eKtab
EN ع
لبنان من دويلات فينيقيا إلى فيدرالية الطوائف - الجزء الثاني
Read free sample

لبنان من دويلات فينيقيا إلى فيدرالية الطوائف - الجزء الثاني

by د. فهد حجازي

Page 1
الجزء الثاني من الاحتلال العثماني حتى نهاية الاحتلال الفرنسي توطئة كنت قد تناولت في الجزء الأول من هذا الكتاب تاريخ فينيقيا، ثم المرحلة المسيحية، ثم المرحلة الإسلامية حتى الفتح العثماني. وفي هذا الجزء (الثاني)، سوف أتناول فترتي الاحتلالين العثماني والفرنسي للجغرافيا موضوع البحث. وكما أشرت في مقدمة الكتاب في الجزء الأول، أنني ارتأيت تقسيم البحث، لمقتضيات التبسيط إلى عدة عناوين، وحاولت أن أعتمد الحقبات التاريخية كمحطات، فاعتمدت التسلسل الزمني (الكرونولوجي) كمبدأ دون العناوين، لذلك لا ينتهي موضوع البحث عند اعتماد عنوان آخر، وإنما يتمدد بحسب تداعياته على طول الخط. كما ارتأيت إظهار نبذة عن الوضع العالمي والإقليمي لكل مرحلة، كي لا يبدو الحدث المحلي منعزلاً عما يجري في الخارج. وفي بعض الأماكن ارتأيت الإسهاب في رواية التفاصيل، أو اختصارها، خدمة للفكرة الرئيسية من وراء البحث. أما في الجزء الثالث والأخير، فسوف أتناول تاريخ لبنان منذ الاستقلال حتى عام 2012. د. فهد حجازي بيروت، أواخر آذار 2012
Page 2
الفتح العثماني مرج دابق من نافل القول، إن الصراع العثماني– الصفوي قد أغرق الإسلام في لجة التذابح المذهبي، أكثر من ذي قبل! وقد اتخذ هذا الصراع المذهبي ذريعة من قبل العثمانيين للسيطرة على مركز القرار، بتصفية سلطة المماليك((1))، حيث يتراءى لبعض الباحثين، «أن السلطان سليم كان قبل حربه مع الصفويين قد طلب المساعدة في قتالهم من السلطان قانصوه الغوري (المملوكي)، ومع أنه كان بإمكان السلطنة المملوكية تقديم يد العون للعثمانيين، وكان بإمكان السلطان الغوري بصفته زعيماً للمسلمين السنّة، شنّ حملة ضد الحكام الصفويين، غير أنه فضّل اتخاذ موقف المراقب للأمور من بعيد، وترك العثمانيين السنيّين وحيدين في مواجهة الصفويين»((2)). ولكن الأمر يبدو على غير حقيقته، حين يقول المؤرخ إبن أياس المعاصر للسلطان سليم: «ولما اشتد الحرب بينه وبين الشاه (عباس الصفوي) سلطان إيران من قبل، عرض السلطان غوري وساطته لحسم الخلاف بينهما وعقد محالفة ثلاثية بين السلاطين الثلاثة (الغوري والصفوي وسليم الأول) لإعلاء شأن الإسلام والدفاع عن حوزته، فرفض سليم الأول وساطة الغوري وفكرته وطرد رسوله»((3))! وفي المحصلة، فإن القوة الجديدة التي لا تحتمل شريكاً (من مذهب آخر) يقاسمها المغانم، فهي لا تحتمل منافساً على مصالحها، حتى ولو كان من نفس المذهب! كانت الدولة المملوكية متعبة رغم قوتها، نتيجة للصراعات الداخلية والثورات، وتجاذب مراكز القيادة بين القاهرة من جهة، والكرك ودمشق من جهة ثانية، بالإضافة إلى سيطرة الروح الطبقية الاستعلائية عند المماليك على سكان البلاد الأصليين، ووقوع المظالم وانتفاء العدالة وتحكم عدد قليل من أمراء المماليك وأزلامهم بمقدرات الدولة وخيرات الأرض. فكان لا بد لهذه الدولة أن تهتز وتتداعى عند أول صدمة قوية من الخارج، خصوصاً بعدما ركب قادة المماليك الغرور بسبب انتصارهم على الفرنجة وإخراجهم من بلاد الشام. وجاءت هذه الصدمة على أيدي العثمانيين بقيادة السلطان سليم الأول في معركة مرج دابق عام 1516م، بالرغم مما ساد علاقات الدولتين قبل ذلك من تعاون ومودة. وكان سلطان المماليك قانصوه الغوري، حاشداً جيوشه في حلب مدعوماً بنواب سورية من دمشق وحلب وطرابلس وصفد وغزة، بالإضافة إلى الجيش الذي خرج به من مصر، وذلك تحسباً لهجوم عثماني على سورية. وقد استعمل السلطان العثماني الخدعة والمكر، فأرسل وفداً إلى الغوري يطلب الصلح كما يرغب السلطان المملوكي. وبذلك خمدت همة المماليك إلى الحرب، وأرسل الغوري أميراً يفاوض سليم الأول فقضى على الرسول وأمر بالهجوم، وكان النصر له. ومات قانصوه الغوري في ساحة المعركة قهراً على هزيمته، وقيل إن نائب حلب من قبل الغوري كانت له يد في نتيجة المعركة((4)). يؤيد نظرية هذه المؤامرة ما كتبه المؤرخ فيليب حتي عن مساهمة فخر الدين المعني الأول فيها، حيث «أجرى مفاوضات سرية مع والي حلب خيرباي، والغزالي والي دمشق، وكلاهما من الذين خانوا المماليك»((5))، فوقف فخر الدين على الحياد منتظراً رجحان الكفة، وعندما مالت إلى العثمانيين، انضم إليهم وحارب معهم في الربع الساعة الأخير! بينما كان آل بحتر يقاتلون إلى جانب المماليك. وقف فخر الدين الأول يخطب بين يدي سليم الأول بعد أن قبّل الأرض تحت قدميه، ودعا له بدوام المجد، وبلوغ القصد، إلى آخر «الديباجة» المعروفة في كتاب التاريخ الرسمي «المجيد»! وأخذ جزاءه على ذلك لقب سلطان البر، وأبقاه السلطان على إمارته، فيكون «اللبناني الشاطر» قد استبدل بحنكة معلمه مرة أخرى، ونقل البندقية ومعها نير العبودية من كتف إلى آخر! وقد استفاد البطريرك الماروني سمعان الحدثي من «شطارة» فخر الدين، حيث «استثنى السلطان سليم الأول البطريرك الماروني شمعون الحدثي (1492-1524) من بين بطاركة سائر الطوائف، إذ لم يفرض عليه الفرمان السلطاني.. لأن الأمراء اللبنانيين غير التنوخيين قد ساندوا السلطان سليم في معركته الفاصلة في مرج دابق ضد المماليك، وقد كان من بين جنود أولئك الأمراء مقاتلون موارنة»((6)). ويبدو أن للأمر صلة فيما ستؤول إليه العلاقة بين المعنيين والغرب فيما بعد، حيث تشير الأخبار إلى أن البطريرك الحدثي قد «استقبل المبعوث البابوي الثاني إلى الموارنة، وهو الراهب الفرنسيسكاني سورينو، وذلك عام 1515م، ولم يكن لهذا الراهب نشاطات أو فاعليات عديدة سوى رسالة البابا ليون العاشر والتي يثني فيها على الموارنة واصفًا إياهم بالورود بين الأشواك»((7)). وللتذكير بمن هم المعنيون، فقد أشرنا سابقاً إلى كونهم يرجعون إلى قبائل ربيعة التي نزحت من بلاد نجد وديار ربيعة إلى منطقة الفرات بالعراق، حيث عرفوا بالأيوبيين نسبة إلى جدهم أيوب الذي تنسبه بعض المصادر إلى أصول كردية، ليخلفه ابنه معن الذي قاتل الفرنجة في أنطاكية، وانهزم هناك ببقايا رجاله إلى حلب سنة 1108، فأمره طغتكين صاحب الشام أن يتقدم إلى جبال لبنان لمهمة التصدي لتهديد الفرنجة، فرحل إلى بعقلين في منطقة الشوف، واتحد مع أميرها بحتر التنوخي، وصار وأبناؤه ملتزمي ضرائب، وشاركوا في أحداث الجبل، وتوفي معن سنة 1149، ليرثه ابنه يونس، ثم تندر أخبار خلفائه إلى حين ظهور فخر الدين بن عثمان بن ملحم منتظراً نتيجة المعركة على حافة مرج دابق!
Page 3
سليم الأول والفتنة المذهبية بعد انتصاره في مرج دابق، سيطر السلطان العثماني على حلب وحمص وحماه ودمشق ثم زار القدس والخليل وهو في طريقة إلى الديار المصرية. وانتقلت سورية بما فيها الأردن من السيطرة المملوكية إلى السيطرة العثمانية. وأنعم على الأمير منصور الشهابي بحكم وادي التيم كما فعل مع الأمراء المعنيين في الشوف. أشعل المحتلون العثمانيون نار الفتنة المذهبية، فقد فتك السلطان سليم الأول «فتكاً قاسياً بالشيعة المقيمين على الحدود الإيرانية وذبح منهم أربعة وأربعين ألفاً بدون رحمة رغم أنهم من رعيته... ثم أضرم الأتراك نار التفرقة وزرع بذور العداوة بينهم (الشيعة) وبين إخوانهم من الطائفة السنية، وصدر العديد من الفتاوى من علماء دمشق رغبة لمطالب الأتراك، بقتال الشيعة في البلاد العاملية وغيرها من البلاد السورية وهدر دمائهم ومحو آثارهم وتشريد ذريتهم، وأن لا تقبل لهم شهادة في المحاكم... إلى آخر ما ورد في فتاوى الشيخ نوح بن حكيم المثبتة في كتاب «العقود الدرية في الفتاوى الحميدية»... وبدأت الغارات تلو الغارات تشنها الطوائف المحيطة في جبل عامل على أبناء الشيعة، من قبائل الهنادي في الجنوب، ومن قبائل عرب الهوارة من الشرق، ومن أمراء جبل لبنان من الشمال»((8)). وتقضي هذه الفتاوى «بحلية دم الشيعة وجواز قتلهم: (قتل44000 في جبل عامل، و40000 في حلب، على يد السلطان سليم الأول)»((9)). موجز في ديموغرافيا القرن 16م في هذه الفترة، كانت المناطق التي تكوّن منها لاحقاً كيان لبنان السياسي منقسمة بين عدد من الزعماء القبليين منهم: التنوخيون والأرسلانيون من القبائل اليمنية التي استقرت على مشارف بيروت الغربية وكانت وظيفتها الدفاع عن الثغور البحرية، وتبنت المذهب الدرزي؛ وكان آل عساف((10)) التركمان السنة يحكمون كسروان وبيروت؛ وآل سيفا الأكراد السنة يحكمون طرابلس والشمال؛ «وفي البقاع الجنوبي، استقر الشهابيون السنة يحكمون وادي التيم، المسمى على اسم قبيلة تيم بن ثعلبة التي ينتمون إليها؛ وآل حرفوش الشيعة حكام بعلبك والبقاع الشمالي((11))؛ وآل معن في الشوف. كان بنو عساف من جملة الأمراء الذين قدموا الولاء إلى السلطان سليم فثبت الأمير عساف في حكم كسروان وجبيل والبترون وعكار، «وامتد حكمه بعدئذٍ إلى بيروت وحمص وحماه، فجعل عاصمته غزير واستعان بالمشايخ أبناء حبيش فقرّبهم اليه واتخذ منهم مستشارين أو معاونين له في الحكم، ومن مستشاريه الشيخ أبو منصور (يوسف) وأخوه الشيخ أبو يونس (سليمان) ... فوثق الأمير بمعاونيه من آل حبيش وأطلق يدهم في الحكم. وقد ذكر الخور أسقف بولس قرألي بأنهم افتتحوا أعمالهم بمساعدة الموارنة الذين كانوا محصورين في شمال لبنان، ما بين البترون وجبيل وجبة بشري وعكار، فنزحت كثرة منهم على الأثر إلى كسروان والفتوح.. وفي سنة 1518، لما تولّى الحكم الأمير قيتبيه ابن الأمير عساف التركماني قضى على الشيخين يوسف وأخيه سليمان حبيش بالنفي إلى مصر، لأنهم تعاونا مع أخويه الأميرين حسن وحسين اللذين قتلهما غدراً في بيروت»((12)). وعن الوجود الماروني في منطقة كسروان يقول الأب بطرس ضو: إن المشايخ بني حبيش، كانوا الأولين من الموارنة الذين جاؤوا كسروان، ويستشهد بالمؤرخ هنري لامنس الذي يجزم بأن الموارنة لم يكن لهم أي وجود في كسروان قبل القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ليستخلص بعد استعراض آراء الدويهي والقلاعي والسمعاني «أن الطائفة المارونية لم تكن قد بلغت في القرن الخامس عشر شأناً بلغته فيما بعد، فكان معظم أبنائها يسكنون في شمال لبنان»، ويستنتج مع لامنس: «إذا صح هذا في القرن الخامس عشر فكم بالحري يصدق على الموارنة قبل ثلاثماية سنة.. وعندنا أن الموارنة لم يتوطنوا كسروان قبل القرن السادس عشر وهذا القول يمكن تأييده بأدلة كثيرة».. وحسبنا اليوم أن نقول إنه لا يوجد بين أديرة كسروان المتعددة دير واحد يسبق عهده القرن السابع عشر. وكذلك لم نطلع في تواريخ الموارنة على ذكر رجل من مشاهيرهم أصله من كسروان قبل القرن السادس عشر. وإذا جاء ذكر الموارنة في تآليف الصليبيين فلا نراهم يذكرونهم إلا في البلاد الواقعة بين طرابلس وجبيل. أما جنوبي نهر إبراهيم فلا نرى لهم فيه أثراً. وكذا قيل في أديرتهم القديمة وكنائسهم فإنها كانت شمالي نهر إبراهيم كما أن أصل قدماء بطاركتهم أساقفتهم من البلاد نفسها»((13)). أما جنوباً، فقد عُرفت منطقة جبل عامل((14)) خلال العهد العثماني باسم «بلاد بشارة»، ثم «بلاد المتاولة» بعد أن أطلق هذا اللقب على أصحاب المذهب الشيعي فيها. وينقسم جبل عامل كله إلى ثماني نواحٍ، أو مقاطعات، كل منها تلحق بها قرى يحكمها حاكم واحد. وتقع أربع نواحٍ منها في القسم الجنوبي، وهي جبل هونين أو ناحية هونين ومركزها بنت جبيل؛ وجبل تبنين أو ناحية تبنين ومركزها تبنين؛ وساحل قانا ومركزه قانا؛ وساحل معركة ومركزها صور، والأخيرتان في ساحل صور. وأربع منها في القسم الشمالي منه، وهي ناحية الشقيف ومركزها النبطية؛ وناحية الشومر ومركزها قاعدة أنصار؛ وناحية التفاح ومركزها جبع (جباع)؛ ومقاطعة جزين ومركزها جزين»((15)). خضع جبل عامل، كغيره من الولايات السورية لنظام التلزيم، وتناوبت على حكمه أُسر إقطاعية عاملية عديدة، كانت تخضع مباشرة وبشكل هرمي إلى أمير مقاطعة جبل لبنان سواء كان من الأسرة المعنية أم الشهابية، أو كانوا يخضعون لوالي دمشق أو لسنجق القدس أو عكا. وكان للصراع اليمني - القيسي((16)) دور مهم في سياسة جبل عامل بعد أن تمكن «آل علي الصغير»((17)) الوائليين من حكم بلاد بشارة على حساب آل شكر، وكان المتاولة العامليون وآل علم الدين الدروز يمثلون الحزب اليمني، بينما ترأس المعنيون ومن بعدهم الشهابيون الحزب القيسي»((18)). إلا أنه، بعد الفتح العثماني مباشرة، برزت إلى الوجود السياسي في جبل عامل أسرتان جديدتان، أخذتا تنافسان الأسرة الوائلية على الزعامة والسياسة، هما: آل صعب حكام الشقيف من بلاد بشارة الشمالية، وقاعدتهم النبطية؛ وآل منكر حكام إقليمي الشومر والتفاح من بلاد بشارة الشمالية أيضاً، وقاعدتهم جباع.. وعلى الرغم من أن آل علي الصغير الوائليين كانوا أكثر هذه الأسر نفوذاً وأقواها شكيمة، فقد كان لكل أسرة استقلالها الإداري بالمقاطعة أو المقاطعات التي تحكمها، فالحاكم الإقطاعي حرّ في إدارة مقاطعته، يتصرف بشؤونها ويحمي حدودها، من دون أن يكون هنالك سلطة فوق سلطته. أما سلطة الدولة، فكانت إسمية، وتتلخص في حقها باستيفاء الضرائب والرسوم المقطوعة وفقاً لشروط الالتزام، ومن دون أن يكون لها الحق بالتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، وكان لكل حاكم جنده الخاص به للدفاع عن مقاطعته، حتى إذا هوجم واحد منهم هبّت باقي المقاطعات تسانده وتؤازره. وقد تمكنت هذه الأسر الثلاث (علي الصغير، صعب، منكر) في فترات مختلفة، وبفضل قوتها وضعف الحكام الخارجيين، من الاستقلال بمقاطعاتها استقلالاً ذاتياً يكاد يكون تاماً((19)). أما أبو نحل فيذكر: «أنّ العامليين قد تمتعوا بحكم ذاتي تحت قيادة شيوخهم، وخضوعهم للباب العالي لا يعدو أكثر من تخفيف الضريبة السنوية المفروضة عليهم من المال الأميري»((20)).
Page 4
«وقد لعبت تركيا دوراً خطيراً، إذ ضربت الحركة الاستقلالية في جبل عامل، عن طريق ضرب زعامته التقليدية، عبر أكثر من قرن، والتي كانت تتقلب بين آل علي الصغير (الأسعد)، وآل شكر، وآل سودون، ومشطاح، وآل بشارة، هذه العائلات الاقطاعية التي كانت تقوم في حكمها على التصفيات. وفي الرواية التي يذكرها علي الزين في كتابه «مع التاريخ العاملي» قصة علي الصغير مع آل شكر ويناقشها بشكل علمي صحيح، يبرز لنا مقدار ما للتطاحن الاقطاعي على السلطة، من تأثير سلبي على الجبل العاملي، وبعد أن ضربت هذه العائلات الاقطاعية، عمد الأتراك العثمانيون إلى الزعماء ذوي الاقطاعات، من رؤساء العشائر، فأقصوهم عن الحكم والسيطرة على الشعب، ومنحوا صلاحيات واسعة للوجهاء، وزعماء الأسر من الدرجة الثانية.. وأغروا كل فئة بالأخرى ليتسنى لهم حكم البلاد»((21)). أما في مصر، فرغم سيطرة العثمانيين على بلاد الشام، إلا أن دخولهم إلى «القاهرة لم يعن نهاية الحرب، فقد استمرت المعارك في الشوارع لعدة أيام، ما اضطر السلطان سليم لمنح العفو للمماليك سواء كانوا في القاهرة أم خارجها ومنهم بطبيعة الحال جان بردي الغزالي، الذي أكرمه سليم بحُسن الاستقبال، لما أبداه من البسالة في مقاتلة العثمانيين في الريدانية»((22)). ويبدو أن سليماً أراد بمنحه العفو عن مقاتلي المماليك بصفة عامة وجان بردي الغزالي بصفة خاصة، التفرغ فيما بعد للقضاء على آخر مقاومة لطومان باي خارج القاهرة الذي تسلح بالقبائل البدوية. بعد معركة الريدانية، دخل الغزالي في طاعة سليم الأول، فأرسله على رأس حملة عسكرية إلى دلتا مصر للقضاء على تمردها سنة 1517 فقام بعملية تأديب دموية، بعد ثورة القبائل البدوية التي تعاطفت مع طومان باي الذي لجأ إلى حسن بن مرعي شيخ بدو البحيرة، وأخذ منه عهداً بعدم تسليمه للسلطات العثمانية، لكن الشيخ خشي انتقام العثمانيين فسلمهم إياه حيث شنق على باب زويلة بالقاهرة، بناءً على إلحاح خاير بك والغزالي الخائفين من تحسن علاقته بالسلطان سليم. وبعد استتباب أمور مصر لصالح العثمانيين، عيّن خاير بك المملوكي نائباً للسلطان العثماني في مصر. أما الغزالي فقد منح حكم ولايات صفد والقدس وغزة والكرك ونابلس. أما في بلاد الشام، فقد اشتعلت الثورات بسبب إجراءات السلطان سليم الجديدة «كإبطال العملة القديمة وإصدار عملة جديدة وتشديد الإجراءات لضمان الأمن. وأعقب العثمانيون تلك الإجراءات بإجراء آخر شقّ على سكان دمشق قبوله وهو تخفيض سعر العملة العثمانية الجديدة بمقدار النصف، ما أدى إلى تضرر السكان. كما اتخذوا إجراءات أمن مشددة لردع الزُعّر الذين نشطوا في دمشق في أعقاب الأنباء المتضاربة عن مصير العثمانيين في مصر. ويبدو أن تلك الاضطرابات قد أقنعت السلطان سليم عند دخوله دمشق بضرورة تعيين والٍ جديد عليها، يكون بإمكانه إخمادها، ووجد ضالته المنشودة في شخص جان بردي الغزالي. وشرع الاثنان معاً في القضاء على المناوئين للحكم العثماني في الشام، فتوجها في 1518م، إلى الأمير ناصر الدين ابن الحنش للقبض عليه، ولكنهما فشلا في مهمتهما وعادا إلى دمشق وأصدر السلطان سليم قراراً بعزل ابن الحنش حاكم البقاع اللبناني وحماة وصيدا وتولية محمد أغا بن قرقماس الجركسي مكانه. وقد شارك آل معن في تمرد ابن الحنش في البقاع الغربي، العامل على استعادة سلطة المماليك((23)). ولكن الغزالي عاد و«قضى على تمرد ناصر الدين ابن الحنش وحليفه ابن الحرفوش - الذي لم تذكر له المصادر التاريخية اسماً - قرب بعلبك في 26 ربيع الأول 924هـ / 7 نيسان (إبريل) 1518م، وقطع رأسيهما، وأرسل بهما إلى السلطان في حلب((24)) ونهبت قراهم وسبيت نساؤهم والأطفال»((25))! ولأن البحتريون في جبل لبنان ظلوا على ولائهم للماليك في مرج دابق، فقد عاقبهم جان بردي الغزالي (الذي كان حليفهم في موالاة المماليك) بسجنهم في قلعة حلب، لتبدأ مرحلة المعنيين في لبنان بفخر الدين الأول. وبطش الغزالي أيضاً ببعض أمراء نابلس وغيرها منهم قراجا بن طراباي الحارثي، وأخضعهم للسلطة العثمانية. وشن عدة حملات ضد القبائل البدوية في حوران وعجلون، بحجة التعرض لقافلة الحج الشامي عند طريق غزة، وقتل الكثير منهم، وغنم أموالهم. وبذلك امتدت ولاية الغزالي من معرّة النعمان إلى العريش بمصر. ويُحسب للغزالي أيضاً، تمكنه من هزيمة القراصنة الإفرنج الذين نزلوا ساحل بيروت عام 1520م، ومكثوا فيها ثلاثة أيام، حيث استولى منهم على عدة مغانم وأسر ثلاثمائة من رجالهم إضافة إلى ثلاث سفن كبيرة. ويبدو أن هؤلاء الإفرنج هم فرسان القديس يوحنا الأورشليمي، الذين كانوا وقتذاك يستقرون في جزيرة رودس بالبحر المتوسط قبل أن يستولي عليها السلطان سليمان القانوني فيما بعد ويطردهم إلى جزيرة مالطة. لكن وفاة السلطان سليم سنة 1520م، أدت إلى استيقاظ حلم الغزالي بالإستقلال بالشام، فتمرد على السلطان الجديد سليمان القانوني، مستغلاً الخلاف الناشب بين العثمانيين والصفويين، «فشرع بمحاصرة قلعة دمشق التي كانت تحت سيطرة الإنكشارية واحتلها وارتكب مذبحة مروعة بحق الجنود العثمانيين. ومنع خطباء المساجد من ذكر اسم السلطان سليمان على المنابر، وأمر بالدعاء له شخصياً في خطبة الجمعة، ونقش اسمه على النقود المصكوكة في دمشق. واتخذ لنفسه لقباً مملوكياً هو «الملك الأشرف»... وفي محاولة من الغزالي لجمع المؤيدين حوله، أعاد آل الحنش إلى حكم البقاع وولى أحمد ابن الحنش مكان الأمير سنان باشا. كما تمكن من الاستيلاء على طرابلس وحمص وحماة.. ولم يبق في الشام من الحصون القوية أمام جان بردي الغزالي سوى قلعة حلب، فجهز حملة كبيرة من الدروز وبدو جبل نابلس ومن الأكراد وبعض القبائل الأخرى. كما أن فرسان القديس يوحنا في جزيرة رودس أرسلوا له بعض قطع المدفعية لمساندته، وحشد الغزالي قرابة 23 ألف مقاتل لتلك الحملة.. إلا أنه فشل في الاستيلاء على القلعة سنة 1520، رغم إحرازه نصراً على والي حلب قراجا باشا العثماني الأصل. وبعد حصار استمر لمدة اثني عشر يوماً، انسحب الغزالي قافلاً إلى دمشق. وفي السنة التالية 1521، كان على جان بردي الغزالي أن يواجه قدره، فقد أرسل السلطان سليمان حملة ضخمة لوضع حد لتمرد نائبه على دمشق، و«نشبت معركة عند قرية الدوير شرقي قرية برزة بالقرب من دمشق، انتهت بهزيمة قوات الغزالي الذي تنّكر فيما بعد في زي درويش وحاول الهرب، لكنه وقع في الأسر وأعُدم في 6 شباط (فبراير) من العام نفسه، وأرسل رأسه إلى استانبول، واحتل العثمانيون دمشق. وكانت هذه آخر ثورة قام بها المماليك في بلاد الشام... وقد نتج عن فشل حركة الغزالي الانفصالية تلك عدة نتائج أهمها: ألغى العثمانيون الحكم الذاتي في الشام، وتم تقسيمها إلى ثلاث ولايات هي: دمشق وحلب وطرابلس، ووضعت منذ ذلك الحين تحت إدارة الولاة العثمانيين وخضعت لسلطة الباب العالي مباشرة. أقرّ السلطان سليمان، إياس باشا في نيابة دمشق عوضاً عن الغزالي، وفرهاد (فرحات) باشا في ولاية طرابلس. وألقى خاير بك نائب مصر القبض على المماليك الذين كانوا عند الغزالي وأمر بقتل بعضهم»((26)). أما شمالاً، وبسبب الصراع على السلطان في كسروان وبيروت بين العسافيين أنفسهم، فقد «شهدت بيروت مقتل حسن وحسين من أبناء الأمير عساف على يد أخيهما الأمير قائد بيه 1522»((27)). وكان الشيخ حبيش، من موارنة يانوح، في جبّة المنيطرة، قد انتقل في أوائل العهد العثماني إلى كسروان واستقر في غزير، قاعدة آل عساف، ودخل أبناؤه وأحفاده في خدمة الأمراء العسافيين، فاستعان بهم الأمير منصور، الذي ولي الإمارة عام 1523م، في القضاء على مناوئيه من الشيعة وغيرهم، وهكذا عظم شأن آل حبيش حتى اصبحوا الأسرة الأولى، بعد الأمراء في المنطقة، حسب قول المؤرخ سليمان الصليبي. «وأصبحت لآل عساف عن طريق آل حبيش، صلة بالموارنة في بلاد طرابلس، فأخذ ملتزمو الحكم في طرابلس يلزمون المناطق المارونية للأمير منصور، موكلين إليه تدبيرها وجباية أموالها، ونجح منصور، بمساعدة آل حبيش، في ضبط المناطق الموكولة إليه. وامتد حكمه مع الزمن حتى شمل جميع بلاد طرابلس عدا المدينة، كما شمل مدينة بيروت، وكان الموارنة في جميع هذه الأنحاء يرون في الأمير العسافي صديقاً وحامياً لهم. وصارت لآل حبيش زعامة يعترف بها جميع أبناء الطائفة»((28)).
Page 5
سليمان القانوني يستغل النعرة المذهبية في مصر، كان المماليك قد أعلنوا التمرد بدورهم بقيادة إينال وجانم السيفي، ولكن اعتدادهم بفروسيتهم، وتقليلهم من شأن سليمان القانوني الصغير السن، وازدرائهم للأسلحة النارية الحديثة التي يستعملها العثمانيون، قرر فشل تمردهم، وهكذا انتهى دورهم في التاريخ! وعين مصطفى باشا العثماني والياً على مصر مكان خاير بك، فقتل جانم، فيما فر إينال إلى غزة حيث اختفت أخباره. ومع وصول إبراهيم باشا إلى منصب الصدر الأعظم، عين منافسه أحمد باشا والياً على مصر، لإبعاده عن الآستانة. وقد باشر «أحمد باشا فور توليه حكم مصر في إلحاق الموظفين والقوات المملوكية في جهازه»((29))، وبدأ في اتخاذ الإمتيازات الملكية، عبر ذكر اسمه في خطبة الجمعة وسك اسمه على العملة، كما طلب من الإنكشارية التي تحصّنت في قلعة القاهرة بالانصياع له، فلما رفضت فرض عليها الحصار، فانسحب الإنكشارية منها عبر نفق سري، وسقطت القلعة بيده سنة 1524م، ثم أعلن نفسه سلطاناً على مصر. ولإضفاء الشرعية على نفسه؛ «طلب من فقهاء المذاهب الأربعة في مصر ومن سليل البيت العباسي ابن آخر خليفة عباسي مهمش حلف اليمين له. لكن الواضح أنه أكثر من مصادرة الأملاك وممارسة الإبتزاز ضد اليهود والمسيحيين، كما عمد لكسب حلفاء جدد له من خارج القاهرة فمنح حق ضرائب الأراضي الزراعية لمنطقة الشرقية لشيخ العرب عبد الدايم بن بقر، الذي كان قد ثار من قبل على حكومة خاير بك، وقد أدّى هذا التحالف إلى تهديد الحدود المصرية - الشامية»((30)). أمام خطر خسارة مصر، عمدت السلطنة العثمانية إلى استغلال النعرات المذهبية في حربها ضد أحمد باشا، «حيث أشاع العثمانيون في القاهرة أن أحمد باشا الذي تم تلقيبه بالخائن على علاقة وطيدة بالصفويين الذين يحكمون في بلاد فارس ويعتنقون المذهب الشيعي، وأنه تحت إغراء ظهير الدين الأردبيلي تحوّل عن المذهب السنّي، وأصبح من أتباع الشاه إسماعيل الصفوي. وكان ظهير الدين الأردبيلي قد استقر في إحدى المقاطعات العثمانية وتظاهر بولائه للمذهب السُنّي. وقد رأى الأردبيلي أن من المناسب الكشف عن سرّه وماهيته وإظهار حقيقة أمره لكي يُحوّل أحمد باشا إلى اعتناق المذهب الشيعي، وليؤكّد بأن أملاك السنّة قد أصبحت غنائم شرعية. ويبدو أن العثمانيين استخدموا تلك الوسيلة الدعائية بمهارة لتشويه سمعة أحمد باشا بين أتباعه من ناحية، والأهلين في مصر من ناحية أخرى، ذلك لخشيتهم من قيام تحالفٍ فعلي بين والي مصر والشاه إسماعيل الصفوي. ونجحت الدعاية ... وأعلن قضاة المذاهب الأربعة كفره وأوصوا بالجهاد ضده.. ما أدى إلى انهيار قوة أحمد باشا، فحدث انقلاب عليه سنة 1524، وتمكن هو من الفرار إلى الشرقية والتجأ إلى الشيخ عبد الدايم بن بقر. فتعقبه العثمانيون وألقي القبض عليه أثناء القتال ضدهم، «وقد شاءت الصدفة أن يُلاقي أحمد باشا مصيره بالقتل بعد أسبوع فقط من مقتل ظهير الدين الأردبيلي، الذي قُتل في 20 ربيع الأول 93هـ/26 شباط (فبراير) 1524م»((31)). مكيدة جون عكار كان قرقماز بن فخر الدين المعني الأول، يحاول الاستقلال بالجبل اللبناني، ولكن مكيدة دبرت للإطاحة به، كان بطلها يوسف سيفا، وتمثلت باتهام قرقماز بحادثة السطو التي وقعت في جون عكار سنة 1584، حيث هوجمت القافلة التي تحمل الضرائب من مصر إلى السلطان مراد الثالث في اسطنبول. بعد حادثة السطو هذه قام العثمانيون بحملة تأديب لعكار وتخريبها، ثم جاء دور الجبل حيث جرّد الأتراك حملة «لتأديب الدروز وعلى رأسهم قرقماز»((69)) والد فخر الدين الثاني، ففر إلى نيحا حيث قتل مخنوقاً في مغارة سنة 1585، وقتل معه 600 من رجاله، فخشيت أرملته السيدة نسب التنوخية على ولديها فخر الدين ويونس، وأوكلت أمرهما لمدبرهما الحاج كيوان نعمه، فأخفاهما في بلونه في رعاية أبو صقر إبراهيم بن سركيس الخازن، كون زوجته صفية «هي ابنة فارس الجميّل من بكفيّا ونسيبة والدته من آل الجميّل. فأبدل الخازني اسميهما تسترًا باسمي فخر ويونان وأبقاهما في عهدته إلى أن بلغا، فاستعادتهما والدتهما الست نسب سنة 1590 وانتقلت بهما إلى عبيه عند شقيقها الأمير سيف الدين التنوخي الذي ولاه وزير الشام حاكمية الشوف خلفاً للأمير قرقماز. فجمع الأمير سيف الدين أكابر البلاد وأعيانها في سهل السمقانية وبايعوا فخر الدين إمارة الشوف. في هذه السنة 1590 توفي الأمير محمد عساف وانتهى معه حكم الأمراء آل عساف التركمان على منطقة كسروان، فاستدعى فخر الدين أبا صقر إبراهيم وأخاه أبا صافي رباح الخازنيين إلى دير القمر وجعل الأول مدبّرًا لأموره والثاني دهقاناً على أملاكه وقائداً لجيشه مكافأةً لهما، ثم رفعهما إلى مصاف المشايخ بمخاطبتهما في رسائله بعبارة «الأخ العزيز» وأوكلهما على مقاطعة كسروان»((70)).
Page 6
من هم الخازنيون؟ آل الخازن: ينتسبون إلى جدهم نمر الذي يعود «إلى طائفة عرب النصارى. كان في الحجاز وانتقل إلى الشام في مطلع القرن الرابع عشر وتولى الخزينة زمن حكومة بني غسان في حوران فلقب بالخازن»((71)). ومن حوران رحل الخازنيون «إلى جاج (لبنان)، ثم انتقل سركيس الخازن من هناك إلى كسروان. وبعد مقتل قرقماز 1585، اختبأ ولداه فخر الدين ويونس في بيت أبو صقر الخازن في بلونة (بانتمائه إلى القيسية) بطلب من الحاج كيوان (مدبر الأمير قرقماز) الذي يعتبره البعض مارونياً من آل نعمة من دير القمر، وآخرون كردياً من بقايا المماليك»((72))، وهو تركماني على الأغلب. وفي سنة 1600 توفي الشيخ أبو صقر عن أربعة ذكور أشهرهم أبو نادر الخازن الذي حلّ مكان أبيه إلى جانب فخر الدين الثاني، الذي أوكل أثناء منفاه الإيطالي سنة 1613 إلى أبي نادر «خدمة حريمه وتدبير أرزاقه فاستمرت هذه العادة في أيام المعنيين والشهابيين أن يولوا على ديارهم الخوازنة ويعهدوا إليهم نقل بيوتهم ونسائهم متى لزم الأمر. ومن ذلك لقب المشائخ آل الخازن بحافظي سر بيت معن. وسنة 1615 حكم أبو نادر مقاطعة كسروان وسنة 1618 ولاه الأمير فخر الدين على جبيل والبترون وغيرها... ونظراً لاتساع نفوذه ومقاطعاته، أصبح أبو نادر الخازن من كبار وجهاء الطائفة المارونية وأثريائها، فراح يشتري (هكذا!) الأملاك في حراجل وريفون وكفرذبيان من سكانها الشيعة، ويستدعي الفلاحين الموارنة من الشمال والجبل للسكن فيها وتعمير القرى التي كان قد خربها المماليك منذ قرابة ثلاثة قرون... وإلى جانب تدبيره الحكم، كان قائداً لجيش الأمير فخر الدين الثاني، مما زاده شهرة ونفوذاً... بعد موت الأمير فخر الدين انكسرت شوكة آل خازن وجار عليهم بعض ولاة الأمور. فذهب أبو نادر وأخوه فاضل أبو خطار وابنه نادر إلى الكراندوكا فردينندو الثاني في فلورنسا وكان ذلك سنة 1635. ورجعوا بعد سنتين أي بعد ظهور الأمير ملحم المعني واستظهار القيسية على اليمنية... وفي سنة 1647 مات أبو نادر فخلفه ابنه نادر المعروف بأبي نوفل، مدبر ولدي الأمير ملحم أحمد وقرقماز، ووكل إليه الأمير جباية الأموال الأميرية من كل الجهات ومن سائر أصحاب المقاطعات التي في عهدته. ثم عين وكيلاً لقنصل فرنسا في بيروت في العام 1655، بتوصية من البطريرك الصفراوي تعزيزاً لموقع الموارنة في البلاد، وأسبغ الملك الفرنسي لويس الرابع عشر على وكيل القنصل أبي نوفل برتبة شرف، وسنة 1656 أنعم عليه البابا اسكندر السابع بالكوليرية الرومانية (لقب الفارس الروماني) وأن يتقلد سيفاً ويعمل مهاميز من ذهب، فجعله بمصاف أمراء البلاط الروماني والبابوي. وسنة 1659 أنعم عليه ملك فرنسة بقنصلية بيروت وعهدت إليه أيضًا قنصلية البندقية. وفي أول كانون الثاني سنة 1662 أصدر الملك الفرنسي إياه براءة ثانية عين بموجبها أبا نوفل المذكور قنصلاً لفرنسا في بيروت مكان القنصل بيكان، وسنة 1671 أحال السلطان محمد الرابع مقاطعة كسروان ومزارعه إلى عهدة أبي نوفل وأولاده((73)). تزوج نادر بابنة الشيخ معتوق حبيش ورزق منها ولدين نوفل وأسد. فنوفل (ويدعى الأول) مات وأمه في قلعة صمر جبيل من زلزلة حدثت وهدمت البرج الأوسط من القلعة المذكورة. وأسد توفي في صغره. ثم تزوج نادر ثانية ورزق فياض (أبا قنصوه) ونوفل (الثاني وهو أبو ناصيف) وخازن (الذي قتله فياض أخوه) وطربيه (وهو أبو ظاهر) وخاطر. وبعد موت زوجته الثانية أخذ امرأة من بيت الدهان وولد له منها علم (أبو النصر) وقيس (أبو كنعان) وسليمان الذي لقب بأبي علي»((74)). في العودة إلى صراعات الزعماء المحليين، أراد موسى الحرفوش سنة 1586، أن يستعيد بعلبك التي كان يحكمها أنذاك ابن قنبر الملقب بالأقرع (لأنّه ليس من أولاد الأُمراء) وحكومة بعلبك موروثة لبني الحرفوش، فعرف ابن الأقرع ما دُبّر له، فجاءه ألف رجل جمعهم بنو الحرفوش مِن كسروان، والشوف، وعين دارة، وأرادوه على أن يخرج بعياله وبمَن يلوذ به حيث شاء، فأبى إلّا قتالهم، واستنجد بالأمير قرقماز بن الفريخ أمير بلاد البقاع، وبغيره مِن التُركمان والعرب، فأجابه مَن طلبه، فخرج إليهم، فلمّا التقى بهم انتصر عليهم، وولى الدروز هاربين، فتبعهم أهل بعلبك يقتلونهم، وقتلوا منهم ألفاً وثمانين قتيلاً في لحظة واحدة، ولم يُقتل مِن جماعته سوى شخص واحد(!)ويقول البوريني: وكان أصلح له ولجماعته طعاماً قبل المعركة، فقاتل أعداءه ورجع والطعام لم يبرُد، وأُرسلت الرؤوس لدمشق لتُعرض فيها!، ثم قَتل الأمير علي بن الحرفوش ابن الأقرع، وندم على قتله، وأخذت الدولة بعد ذلك عليّاً إلى دمشق بالأمان، وغدرت به وقتلته، وقتلت معه عسّافاً الكذاب الذي ادّعى أنه ابن الأمير طرباي، أمير بلاد اللجون.. وبقي الأمير موسى في إمارة بعلبك حتى دخل الأمير علي بن جانبولاد بعلبك، قاصداً دمشق، فنهض الأمير موسى إلى نواحي حمص لاستقباله، مداراة ومحاماة عن أرضه... ثم إن ابن جانبولاد جاء إلى البقاع وخيّم بها، وانحاز إليه الأمير يونس بن حسين بن الحرفوش - ابن عم الأمير موسى - ومَن معه من أولاد عمّه، وقصدوا بعلبك فنهبوها، وفرّقوا أهلها، ووقع من ابن جانبولاد بعد ذلك ما وقع من قصّته، وحوصرت الشام، وصولح ابن جانبولاد على المال، وصولح ابن معن علىأن تكون بعلبك والقاع للأمير يونس.فلمّا رجع ابن جانبولاد وعشيره، خرج الأمير موسى إلى القيروانيّة، وجمع عشيراً كبيراً لقتال ابن عمّه، وإخراجه مِن بعلبك. ثمّ صرف العشير، ورجع إلى دمشق مريضاً»((75))، حيث مات (1607م).
Page 7
فخر الدين الثاني سنة 1590م تسلم فخر الدين الثاني إمارة الشوف من خاله سيف الدين التنوخي، ولم يبلغ الثامنة عشرة من عمره، فوجد الأمير الشاب نفسه وسط أمراء متعددين، يحكم كل منهم مقاطعته على هواه. ورأى أن أقوى هؤلاء الإقطاعيين هما يوسف سيفا في طرابلس، ومنصور بن فريخ في البقاع، وقد تحالفا لابتلاع مقاطعات الزعماء الذين يُجاورونهما. فما كان من فخر الدين إلا أن جمع شتات الحزب القيسي في حلف قوي يمكّنه أن يقف في وجه الزعيمين اليمنيين: ابن سيفا، وابن فريخ. ومن هؤلاء الحلفاء آل شهاب أمراء وادي التيم، وآل حرفوش أمراء بعلبك. وجذب إلى صفه بعض مشايخ العرب في حوران، وعجلون في شرقي الأردن. وكان فخر الدين يستعين، لبلوغ أهدافه السياسية بثلاث وسائل: القوة والمال والمصاهرة. لقد جهّز الفرسان والمشاة ووجّه الحملات لإخضاع خصومه، وبذل المال والهدايا لاستمالة الولاة العثمانيين، وصاهر آل شهاب، بل رأى يوماً أن من الخير له أن يُصاهر أسرة خصمه ابن سيفا((76)). ومهما يكن من أمر، فثمة أسباب عدة دعت فخر الدين فور توليه مقاليد السلطة للنظر إلى أبعد من الإمكانيات المتاحة لديه ولأسرته منها: إقامة إمارة واسعة، امتدت ذات مرة من حلب إلى تخوم غزة؛ والاستقلال عن السلطنة العثمانية، بعدما لمس ترهلها؛ واعتماد علاقة مميزة مع المسيحيين خصوصاً الموارنة، لسببين: أحدهما حضنهما له في اختفائه، وثانيهما علاقتهم بالغرب، ومعاداتهم لآل سيفا ألد أعدائه. وعلى مبدأ الشطارة، تلك العبقرية اللبنانية الخالصة في بناء الاستراتيجيات الكبرى! كان فخر الدين يستعين لتحقيق «أحلامه عن طريق الزواج حيناً، وعن طريق الدسائس والرشوة والتحالف حيناً آخر»((77))، لذلك يصفه المؤرخ الروسي لوتسكي بأنه «سياسي ماهر، بارع في حبك الدسائس، كما كانت له عيون في الآستانة وفي قصور الباشوات ودور الأتباع، وبذر الشقاق في صفوف أعدائه، ولإرضاء السلطان العثماني عنه، قام بدفع أموال ضخمة لخزينة الدولة، وتقاسم معه الغنائم الحربية... وإتباعاً لسياسته الحكيمة، فقد اتخذ من الأسرة الشهابية حكام وادي التيم حلفاء مخلصين له»((78)). وقبل التطرق إلى كيفية تمكن فخر الدين من إقامة إمارة معنية مترامية الأطراف على شكل مؤقت، نجد لزاماً علينا بسط الخريطة السياسية اللبنانية والفلسطينية بما عليها من قوى محلية متصارعة وتكتّلات متحالفة. ففي منطقة بعلبك وسهل البقاع اللبناني، كان آل حرفوش الشيعة (1591-1865) يتمتعون بشبه استقلال سياسي في مقاطعاتهم. ولم يقتصر نفوذ الحرافشة على البقاع، بل كثيراً ما كانوا يتدخلون في شؤون المقاطعات المجاورة لهم؛ أما في جبل عامل فكانت بيوتات إقطاعية شيعية أيضاً كبني صعب في مقاطعة الشقيف، وبني منكر في مقاطعة الشومر، وبني علي الصغير في بلاد بشارة، حيث تمتعوا هم الآخرون بحكم ذاتي تحت قيادة شيوخهم.. وفي شمال لبنان كان آل سيفا ذوو الأصل الكردي يحكمون في طرابلس، وأشهر حكامها يوسف باشا سيفا الذي عينته الدولة العثمانية والياً على طرابلس عام 1579، واشتهر بعدائه الشديد لفخر الدين الثاني، فقد كان لعدائهما الشخصي مدلول حزبي، فآل سيفا كانوا من اليمنية، بينما آل معن من القيسية رغم أنهم كانوا في الأصل يمنيين((79)). وقد اتخذ آل سيفا من طرابلس مقراً لهم واتبعوا سياسة مناوئة للتجارة الأجنبية، ومع الوقت أضحى يوسف سيفا أقوى من الباشا التركي. «وفي سنة 1590 نصب رجال الأمير يوسف سيفا كميناً بين البترون والمسيلحة لمحمد عساف وقتلوه. وحسب العادة التي كانت متبعة في ذلك الحين، تزوج المنتصر الأمير يوسف زوجة القتيل واستولى على ممتلكاته وممتلكات جميع أفراد عائلته وخرب بيوتهم في غزير... وكذلك قضى بنو سيفا على مشايخ حبيش»((80)): «أبي يونس وأبي سعد منصور حبيش وقتلهما ونهب دارهما، وأقام بالنيابة عوضهما أبناء حمادة، فانتقلوا مع يوسف باشا من غزير إلى طرابلس، وأوجس يوسف باشا مِن آل حمادة فألقى الفتنة بينهم وبين المستراحيّة الذين كانوا بجبة المنيطرة، وكانوا مِن أنساب آل حمادة، فقتل قانصوه حمادة أناساً من المستراحيّة في طرابلس، ثم قَتل منهم بعضاً كانوا يسكنون بكفر صلدا، وصعد إلى المنيطرة بعسكر يُريد إهلاك أحدهم المُسمّى جمال الدين سيالة، فأصابته رصاصة فقتل وحملته جماعته إلى كفتين فدُفن فيها»((81)). إنتقلت إذاً شؤون الموارنة في ظل آل سيفا «من آل حبيش الموارنة إلى آل حمادة الدروز الذين مارسوا القسوة تجاه مواطنيهم، ومما ساعد على ذلك أيضاً الحروب العثمانية المتواصلة وتدهور قيمة العملة العثمانية والضرائب الباهظة فضلاً عن التعصب الديني للسكان وقسوة عوامل الطبيعة، فأخذ الموارنة ينتشرون من مناطقهم التقليدية في شمال جبل لبنان إلى جنوبه أي نحو الشوف مقر حكم الأمراء المعنيين»((82)). كانت الزعامات المحلية تسعى دائماً إلى «توسيع دائرة نفوذها على حساب السلطة العثمانية المحلية من دون أن تستقل عنها، وسارعت القوى الأوروبية إلى التقرب من هذه الزعامات لإضعاف العثمانيين، وكانت أبرز هذه الزعامات الأسرة المعنية الدرزية والأسرة الجانبلاطية الكردية»((83)). والتقت المصالح، فكانت رغبة الأتراك في الحد من قوة آل سيفا الذين صاروا أقوى من الوالي التركي ذاته، والإبقاء على جو النزاع في لبنان، فقد أخرجوا فخر الدين الثاني من مخبئه، في صفقة مع ملوك الغرب، وسلموه الحكم على كل الجبل الجنوبي عام 1591 ما خلا بيروت وكسروان. كان الأمير منصور بن الفريخ حاكماً على البقاع ونابلس وصفد وعجلون وكان العثمانيون يتوجسون من ازدياد قوته، وكان فخر الدين يتوجس من منافسته. وفي ظل السلطان العثماني الضعيف أحمد الأول، «رأى فخر الدين أن يُزيح ابن الفريخ من طريقه أولاً، فاغتنم مرور مراد باشا القبوجي في صيدا، في طريقه إلى دمشق لتسلم منصبه والياً جديداً عليها، وتوجّه للترحيب به وقدم إليه الهدايا، فاطمأن الوالي للأمير المعني واستمع إلى رأيه في ابن فريخ وسوء سياسته. ولم يلبث مراد باشا أن استدرج منصور بن فريخ إلى دمشق وقبض عليه وقتله خنقاً سنة 1593، وعندما حاول ابنه أن يحل محله، أوعز مراد باشا إلى فخر الدين بأن يقضى عليه، ففعل. وبذلك انتقلت أراضي بني فريخ إلى بني حرفوش حلفاء فخر الدين.. كما أقطع مراد سنجق بيروت، وكان تابعاً لابن سيفا، وأعاد إليه سنجق صيدا الذي انتزع من المعنيين إثر حادثة جون عكار. وكانت أراضي السنجقين تمتد من نهر الكلب إلى عكا شاملة بلاد جبل عامل. ومنذ ذلك الوقت اتخذ فخر الدين صيدا مقراً له((84)) شتاء وصيفاً دير القمر. «وبسيطرته على بيروت وصيدا تحكم في منفذ جبل لبنان إلى الخارج»((85)).
Page 8
بعد معركة دير زيتون سنة 1594، «آلت السلطة على البقاع من آل الحنش، إلى آل الحرفوش. الذين اتخذوا من الكرك عاصمة لهم، «وهي من المعاقل التي نما فيها نفوذهم وساعدهم على تسلم زمام الحكم في بعلبك، وكانت منطلق تحركاتهم نحو بعلبك شرقاً، وباتجاه ‏قب الياس ومشغرة غرباً. اختارها الحرافشة لغلبة التشيع على سكانها منذ عهد مبكر، وكانت ملاذ رجال الشيعة لما يدهمهم خطر الحكام. لم تكن الكرك مركزاً علمياً للمسلمين الشيعة وحسب، بل لعبت دوراً سياسياً بالغ الأهمية من حيث كونها مقراً لولاية البقاع العزيزي إلى جانب بعلبك، ومقراً لولاية البقاع ‏البعلبكي»((86)). وبعد انتصاره على يوسف سيفا في موقعة نهر الكلب سنة 1598 وقتله علي سيفا (ابن أخي يوسف)، «تولى الأمير فخر الدّين على بلاد كسروان وبيروت، وضبط أرزاق بيت عسّاف»((87))، «غير أنه لم ينجح في تملّك الإقليم الشمالي لأكثر من سنة، لأن العثمانيين كانوا يدعمون يوسف باشا دعماً معنوياً»((88))، فوقع الصلح وتركهم ورجع إلى بلاد الشوف، «وكان معظم مقدمي الموارنة في بشري يأتمرون بأمر بني سيفا. وكان واجب المقدم الرئيسي أن يجمع الضرائب ويبعث بها إلى الأمير الذي يرسلها بدوره إلى السلطان بواسطة أحد الباشاوات القريبين منه»((89)). كان ضم بيروت لإمارة فخر الدين تحدياً شديداً لوالي طرابلس يوسف سيفا، الذي كانت بيروت تابعة له من قبل. فظل ابن سيفا يترقب الفرص حتى أقصي مراد باشا القبوجي عن ولاية دمشق. عندئذ حاول ابن سيفا استرجاع بيروت، ولكنّ فخر الدين وحلفاءه الشهابيين وبني حرفوش باغتوه في ممر نهر الكلب وهزموا جيشه وطاردوه حتى كسروان والفتوح واحتلوهما عام 1598. وبعد أن تدخل والي دمشق الجديد، وبعض المصلحين، أعاد فخر الدين كسروان والفتوح وبيروت إلى ابن سيفا، لقاء إخلائه إلى الهدوء، وامتناعه عن مناوأة فخر الدين، ففضل فخر الدين صداقة ابن سيفا على عداوته((90)). غير أن الأخير لم يُحافظ على عهده طويلاً، حيث يذكر الشيخ طنوس الشدياق في أخبار الأعيان: «وسنة 1600م أرسل يوسفُ باشا سيفا يوسف وقانصوه ابني أحمد يقتلان مُقدّمي جاج، لأنّهم أحلاف الأمير فَخر الدين، فوجدا المُقدّمين الأربعة عند البيادر فقتلاهم، وسلبا أموالهم، وأخذا مشيخة بلاد جبيل عوضهم»((91)). بعد أن اطمأن فخر الدين إلى إمارته الشمالية، انصرف إلى التوسع جنوباً، فضمّ عام 1600 سنجق صفد، وكان يشمل قسماً كبيراً من شمال فلسطين. وقد أدت طموحات فخر الدين التوسعية إلى إثارة قلق زعامات فلسطين المحلية. ففي منطقة اللجون كان آل طراباي لهم السيادة والزعامة، واشتهر منهم الأمير أحمد بن طراباي الذي حكم لمدة نصف قرن تقريباً، بين 1601 -1647((92))، ودارت بين الزعيمين عدة مواقع؛ وثمة أسرة من أصل شركسي كان زعماؤها حكاماً على نابلس والقدس، هم آل فرّوخ، وكانت تلك الأسرة حلقة الوصل بين آل طراباي في شمال فلسطين وآل رضوان في الجنوب (غزة)، وقد شغل أفراد آل فرّوخ وظيفة إمارة الحج الشامي لعدة أعوام، وتعاونوا مع حلفائهم على منع فخر الدين الثاني من الاستيلاء على القدس كما خطط لذلك، وقاموا بحماية الحجاج كل عام. ومن أشهر آل فرّوخ الذين تصدّوا لتوسعات فخر الدين، الأمير محمد بن فرّوخ الذي تولى الحكم بعد وفاة أبيه الأمير فرّوخ بن عبد الله وهو في طريقه إلى مكة على رأس قافلة الحج الشامي. وكان محمد قد عزل عن نابلس عدة مرات، ثم عاد إليها بفضل الدعم الذي لقيه من العثمانيين ضد عدوه الأمير فخر الدين الذي طمع بمنح حكومة نابلس لأبنائه وأعوانه؛ أما مركز القوى الثالث في فلسطين فكان آل رضوان حكام غزة ذوو الأصل التركي، الذين توارثوا حكم سنجق غزة ما يقرب من قرابة القرن ونصف القرن. وكان آل رضوان أبرز وأقوى أمراء الحلف الثلاثي الذي ضمهم مع آل طراباي وآل فرّوخ، حيث واجهوا فخر الدين ومخططاته»((93)). استؤنفت النزاعات بين فخر الدين وحلفائه من جهة، وبين مناوئيه من جهة أخرى، ففي سنة 1602 «كبس الأمير موسى بن الحرفوش مع جماعته جبة بشري، فنهبوا البيوت واستاقوا الماشية، ولمّا بلغ ذلك يوسف باشا (سيفا)، جمع جنوده وأهل الناحية نحو خمسة آلاف رجل، وسار فيهم، فكبس مدينة بعلبك، فهرب أهل المدينة، فنهبوا وقتلوا من أدركوا، واحتمى شهلوب بن النبعة مع بعض الحرافشة، وكثير مِن أهل المدينة في قلعة بعلبك فحَرق يوسف باشا قلعة الحدث في بلاد بعلبك، وحاصر القلعة خمسين يوماً، ثُمّ ملكها وقتل ابن فاطمة ورعد بن نبعا؛ لأنّه كان مع الأمير فخر الدين في وقعة نهر الكلب، وقتل ابن أخيه الأمير عليّاً، ثُمّ نادى بالأمان»((94)). عزم فخر الدين على تأديب ابن سيفا، «فتوجه إليه بجيش كبير كان قد أعاد تنظيمه، وعززه بالرجال والسلاح، فاشتبكت قوى الفريقين في جونية عام 1605، في معركة شديدة انتهت بانهزام ابن سيفا واستعادة فخر الدين لكسروان والفتوح وبيروت. ولكي يُحافظ فخر الدين على مكاسبه الجديدة، أخذ يغمر والي دمشق بالهدايا، فاعترف الوالي بإمارة فخر الدين على المناطق التي استولى عليها((95))، و«كوفئ بمنحه سنجق صفد وكلف بضبط الأمر بين سكانه من الشيعة والبدو. غير أن فخر الدين، مستقوياً بتحالفه مع توسكانا، وقائداً لجيش من 30 ألف مقاتل، ومسيطراً على نحو ثلاثين قلعة من قلاع المنطقة، عمد إلى توسيع سلطته إلى سهل حوران ومرتفعات الجولان في جنوب بلاد الشام»((96)). عقب ذلك، قلد الأمير يونس المعني الشيخ أبا نادر الخازن ولاية كسروان ومعه مملوك الأمير ذي الغفار، وأمَره بالإقامة في كسروان، وفوّض إليه أمر الشوف وبلاده، وولى الأمير سليمان سيفا بلاد البترون ووضع عنده أُناساً مِن المشايخ، فأشار الحماديّة والشاعريّة على الأمير سليمان أنْ يطرد الخوازنة مِن عنده فطردهم، ولما بلغ يوسف باشا ذلك زحف عليه برجاله وحاصره في برج تولا، فكتب الأمير سليمان إلى الأمير علي المعني يستغيث به، فجمعَ الأمير علي رجاله حالاً وزحف بهم إلى نهر إبراهيم لمساعدته. فأما يوسف باشا فشدّد الحصار على الأمير سليمان، وتسلمه عنوة وسار به إلى عكار، وإذ بلغ الأمير علياً ذلك أمر بنهب قرى الحمادية والشاعرية وإحراقها؛ لأنّهم خدعوا الأمير سليمان بطرد الخوازنة مِن عنده»((97)).