيما أولئك الذين يجاورون أطراف الجزيرة العربية فقد كانوا عرضة للتمازج العرقي المختلط»((6)). وهنا قد يغضب اليهود وربما الشعوب الآرية، وربما بعض اللبنانيين!
أما عن سرَّة هذا الكون، لبنان، فإن الحقائق لا تميزه في شيء، وإن ميّز مغاليه شأنه ما شاؤوا! كمثال ميشال شيحا الذي يقول عنه: «لا جرم في أن لبنان بلد غاية في الصغر، ولكن أصالة هذا البلد ليست محل جدال. هو بلد في غاية القدم يقال فيه اليوم إنه فتي للغاية. وموقعه الجغرافي على المتوسط من أكثر المواقع أهمية وأكثرها تعرضاً... فيه تتواجه الأعراق والمعتقدات والشعائر واللغات وأساليب التفكير والأعراف. هو في وقت معاً، بلد «ملجأ» وبلد هجرة، بلد جبال وسهول، بلد مناخات متنوعة وثقافات مختلفة، وفيه نقع على صور الجنس البشري جميعاً وعلى صور العمل البشري جميعاً... خلاصة القول إننا هنا بين أكثر المتضادات تضاداً وأكثر العقليات تبايناً وأكثر الأعراف تنافراً وأقل الوجوه تماثلاً، ها هنا عالم أصغر((7))»!
وبما أن اللبنانيين قد اختلطوا على مر العصور مع الشعوب التي مرت على بلادهم، أضحى من الصعب التسليم بمقولة الاتصال الفينيقي على كل مكونات الشعب اللبناني. وما وجود أقليات تاريخية في لبنان لحضارات بائدة؛ كالكلدانيين والأشوريين والفرس والمقدونيين والرومان، إلا إثبات على غنى العنصر اللبناني، لا سيما أنه تلت زوال فينيقيا ذاتها هجرات متعددة جلبت معها من المكونات الجديدة التي أغنت الخليط اللبناني كاليونانيين والألبان والرومان والفرس والتركمان والأكراد والأقباط والأرمن، ما يجعل الادعاء بفينيقية اللبنانيين مجرد خيار ثقافي، أو مفخرة تاريخية مسقطة، أو على الأغلب مبرراً سياسياً مفتعلاً لدعاة التغرّب، يهدف إلى التمايز والانعزال عن المحيط، إما غروراً (وهذا أقل الظن) وإما تنفيذاً لمشاريع غريبة (وهذا ليس بغريب عن ساسة لبنان عبر التاريخ ولا حتى عن الذهنية الفينيقية)!
وبما أن العنصر الغالب الذي قدم إلى الجغرافيا اللبنانية كانوا عرباً (ساميين)، وبما أن الوجود العربي المحض (بالاسم العربي) كان وفد على هذه الأرض على الأقل بألف عام قبل أن يسميه البعض بالفتح العربي، لاعتبارات عند هذا البعض بأن الفتح يجريه عنصر غريب! وإذا استعرضنا تاريخ الملوك الأيطوريين العرب في لبنان على مدى حقبة طويلة من الزمن، تعود إلى ما قبل غزو الاسكندر المقدوني بأجيال، ودفاعهم المستميت عن أرضه ضد غزوات الإغريق ثم الرومان، ونستشهد هنا بقول المؤرخ آريان في مؤلفه «سيرة الإسكندر» أنه في حصاره لمدينة صور التي صمدت له: «ترك الحصار وذهب إلى البلاد العربية في جبل لبنان الداخلي لضم الأهلين إلى جانبه بالحرب أو بالمعاهدات»((8))؛ فيما يؤكد الأب لامنس قدم وجود العرب الأيطوريين في لبنان، وأن «هذا الوجود يعود إلى ما قبل الفتح الروماني لسورية»((9)).
وحتى أن فيليب حتي يشير إلى وجود «الكثير من الأيطوريين الذين كانوا من تلاميذ المسيح»((10)).

Page 4

بعد كل هذا الجمع الذي احتشد عبر التاريخ في هذه البقع، يرد السؤال الوجيه الذي يجب طرحه: لماذا يخجل بعض اللبنانيين في كونهم عرباً؟ مع أن غالبية العائلات اللبنانية اليوم تعود في أصلها إلى قبائل عربية معروفة، هذا في القدم، أما في التاريخ الحديث فإن أكثرية العائلات اللبنانية وخصوصاً تلك التي تتسنم المراكز الكبيرة في الكيان اللبناني، والتي لا تفتأ تنظر للبنان المتميز والمنعزل عن جواره! هذه العائلات قدمت إما إبان الفتح الإسلامي بطلب من قادة هذا الفتح، وإما بعد ذلك خلال حقبات الاضطراب. فجاء من جاء إلى هذا الجبل هرباً من اضطهاد أو طمعاً في إمارة أو محارباً في جيش أو مدافعاً عن ثغر. والقليل القليل منهم قدم مع فاتح أجنبي فغيَّر ديانته وهويته واندمج أكثر بكثير فأصبح من أبناء المنطقة الذين تحولوا عن أداء الوظيفة التي جاؤوا لأجلها!
ولأننا أوردنا رأي بعض المؤرخين الأجانب لإثبات هذه المقولة، فإننا نعود لنقتبس من مقدمة الدكتور أحمد أبي سعد في كتابه «معجم الأسر والأشخاص ولمحات عن تاريخ العائلات»:
«إن الناس في لبنان معظمهم في أصولهم البعيدة عرب أقحاح، بينهم عدد قليل من العجم والكرد والترك والشركس والألبان والتركمان والأرمن والسريان الآراميين سكان البلاد الأصليين، ولكن العنصر العربي هو الغالب عليهم، وفيهم مسيحيون ومسلمون.
أما المسيحيون، وأخص منهم بالذكر الموارنة، فهؤلاء جاء بعض أجدادهم من اليمن وجنوب شبه الجزيرة العربية، وكان ذلك حوالى القرن السادس للميلاد، فسكنوا ربوع سورية، ومنها عبروا إلى لبنان كآل (أبي الغيث) الذين تفرع منهم بنو المعوشي وحرفوش وعاد وبدر وملحمة وفاضل وجرمانوس وأبي شلحا وشلق وبيروتي وغيرهم، وكآل (المشروقي) الذين منهم بنو السمعاني وعواد ومسعد وعشقوتي وعفريت وغيرهم، وكآل (الدحداح) الذين هم من عرب اليمامة، وآل (حبيش) المتحدرين من هوزان، وهم فخذ من قريش، وكآل هاشم المتحدرين من هاشم بن عتبة، وفروعهم (آل غصوب وبرّو وقربانة وقهوجي)، وبعضهم الآخر جاء من أشور وبابل والعراق وبلاد ما بين النهرين كآل (زوين وداغر وعبد النور ومحفوظ وباخوس وفخري وعجيمي والدويهي والرزي والضاهر).
ومثل الموارنة، الروم بفرعيهم، الروم الأرثوذوكس والروم الكاثوليك، فهؤلاء كثيرون منهم يرجعون بأصولهم إلى حوران التي كانت عامرة بقبائل العرب المتنصرة القادمة من بلاد اليمن على أثر حدوث سيل العرم نحو السنة 120م، ومن ذراريها بنو (المعلوف والتويني وفرعون ونصرالله وقازان والأسود وأبو فاضل وأبو ضاهر والخازنيون وأسرة ضو بفروعها)، والأسر المتحدرة من موسى غانم الغساني كآل (كرم والتنوري وصقر ومراد وأبي منصور وشبلي) وفريق منهم جاء من دمشق كآل (عبجي وقرقماز وجبران وبدارو وصاصي وعبد النور وأبو شعر وسيوفي وقساطلي) وفريق منهم جاء من حماة وحلب وحمص وصافيتا وجوارها كبني (المغبغب والكوسا والحجار وأبو كسم وبريدي واليازجي وعجوري وعريضة والمنير وخباز والبستاني وبشور وجحا).
وأما المسلمون، فالسنة منهم في بيروت وصيدا وطرابلس بعضهم مغاربة وأندلسيون من عرب الفتح، قدموا إلى هذه البلاد بعد سقوط غرناطة وسكنوا المدن الساحلية، أمثال بني (العيتاني والمدور وطبارة ومنيمنة والمجذوب والهبري والعجوز ودبوس وسوبرة) في بيروت، وبني (حمود والبزري) في صيدا، وآل (المغربي) في طرابلس، وبعضهم الآخر من مصر كآل (الحافظ والبارودي وبحيري) في طرابلس، وآل (سعد المصري وبيّومي والصباغ) في صيدا، و(البوتاري وحمد والمحمصاني وعباس وفايد) في بيروت، ومنهم من هم من عرب الحجاز واليمن وأشراف مكة أمثال بني (القباني والنحلي وغراوي والبربير والحافي والزاملي) في بيروت و(وبركة ومسيكة والزعبي والحامدي) في طرابلس، و(يمن والسيوفي وقصار والبحصلي) في بيروت، و(صبان) في صيدا. وسوريون حمصيون كآل (السباعي) في بيروت، وآل (السمين وشمسي) في طرابلس، وسوريون حلبيون كآل (الحريري والسبسي) في صيدا، وآل (الكوا) في بيروت. ومنهم أسر من جذور فلسطينية كآل (كرامة وعبّوشي) في طرابلس، وآل (الزيباوي) في صيدا، وبني (قريطم ومومنة) في بيروت.
والشيعة، الكثيرون منهم تعود أصولهم إلى بني عاملة الذين أموا المنطقة الجنوبية في لبنان بعد نزوحهم من اليمن في القرن الثالث الميلادي، وأعطوها اسمهم (جبل عاملة أو جبل عامل)، ومنهم عدد غير قليل يرجع في أصوله إلى جمهرة من قبائل العرب، كآل (الأسعد) ومن تفرع منهم، وهم عرب من بني وائل، وآل (الخليل والزين) وهم من الأوس والخزرج، وآل (يحيى وصادق) وهم من بني مخزوم، وآل (مروة) وهم من بني همدان، وآل (حرفوش) وهم من خزاعة، وآل (حيدر وعسيران ومقلد) وهم من بني أسد، وآل (حديب) وهم بطن من كندة، وآل (خفاجة) وهم من هوزان، وآل (خنافر) وهم من الخنافرة، وآل (عبدالله) وهم تنوخيون، وآل (شمس الدين وهم من سلالة الشهيد الأول، وآل حمادة) وهم من مذحج، وآل (عمار) وهم من قبيلة كتامة، وآل (المقدم) وهم من الخزرج والأنصار، فضلاً عن فئة كبيرة من السادة الأشراف كآل (نجم) الموسويين المرتضويين، وآل (بدر الدين وشرف الدين والحسيني والموسوي وشكر ونور الدين وهاشم والأمين).
ومثل الشيعة، الموحدون الدروز، وهم في أصولهم البعيدة من عرب اليمن والبحرين وشط العرب والجزيرة الفراتية والجبل العلى ومعرة النعمان، بينهم تنوخيون لخميون كآل (أرسلان وأبو حمزة وبحمد وأبو الجيش وتقي الدين وخضر والداود وعطالله وعلم الدين والعنداري والعيد والجردي وأمين الدين وفوارس والقاضي وناصر الدين ومزهر ومعضاد والمغربي) وفيهم مجموعة من سلالة قبائل عربية متنوعة كآل (أبوشقرا) وهم من هوزان، وآل (أبو هدير) وهم من بني خميس، وآل (نكد) وهم من تغلب بن وائل، وآل (الأحمدي) وهم قبيلة من حضرموت، وآل (تلحوق) وهم من عزام، وآل (حسنية) وهم من سلالة الحسن السبط، وآل (حمدان) التغالبة الحمدانيون، وآل (عبد الخالق) وهم من بني خميس، وآل (عبد الصمد) وهم من همدان، وآل (عطواني) وهم من آل هلال، وآل (العود وحريز) وهما من قبيلتين تحملان اسمهما في اليمن وآل (القنطار) وهم من بني بشر، وآل (مرداس) وهم من كلاب، وآل (نجار) وهم من الخزرج من الأزد من بني تيم اللات، وآل (مياسي) وهم من خميس، وآل (نويهض) وهم يمانيون، وآل (هلال) وهم من بني عامر بن صعصعة، وقيل من تيم الله بن ثعلبة، وآل (ورد) وهم من بني قعيق.
ومن ألطف اللطائف أن من بين هذه الأسر من هم مسلمون من أصل صليبي كآل (برنار وداكيز ودبليز وبابتي وشمبور) في طرابلس، و(ماركيز) في شبعا، ومن هم مسيحيون من قريش كآل (شهاب والحسيني) في بلاد جبيل»((11)).

Page 5

خصائص متوارثة: التميز والادعاء

يقول المؤرخ فيليب حتي: «إن رئيس الجمهورية اللبنانية الحالي، الذي انتخب في شهر أيلول عام 1970 ليتولى شؤون منطقة من الأرض مساحتها قرابة 3977 ميلاً مربعاً، يستطيع أن يدعي بأن أسلافه في الحكم كانوا مفوضين ساميين فرنسيين، ومتصرفين عثمانين، وولاة عرباً، وملوكاً صليبيين، وسفراء بيزنطيين ورومانيين يمثلون البابا، وحكاماً أشوريين وبابليين، ونواباً من فراعنة مصر»((12)).
هذا هو الدرس! فأي فخر؟ أي فخر، في أن أسلاف رئيس جمهورية لبنان كانوا ممثلين لدول الخارج في وطنهم؟ لماذا نفخر بوظيفة نؤديها خدمة لمن احتل بلادنا؟ ضد مصلحة بلادنا، وعلى أرض بلادنا! وهنا مبرر هذا البحث؛ إذ، لماذا لم يستطع اللبنانيون منذ بدايات فينيقيا إلى اليوم أنّ يؤسِّسوا دولة مستقلة فعلياً، يكون لها ذلك التأثير العالمي؟ ويحكموها بناءً على المصلحة الوطنية وحسب.
لقد اخترع اللبناني كلّ شيء في هذا الكون! وهو يحوِّر الأسماء، والأشكال، ويصوغ الأحجام، يستخف بها! بكلِ شيء؛ ولكن الثابت أن هذا اللبناني لم يستطع أن يخلق فهماً مشتركاً لوطن! وعندما أراد التقليد، جاءت النسخة مشوهة! لأن التزوير يختلف عن الاقتباس.
ثم لماذا نهرب من الجغرافيا؟ يقول ميشال شيحا: «ولن يباشر لبنان تقدماً لا رجعة فيه، إلا متى أزمع مصلحوه المبتدئون أن يكفوا عن نشر الذعر في المدينة بحجة إصلاحها وأن يتقبلوا، عوض ذلك، دروس الجغرافيا والتاريخ أي دروس البديهة والحياة»((13)). مع أن شيحا ذاته كان يتحايل على الجغرافيا هذه!
وبالرغم من أن لبنان، التضاريس، موجود هنا منذ الأزل، في مكانه، لصيقاً بهذه الجغرافيا (اللعنة) التي يحاول أبداً التملص منها (التميُّز عنها)، يتمنى بعض اللبنانيين لو يربطونه بحبل، يهربون به بعيداً إلى صخرة «سعيد عقل» المعلقة فوق نجم! أو يحملونه فوق ظهر عجل يخوضون به غمار البحر (الذي يعبدون) يفتشون عن مكان ولو بحجم جلد ثور آخر يلصقونه عليه، ولو إلى حين! وهم حائرون، مترددون أبداً، لم يحدِدوا منذ البداية، ولن يحدِدوا! الهدف، الإمكانية، المبرِر الحقيقى لهذا الهروب الأبدي الكبير. فلماذا يفتشون في زوايا التاريخ؟ ويخترعون أحياناً (إن لم يجدوا سنداً)، إما بالأساطير وإمّا في الشبه، أو الادعاء، أنهم جاءوا ذات يومٍ، من مكان ما هناك، وراء البحر؛ وعندما يصطدمون بالتاريخ، يحدِّدون بداية قدوم شعوب البحر، ثم لا يلبثوا أن يتراجعوا ليكون عرقهم هو الأزلي هنا! منذ ما قبل التاريخ، قبل إنسان أنطلياس الذي عمره خمسون ألفاً من السنين.
واللبناني ينام على تاريخ مفرط في القدم! يحلم به ولا يستطيع التحليق إلى المستقبل! وأكثر ما يشبهه في هذا الكون، اليوناني في الفوضى، والنبرة المرتفعة، والادعاء! مع فارق أن ذلك الإغريقي نجح ذات يوم أن يحقق ذاته، وصنع دولة (إمبراطورية) ذوت في الزمن، ولكن بقي منها دولة موحدة، تعيش بأمان تحت الشمس، لها مشاكلها، لكنها لا تحار في هويتها!
ومن «صخرة طانيوس»((14)) التي جعل منها مدرج إقلاع، فهمنا أن اللبناني عندما تتقطع به السبل، ولا يجد من يفهمه، ينصاع إلى أوهامه، يقذف نحو السماء، ويذرع البحر، ودائماً نحو الغرب! ولو قدِّر لنا أن نستعمل متوالية عددية، لكان الفينيقيون اليوم نصف الكون! ولكن شتاتهم في العالم ضاع، كأحلامهم! ولو أحصينا اللبنانيين في هذا العالم لاكتفينا بعشرين مليوناً على أقصى تقدير، وإذا راجعنا أصول الكثيرين منهم، الذين قدموا إلى هذا الجبل من جهة الشرق، الشرق الذي يمقتون! لما بقي شيء! فمعظم عائلات لبنان الكبيرة، أصلها معروف، جاءت من الشرق لتقوم بوظيفة، قامت بها ونجحت حيناً، ثم تنكرت لمن أرسلها، ثم راحت تختلق لنفسها تاريخاً مختلفاً، وأحلاماً مغايرة، ودوراً مميزاً، باستثناء شيء واحد، هي العقدة المتأصلة في النفس من النظر نحو الشرق! فالشرق بالنسبة إليهم هو الخلف، وما قد يتفرع عن هذه الكلمة من معاني!
وبينما كانت في هذا الشرق دول قوية، وأمم موحدة، كانت مصر الفرعونية، وسومر وأشورية وأكد وبابل وفارس. كانت مدننا تصطنع من نفسها دويلات منفصلة، لم تحاول يوماً أن تتوحد في أمة، رغم ادّعائنا بأننا أمة! لأن بعض اللبنانيين لا يريد بناء دولة حفاظاً على مزارعهم، ولأنه عندما تقوم الدول تقفل المزارع! وبينما كانت دول الشرق تقيم علاقات منفردة مع كل مدينة - دويلة لبنانية على حدة، كانت دويلاتنا تستعين بهذه القوة أو تلك على بعضها، أو تستعين هذه الأمبراطورية أو تلك بهذه المدينة - الدويلة على أختها، فتفعل شامتة مسرورة!
لم يستطع أجدادنا أن يؤسسوا إمبراطورية موحدة، دولة موحدة، بل أسسوا مستعمرات - مراكز تجارية، مخازن لكنوزهم، يهربون إليها لعجزهم عن حمايتها في موطنهم، وهم الذين امتلكوا تاريخاً أخاذاً! وإذا بقيوا فيها، فعلى من يمر بها السلام، شرط أن يدعهم يتاجرون، نحن شعب خلق ليشتري ويبيع! «أنظر حولك تر شعب التجار الملازمين موطنهم، شعبنا. نشتري لنبيع»((15))، أما مسألة السيادة، فمرتبطة بذهنية التاجر، التاجر الطارئ الذي لا يستشعر في انتهاك مكان تربحه أية إهانة (لأن الوطن في الأساس هو انتماء وفعل وجدان). والحجة، أن «هذه البلاد طالما كانت طريقاً ومعبراً للإمبراطوريات الصاعدة. وهي من بين البلاد القليلة التي وجدت، على الدوام، في هذا الأمر، ضرورة لا إهانة»((16)). أبعدَ هذا الكلام كلام؟ أنت تدعني أتاجر وأتربّح، إذاً أنت سيدي! شرط واحد نضعه لمن نتشرف بالخضوع له، هو أن «لبنان قطر كان على الدوام يدع الفاتحين يعبرون. والنقوش الشهيرة عند نهر الكلب شهادة دائمة بذلك. ولكن إذا قضت الضرورة بترك البشر يمرون، فيجب، على الأقل، أن لا تمر في ركابهم فلسفات الموت»((17)) وكفى!

Page 6

والفينيقي مغامر بطبعه، واللبناني كذلك! وإذا كانت حياة المغامرة، المغامرة الفينيقية، إحدى أكثر المغامرات سحراً، فالفينيقيون «منطلقون من عدة مدن على الشاطئ، عبروا جبل طارق، وصلوا إلى جزر الكناري والآزور، ثم بواسطة سفن ضعيفة وصلوا بعدها إلى السنغال، التفوا حول أفريقيا وتغلغلوا في أميركا الجنوبية، وأسسوا علاقات تجارية قابلة للحياة عبر البحر الأحمر ومع أوفير البعيدة»((18)) فما سرّ هذه الحيرة الدائمة؟ ولم هذا الضياع؟
لعلّ هذا الجبل مسكون بما يشبه «الجنّ»، أو لنقل «الشياطين»! ألم يقل بشير الجميل «إننا قديسو هذا الشرق وشياطينه»! ألسنا نرى أن في نفوسنا نور هذا الشرق، وروحه، ومكتبته، وموئل حريته؟ ثم نحمل رسالتنا «كشَّةً» نرحل بها عبر العالم، نبيع فتات السياسات الاستعمارية، على أقل تقدير! فقد صنعنا من أنفسنا مرشدين للحملات العسكرية، نكرّ أمام هذا الجيش أو ذاك، نرشده ونقاتل معه، ثم ننقلب عليه ونقاتله مع أول قادم يقاتله على هذا الشرق، وعند ارتداد الموجة... يبقى علينا أبداً أن ندفع الثمن! ولا نتلقى من الذين قاتلنا معه - لأجله، إلا وعوداً، كان أفضلها، وأصدقها إيجاد أمكنة لنا، في مكان آخر، في الجهة المقابلة، نلجأ إليها، نُجلى إليها، كأننا فرقة كوماندوس أنزلتها إحدى سفن الغرب، وعند فشل مهمتها تحتاج إلى من يجليها من أرض الغبار، كما أجلى البيزنطيون الجراجمة ذات يوم، وكما وعدنا أمير توسكانا بجزيرة في أرخبيل الأدرياتيك، أو كما عرض علينا «دين براون»، أن نركب البواخر، لنسافر إلى كندا بدون «فيزا»؛ لعلها كانت فرصة لم نستغلها!
فأين هي تلك القصائد التي ندبجها لإرضاء أنفسنا؟ وكيف تتجلى تلك الأوصاف التي نرشّها على صورة لم نتفحص ملامحها جيداً!
أما فكرة الضياع فيجسدها فيلسوف الكيانية يوسف السودا: «لسنا فرنسيين ولا أميركان ولا إنكليز... ولا أتراكاً. وكان رفاقنا البيروتيون - أبناء المدينة يقولون عنا «جبلي». فمن نحن؟((19))». شيء واحد تحاشاه فيلسوف الكيانية، لم يسأل إذا كنا عرباً! ما كان يضيره لو «حشر» كلمة عرب ضمن ذلك الحشد؟ لعله يخجل بذلك!
وبما أننا نبحث هنا في السلوك الجمعي لقاطني هذا الجبل حيث «تنشأ في نفوس الناس نظرة استقلالية نحو الحياة، وهنا تنشأ الفردية والصلابة وخصائص أخرى ممتازة يتصف بها الجبليون في كل بقعة من بقاع الأرض»((20))، فإن هذا الشعور يتبدد عندما نقرأ الآراء التي كتبها مؤرخون معتبرون مثل هيرودوتس وسترابون وآبيان وبلوتارخ؛ وفلاسفة مثل سقراط، وشيشرون، ونقع على كيفية تصنيفهم للفينيقيين بكل نعوت الخسة والدناءة واللؤم والخبث والخنوع، لنكاد ننكر تاريخ بلادنا، لولا معرفتنا بأنها آراء قد تكون أخذت عن منظري المحتل وكتبة الغزاة ومؤرخيهم، عن شعب أرادوا إبادته فقذفوه بكل ما تمقته البشرية من أوصاف، حتى يستطيعوا النيل منه دون شفقة، أو الخوف من ملامة، ونجحوا! ولكن أليس بعض هذه الصفات لا يزال موجوداً لدى الكثير من سياسيينا وزعماء طوائفنا على الأقل! فهؤلاء هم (أحفاد الفينيقيين) يرتمون في أحضان الدول التي ورثت أولئك الغزاة وبالروحية العنصرية الحاقدة المدمرة ذاتها، ويخترعون لذاتهم علاقة روحية بهذا الغرب الاستعماري دون أن يتعظوا من التاريخ الذي يتداولونه، يشوِّهون وعي أجيالهم بتصوير جرائم هذه القوى المستعمرة، وتصوير استسلام حكام بلادنا واختيارهم للعبودية - مع المناصب الشكلية - على أنها فضائل علينا الالتزام بها وتمجيدها! هذا هو الصنف الذي يتكلم عنه سقراط وشيشرون، والذي نحاول إلقاء الضوء عليه، ليكون في ذلك عبرة.
وكما كان الفينيقي متقلب المزاج، كذلك هو اللبناني، وللأسباب عينها! ألم يشكُ مناضلو الكيانية الأشرس من «تقلب اللبناني عامة في مواقفه الوطنية بوحي مصالحه الذاتية»((21)).
يبدو أن هذه الذهنية بالضبط هي ما ورثها بعضهم عن بعض جدوده، ولم تتغير! وأن الشيء الوحيد الذي تغير، هو أن اللبنانيين استبدلوا المدن - الدويلات بدويلات الطوائف ضمن الجغرافيا الواحدة، والشعب الواحد! وأن السرية والغموض استبدلتا بالفوضى والانفلاش، فأضحى كل شيء مباحاً، وصار لبنان بلداً بلا أسرار!
قد يقول قائل: إن هذا جلد مفرط للذات! لكن ألسنا بحاجة إلى الجلد المفرط لنعود إلى ذاتنا؟! أليس في هذا الكلام قلق كذلك؟ وسوء مزاج؟ أولسنا شعب القلق بكل تجلياته، والمزاج؟ علينا أن نتضرع للرب أن يعيد خلطنا من جديد، ليعيد خلقنا من جديد!
يقول ميشال شيحا: «والذين لا يعرفون تاريخ لبنان من الألف الرابع قبل المسيح، عليهم الآن أن يباشروا تعلمه. فمن غير عِبر الماضي نكون عاجزين عن تصور المستقبل»((22)).
إذن، علينا العودة إلى البداية، إلى مناقشة سلوك جَبلتنا الأبرز في التاريخ، الفينيقيين، ونبدأ بشهادات من التاريخ تلاحظ وتحار في طباع هذا الشعب الشهير، الشعب الذي استوطن في جبلٍ كان وبقي على مر العصور موئلاً للطفار والتجار!

Page 7

لمحة عن الحضارات القديمة التي أثّرت في فينيقيا

للوقوف على أحوال الإقليم الفينيقي والعالم المحيط، ارتأينا أن نوجز لمحة عن الشعوب والدول التي رافقت فينيقيا الغارقة في تجارتها، في حين كانت الأمم تنشأ، تكبر، تقاتل، تتعملق، تذوي لتعود من جديد، فيما الفينيقيون غارقون في خلافاتهم وتجارتهم وكنوزهم التي لا يعلم أحد كيف هدرت، وأين استقرت، خصوصاً عندما نعتقد بأن الفينيقي - الذي لم يكن جباناً - قاتل في سبيل تجارته في جيوش الفرس واليونان وغيرهم، وبذل في هذه الحروب دمه وسفنه ولم يخبرنا أحد أنه نال تعويضاً على تفانيه في سبيل عزة غيره!

ولإنك إذا أردت أن تعرف بدايات فينيقيا، خصوصاً عندما تقلُّ أمامك المصادر، فعليك أن تفتش في تاريخ شقيقتها كنعان، وأمها سورية، لأن الحفريات الأثرية التي أجريت في سورية كانت ولا تزال تظهر الكثير، ولأن الحفريات والبحوث التي جرت وتجري في فلسطين، لهاثاً وراء سراب مملكة داوود وسليمان، تكفي لإلقاء الضوء على ما فاتنا - ونحن منهمكون في المتاجرة والمناكفة والرهانات - أن نفتش عنه!

فلسطين - كنعان

العصر الحجري

يستفاد من علم الجيولوجيا أن حقب الحياة الحديثة في فلسطين قد بدأت منذ نحو خمسين مليون سنة، ويشير بعضهم أنها بدأت منذ سبعين مليون سنة. وقد كانت تغطيها المياه، قبل مئة ألف عام، عندما حدث التسونامي الكبير والزلزال الذي دفع الصفحات التكتونية لتشكل سلسلة الجبال على الساحل الشرقي للمتوسط، ورفع الأراضي الساحلية نسبياً عن سطح المياه. «ومنذ قرابة مليوني سنة على الأقل حدث شق أرضي كبير في القشرة الأرضية بفلسطين، فتكونت بذلك مرتفعات فلسطين، ونهر الأردن وبحيرة طبرية والحولة والبحر الميت، ويعتقد الجيولوجيون أيضاً أنه كان هناك اتصال بين البحر الميت ووادي الأردن على شكل بحيرة أو خليج، وفي العصور المطيرة انقطع هذا الاتصال فقام البحر الميت»((23)).‏
العصر الحجري القديم الأسفل
عثر في موقع «العُبيدية» بفلسطين، على هيكل عظمي للإنسان منتصب القامة (هومو إريكتوس)، يعود تاريخه إلى حوالى 700 ألف سنة((24)).
كان إنسان فلسطين في هذه المرحلة بدائياً يعيش داخل الكهوف المتعددة. وقد عثر على آثار حيوانات داخل حفائر الكهوف وهي الكركدن والفيل وفرس النهر والخراتيت والجواميس النهرية وثيران الكهوف، وقد كان الإنسان يصطاد هذه الحيوانات من أجل الأكل والملبس. وقد عثر المنقبون على أدوات حجرية قام إنسان فلسطين بصنعها من حجارة المنطقة، وتاريخها يعود إلى 280 ألف سنة، وهي تتألف من أدوات وأسلحة، كان يستخدمها إنسان فلسطين في هذه المرحلة كفؤوس يدوية أو مكاشط أو سواطير. وقد عرف هذا الإنسان في هذه المرحلة «استخدام النار»؛ فقد عثر المنقبون في أحد كهوف الكرمل وهو مغارة الطابون، في أسفل طبقة، على بقايا النار وتعود إلى 150 ألف سنة ق.م وهي من أخشاب السنديان والطرفاء والكرمة والزيتون((25)).
العصر الحجري القديم الأوسط
عثرت الباحثة دوروثي جارود، ود. بيت، على بقايا هياكل عظمية لإنسان النياندرتال((26)) يعود تاريخها إلى مئة ألف سنة على الأقل، تكاد أشكالها تكون هي الإنسان الحديث، كما أن هياكل جبل الكرمل تميزت بأنها لها صفات تشريحية مثل الإنسان الحديث الأول. ويوضح بعض الباحثين أن إنسان جبل الكرمل، يمثل مرحلة الإنسان الحديث الأول. ويرى «فاندرميرش» أنّ «الإنسان العاقل» (هوموسابينس) وُجد في فلسطين، قبل 35 ألف سنة»((27))، يعني أواخر هذه الحقبة.
وتتمثل هذه الحضارات البدائية في الأدوات الحجرية الصوانية، وتعرف لدى علماء الآثار باسم الأدوات المشظاة. وتتكون من أدوات مشظات تكون حوافها الخارجية غالباً حادة إلى حد كبير، وقد استخدموها كأدوات لتقطيع اللحوم وسلخ جلود الحيوانات بل وفي تخريم جلودها وتقطيع شرائح منها واستخدامها كخيوط لحياكة الملابس الجلدية.‏ ومن أدوات هذه المرحلة البلطات اليدوية والمطارق والسواطير والسكاكين وأدوات تخريم الجلود.‏
العصر الحجري القديم الأعلى
يعود تاريخ هذا العصر إلى (35000 حتى 15000 سنة ق.م)، وقد تزايدت نسبة الجفاف فيه، وأصبح المناخ عامة قريباً من المناخ المعروف اليوم بمناخ البحر المتوسط، وقد امتد حتى نهاية هذه الفترة، وكان إنسان فلسطين في هذه المرحلة يعيش داخل الكهوف. وقد عرف إنسان هذه المرحلة استخدام النار، حيث عثر على بقايا من أخشاب النار، ودل تركيبها أنها كانت من السنديان والطرفاء والكرمة والزيتون. وقد عثرت الآنسة دورثي جارود وبيت على أدوات هذه المرحلة «الأسلحة النصلية»، أو الأدوات والأسلحة الميكروليتية (الدقيقة).
ويعتقد أن كهف أم قطفة كان مكان عبادة لإجراء طقوس سحرية.. ويطلق العلماء على هذه الطريقة اسم التطابق والتشابه((28)).‏

Page 8

العصر الحجري المتوسط‏

حوالى 12 ألفاً إلى 7 آلاف سنة قبل الميلاد، ظهر النطوفيون في فلسطين (نسبة إلى وادي النطوف غرب القدس)، وتعتبر الحضارة النطوفية، الأولى في تقدم الإنسان وارتقائه، حيث وصلت التحولات الاقتصادية والاجتماعية قمتها في تلك المرحلة. وأهم ما امتازت به انتقال الإنسان من مرحلة الصيد وجمع الطعام إلى مرحلة الزراعة وتدجين الحيوان، وبذلك تحول من الاقتصاد الاستهلاكي إلى الاقتصاد الإنتاجي، وكان القمح والشعير أول ما زرع الإنسان((29)). وأهم ما يميز فلسطين في هذه المرحلة بناء القرى وأشهرها قرى عين ملاحة وتعود إلى العصر النطوفي المبكر أي منذ 12000 سنة قبل الميلاد. وقد بنيت من الحجر. وعثر أيضاً في وادي النطوف شمال غربي القدس على بيوت دائرية مسقوفة بالقصب المخلوط بالتبن. كما عثر في «عينات» على معابد، وتبين أن أريحا ومعبدها، يعودان إلى 7800 سنة ق.م((30)). وكذلك الحال في مقابر عينات حيث كان لهم تقاليد محكمة في الدفن وقد زودوا مقابرهم بالأثاث الجنائزي.. كما وجدت أواني الطعام وأدوات الزينة في أماكن الدفن((31)). وتشير هذه الحضارة إلى بعض الدلالات الكنعانية العربية وأهمها:‏ النحت الذي عثر عليه في مغارة الوادي ويمثل عضو تذكير.. وقد استخدم هذا النحت في الاحتفالات السنوية لدى الكنعانيين، والتي تعرف باحتفالات عيد إله الخصب في بداية الربيع وعيد آخر في تموز. ونظام القبة والذي عرف منذ 12000 ق.م وهو من أهم ميزات العمارة الكنعانية خلال عصر البرونز والحديد والعصور التي تلت.
والجدير ذكره أنه في بدايات هذا العصر، حصل جفاف كبير استمر لحوالى ألف سنة في الجزيرة العربية، ما دفع للخروج بأولى الهجرات.

العصر الحجري الحديث‏
إن معظم آثار هذا العصر (7-5 آلاف سنة ق.م) عثر عليها في مدينة أريحا. وتقول كينيون: «إن الآثار المادية الغزيرة في أريحا، تدل على أن الإنسان قد خطا نحو المدينة منذ نحو 7000 سنة ق.م إذ إن البقايا الأثرية للعصر الحجري الحديث والعصر الحجري المتوسط «النطوفية المتأخرة» تعطينا دلالات على أن مدينة أريحا استقرت استقراراً كاملاً في نحو 8000-7000 سنة ق.م((32)). وقد وجدت جماجم للأطفال، بل طفل كامل، وقد وضعت جميعاً تحت أساس هذا المبنى الغريب، ويدل هذا أنها ضحية أو قربان((33)) وهذا يذكرنا بمعابد الكنعانيين العرب، فمن عاداتهم دفن موتاهم من الأطفال تحت أسس المباني الدينية والدنيوية.‏ وقد عثر على شواهد دينية حجرية منتشرة بكثرة في فلسطين وعلى جانبي نهر الأردن، وهذه أيضاً عادة عربية كنعانية ظهرت في فلسطين منذ عصر البرونز المبكر وكذلك في سورية ولبنان والأردن. إذ كانوا يضعون حجارة رمزية للآلهة تحت الأشجار على الأماكن المرتفعة. وهي ضخمة ومستطيلة الشكل، ومنها حجر يمثل إله القبيلة، وحجر يمثل إله الخصب، وحجر هو مذبح صخري للقرابين.‏ وتفيد الحفائر الأثرية أنهم آمنوا بالخلود والحياة الأخرى بعد الموت، ولذلك حرصوا على دفن موتاهم تحت أرضيات منازلهم. كما عرفوا فن النحت، وخصوصاً التماثيل البشرية وتتكون من (أب - وأم - وابن)؛ وهذا النوع من التماثيل حجمه ثلثا الحجم الطبيعي للإنسان، وهذا النحت الثلاثي يذكرنا بالثالوث في العبادة العربية الكنعانية. وتمثال آلهة الخصب في أريحا، والتي عرفت عند الكنعانيين باسم الإلهة عناة. كما أن تمثال هذه الإلهة يشير إلى معرفة أهل أريحا للنسيج منذ فترة لا تقل عن 7000 سنة ق.م لأن التمثال يعود تاريخه إلى 6800 سنة ق.م((34)). وأهم ما يميز هذه المرحلة، «النحت الصوري» وقد تمثل بجماجم مغطاة بطبقة من الجبس، (5000 و6800 سنة ق.م) وعليها علامات بعضها له شنب مرسوم وبعضها حليق الرأس.. التي يعتقد أنها رؤوس كهنة معابد. وقد عرفوا الفخار في هذه المرحلة وهو نوعان:‏ الفخار غير المحروق (6800 ق.م)‏ والمحروق (5500 ق.م).
العصر النحاسي‏ (5000-3000 ق.م)

في الألف الخامسة ق.م دخلت فلسطين في طور جديد، حيث وفد إليها من قلب الجزيرة العربية قبائل العموريين والكنعانيين ومنهم الفينيقيون واليبوسيون. وقد فرض الوافدون الجدد أنفسهم على سكان البلاد الذين ذابوا بهم على مر الزمن، وفيما بعد طبّعوا البلاد بطابعهم وحملت أسماءهم. وكانت هذه هي الهجرة الثانية، وجاءت براً باتجاه فلسطين مباشرة، «وبالتأكيد فإن الكنعانيين لم يكونوا أول من وطئ أرض سورية أو فلسطين، وعندما حضر البدو الساميون التقوا «بشعوب لم تكن لا هند - أوروبية ولا سامية، في تل المريبط وتل الرمد ومنطقة المنحطة والبيضا وغيرها»((35)). هكذا فإن سكان مدينة أريحا، المحددة كأقدم مدينة في الشرق الأدنى، لم يكونوا بالتأكيد ساميين مع 7000 آلاف سنة خلفهم. لكن ولوج الأقوام السامية في فلسطين وسورية جرت بالتدريج وعلى دفعات من قبل البدو الساميين الذين وفدوا إلى هذه المناطق في حقبات متفرقة((36)). إندمج الكنعانيون مع السكان الأقدم، ومع ذلك لم يستطيعوا تكوين دولة موحدة واحدة، بل كانت هناك دول -مدن، وكان لكل مدينة إلهها رغم أنه كان هناك إله واحد لكل الكنعانيين. وقد أدى عدم تنسيق دول المدن فيما بينها الى مشاكل كثيرة أمام العدو الخارجي.
أسس الكنعانيون مدناً أشهرها: بيت شان وشكيم وأريحا وبئر سبع ومجدو والسامرة وعكا ودور ويافا وغزة وأورشليم (التي حملت اسم يبوس نسبة إلى اليبوسيون الذين سكنوها قبل 3500 عام ق.م) وقد عرف من ملوكهم، سالم وملكي صادق((37)) إلخ.. وقد كانت المدن تعبر عن اسمها الكنعاني.
تم في هذه الحقبة اكتشاف معدن النحاس، وظهرت الزراعة المعتمدة على الري. وقد عرف الكنعانيون إلى جانب زراعة الحبوب، زراعة الزيتون، والنخيل. أما حياة الصيد فكانت بالنسبة إليهم شيئاً ثانوياً((38)) كما كانوا يزرعون العنب والتين... وقد عثر على معاصر الثمار المنقورة في الصخر، في أماكن متعددة وخصوصاً مدينة الخليل.‏ كما عرف الفلسطينيون في هذه الحقبة التصوير الجداري((39))، وقد عثر على لوحة «النجمة الثمانية» (4500 سنة ق.م)، وكانوا يرمزون بهذه النجمة إلى كوكب الزهرة، وكانت الزهرة تعبد كإلهة للخصب. وعثر المنقبون كذلك على تماثيل نذرية تمثل البقر والماعز والأغنام، وعلى تمثال يمثل جسد امرأة عثر عليه في بئر السبع، تمثل إلهة الخصب عناة أو عشيرة الكنعانية (وعشيرتا العمورية أو أشيرتا الأمورية). كما قدسوا الحمامة ونحتوا لها تماثيل.

Page 9

التسمية

لا توجد حتى الآن وثائق تاريخية توضح لنا اسم فلسطين قبل الهجرات العربية - التي ذكرناها - إليها، أما بلاد الشام بأكملها فقد عرفت في النصوص الأكدية في الألف الثالث ق.م على أنها «أمورو» أو الأرض العربية. كما تطلق هذه النصوص على شرقي البحر الأبيض المتوسط (بحر أمورو) وتأتي هذه التسمية نسبة إلى الشعب الأموري أو العموري، وهو أول شعب سامي رئيس في سورية وفلسطين؛ وبعض الباحثين يرون أن الكنعانيين انبثقوا من العموريين انبثاق اليبوسيين من الكنعانيين((40)). وقد ورد في الموسوعة الفلسطينية أن بعض الباحثين يرون أن اسم أرض الملوريا - وهو أحد مرتفعات القدس - صححه العلماء على أنه أرض العموريين أو الأموريين.
ويجمع أغلب المؤرخين على أن تسمية الكنعانيين أطلقت على عرب فلسطين، نتيجة لاشتهارهم بصبغة الأرجوان، التي كانوا يستخرجونها من أصداف الموركس.‏ و«المصطلح كيناخّو في النصوص الأكدية له معنى «الأحمر الأرجواني»، وتسمية «كنعاني» في اللغة الآسيرو - بابلية «كنعن» اشتقت من هذا المصطلح الأحمر الأرجواني كيناخّو وليس العكس... من المؤكد جداً أن الكنعانييين لم يكونوا من السكان الأصليين، لكن تاريخ وفودهم إلى سورية وفلسطين ولبنان كان موضع نقاش كبير. لقد جرى التأكيد أن الساميين دخلوا إلى كنعان بالتزامن مع احتلال الأكديين (الميزوبوتاميين) لشمال وادي دجلة والفرات، يعني حوالى العام 2350 ق.م. ما نعرفه بالتأكيد أنه في القرن الرابع عشر ق.م في رسائل تل العمارنة، كان سكان المدن - دول الصغيرة في سورية وفلسطين ولبنان يطلقون على أنفسهم اسم كيناخّو أو كنعانو، إذن كنعانيون»((41)).
بينما يشير عبد الرحمن المزين إلى أن الاسم أطلق على سكان الساحل السوري، أما سكان المناطق الداخلية البعيدة عن الساحل فأطلق عليهم اسم «العموريون»((42)).‏ واستعمل الكنعانيون أنفسهم كلمة كنعاني للدلالة عليهم في بعض الأحيان.. ويؤيد ذلك نص الملك أدريمي ملك الألاخ وهي مملكة كنعانية ازدهرت في شمال غرب سورية قرب أنطاكيا، وذلك في النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد((43)). ويذكر فيليب حتي في كتابه «تاريخ سورية ولبنان وفلسطين» أن اسم «كنعان» أطلق في أول الأمر على الساحل وغربي فلسطين ثم أصبح الاسم الجغرافي المتعارف عليه لفلسطين وقسم كبير من سورية. ولما نزل الفلسطينيون الساحل الكنعاني الجنوبي حوالى 1185 ق.م. دعي الساحل باسمهم «فلسطين»، وقد ورد ذكر اسم «الفلسطينيين» في عدد من المصادر المصرية، وخصوصاً على اللوحات الجدارية لمدينة «هابو» من أيام «رمسيس الثالث» سماهم المصريون باسم Pist. كما ورد ذكرهم في المصادر الآشورية في صيغتين متقاربتين، فغالباً ما يكون أصل كلمة فلسطين - فلستينا - التي ترد في السجلات الأشورية في أيام الملك الآشوري أدد نيراري الثالث 800 ق.م إذ يذكر هذا الملك على مسلته أنه في السنة الخامسة من حكمه أخضعت قواته «فلستو» وأجبرت أهلها على دفع الجزية، وفي عام 734 ق.م جعل الملك تغلات فلاسر الثالث أرض فلستيا هدفاً له. وتتركز صيغة التسمية عند المؤرخ اليوناني هيرودوتس (484 - 425 ق.م) على أسس آرامية بالستاين، ونجد عنده أحياناً أنه اسم يطلق على الجزء الجنوبي من سورية أو سورية الفلسطينية بجوار فينيقية وحتى حدود مصر((44))، مع أن هيرودوت يعتبر أن الفلسطيين هم سوريون إبان الفترة التي زار فيها المنطقة في أواخر القرن الخامس ق.م. وقد استعمل هذه التسمية الذين اتبعوه من كبار المؤرخين أمثال: سترابو وديودوروس وبطليموس وبليني، ومع مرور الزمن حل اسم بالستين محل الاسم الشامل «سورية الفلسطينية»، وقد أصبح اسم فلسطين في العهد الروماني ينطبق على جميع الأرض المقدسة، وقد صك الإمبراطور فسباسيان هذا الاسم على نقوده التي أصدرها في أعقاب قهره لليهود عام 70م، وبذلك أعطاها الصفة الرسمية، وورث البيزنطيون هذا الاسم عن الرومان، ومن «بالستين» انبثقت كلمة «فلسطين» العربية.
أما عن أورشليم (القدس) فإن أول اسم ثابت لها هو «أوروسالم» أو «أوروشالم» إنما ورد فيما يسمى بنصوص اللعنة((45)) التي ترجع إلى فترة حكم الفرعون «سيزوسترس الثالث» (1878-1842 ق.م). وهناك من يذهب في أصل أوروسالم أو أوروشالم إلى أن الاسم مكون من مقطعين «سالم أو شالم» وهو اسم إله، وأورو: وهي كلمة تعني أسّس أو أنشأ، فيكون معنى الاسم «أوروسالم» أسّسها سالم، ويعتبر الاسم اسماً عمورياً، بدليل أن أول اسمين لأميرين تاريخيين من القدس هما: «باقر عمو» و«سزعمو» وهما اسمان عموريان، والعموريون (أو الأموريون) كما أسلفنا هم سكان كنعان الأصليون، ولغة العموريين تدعى غالباً الكنعانية، كما أن اسم الكنعانيين يشمل العموريين أحياناً. وبعد نصوص اللعنة بحوالى خمسمائة عام ذكر اسم أوروسالم مرة ثانية فيما يعرف بألواح تل العمارنة، وهي ست رسائل بعث بها «عبدي خيبا» - ملك أوروسالم في القرن الرابع عشر ق.م - إلى فرعون مصر «أخناتون» يشكو فيها من الخطر الذي تتعرض له مدينته جرّاء هجمات ما يعرف بالعبيرو، والأصح (الخابيرو) الذين نعتقد أنهم الأموريون. كما أن «سليمو أو سالم» ذكرت في سجلات «سنحاريب» (أو سنحريب) ملك أشور في عداد المدن التي تدفع له الجزية. وقد ظل اسم أورشليم شائعاً منذ ذلك العهد إلى يومنا هذا ومنه جاء الاسم الإفرنجي «جيروزاليم»((46)). ومن أسماء القدس القديمة أيضاً «يبوس» نسبة إلى اليبوسيين. وقد سماها الفراعنة في كتاباتهم الهيروغليفية «يابيثي» و«يابتي» وهو تحريف لاسم «يبوس» الكنعاني اليبوسي.

Page 10

العبادات

تبلور الفكر الديني الأسطوري الكنعاني، في سورية عموماً خلال مراحلهم المتعددة. ابتكر الكنعانيون آلهة وبنوا لها معابد وأصبحوا يقدمون لها القرابين، ويقيمون لها مواسم سنوية. وأهم هذه الآلهة «عليان بعل - عناة - عشيرة أو عشتر - مت - إيل - حارون - شالم أو شليمو - داجون». والأسطورة الكنعانية عموماً هي تجسيد للمظاهر الطبيعية، حيث يصور الصراع بين المعبود بعل، إله الخضرة والأمطار، وبين المعبود مت (موط) إله الموت والحصاد، فيلتقي بعل مع مت، ويقضي مت على بعل، وفي هذه الفترة تكف الحياة عن الإنتاج والخصب. وتبحث عناة ومعها عشتر عن المعبود بعل أو «عليان بعل» إلى أن تعثر عناة على مت وتذبحه بسكين الحصاد، المنجل، وتذروه بالمذراة في حقول كنعان، فتعود الخضرة إليها، وهكذا تتوالى العملية، فإذا ظهر «عليان بعل»، اختفى «مت»((47)).‏ وفي هذا حسب اعتقادهم استمرار لفصول السنة، وفي كل عام كانوا يحتفلون باليوم الذي مات فيه إله الخصب فيقيمون عيداً سنوياً مدته سبعة أيام، يقومون بطقوسهم، وأهمها رقصة المعابد، وهي الدبكة، التي يرقصون فيها على قرع الطبول ونغمات الناي. وهناك نصوص تشير إلى أنه كان للكنعانيين العرب، عيدان: عيد في بداية الربيع، وعيد في شهر تموز.‏ ومن معابد الكنعانيين تلك التي عثر على آثارها في مجدو وأريحا وبيت شان وغزة، والتي تعود إلى مطلع الألف الثالث ق.م.
عبد الكنعانيون في البداية الأصنام، ومن آلهتهم: «أيل» الذي يبعث المياه في الأنهار، ويسقط المطر فيجعل الأرض تفيض بالعسل، وهو القادر على كل شيء؛ و«بعل» وبعلة ومعناه الرب أو السيد، وهو إله الشمس، ولاتزال كلمة بعل، تستعمل إلى يومنا هذا، بمعنى الزوج أو السيد؛ وكذلك هناك الآلهة «حدد» أو «هدد»، و«آنو» و«شماش» و«شمش»((48))؛ ثم الإلهة الأم «يم» وهي الإلهة التي انتصر عليها «بعل» في شكل ملحمة غير واضحة عند الكنعانيين؛ وإله السماء «شم أو شميم» وهو الاسم الذي كان يطلق على الكنعانيين وهم في العراق، ولما انتقلوا الى شرق البحر المتوسط حملوا اسمه إلى البلاد التي أصبحت بلاد الشام.. وهنا اشتقت كلمة شاميين وساميين من هذا المعتقد (أصلاً). وهذا الاعتقاد يقلب الادعاءات الخاطئة بأن الساميين تطلق على جنس معين، بل تعني بالذات الكنعانيين.. ثم الإله أديم «آدم»، «أدمة» وهي إلهة الأرض التي يمكن أن تكون اسماً للكنعانيين الذين يسكنون جنوب الأردن «أدومويون» أو «الأديميون». أما إيل كبير الآلهة عند الكنعانيين، والقدس القديمة كان اسمها إيليا، وإيلات مدينة العقبة.. ومعظم الملائكة ينتهون بإيل.. وحتى مريم اسم كنعاني قديم مكون من مقطعين «مر»((49)) وهو إله كنعاني قديم، و«يم» الإلهة التي انتصر عليها بعل، و«مريام» هو اسم من أسماء فلسطين القديمة((50)).
وفي الصناعات اهتم الكنعانيون بالصناعات الفخارية، وهي عدة أنواع:‏ الفخار ذو الكسوة الشريطية؛ الفخار ذو الحزم الزخرفية الملونة؛ فخار خربة كراك؛ الفخار ذو المقابض الظرفية.‏