eKtab
EN ع
لبنان من دويلات فينيقيا إلى فيدرالية الطوائف - الجزء الثالث
Read free sample

لبنان من دويلات فينيقيا إلى فيدرالية الطوائف - الجزء الثالث

by د. فهد حجازي

Page 1

الجمهورية الأولى - خيار الانفصال

كما ورد في الجزء السابق (الثاني)، فقد تبوأ الرئيس بشارة الخوري مهام منصبه في 21/9/1943، واختار الرئيس رياض الصلح لتأليف الوزارة الأولى، التي ضمت إلى جانب الرئيس، خمسة وزراء يمثلون الطوائف الرئيسية. وعليه يكون الكيان اللبناني قد دخل في مرحلة الجمهورية الأولى، ولكن تحت الاحتلال الفرنسي!
ولإعادة التذكير، فإن بنية الكيان اللبناني شيدت منذ البداية على صيغة طوائفية، كانت مارونية - درزية خلال الاحتلال العثماني، لتتحول مع الاحتلال الفرنسي إلى تجمع تهيمن عليه الزعامة الطائفية المارونية المرعية فرنسياً، لتأخذ بالتحول تدريجاً إلى تفرد سياسي ماروني - فرنسي لمرحلة معينة، قوبلت برد قاس من فريق قبل على مضض الالتحاق بالكيان اللبناني، ولكن على قاعدة شراكة مصلحية، وعليه خرجت إلى العلن ثنائية جديدة، هذه المرة كان طرفها الآخر، إلى جانب المارونية السياسية، السنية السياسية، وكان على بقية المكونات الطوائفية السياسية أن تلتحق بهذه التركيبة لنيل حصتها في النظام الجديد((1)).
ولضرورة المساكنة، كان لا بدّ من «كلمة شرف» تنتظم خلالها العلاقة بين الطرفين الجديدين في السلطة، فكان «الميثاق الوطني» الذي سيحكم لبنان طوال مراحل القلق القادمة على البلد!
يقول كمال الصليبي: «إن بشارة الخوري وعى أهمية الوجود الإسلامي في لبنان وما يفرضه هذا الوجود من ضرورة التسوية. وبالرغم من أن الخوري لم يكن قومياً عربياً، فإنه لم ير من الحكمة أن يندد بالقومية العربية. بل حاول جهده للوصول معها إلى اتفاق. وكان في وجهة نظره هذه يعكس تفكير ميشال شيحا وغيره من كبار رجال الأعمال المسيحيين في بيروت الذين رأوا في البلاد العربية المجال الطبيعي لنشاطهم الاقتصادي، فأصروا على ضرورة توثيق الصلات معها، مع الإبقاء على تحفظهم تجاه فكرة الوحدة العربية»((2)). ومما لاشك فيه أن موقف هذا التيار التوفيقي، الذي كان امتداداً للتيار الديمقراطي بين المسيحيين الذي دعا إلى القومية اللبنانية ومحاربة ضم لبنان إلى سورية، كان أكثر واقعية وتقدماً»((3)).
وعليه نرى أن صيغة الميثاق لم تكن وليدة أحداث خارقة حدثت عام 1943 منعزلة عما سبقها من أحداث وتطورات، إنما كانت نتيجة تفاعل عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وطائفية منذ ولادة لبنان الكبير عام 1920 بقرار فرنسي، ولأسباب فرنسية، ليس أقلها أن يشكل لبنان منفذاً لمصالح فرنسا إلى الأسواق العربية، «بعد أن تبين أن كيان المتصرفية لا يتلاءم مع طموح تلك المصالح. وترافقت تلك المشيئة الفرنسية مع طموحات البرجوازية اللبنانية المسيحية التي استقرت في بيروت بعد أحداث 1860 لتشكل الوسيط التجاري لحساب المصالح الأوروبية. هذه البرجوازية المحلية وجدت بدورها في المناطق الملحقة بلبنان الصغير (المتصرفية) مجالها الحيوي ومنافذ للداخل العربي. ومن هنا كان وعيها لخطورة مشروع لبنان الصغير بعد أن كادت تختنق ضمن شرنقته»((4)).
وإذا كان الجبل قد اندمج اقتصادياً في السوق الرأسمالية العالمية منذ عهد المتصرفية، فقد تميزت المناطق الملحقة به باشتغال قسم من أهاليها بالتجارة إلى الداخل العربي. في حين كان القسم الآخر يمتهن الحرف أو يعمل في الزراعة. إلا أن تغلغل النظام الرأسمالي الغربي أدى إلى تدمير الحرف وقوّض الزراعة، وأصبحت بيروت المركز الأساسي للمبادلات التجارية بين أوروبا والأسواق العربية.
وبالمقابل شهدت المناطق الملحقة بالمتصرفية ممانعة عنيدة للانخراط في مشروع لبنان الكبير، في البداية، حيث «اتخذ المسلمون موقفاً سلبياً من الدولة التي تأسـست عام 1920 وقضت على أحلامهم بالوحدة مع سورية، كما أدى إلى حرمانهم من مناصب الدولة وتضاؤل حصتهم فيما بعد نفوذاً ووظائفاً واعتمادات، فضلاً عن اتجاه سلطة الانتداب إلى تعيين العناصر المناصرة لها والمؤيدة لسياستها ومصالحها في لبنان»((5)). ومن أجل ربط الأطراف بالعاصمة كان لا بد لسلطات الانتداب أن تستميل زعماءها من خلال الوظائف، ما ساعد على تركيز الكيان اللبناني، إضافة إلى «اجتذاب البرجوازية الإسلامية، والبيروتية السنية تحديداً، على الدخول في دور الوساطة بين السوق الرأسمالية العالمية وبين السوق العربية. وهكذا تعرفت البرجوازية الإسلامية على مصالحها من خلال الكيان الجديد وتخلت عن وحدويتها. في حين كانت البرجوازية السورية هي الأخرى تتهافت على الحكم وتتصرف على ضوء مصالحها ضمن الكيان السوري. من هنا توقفت الكتلة الوطنية السورية منذ عام 1936 (عام المعاهدة مع فرنسا) عن مطالبتها بضم مدن الساحل والأقضية الأربعة، مما أوجد تعاوناً وثيقاً بينها وبين الزعامات اللبنانية كبشارة الخوري المدعوم من البرجوازية اللبنانية التي كانت تجد مصلحتها في التخلص من الاحتكارات الفرنسية»((6)).‏
وفي هذا المجال لا بد من التذكير بانقلاب موقف آل كرامي من معاداة الانفصال عن سورية، إلى تأييد إقامة لبنان، بل الترشح لرئاسته الأولى، تماماً كما فعل آل الجسر، تلك «العائلة الطرابلسية الكبيرة المشهورة بعلمائها وبولائها الشديد للبطريركية المارونية التي كانت تعتبرها من أقرب المقربين إليها. لهذا لم يعترض أحد على أن يترشح الشيخ محمد الجسر لرئاسة أعلى هيئة في الدولة اللبنانية قبل حصولها على الاستقلال، أي في فترة الانتداب الفرنسي»((7))!

Page 2

الميثاق الوطني

بعد إجراء الانتخابات النيابية، وقبل جلسة المجلس النيابي المحددة لانتخاب رئيس الجمهورية بيومين، اجتمع رئيس «الكتلة الدستورية» بشارة الخوري مع رياض الصلح في 19 أيلول 1943 وتم الاتفاق بينهما على الخطوط العريضة لما عرف بالميثاق الوطني. ويرى كمال الصليبي أن الكتلة الدستورية بزعامة الخوري وجدت في المخرج السياسي الذي صاغه كاظم الصلح وتقي الدين الصلح، والقاضي باعتبار لبنان دولة مستقلة ذات شخصية مميزة في المجموعة العربية له كيانه المستقل، وبأن الشعب اللبناني جزء لايتجزأ من الأمة العربية، أساساً عملياً للتفاهم الوطني بين جميع الفئات في البلاد((8)). ويؤكد هذا ما يقوله بشارة الخوري نفسه: «أما الميثاق الوطني فليس سوى اتفاق العنصرين اللذين يتألف منهما الوطن اللبناني على انصهار نزعاتهما في عقيدة واحدة، استقلال لبنان التام الناجز بدون الالتجاء إلى حماية من الغرب ولا إلى وحدة أو اتحاد مع الشرق». ويؤشر إلى أن الميثاق «هو ميثاق القومية اللبنانية، الأمة الموحدة، المطلة على القومية العربية»((9)).
وفيما انحسر التأثير التاريخي للزعامة الدرزية في الجبل، لينهي الثنائية الدرزية - المارونية، فقد هيأ تأسيس دولة لبنان الظروف لبروز ثنائية جديدة، هذه المرة سنية - مارونية، كما فسح في المجال أمام «شيعيّة سياسيّة» أن تظهر متأخرة، خصوصاً بعد الاعتراف بالطائفة الشيعية الجعفرية، منتصف عشرينات القرن العشرين، وترحيب المراجع السياسية والدينية بالأمر، ليتحول الحضور الشيعي الذي «كانت قد عزلته في الجنوب وفي المناطق اللبنانية الفقيرة الحملات التأديبية المملوكية ما بين نهاية القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر»((10)) والقمع العثماني لاحقاً، ثم الفرنسي، ليتحول إلى ولاء وانسجام مع فكرة الكيان، بعد فترة من التردد في انتظار ما ستسفر عنه الثورات السورية التي شارك فيها بفعالية.
أما في جبهة الكومبرادور الذي ربط مصالحه بالاحتلال الفرنسي، والذي كان أبرز رموزه إميل إده، فقد حصر مثقفوه تطور الأحداث في البعد الديني حيث يقول فؤاد افرام البستاني: «لقد أصبح الصراع في لبنان صراعاً سياسياً وحضارياً بين المسيحية والإسلام منذ إلحاق الأقضية الأربعة»((11)). «بينما اعتبره آخرون صراعاً بين القومية العربية والقومية اللبنانية»((12)).
تكرس الاتفاق الشفهي بين الخوري والصلح في البيان الوزاري أمام مجلس النواب في 7 تشرين الأول 1943، ويقول الميثاق: «إن لبنان ذو وجه عربي يستسيغ الخير النافع من حضارة الغرب». فكانت هذه الصيغة انعكاساً، أو الوجه الآخر للسلبيتين اللتين قام عليهما الميثاق الوطني وهما «لا للوحدة العربية ولا للحماية الأجنبية»((13))، الصيغتان اللتان أثارتا حفيظة معارضي الميثاق، حيث يعبر جورج نقاش عن تلك المعارضة بقوله: «نفيان لايؤلفان أمة»((14)).‏ وفيما أورد الصلح أنه يريد للبنان ألا يكون مقراً للاستعمار، أو ممراً له، فقد اتهم الصلح بأنه أصبح «زعيماً لانفصال لبنان عن سورية بعد أن كان في جملة المنادين بوحدة البلاد العربية والعاملين في سبيل تحقيقها»((15)).
على ضوء الميثاق، كان على لبنان أن يكون محايداً، فلا ينحاز إلى الدول الأجنبية في مواجهة الدول العربية، ولا يعمل على العكس. ووضعت الصيغة العملانية لتأكيد استقلال لبنان، حيث جاءت الخطوط العريضة كما يلي: يكون لبنان جمهورية مستقلة لا تسعى وراء أية حماية أجنبية، ولا تسعى لأي اتحاد مع أية دولة عربية؛ وأنه ذو وجه عربي بطابع خاص، ولغته العربية؛ وعليه أن يصبح عضواً في الجامعة العربية.
هذا في السياسة الخارجية، أما على الصعيد الداخلي، فقد اتفق على أن توزع الوظائف العامة بالتساوي بين الطوائف المعترف بها. وتبعاً لذلك توزع المناصب الرئيسية الثلاثة وفقاً للعرف التالي: رئاسة الجمهورية لمسيحي ماروني، ورئاسة الوزراء لمسلم سني، ورئاسة البرلمان لمسلم شيعي.
وقد حظيت هذه الصيغة بقبول ومباركة مصر والسعودية والعراق وسورية (الكتلة الوطنية)، وتشجيع بريطانيا، فيما لقي معارضة من الانتداب الفرنسي وأتباعه، ومن طلاب الوحدتين العربية والسورية. وهكذا «أصبحت الدول العربية هي الضامنة لدولة الطوائف المتعايشة بدلاً من الاستعمار الغربي. فلقد أرسى الميثاق دولة الطوائف مع الدستور اللبناني»((16)).
وفي جلسة المجلس النيابي في 23 أيلول 1943 وقف عبد الحميد كرامي قائلاً: «إن للبنان استقلالاً معترفاً به ونحن الذين حاربنا لبنان في الماضي لأنه لم يكن عربياً، ونحن الذين طلبنا الوحدة السورية، أتينا اليوم إلى هذه الندوة نعترف باستقلال لبنان ونناضل في سبيل هذا الاستقلال ضد أي كان لأن لبنان أصبح الآن عربياً»! أما كمال جنبلاط، الذي كان من الداعين إلى الاستقلال المضمون بحماية فرنسية، فقد تحول في الجلسة النيابية في 17 تشرين الأول 1943 إلى العاملين على إزالة الانتداب الفرنسي عن سورية ولبنان لأن «أهل لبنان الكبير اعترفوا به مسلمين ومسيحيين ودروز وشيعة، وحياه بصفته العربية»((17)).
ومنذ 1943 أصبح عدد النواب ينطلق من قاسم مشترك هو 11، تكون فيه النسبة 6 مسيحيين مقابل 5 مسلمين (وأصبحت متداولة تحت مسمى 5 و6 مكرّر)، هذه المعادلة التي استمرت حتى تم تعديلها في اتفاق الطائف (فتصبح 6 و6 مكرر).

Page 3

الاستقلال الاقتصادي

من أجل عملية الفصل النهائي عن سورية، كان لا بد من إجراء عمليات جراحية لفصل الاقتصاد والعسكر، على غرار تلك العملية التي أدت إلى تشكيل حدود الكيان اللبناني. ولإلقاء الضوء على هذا الأمر، لا بد من بعض التفصيل.
كانت البرجوازية اللبنانية التي اتفقت فيما بينها على خيار الانفصال عن سورية على أساس المكاسب التي سوف تتقاسمها، تنتظر أن تبقى مكاسبها عابرة لحدود ما سيصبح «بلدين مستقلين». وكانت هناك نظرة دونية مستترة لنظيرتها البرجوازية السورية، وتخشى أن تأخذ من دربها بعض المكاسب عبر الحدود الجمركية. وكانت البرجوازية السورية تسعى هي الأخرى للاستفادة من الوضع المستجد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، لذلك سعت إلى الاستغناء عن ميناء بيروت واستبداله بميناء اللاذقية.
قبل الحرب العالمية الثانية، كانت الأرباح تذهب بمعظمها إلى الفرنسيين، كما يقول مسعود ضاهر، ومع زوال الانتداب، وبقاء المصالح المشتركة بين البلدين «دفعا الدولة السورية المستقلة إلى المطالبة بالأرباح الجمركية تبعاً لحجم مشاركتها في إنتاج السلع المعدة للتصدير واستهلاك السلع المستوردة. وبدأت أصوات البرجوازية اللبنانية ترتفع منددة بما أسمته (بالتدخل السوري في شؤون لبنان والعمل على خنق اقتصاده). فالنظام اللبناني الذي تربع على كراسي الانتداب باسم الاستقلال كان يرغب في استمرار السياسة الاقتصادية الانتدابية دون تغيير، ويعمل على امتصاص خيرات الشعبين اللبناني والسوري لصالح مجموعة قليلة من التجار اللبنانيين((18)). أخيراً تفاهم الطرفان على الفصل الاقتصادي، ولم يبقيا إلا على الوحدة الجمركية، وعملا على تقاسم الأرباح عبر مجلس أعلى للمصالح المشتركة، وذلك من خلال اتفاق أبرم في 1 تشرين الأول 1943 نص على: «إن سورية ولبنان تؤلفان منطقة جمركية واحدة ذات وحدة جمركية تنتقل البضائع ضمنها بحرية تامة وبدون أية ضريبة أو رسم جمركي.. وقرر الاتفاق توزيع واردات الجمارك بحسب نفقات المصالح المشتركة»((19)). ورغم ذلك كان اللبنانيون يبدون امتعاضاً كبيراً كلما تقلصت أرباحهم، ما أدى إلى أزمات في العلاقة بين البلدين، أفضت في النتيجة إلى الانفصال الجمركي، ثم المالي.
كانت وحدة العملة المتداولة في البلدين هي الليرة التي يصدرها بنك سورية ولبنان، وكانت لها ارتباطات مالية مع فرنسا. «ومع التنازلات التي قدمتها بريطانيا لفرنسا، أصبح لبنان وسورية داخلين ضمن منطقة الفرنك الفرنسي منذ 1941، وضمنت فرنسا الليرة اللبنانية خوف تدني قيمتها منذ عام 1944 بموجب اتفاق دعي (اتفاق كاترو). إلا أن فرنسا نقضت الاتفاق مع لبنان عام 1947 واعتبرت نفسها في حِل من تعهداتها السابقة.. واضطر لبنان أن يعقد اتفاقاً جديداً مع فرنسا لضمان قيمة الليرة اللبنانية، وصفيت بموجب الاتفاق الحسابات المالية بين لبنان وفرنسا وأصبحنا أسياد نقدنا»((20)). وفي 2 شباط 1948 جرى استبدال الأوراق النقدية المكتوب عليها عبارة «سورية» بأوراق نقدية مكتوب عليها عبارة «لبنان»..
وفي 24 أيار 1949، أصدر المجلس النيابي اللبناني قانون النقد اللبناني وقرر تحويل العملات الأجنبية في التغطية إلى ذهب. وهكذا تحققت نظرية ميشال شيحا، في أن الذهب داعم أساسي للعملة الوطنية.

قضية الجيش

كانت قضية الجيش مظهراً من مظاهر الوحدة السورية اللبنانية حيث كانت القيادة العسكرية موحدة للبلدين. وبقي موضوع تسليم الجند الخاص، وهي قوات تتكون من عناصر متطوعة مختلطة كالشركس والأرمن بالإضافة إلى سكان البلاد الأصليين (من طوائف معينة بشكل خاص)، وكانت تتبع قيادة الجيش الفرنسي وتقوم بأعمال الشرطة، وقدر عددها آنذاك بـ25 ألفاً. وقد طالبت الحكومة السورية بتسليم الجند الخاص إليها، وبدأت المفاوضات لإلحاقها بالحكومتين السورية واللبنانية منذ نهاية 1943 بدون الوصول إلى نتيجة... قبيل الإعلان عن استقلال لبنان في 22 تشرين الثاني 1943 اندمجت الوحدات العسكرية المختلفة لتؤلف اللواء الخامس بقيادة العقيد فؤاد شهاب. وفي يوم الاستقلال تم وضع «فوج القناصة اللبنانية الثالث بتصرف الحكومة اللبنانية وذلك للحفاظ على الأمن»((21)). وفي حزيران 1944 سلمت فرنسا فصيلة من الجند الخاص إلى الحكومة اللبنانية، ولعلها كانت تقصد إلى إحداث تفرقة جديدة ولكن دون جدوى. أما في سورية فقد احتفظت به حتى وقع الصدام في العام التالي((22)). وبقي الجيش بيد فرنسا حتى نهاية الحرب العالمية.

 

Page 4

معركة تعديل الدستور‏ 1943

عند تشكيل الوزارة، لم يستشر رياض الصلح ووزارته المندوب السامي الفرنسي جرياً على العادة، ما أثار حنق الأخير. وجرياً على العادة كذلك، استفسر مسيو هللو عما يتضمنه البيان الوزاري لحكومة الصلح، فأجابه الصلح: «تسمعونه في المجلس»، ما زاد في حنق المندوب الفرنسي. وعند تلاوة البيان، أقلق مضمونه سعادة السفير((23)) الفرنسي، لما يحتويه من دعوة إلى تعديل الدستور، واعتماد اللغة العربية لغة رسمية، ولبنان ذو وجه عربي. ما اعتبره المندوب الفرنسي مخالفاً لصك الانتداب، فردت الحكومة، «أنها تعتبر الانتداب غير قائم، فلقد زالت من الوجود عصبة الأمم ومعها الانتداب الفرنسي عملياً أثناء الحرب العالمية الثانية. وبادر الصلح إلى إصدار قرار في 13 تشرين الأول 1943، «بأن جميع المخابرات والمعاملات بين الدوائر الرسمية يجب أن تحرر من الآن فصاعداً باللغة العربية التي هي اللغة الرسمية للبلاد». وتلا هذا القرار تعريب الأوامر العسكرية»((24)).
أدرك الرئيس بشارة الخوري خطورة المرحلة الجديدة بعد إلقاء البيان الوزاري، وخشي أن تلجأ فرنسا إلى تعميق الانقسام المسيحي الإسلامي لتعطيل مسيرة الاستقلال، لا سيما أنها تعتمد على رصيدها التقليدي في حماية المسيحيين وعلى شخصية إميل إده الفاعلة في الأوساط المارونية. ولذلك «حرص على أن يكون تعاونه والكتائب كاملاً، فكان يشرك بيار الجميل في كثير مما يتخذ من مقررات ويحدد من مواقف»((25)). وكانت قد جرت مفاوضات بين الحكومة السورية والحكومة اللبنانية حول استلام المصالح المشتركة من الفرنسيين واستثمارها، وقدمت الحكومتان السورية واللبنانية مذكرة إلى المسيو هيللو الذي خلف الجنرال كاترو، فاستمهلهما عشرة أيام ريثما يتسنى له حمل هذه المذكرة إلى الجزائر عاصمة الدولة حينئذ للتشاور مع حكومته. وقد طلب هللو مقابل ذلك معاهدة على أساس معاهدة 1936.... وفي 5/11/1943 جاء الجواب بصورة غير مباشرة على طلبات الحكومة السورية واللبنانية حول المصالح المشتركة وحول تعديل الدستور اللبناني، فإذا هو بيان صادر عن لجنة التحرير الفرنسية أذاعته المندوبية الفرنسية العامة في بيروت وقد جاء فيه: «إن السلطات الفرنسية لا يمكنها الاعتراف بصحة أي تعديل يجري بدون موافقتها، تقيداً منها بالموجبات الدولية التي تعهدت بها فرنسا أمام عصبة الأمم». ومن المسلم به آنذاك أن عصبة الأمم لم يعد لها وجود عملياً((26)). وكان من اللبنانيين من يشاطر فرنسا ادعاءها، حيث نرى أن ميشال شيحا الفرنكوفوني الأنجلوفيلي، يعلق على تعديل الدستور: «هذه واقعة: يجوز للبنان أن يعدل دستوره بحرية... ولكن السلطة الفرنسية -وهي الهيئة الفرنسية للتحرير القومي - يسعها أن تثير من التحفظات ما ترى له محلاً. فهذا حقها أيضاً»((27)).
ردت الحكومة اللبنانية على البيان الفرنسي، بدعوة مجلس النواب لتعديل الدستور، رغم مطالبة المندوب السامي تأجيل الأمر، باعتبار ذلك شأناً داخلياً. وفي 8 تشرين الثاني 1943، انعقدت الجلسة وأقر المجلس تعديل الدستور «بإلغائه أو تعديله عشرة مواد. وهي التي تنص على الانتداب أو تلك التي تحتفظ بصلاحيات وامتيازات للمفوض السامي. وانسحب من الجلسة نواب الكتلة الوطنية»((28))، وتهرب من هذه الجلسة أيوب ثابت وأحمد الحسيني والنائب الأرمني دير كالوسيان((29)).
وأبرز ما نصت عليه المواد المعدلة جعل «لبنان دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ وسيادة تامة ضمن حدود ثابتة؛ واعتبرت العربية «اللغة الوطنية الرسمية»، أما اللغة الفرنسية فتحدد الأحوال التي تستعمل بها بموجب قانون بعد أن كانت رسمية كالعربية فألغيت بذلك الازدواجية؛ وشددت مواد أخرى على الاستقلال في السياسة الخارجية، وعلى التوازن الطائفي؛ كما ألغيت كل المواد المتعلقة بالانتداب؛ وصيغت مادة وحيدة تفرض العلم اللبناني الجديد (الحالي)، بدلاً من العلم الذي رفعه لابرو فوق سراي بعبدا»((30)). ووقع رئيس الجمهورية على التعديل في اليوم نفسه ونشر في الجريدة الرسمية في اليوم التالي.‏
اعتبر المندوب السامي، الذي وصل إلى بيروت في 9/11/1943، أن التعديلات الدستورية التي أقرها المجلس تشكل تحدياً لفرنسا فأصدر قراراً ألغى بموجبه تلك التعديلات؛ كما حل المجلس النيابي وعلق الدستور وعين إميل إده((31)) رئيساً للدولة والحكومة. وفي فجر 11تشرين الثاني1943 اقتحم الجنود السنغاليون منازل رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وأربعة وزراء واقتادوهم إلى سجن راشيا. ثم اعتقلوا النائب عبد الحميد كرامي، ثم أذاع هيللو بياناً أعلن فيه قراراته من راديو الشرق.‏
في إثر ذلك، «انطلقت ردود فعل شعبية غاضبة. أعلن إضراب وطني عام شمل البلاد كلها، وشكل الرسميون الذين كانوا لا يزالون طليقين حكومة مؤقتة برئاسة حبيب أبي شهلا، ورئيس مجلس النواب (صبري حمادة)، ومجيد أرسلان وزير الدفاع، وأطلقوا النداء للمقاومة الوطنية. وفي بيروت، شكل حزبا الكتائب والنجادة قيادة موحدة لخوض المعركة المشتركة واجتاح المتظاهرون مبنى البرلمان مطالبين بإطلاق سراح القادة المعتقلين. فرض هيللو منع التجول وأرسل القوات الفرنسية والسنغالية لقمع التظاهرات، ما أوقع 18 قتيلاً و66 جريحاً»((32)). أما في مدينة طرابلس فقد ارتكبت قوات الاحتلال مجزرة ذهب ضحيتها 14 طفلاً وعشرات الجرحى خلال التظاهرة التي قام بها طلبة المدارس للسبب نفسه. وتقرر جعل مقر الحكومة في بشامون، وشكلت حكومة رديفة احتياطية تضم صائب سلام وعبدالله اليافي. هاجمت قوة فرنسية في اليوم الثاني بلدة بشامون وجرت مواجهة مع الحرس الوطني اللبناني، حيث سقط الشهيد سعيد فخر الدين.
أحجم الجميع بمن فيهم أعضاء الكتلة الوطنية عن دخول حكومة إده، «فلجأ إلى تأليف حكومة مديرين، فخذله أكثر من انتقاهم وأذاعوا بياناً برفضهم الاشتراك في الحكم. وبقيت الأمور متأزمة على الصعيد الرسمي، ومتفاعلة على الصعيد الشعبي، فأدرك إده أنه أضحى في عزلة»((33)). وقد أشار كاترو إلى أن «إده كان وحيداً في السراي وهو خال كالصحراء»((34)).

Page 5

وعلى الصعيد الخارجي، كان لهذا الحادث وقع عظيم ليس في العالم العربي وحده بل في الأوساط الدولية ولا سيما الانكليزية والأمريكية، فردد (تشرشل) في مذكراته: «ما لهؤلاء الفرنسيين بينما يستعبدهم العدو إذا بهم يحاولون استعباد غيرهم»! وطلب تشرشل من ديغول إطلاق سراح المعتقلين وتبديل هللو. وتحرك سبيرز أيضاً ووجه البريطانيون إنذاراً بإطلاق سراح المعتقلين قبل 22/11/1943. كما وجه عميد السلك الدبلوماسي في بيروت (سفير العراق) مذكرة احتجاج شديدة إلى هللو. ولكن برقية فاروق ثم احتجاج النحاس لدى ديغول كان لهما أثر أعمق في نفوس اللبنانيين والعرب عموماً.‏
ومن تعليق ليوسف السودا على تلك الأحداث، نعرف حجم الإجرام الاستعماري، عندما يتعلق الأمر بالمصالح الاستعمارية للدول التي تدعي القيم الحضارية، حتى عندما تكون مغلوبة على أمرها! حيث يقول: «.. أرسلت الدبابات تمشي الهوينا على أجساد الأطفال في شوارع طرابلس، تفت عظامهم وتأكل من لحمهم وتشرب من دمهم. كما أرسلت الطيارات والمدافع والرشاشات على صيدا وبيروت وبشامون وأطلقت النار على أحرار البلاد وفتيانها صوناً لأمن وانتصاراً للحرية... إن للهزء حدوداً، وهم منذ ربع جيل يهزأون ولا يتورعون، ألم يحجزوا الوفد اللبناني إلى مؤتمر الصلح في باريس أشهراً وعلى رأسه البطريرك الحويك؟ تارة يسمونه أصناف الإساءات ويتوعدون، وطوراً يمنون بالوعود ويتعهّدون، حتى فازوا أخيراً بطلب الانتداب وهم يقسمون أنه لن يكون في أيديهم إلا مساعدة بريئة لوجه الله وحباً بلبنان وإكراماً لسواد عيون الموارنة أصدقاء الأجيال. وما وطأت أقدامهم أرض بلادنا حتى تكشف الاستعمار والاستعباد... أيها اللبنانيون يريد المستعمرون الدستور ألعوبة والحريات مهازل، يعينون النواب ويشكلون الوزارات ويعدلون الدستور ويفرضون الرؤساء ثم يطيحون بهؤلاء وأولئك على هواهم عابثين... يهولون بالوحدة العربية تبتلع وتقضي على استقلالكم في حين أن الدول العربية المجاورة كانت أول من اعترف باستقلال لبنان التام في حدوده الحاضرة»((35))!
في 16 تشرين الثاني1943 وصل كاترو إلى بيروت موفداً من ديغول في الجزائر بعد أن زوده الجنرال «الحر» بتعليمات للتضامن مع المندوب الفرنسي مهما كان خطأه! - وكان قد مرّ على مصر - وبدأ اتصالاته مع الخوري ثم مع الصلح وحاول التقرب من الخوري على حساب الصلح. ثم اتصل بالبطريرك. وتأكد كاترو أن فرنسا خسرت الكثير من رصيدها بين أصدقائها، فكيف بين معارضيها.‏ وبعد تفاقم الأوضاع، وفي إثر القمع الدموي الذي قام به الجيش الفرنسي، تدخل الجيش البريطاني الثامن الذي كان يرابط في بيروت، فأفرج عن الحكومة في 22/11/1943، وعادت إلى بيروت بعد أن أمضت عشرة أيام في سجن قلعة راشيا.
ولامتصاص الغضب، حل شاتينيو محل هللو، وقد كان يقوم بوظيفة سكرتير في المندوبية. وأعلن كاترو الرجوع عن جميع القرارات التي اتخذها هللو، وقدم اعتراف «اللجنة الوطنية في الجزائر»((36)) بالكيان اللبناني. ووقع المفوض الإنجليزي سبيرس وثيقة استقلال لبنان وسورية. ومع استتباب الأمور، أقيل إميل إده من المجلس النيابي «بسبب قبوله منصب رئاسة دولة من قبل سلطات الانتداب الفرنسي»((37)).
لقد كان التيار السياسي المنتصر في معركة الاستقلال هو تيار لبنان الطائفي القديم الساعي إلى حكم لبنان بدون حماية أو وصاية أجنبية. التبدل الجديد هو التمسك بلبنان الكبير بحدوده الحاضرة لأن لبنان الصغير ليس قابلاً للحياة، وأن العودة إلى لبنان الطائفي الوحيد الجانب أو الثنائي الوجه باتت مستحيلة. البديل إذا هو لبنان المتعدد الطوائف لا لبنان الطائفة الواحدة، لبنان على قاعدة وحدة الطوائف بزعامة الطائفتين الأكثر عدداً تبعاً لإحصاء 1932 المتحجر، لا لبنان الذي تسيطر فيه طائفة واحدة على بقية الطوائف. إن هذه المنطلقات السياسية تجد كامل ركائزها في مقررات مؤتمر بكركي حين وقف البطريرك خطيباً في حفلة الافتتاح ليقول: «نريد مجلساً منتخباً انتخاباً حراً تتمثل فيه الطوائف والمناطق تمثيلاً عادلاً.. إن هذا الصرح ليس وقفاً على الطائفة المارونية فحسب، بل هو بيت جميع اللبنانيين ووقف للمصلحة اللبنانية لا فرق فيها بين طائفة وأخرى.. نريد استقلالاً مبنياً على المساواة بالحقوق تأخذ كل طائفة فيه حقوقها بنسبة أهميتها»((38)).
هكذا انتقلت السلطة والمصالح من الفرنسيين إلى اللبنانيين على النمط الفرنسي الطائفي نفسه، وضمن الحدود التي رسمها الفرنسيون. ورضي المسلمون في عام 1943 بحدود لبنان وهو ما كانوا يرفضونه منذ خلق دولة لبنان الكبير عام 1920.‏ واعتبر يوم إطلاق السجناء (22 تشرين الثاني) عيداً وطنياً للاستقلال. «وهذا الاستقلال ناقص بمفهوم القانون الدولي ولم يكتمل إلا اعتباراً من 31 كانون الثاني 1946 عندما جلت الجيوش الفرنسية» ((39)).
أما الدستور المعدل، الذي يقوم بذاته على فصام أساسي، بحيث يؤكد المساواة السياسية والقانونية والمدنية لجميع اللبنانيين بما هم مواطنون، بقدر ما يؤسس للامساواتهم السياسية والقانونية والمدنية بما هم رعايا («أهلون» حسب النص الدستوري) ينتمون إلى جماعات دينية متراتبة تتوازع حصصاً متفاوتة من السلطة السياسية والوظيفة العامة. بهذا المعنى، لم يغير دستور العام 1943 أي شيء في المواد 9 و10 و95 من الدستور الأصلي للعام 1926. وعليه لم تستطع التعددية الطوائفية أن تحجب «الأسبقية السياسية المارونية»، المتمثلة بالصلاحيات الاستثنائية لرئيس الجمهورية، التي تقارب في مضمونها شكل الملكية المطلقة، بحيث يلاحظ الخبير الدستوري أدمون رباط، أن رئيس الدولة يجسد في شخصه كل حياة الدولة!((40))
في هذا العام (1943) صدرت «مذكرة من الفاتيكان إلى الحكومة الأميركية تجدد معارضة إنشاء دولة يهودية في فلسطين»((41)).

Page 6

إنزال النورماندي

في 6 حزيران 1944، قامت قوات الحلفاء باشتراك الولايات المتحدة التي دخلت الحرب، بإنزال النورماندي الشهير، لتحرير فرنسا من القوات النازية، ودخلت الحرب مرحلتها الثالثة وهي مرحلة انتصار الحلفاء. واعترفت الولايات المتحدة الأميركية بحكومة ديغول الموقتة بدلاً من لجنة التحرير الوطنية.
ولا شك أن هذا الوضع الجديد هو الذي جعل الجنرال ديغول يتشدد مرة أخرى إزاء قضية استقلال سورية ولبنان، وتتبين ملامح السياسة الفرنسية الجديدة من التصريح الذي أدلى به ديغول في مؤتمر صحفي في 25/1/1945 إذ قال: «كانت فرنسا أول دولة اعترفت باستقلال هاتين الدولتين اللتين فيهما مركز ممتاز يجب أن تحافظ عليه، وأن فرنسا مصممة على أن تمنح أصدقاءها السوريين واللبنانيين استقلالاً حقيقياً، ولكن التدخل الأجنبي هو الذي يزيد في تعقيد هذه المسألة»((42)).‏ أما جورج بيدو وزير الخارجية اليميني المتطرف، فكان موقفه أشد صراحة في معارضة الاستقلال التام فقال: «إن فرنسا مسؤولة عن حفظ النظام في سورية وأنها تدافع عن امتيازاتها بالقوة المسلحة التي تحت تصرفها، وأرسلت تعليمات بهذا المعنى إلى المقيم العام الفرنسي في المشرق»((43)). وهكذا يبدو أن فرنسا لم تعد تخشى أخطار مغامرة جديدة كمغامرتها في لبنان سنة 1943 فالظروف تغيرت بعد نهاية الحرب، ولم يعد تأثير البريطانيين والأمريكيين في الفرنسيين كما كان من قبل. فقد أصبحت فرنسا مستقلة بأسطولها ومستقلة بجيشها تتصرف فيهما كما تريد. إلا أن البلدين حصلا على اعتراف الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. «وقد أعلنت الدولتان عند الاعتراف باستقلالهما أنهما ترفضان تفوق نفوذ أية دولة أوروبية في سورية ولبنان، وإن كان دافع كل واحدة منهما مختلفاً»((44)).‏
سنة 1944 تشكل الاتحاد العام لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان((45)).
في هذه المرحلة النهائية من الحرب، قرر الصهاينة الدخول في الحرب إلى جانب الحلفاء، للتأسيس لوضع يطالب مع انتهائها بوفاء إنجلترا بوعودها لهم بتأسيس كيان لهم على أرض فلسطين، وعليه «سمحت الحكومة البريطانية بقيادة ونستون تشرشل... بتشكيل فرقة يهودية لترسل إلى الحرب على الجبهة الإيطالية، ربما من أجل تسهيل الحصول على إمكانية تأسيس الدولة اليهودية». وكانت العصابات الصهيونية تنشط على الأراضي الفلسطينية، ومنها عصابات الإرغون 1939 التي تفرع منها بقيادة ابراهام ستيرن، «إرغون زفاي ليومي» ليقودها لاحقاً 1944 مناحيم بيغن. السنة التي بدأ فيها الإرهابي الصهيوني «بن غوريون قائد الهاغاناه عملية إرهابية واسعة تحت الإسم الرمزي «موسم الصيد»، والتي توسعت على كامل أرض فلسطين»((46)) كانت تستهدف البريطانيين ومندوبي الأمم المتحدة والعرب.
وفي هذه السنة رفضت الحكومة الأميركية «الكتاب الابيض الانكليزي حول تحديد هجرة اليهود، وتطالب بإطلاقها»((47)). وكان بن غوريون يرى أنه «حتى في حالة كسب الحلفاء الحرب العالمية الثانية، فإن بريطانيا ستهبط بوصفها دولة كبرى وستندفع الولايات المتحدة إلى قيادة العالم»((48)).

Page 7

الجامعة العربية

«قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية، في 22 آذار 1944، في القاهرة تم توقيع ميثاق الجامعة العربية، خلال مؤتمر على مستوى عال، باشتراك سورية وعبر الأردن؛ العراق؛ السعودية؛ لبنان؛ مصر واليمن؛ وفي هذا المؤتمر شارك ممثل للشعب العربي من فلسطين، ولكنه لم يتمكن من التوقيع لأنه لم يكن يمثل دولة معترفاً بها»((49)).
وفي الاجتماع المخصص لتوقيع «بروتوكول الاسكندرية» الذي تضمن إنشاء جامعة الدول العربية، في 7 تشرين الأول 1944، تم اشتراط إضافة عبارة: «تؤيد الدول العربية الممثلة في اللجنة التحضيرية مجتمعة احترامها لاستقلال لبنان وسيادته بحدوده الحاضرة». لكي يكون الاعتراف به جماعياً، بعد أن كان إفرادياً! وعندما وقع البروتوكول، وصفه يوسف السودا، بأنه «يشكل خطراً على استقلال لبنان»، مع أنه لم يكن أكثر من صيغة تعاون ولا يمكن أن يطلق عليه ميثاق وحدة أو اتحاد.. وهاجم رجال الدين المسيحيون هذه السياسة العربية وطالبوا بالحماية الأجنبية، إلا أن السياسة التوفيقية نجحت وأقنعتهم بعدم خطر هذه السياسة العربية، فرضيوا حتى عام 1948»((50)). فيما عبر بيار الجميل عن موقف الانعزاليين بكل صراحة إذ قال: إن «الذين يتوخون التدرج بنا من لبنان ذي الوجه العربي كما اتفقنا عام 1943 إلى لبنان العربي، فالشعب العربي في لبنان، فعبثاً يتوخون.. نحن مع إصرارنا على وجوب التعاون الرحب مع الدول العربية، لا نرى موجباً لإضافة وصف العروبة إلى القومية اللبنانية، ذلك أن التعاون لا يؤلف عنصراً كيانياً ثابتاً، بل هو عرض سياسي خاضع لمستلزمات السيادة والاستقلال، ومرتبط بالظروف السياسية وما تنطوي عليه من تقلبات جوهرية»((51)).
كان عبد الحميد كرامي الذي ترأس الحكومة في كانون الثاني 1945، بناءً على إشارة من هنري فرعون وميشال شيحا إلى الرئيس بشارة الخوري، يهدف إلى إدماج طرابلس، السورية الهوى، في الحياة السياسية اللبنانية. وكان من نتاج ذلك أن رئيس الحكومة، الوحدوي السوري، أسلس القياد في السياسة الخارجية لوزيرها هنري فرعون، صاحب الجهد الأساسي في تحويل الجامعة العربية من بنية اتحادية إلى مؤسسة للحفاظ على الكيانات العربية القائمة. وقد اعترض فرعون على مبدأ التحكيم الإلزامي في المنازعات القطرية، كما دفع إلى اتخاذ مقررات الجامعة بالإجماع، وليس بالأكثرية، وهكذا ألغى أية إمكانية للتصويت على موضوع الوحدة((52)).

بداية العصر الأميركي
كانت الحماية الغربية حتى الحرب العالمية الثانية تعني فرنسا وبريطانيا، إلا أنه اتضح خلال الحرب أن هاتين القوتين العظيمتين بدأتا بالتراجع، وأن الولايات المتحدة باتت هي القوة الناشئة الجديدة. ومع نهاية الحرب صارت ترمي للحلول محل القوتين الضعيفتين. وبدأت الولوج إلى المنطقة «تحت شعار تقديم المساعدات والخبرات. فمنذ الأربعينيات بدأ تدفق الرساميل الأميركية بكثافة إلى الشرق الأوسط، وازدادت الضغوط الصهيونية على الساسة الأميركيين، ولعل أسطع مثال على ذلك هو تذمر الرئيس الأميركي هاري ترومان من تلك الضغوط التي تصل إلى حد الابتزاز، والتي سوف تصبح مبدأً ثابتاً في نشاط اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة والعالم. وفي هذا المجال، يقول ترومان في مذكراته: «لقد كان يثيرني ويقلقني إصرار بعض الزعماء الصهيونيين، الذين كانت تحركهم دوافع سياسية فيذهبون إلى حد توجيه التهديدات السياسية»((53)). فيما لجأت بريطانيا إلى البدء بتطبيق وعد بلفور، موفرة كل الدعم للحركة الصهيونية لتحقيق حلمها.
بعد وقت قصير من الاستقلال توصلت المؤسسة اللبنانية إلى أنها في حاجة إلى بناء صلات أفضل مع الولايات المتحدة الأميركية. «فاختير لهذه المهمة شارل مالك، الذي أرسل إلى هناك لتمثيل لبنان لدى واشنطن ولدى الأمم المتحدة على السواء. أصبح مالك شخصية بارزة وأشرك الولايات المتحدة في الشأن اللبناني»((54)). وكان ميشيل شيحا وشارل مالك المهندسين الرئيسيين للسياسة الخارجية للبنان وتحالفه مع الغرب، وجاء كل وزراء الخارجية خلال الفترة من 1943 حتى 1984، إما من هذا أو ذاك، وبذلك ظل هذا التوجه هو الغالب في التفكير الخاص بالسياسة الخارجية.
لجأت فرنسا إلى المماطلة في سحب قواتها من لبنان وسورية، وكانت نادمة على تسليمها قسماً كبيراً من المصالح المشتركة إلى الحكومتين قبل أن تعقد معاهدة تضمن مصالحها. ولم يبق إلا الجيش والأمن تتمسك بهما لتضع شروطها، وقد أدت هذه المماطلة إلى انفجار «الإضراب الشامل والمظاهرات الصاخبة في 2 كانون الثاني 1945 تلبية لنداء لجنة الطوارئ المؤلفة من الأحزاب اللبنانية وكان للحزب الشيوعي دور بارز في هذه المعركة التي انتهت بخروج الفرنسيين والإنكليز في أواخر عام 1946»((55)). وجرى الأمر نفسه في سورية، حيث خرج الطلاب يطالبون بالجيش الوطني، «وكانت الحكومتان السورية واللبنانية تعبران عن إصرارهما في الحصول على الجيش الوطني»((56)).

مؤتمر يالطا
كانت الحرب الكونية على وشك الانتهاء، وتحضيراً لقطف نتائجها، اجتمع المنتصرون في مدينة يالطا السوفياتية على البحر الأسود في 4-11 شباط 1945 لتقاسم العالم. وقد حضر المؤتمر كل من جوزف ستالين (الاتحاد السوفياتي) وونستون تشرتشل (بريطانيا) وروزفلت (الولايات المتحدة الأميركية). ووقعت اتفاقية يالطا التي نصت على محاكمة أعضاء الحزب النازي وتقديمهم كمجرمي حرب، بالإضافة إلى كيفية تقسيم ألمانيا. كما تم الاتفاق على عقد مؤتمر للأمم المتحدة في سان فرنسيسكو في 25/4/1945، واشترط للاشتراك في المؤتمر أن يقتصر على الدول التي تكون قد أعلنت الحرب على دول المحور قبل 1/3/1945.
يذكر الصحفي الروماني كرتشيون يونيسكو في كتابه أيام حارة في الشرق، معتمداً على معلومات مؤلفين كنديين هما إ. لابيير وإ. كولان في مؤلفهما «يا أورشليم»، أنه في مؤتمر يالطا جرى التطرق إلى القضية الفلسطينية. وأن «ي. ف. ستالين خاطب و. تشرشل، كأنه يقول إنه لا يوجد إلا حل واحد لفلسطين، وهو تأسيس دولة يهودية، الاقتراح الذي لم يرفض من قبل الرئيسين الآخرين»((57)).

Page 8

لبنان يعلن الحرب على الرايخ

أحاط السفير البريطاني سبيرز لبنان علماً بشروط حضور مؤتمر سان فرانسيسكو، وتم إبلاغ سورية كذلك، «وعليه جرى الاتفاق بين حكومتي لبنان وسورية على أن يصير إعلان الحرب في وقت واحد، فوافق المجلس النيابي السوري في 26/2/1945 على إعلان الحرب على دول المحور، ولم يكن هذا الإعلان إلا شكلياً. وكذلك فعلت الحكومة اللبنانية أيضاً إذ طلبت من المجلس النيابي إعلان الحرب على ألمانيا واليابان فوافق وأصدر قراراً في 27/2/1945 يقول: «إن لبنان يعتبر في حالة حرب مع الرايخ الألماني والامبراطورية اليابانية»((58))!
في 25/3/1945 وجهت الولايات المتحدة أصالة عن نفسها ونيابة عن بريطانيا والاتحاد السوفياتي والصين دعوة إلى الدول المحاربة في صف الحلفاء لحضور مؤتمر سان فرانسيسكو.
سافر المندوب السامي الفرنسي الجديد الجنرال بينيه إلى فرنسا في آذار 1945 لإجراء بعض المفاوضات مع حكومة فرنسا الموقتة، فغاب أكثر من شهرين ولم يعد إلا بعد أن اتفق مع حكومته على الخطة التي ينبغي اتباعها.
وفي سان فرانسيسكو، كان وفد لبنان إلى المؤتمر يعنى (كالوفد السوري) بتوفير ظروف مؤاتية لتحقيق جلاء قوات الاحتلال الفرنسية. ولذلك أيد الاقتراح المصري الخاص بإضافة فقرة إلى الفصل 11 من مقترحات (دمبرتون أوكس 20/8 -7/10/1944 التي تقرر فيها إنشاء هيئة الأمم المتحدة) وهي: «إن الدول الأعضاء في المنظمة تتعهد باحترام سلامة أراضي جميع الدول الأعضاء في المنظمة واحترام استقلالها السياسي»، وكانت الغاية من إدخال هذا التعديل تأمين انسحاب القوات العسكرية الفرنسية من سورية ولبنان وغيرها من البلاد العربية. ورُفض هذا التعديل. ووقع الوفد السوري واللبناني ميثاق الأمم المتحدة في 26/6/1945»((59)).

الأم «الحنون» القاتلة

في هذه الأثناء، استغل الفرنسيون فوز يوسف كرم الموالي لهم في الانتخابات النيابية الفرعية عن زغرتا، فلما حضر إلى المجلس النيابي في 27/4/1945 مع عدد من أنصاره بمرافقة قوات الاحتلال، حاول أنصاره رفع العلم اللبناني القديم على باب المجلس، أي العلم الفرنسي الذي تتوسطه الأرزة والذي يرمز إلى ارتباط لبنان بفرنسا، كما حاولوا اقتحام القاعة التي يوجد فيها النواب، وحدث صدام بينهم وبين «أنصار الاستقلال»، فأطلق الجنود الفرنسيون المتمركزون في بناء قريب النار، بعد أن قطعت خطوط الهاتف عن مبنى المجلس، وسقط شهداء وجرحى. إلا أن الحكومة سيطرت على الوضع، ودخل النائب كرم من دون أنصاره و«استنكر ما حدث»((60))!
في 7 أيار 1945 أعلنت الحكومة الفرنسية أنها أصدرت تعليماتها إلى المندوب العام الفرنسي في سورية ولبنان ببدء المفاوضات مع حكومتي سورية ولبنان، وفي اليوم نفسه أنزل الفرنسيون تعزيزات عسكرية (كتيبة جنود سنغاليين) في بيروت، في غمرة الاحتفالات بانتهاء الحرب، في إثر إعلان الهدنة في أوروبا في 8 أيار. عاد بينيه إلى بيروت يحمل التعليمات لفتح باب المفاوضات المقرر بدؤها في 19 منه، وقد عمد الفرنسيون إلى تعزيز قواتهم في بيروت في 15-17/5/1945، أي عشية المفاوضات المقررة. وفي اليوم نفسه، سلم المندوب السامي مذكرتين إلى وزيري خارجية لبنان وسورية، وفيهما: «أن فرنسا مستعدة لتسليم الكتائب الخاصة لسورية ولبنان مع بقائها تحت القيادة العليا الفرنسية ما دامت الظروف لا تسمح بممارسة القيادة الوطنية ممارسة تامة، على شرط أن تؤمن صيانة مصالح فرنسا الجوهرية التي تحتفظ بها في سورية ولبنان. وهذه المصالح هي ثقافية واقتصادية واستراتيجية. أما الثقافية فيمكن تحديدها وضمانها باتفاق جماعي واتفاقية تضمن استقلال المؤسـسات الثقافية الفرنسية. وأما الاقتصادية فتتعلق بوضع الرعايا الأجانب والاتفاق التجاري...الخ. وأما الأوضاع الاستراتيجية فتتضمن تأسيس قواعد جوية وبحرية تمكن من ضمانة طرق مواصلات فرنسا وممتلكاتها فيما وراء البحار. والاحتفاظ بقيادة فرنسية في الجمهوريتين. وحالما توقع هذه الاتفاقيات يصير تسليم القطعات الخاصة، على أن تبقى مدة طويلة تحت قيادة فرنسية. وعلى الأثر اتصل رئيس الجمهورية السورية برئيس الجمهورية اللبنانية واتفقا على عقد اجتماع في لبنان»((61)).
عقدت الحكومتان اللبنانية والسورية اجتماعاً مشتركاً في شتورة في 19/5/1945 ومما صدر عنه: «.. رأى ممثلو الحكومتين السورية واللبنانية أن في إنزال الجنود، على الشكل الذي تم، انتقاصاً لسيادة البلدين. وأن المذكرة تتضمن مقترحات تنم عن روح لا تتفق واستقلال سورية ولبنان. لذلك اتفق الجانبان السوري واللبناني على عدم الدخول في المفاوضة مع الجانب الفرنسي وإلقاء جميع التبعات التي يمكن أن تنجم عن هذا الموقف على عاتق الحكومة الفرنسية. كما قررا توحيد الجهود والمساعي للدفاع عن سيادة البلدين واستقلالهما»((62)).

Page 9

وأضربت سورية إضراباً عاماً، وخرجت التظاهرات، وبدأت الاصطدامات في مختلف المدن بين 19 و27 أيار 1945، وفي 22 منه، أصدر الجنرال أوليفا روجيه بلاغاً مفصلاً بالاجراءات العسكرية المقرر اتخاذها ضد ثورة الشعب. وأشار إلى استخدام قوات المتطوعة من الشركس وغيرهم من الأقليات. وأشار إلى أنه لا يمكن الاطمئنان إلى المتطوعة العرب. ويذكر ونستون تشرشل أنه: «كانت المصفحات الفرنسية وسيارات النقل المحملة بالجنود تجوب شوارع حلب ودمشق وتواصل أعمال الدورية. وكانت الطائرات الفرنسية تحلق على علو منخفض فوق المساجد في أوقات الصلاة. وكانت المدافع الرشاشة تنصب بشكل ظاهر فوق سطوح المباني»((63)). وصدرت احتجاجات بريطانية وأميركية على سياسة البطش الفرنسية.
وفي مساء 29/5/1945 بدأ الجنود الفرنسيون بإطلاق النار على السكان في دمشق، كما أن الطائرات أخذت تطلق قذائفها على المدينة فأصابت إحداها قسم السجون في القلعة فهدمته وقتلت عدداً كبيراً من المسجونين. وكان من أشنع ما فعله جنود فرنسا محاصرة البرلمان وإطلاق الرشاشات والقنابل والمدفعية عليه وقتل حاميته والتمثيل بأفرادها. وكان ذلك في وقت لم تعقد فيه جلسة كانت مقررة. ثم هاجمت المؤسـسات الرسمية. واستمر إطلاق النار في سائر المدن السورية، حمص وحماة وحلب وغيرها بوحشية لم تعرف البلاد لها مثيلاً، فعظم الدمار وذهبت مئات الضحايا، وأطلقت القنابل على البرلمان. وقدر السوريون ضحايا هذه الأحداث بنحو500 قتيل و1400 جريح((64)).
وفي31 أيار1945 أنذر تشرشل الجنرال ديغول بالتدخل عسكرياً لوقف العنف «حرصاً على صيانة الأمن في الشرق الأوسط الذي هو منطقة المواصلات لحرب اليابان». وفي اليوم نفسه صدرت الأوامر لقطعات الجيش البريطاني وفرقه الميكانيكية باحتلال المدن الرئيسية والمراكز الفرنسية، وحظر على أي فرنسي ضابطاً كان أم جندياً الخروج من مكان إقامته إلا تحت حراسة بريطانية وفي حالة الضرورة القصوى((65)).
في 2 حزيران ألقى الجنرال ديغول خطبة في المجلس النيابي استعرض فيها حقوق فرنسا وخططها، ودافع عن أسلوبها في البطش. كما أعلن المسيو بول بونكور رئيس الوفد الفرنسي في الأمم المتحدة، بأن «فرنسا باقية الآن ومسؤولة عن النظام والقانون في الأراضي السورية واللبنانية، تبعاً للتعهدات الدولية التي لا تنقض من جانب واحد»((66)). وعليه اقتنعت حكومتا سورية ولبنان أنه «لا مفاوضات قبل الجلاء»، وفي 7 حزيران 1945، تبنى مجلس جامعة الدول العربية قراراً: «يؤيد مطالبة سورية ولبنان بجلاء القوات الفرنسية فوراً عن أراضي الجمهوريتين»((67)).
وفي 8 تموز 1945 جرت مفاوضات في لبنان حول الوحدات العسكرية المحلية وأجيبت الدولتان السورية واللبنانية إلى ما أرادتاه في إنشاء جيش وطني. وسلمت الفرق الخاصة إلى الحكومة اللبنانية بأسلحتها وذخائرها في 1/8/1945 وهو اليوم الذي يحتفل فيه لبنان بعيد الجيش((68)). وتسلمت سورية القطعات الخاصة والمصالح الأخرى قبل 14/8/1945، وبدأ تشكيل الجيش السوري الوطني.

هيروشيما وناكازاكي
في آب 1945، قصفت طائرتان أميركيتان اليابان بالقنابل الذرية، حيث أمر الرئيس هاري ترومان بإلقاء القنبلتين الذريتين على مدينتي هيروشيما وناكازاكي. القنبلة الأولى المسماة بالولد الصغير التي ألقيت في 6 آب 1945 على مدينة هيروشيما، أما القنبلة الثانية المسماة بالولد السمين التي ألقيت في 9 آب 1945 على مدينة ناكازاكي الأمر الذي أدى إلى مقتل أكثر من 200.000 مائتي ألف قتيل في كلتا المدينتين وإنهاء الحرب العالمية الثانية. وكان القرار قد حصل على مباركة دينية من أحد القساوسة البروتستانت! ولم يكن هناك مبرر لذلك، لأن اليابان كانت على وشك الاستسلام. إلا أن الولايات المتحدة أرادت أن يكون خروجها إلى حلبة العالم مدوياً ومرعباً!
* * *
جمهورية مهاباد الكردية
استغلت القوميات الصغيرة في المنطقة ولا سيما في إيران، أوضاع ما بعد الحرب العالمية الثانية، فقامت بثورات، منها ثورة آذربيجانيي إيران بقيادة الزعيم الآذري «جعفر بيشه وري» وأدت إلى تأسيس «جمهورية أذربيجان» التي كان عمرها أكثر من سنة في المناطق التي تقطنها أغلبية تركية آذرية شمال غرب إيران.وكذلك شهدت منطقة كردستان انتفاضة قومية من قبل الشعب الكردي بقيادة الزعيم الكردي «محمد قاضي» (الخياباني) وكانت نتيجة تلك الانتفاضة هي «جمهورية مهاباد» الكردية. وقد تمكن الشاه محمد رضا من القضاء على الجمهوريتين، واستغل انتصاره ليمنع نشر الكتب والصحف باللغات غير الفارسية، وأصدر أوامر صارمة بمنع التخاطب في المؤسسات الحكومية بغير اللغة الفارسية((69)). لم تدم جمهورية مهاباد أكثر من ستة أشهر (بين 1945-1946)، ولم يعترف بها أحد سوى تشجيع من الاتحاد السوفياتي.

Page 10

الجـلاء

أرادت بريطانيا أن تحصد ثمن تدخلها لوقف بطش الجيش الفرنسي، فأعلنت أن شرطها لكي توافق على الجلاء، هو قيام «هيئة دفاع مشترك للشرق الأوسط»، كانت حجتها في ذلك الرغبة في إزالة كل خلاف بينها وبين فرنسا «إزالة مطلقة، وتجنب كل ما يسيء إلى علائقهما التي تريد الدولتان أن تكون أكثر وثوقاً، في حدود التعاون الدولي، والرخاء الاقتصادي والسلامة لشعوب الشرق الأوسط»! واتفق الطرفان على الاحتفاظ بقوة كافية في المشرق لضمان السلامة العامة حتى تقر الأمم المتحدة تنظيم الأمن المشترك في هذه المنطقة. وإلى حينه تحتفظ فرنسا بقوات تتجمع في لبنان. وبلغت وزارة الخارجية البريطانية الاتفاق إلى الحكومتين السورية واللبنانية، اللتين عارضتاه، لأنه جعل الأمن «منوطاً بدول خارجية. وثانيهما أن الاتفاق عقد بدون اشتراك الدولتين اللتين يعنيهما الأمر مباشرة. وأما تشجيع الرخاء الاقتصادي فهو يعني السيطرة الاقتصادية وإيجاد مناطق نفوذ. وقد تظاهر الطلاب الوطنيون في دمشق وحلب وبيروت ضد هذا الاتفاق»، فسقط، لأن فرنسا كانت عاجزة بمفردها عن تنفيذه، فيما لبريطانيا اهتمامات أخرى في فلسطين((70))!
وفي محاولة أخرى للبقاء في لبنان، أنزل الفرنسيون 210 جنود في بيروت، في 31 كانون أول 1945، تزامن مع وصول الجنرال السفاح أوليفا روجيه (المسؤول عن قصف دمشق) إلى مطار المزة متجهاً إلى بيروت، ما دفع الطلاب في المدن السورية واللبنانية إلى التظاهر والتنديد. فيما كان الناطق باسم البعثة اللبنانية في واشنطن شارل مالك، الذي لا يستطيع العيش بدون راعٍ غربي، يتصل بوزراة الخارجية الأميركية طالباً «تعهدات أميركية وسياسية وعسكرية تجاه لبنان. وحاجج قائلاً: إن لبنان الذي سوف ينفصل عن فرنسا لن يستطيع العيش دون حضور زعيمة «العالم الحر» فيه أو دعمها له»((71)).
وأخيراً، انسحبت القوات البريطانية من سورية في 15 نيسان 1946، ومن لبنان في 31 كانون الأول 1946، وزال بانسحابها النفوذ الذي حاولت بريطانيا فرضه على البلدين تحت ستار صداقتها التقليدية للحكومتين الوطنيتين وخصومتها التقليدية للأطماع الفرنسية! أما الفرنسيون فقد ظلوا حتى آخر لحظة يحاولون الالتفاف على الوقائع، ويصرون على إبقاء أي مسمار لاستعمارهم في جدار لبنان! لكنه، وبعد مزيد من المماطلة، أجري المزيد من المحادثات بين ممثل لبنان والفرنسيين وتم الاتفاق على أن تغادر القوات الفرنسية لبنان في مدة لا تتجاوز 31/8/1946 على أن تبقى في البلاد بعثة من 30 ضابطاً فرنسياً و300 فنيّ للإشراف على جلاء ما تبقى من مواد وأعتدة في مدة لا تتجاوز 31/12/1946. وأن يرتدي أفرادها اللباس المدني.‏
وتم جلاء جيش النهب الفرنسي عن سورية (الجنود والمدنيون) في الساعة العاشرة من يوم 15/4/1946، وأقرت سورية اليوم التالي 17/4/1946 عيداً وطنياً واحتفلت به. أما في لبنان، حيث أراد الفرنسيون أن يظهروا لأتباعهم مدى عنادهم، فقد بقي الجيش المحتل حتى آخر لحظة ممكنة! إلا أن الجلاء تم أخيراً في31/12/1946، ولكن اعتبر يوم 22/11/1943 الذي أطلق فيه سراح رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والمعتقلين الآخرين هو يوم الاستقلال في لبنان.
انتقل البريطانيون إلى فلسطين ليصنعوا أكبر مأساة في التاريخ البشري. «وتركت فرنسا وراءها في سورية ولبنان دماء كثيرة ومرارة في النفوس الأمر الذي دفع جميع الدول العربية أن تدينها بالعدوان لأنها أحرقت دمشق التاريخية»((72)). وهكذا أثبتت «الأم الحنون» فرنسا، أنها مستعدة لإحراق «ابنها» إذا تناقضت رغباته مع مصالحها! فيما أثبت سماسرة السياسة اللبنانيون أنّهم لا يملون الرهانات على الخارج! ولم تكن محاولة شارل مالك لاستدراج الأميركيين يتيمة، فقد فسر ميشال شيحا لصديقه شارل حلو قبول الأوليغارشية ذات الهوى الفرنسي الاستقلال، بأن: «لبنان لم يكن يستطيع البقاء متجراً فرنسياً في منطقة يسيطر عليها الإنكليز». وكان هذا الاستقلال، «إلى حد كبير نتاج تفاهم بين بريطانيا ومصر. لعبت الأولى الدور الحاسم في إنهاء الانتداب والثانية في اختيار الثنائي الحاكم».. هكذا افتتح دور بريطانيا ومصر تقليداً يقضي بإعادة إنتاج الكيان اللبناني دورياً بواسطة تسوية إقليمية وقوة دولية»((73)).
ولكن هل أرضت حدود لبنان - التي رسمت بالاتفاق بين المنظمة الصهيونية العالمية والدولتين الكبريين، إنكلترا وفرنسا، مع مساهمة ناشطة من البطريركية المارونية، مع فرنسا بالذات - كل الفئات اللبنانية؟ يبدو أن الأمر لم يكن على هذه الصورة! والشاهد على ذلك رسالة مطران بيروت للموارنة «أغناطيوس مبارك» إلى: «معالي المستر بيفن، وزير الشؤون الخارجية لصاحب الجلالة البريطانية»، بتاريخ 12 تشرين الأول 1946، وجاء فيها ما يلي: «تسري أنباء جادة، في بيروت، بأن حكومة صاحب الجلالة البريطانية تنوي اقتطاع جزء من شمال فلسطين لضمه إلى لبنان، فإذا كان هذا المشروع حقيقياً، وهذا ما لا نتمناه أبداً، فإن النتيجة التي سيؤدي إليها هي زيادة عدد المسلمين في لبنان، وجعل المسيحيين أقلية في هذا البلد، ولكن لا يفوت معاليكم بأن لبنان كان، دائماً، موطن المسيحيين في الشرق... فإذا كان هناك من تغيير يجب أن يتناول الحدود، فإننا، نحن المسيحيين، نرغب بأن يقتطع جزء من جنوب لبنان، حتى نهر الليطاني، مثلاً، لضمه إلى فلسطين، وهكذا يتم إنقاص عدد المسلمين في لبنان، بهدف إعطائه طابعه الحقيقي كبلد مسيحي»((74))! أبعد هذا الكلام كلام؟