eKtab
EN ع
لجين الشوق
Read free sample

لجين الشوق

by عصام الحاج عزمي وزوز

Page 1
تقديم
 
الصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد،،
 
فإني أزعم أنني أكتب عن كاتب واعدٍ حط في رحاب صحيفة الدستور؛ لكي يبدأ المشوار الطويل الذي بدأته معه. وهي رحلة الكتابة ورحلة القلم الجميل الذي حَمِله عصام وزوز،. ومنذ اللحظة الأولى والكلمات الأولى التي نطقها أمامي. قلت في نفسي هذا كاتبٌ سيكون له شأن وأي شأنٍ في عالم الكلمة.. وهكذا كان.. فقد بدأ عصام رحلة الكتابة في الدستور التي أعتز أنه أصبح أحد كُتّابها... ومع الأيام بات عصام واحداً من أبرز كتّاب صفحة بريد الدستور وكنت أحثه وأشجعه باستمرار على النشر لأن الاستمرار يُعين على البقاء في الميدان. حيث قُدّر لقلمه أن ينبض ولكلماته أن تجد طريقها نحو النشر. وحين بدأ عصام بنشر نتاجه على صفحات الدستور باتت الكلمات في قلمه هيّنة ليّنة وطبيعية وباتت هي ديدنه الذي يُؤمن به ويَعمل له.
 
إن نتاج عصام وزوز الذي سيطالعه القارئُ الكريمُ في هذا الكتاب. هو نتاج جيّد يشهد له بذلك كل من يقرأه بتمعنٍ. وهو نتاج يستحق ليس القراءة والتعليق بل والدراسة لأنّه نتاج لإنسان مجد ومجتهد. أضف إلى ذلك فإن عصام وزوز قارئ جيد لكتاب الله الكريم وهو الكتاب الذي يُغني ذهن كل كاتب ويقوّم لسان كل قارئ.
 
فتحية إلى عصام وزوز الكاتب الواعد الذي انطلق من الصفر لكي يقدّم للقارئ الكريم ما هو بين يديه الآن من نتاج يأمل أن يكون في المستوى المطلوب...
 
فوز الدين البسومي
Page 2
لجين الشوق
 
بيضاء بلمعانها تنير قلباً رقيقاً بصمته، كبيراً بواحة عطائه، لتطفوَ على سطحهِ كريشةٍ تعانق أوراق أشجارٍ خريفيّةً بصفارٍ محمــــرٍ وآخر ذهبي، فيكون الجمال بألوانه العاطفيّة، والهدوء النقي.
 
قطرةٌ بعد قطرةٍ، مكونةً شلال أخلاقٍ في وعاءٍ كريمٍ، وشطر معادلةٍ موزونةٍ؛ تفيض حكمةً ومعانيَ ورؤىً زاهرة محاطة بحبات الندى الدافئ- رعايةً – بحرصٍ لطيف، وخوفٍ سعيد.
 
كم كبُر في القلب شوقٌ لها، وترعرع كأنّه الخيال البعيد، أو الظل في ليلةٍ سيّدها قمرٌ، بانت لأجلها حبات الرمل الصفراء، تحركها نسمات ترتدي ثوب الخجل، لتصبح واقعاً برداءٍ منيرٍ، يحتفلُ فرحاً لقدومها، تلك التي ملكت قلوباً هي لها مسكنٌ وملاذ.
 
وكأني أراها معصماً أبيضَ؛ رُسمت عليه أجمل التفاصيل، أو أنّها عنقٌ تعلّقت فيه روحٌ صغيرة لتظهر منها صدق مشاعر، بها كانت الحياة وإليها كل الحياة.
 
يا صغيرةً تغيّر في النفس أي بروزٍٍ عميقٍ، أو أنّها توشك أن تعيد للحياة نبضها، وتتدفق ينابيع حبٍ برئٍ، لتسقيَ عروقاً عطشى للحظةِ سرورٍ مرغوبٍ،وتكون كما كان لها من دعاءٍ: أنّها وردة عزٍ شامخةٍ، تكافئ كل مقتربٍ منها؛ طبيعةً خلاّبة، وعبير نصحٍ صادقٍ، يغرسُ في العمق أطيب الأثر، ويثمرُ التحول المطلوب.
 
أي رسالةٍ أنت يا نبراساً في سماءٍ سوداء، كم سيُشع فائدة إلى أقطابٍ بعيدةٍ، تبقى خالدةً لأزمانٍ وأيّامٍ مديدة، تُترجمُ منها قصائد الشوق فضيّة، وتحاك بها أنصع الأثواب أدباً دافئاً، ينتشر عبقه وسط ضغائن بشريّةٍ؛ فتصيّرها رذاذاً حقيراً يتيه في عالمٍ بُدلت أجزاؤه إلى أجملَ من لحظاتٍ سعيدة.
 
لجين القلب، يا نبضه وحياءه الحزين، يختفي عن أعين البشرِ كما القمر، إلاّ عنه وهو يسكن الجسد روحاً، ودماً زكياً، يضخ حباً، ويجعلُ للبياض فيه مكاناً.....
 
عمّان..... 23/11/2007
Page 3
أبحث عنها
 
عندما تتحول دقائقُ عاطفةٍ رقيقةٍ ذاتِ ألوانٍ نقيّةٍ إلى ساعاتٍ مؤلمةٍ تغرق في مياهها أجسادٌ يملؤها الصدى.. أبحث عنها.....
 
عندما تتجول أفكار الفِراق الأكيد في الذهن الأسير بين قضبان سجنها الأبدي.. أبحث عنها.....
 
وعندما ينتهي ربيع حبٍ أخضرٍ أزهر ثمراً وسط بستان قلوبنا الكبيرةِ إلى اشتعال حبل الوداد صيفاً يلقي بردائه الأصفر على أوقاتنا الخصبة.. أبحث عنها....
 
ثمّ بين قطرات بحرها الواسع تكبر محارة قديمة توشك أن تلقي بطيفها اللؤلؤي نحو شباكي الحريرية؛ لتكوِّن وسادة عشقٍ يغفو بين ساعدْيها ألمي تحت قعـرٍ دفين،، هناك !! مازلت أبحث عنها.....
 
إلى متى أطير كريشةٍ هزيلةٍ في سماء التيه الواسعة؟ تارةً يكسوني الأمل لأنتظر اللقاء، وأخرى أربط بحبالٍ أليافها فشلٌ، كانت قد انغمست في وعاءٍ قديم، فاض من شدّةٍ وشقاء، فتضيق السبل، ويقطع الحبلُ وسط الطريق، فأرنو نحو سرابٍ مسرعاً، طالباً شعلة شوقٍ تنير ظلماتِ البعد الأكيد، لأجدها سحابة دخانٍ تحرّكها رياحٌ شديدة، وترمي بها في أعماق الصمت..
 
طال البحث، واشتدّ طعم الحياة مرارةً، ومازال في النفس شئ من أمل لأن تتدفق في العروق حياةٌ، وتبدأ بالسير الأقدام راجية الوصول إلى مقصدها الذي أرادت، لأنّه لن يكون منها إلا ّأن تنال الجائزة التي إليها سعت، لما تحمله من صدقٍ قُدّر له أن يحيط بها.
 
وبين الكلمات التي يفيض بها نهر عباراتي، أجدها مرتديةً غير البراءة، نازعةً كل معاني البر والحياة، وكأنّها ما أرادت إلاّ التّخفي....!!
 
إنّها كلمة الخير، رغم عدم الوضوح، تُعرف من معالمها الأكيدة،غير متأثرةٍ بطمسٍ.. لبروزها.. أو أن تحاكَ في حقها أي مكيدة، فلها من كل مؤيّدٍ شئٌ من دفاعٍ، لتبقى السراج الذي يشع نوراً في عالم الظلام.........
 
عمّــان..... 31/05/2005
Page 4
أشواك وذكرى
 
يوم في العام يأتي كأنّه ذلك الوحيد الذي تقف عنده الذكريات، كثيرة فيه النباتات، بين ضارٍ بخضرةِ ذات سمِ فتّاك، وكأنّه الصياد يرمي بيده المخفيّة الشّباك، أو بلسمٍ مترقرقٍ بملمسه اللامع وبريقه الدافئ النّابت في وعاءٍ من المنفعة ذي السياج الوردي الحر، ليطرح ثمر خير ونجاح وسط معمعةِ من عراك.
 
أفكار مع أفكار تُرمى، دون اعتبار أو تقدير، ليغيب قرص لُبّها خلف جبالٍ من أنفةٍ وعزّة ذواتي ثوبٍ مرصّعٍ بأحجارٍ جاهليّة، مجبرة على الظهور بكمال المنطق والأهليّة، لأن تُسيّر الأمور، وتدعو إلى التقدم بالسير والعبور، فوق جثثٍ من تعبير، وشاخصاتٍ دالةٍ على صواب المسير.
 
أين ذلك المخيط الذي يقي النفس من حرارة الكره الدفين، فإن رقّ وشف، بانت شاماتٌ من البعد الأسود، ويكون الغرق في بحور من عرق الإيذاء الأكيد، بحمرة الدماء البريئة هي طريقٌ معبّد، كذلك الحال في السماكة والأمر الثخين، وما هي إلاّ عين الآثار التي تُرسم على لوحة الأيام حال الزمهرير.
 
كل الأدلة تُرشد إلى جرم ذلك القلب الأسير، فهو يضرب بسلاسله السليطة، وحلقات مرابطها الصارمة، كل من بيده مفاتيح القيود، ليكون هو من يتعدّ الحدود، ويخرج من تلك الدوائر المرسومة، والتي ماهي إلاّ عادات مزعومة، بأنّها تحافظ على البناء قائماً من غير الشوائب، وأنّها بغير ذلك لن تكون مدعومة.
 
كلاّ..... إنّما هو مركب من إصرار صلب، يأبى إلاّ الإسراع فوق بحور الحريّة الحقيقيّة، يرمي بمراسي الصواب فيها أينما كان،لا يردها عن الوصول إلى القاع إلاّ صخورٌ متعديّة إيّاها صلابةً، ثم تجعلها فتاتاً يعيش عليه عصفور صغير، أو فقاعاتٍ صمّاء تطفو على سطحها وما تلبث إلاّ أن تنفجر صارخة، بدويِّ لعبةٍ ناريّة، بين يدي أبلهٍ حقير.
 
لابد من الصواب أن يلقي بردائه على الكلمات البيضاء؛ فترافق رحلة الذكريات وروداً، ذات عطور، وتبقى شموعاً تنير مع مر العصور، دروباً، للفكر السليم من بينها أساس، ينمو ويترعرع في أذهان النّاس، ليكون كلٌ به مسحورا.....
 
عمّان..... 24/03/2010
Page 5
أطوار ٌرمضـــانيـّـة
 
بحلّة ايمـــــان بيضـاء نرتدي ثوباً، وشوقِ أمّ لابن بعيد نستقبل ضيفــاً، وبعزيمة المُجدّ للعطــاء سننجـز عملاً.
 
إنّها الأطوار الثلاثة التي بدأنا نعيش، مستفتحين بالرحمــة طوراً مبيّضاً لقلوبٍ اسودّت باشتعال نار البغض والذنوب حتّى أنها كانت كليل سرمدي ثم تشرق فيه الأنوار البهيّة.
 
فكان انسياقنا نحو شهواتنا، والملذّات أمام أعيننا تتْرى، لولا هذه الأيّام القليلة التي مثلها كشرطيٍ يمنع اندفاع نفوسنا – في انحدار- نحو هاوية لها تظلمُ.
 
لكنّها البداية التي منها تبدأ المغفرة من جميع ما ارتُكب من آثام، لنذوق طعم الحلاوة التي طالما اشتهاها محلول حياتنا المر.
 
أمّا بعد ..! فيكون عتقنا من النار كطور ثالث لكل من أدّى ما عليه بل و زاد، فأكرم به من جزاءٍ على أعمال لها من السهولة بمكان مما يجعلها في دائرة الاستطاعة البشريّة، عندما تكون محاطة بسياج الإخلاص.
 
فهمـا فرحتان، نلتقي بهما في تسع وعشرين مرّةً، أو ثلاثين، حقاً .. نعمة كبرى وتفضل عظيم إذا ما قورنت أعمالنا بالجزاء المكتوب.
 
يا غارقاً في مستنقع الهلاك، ها هو قارب النجاة يدعوك..! فانجُ بنفسك وأهلك، ويا من امتطيت جواد الفلاح، ســر سريعاً نحو طريقك الصائب الذي ترجو.
 
فرب أيّام تدركها وأنت في قوّة، خير من غيرها،، وقد ضاقت بك السبلُ نازعةً منك كل حول.
 
ويا حبّذا القبول في ليلة هي للقرآن عنوان وأجلّ مكان, وياليت لنا من نصيب في اجتماعٍ مع الأحبّة بقيام؛ خُشّعاً أمام الرحمن.
 
الزرقاء..... 4/10/2003
Page 6
أكرم به من مخرج
 
ها هي الأيام تسير مسرعة، كأن لم تكن، ولكن تبقى الذكرى حفيرةً في الأذهان، فكم من طالبٍ وصل إلى مطلبه وكم من قاصدٍ نال الذي يقصد، فحمداً كثيراً نرفعه إلى الخالق المولى على تفضله ورحمته بنا طيلة المسير.
 
جامعتنا الحبيبة..! لقد حانت لحظة الفراق وحصاد الذي زرع بدأ، وإنّه لحصاد خير قد عمّ كل حاصدٍ وكيف لا!! وقد ترعرع في أرضٍ طيّبة ٍ لا تخرج إلاّ طيّباً.
 
ها هم الطلبة الخريجون ليملؤهم التطابق في المشاعر، تلك هي الحزن والشوق جانباً، والفرح والأمل في آخرٍ؛ حزنٌ على مفارقة جامعتنا الحبيبة والشوق للعودة إليها، ثمّ إنّه لفرح لتخرّجنا فكم هي الفرحة التي تصيب المرء عندما ينال مبتغاه وما طلب، فكأنّه وسط سعادة لم يرَ مثلها ولن يرى، والأمل بمستقبلٍ مسيّج بضياء شمسٍ أردنيّة أصيلةٍ، منسوجةٍ بخيوط الذهب فما أتقنه من نسجٍ وما أجودها من خيوط.
 
جامعتنا..! قرّة العين، شكراً لك، وكم هي صغيرةٌ أمام عطائك العظيم، وكأنّها حبّة قمحٍ وسط فلاةٍ ليس لها من حدود، وإننا لندعو الله جلّ وعلا بأن يبقيك المنشأ الأول في صناعة حماة وطننا الحبيب، فعزّة المرء مستمدّة من عزّة وطنه أدامه الله لنا ولك بقيادة الحبيب ابن الحبيب، فاستمري، وافرحي بنا في تخرّجنا وافرحي بنا في عطائنا لأرضنا، أرض الحشد والرباط، فما أجمله من وصف، وما أغلاك من قائل.
 
عمّـــان..... 27/06/2000
Page 7
البحر...ما بعد الصديق
 
تأبى أمواج الذكرى المنتشرة مدّ الأفق في سماء الفكر، إلاّ الرحيل وفي يمينها حقائب الشوق لك يا صديقُ، وأنت في مقلة العين بسمة الأمل التي تمتطي شفاه سعادةٍ ورديّة, لتفيض فرحاً فتمتلئ بذكراه بئر أسراري.
 
ثمّ تفيض أخرى لتروي ظمأ شوقي؛ فأسعد وتسعد عيني بلونها الأزرق الذي يساور قلبي صفاءً ويطفئ بالحنين ناري.
 
فيا كبيراً في بقعةِ عطائهِ، بسياجها من حول الخير...وأصلك الخير، كم أشكوك نفسي، وغيري على شكواي كثير، فهلاّ أجبتني بألفةٍ وصمتٍ لترضيَ ذوقي؛ فتزهر بالنشاط أفكاري.
 
أو أنك تلتزمُ البُعد، فأعاودُ العومَ مستقلاً قارب الحنين إليكَ، لأتقطّر دمعاتٍ تشتاق إليها غيوم أرضٍ، وينمو من جديدٍ فيها نثرُ أشجاري.
 
يحتضنك الشموخ في الصغرِ، فما بلغتَ الكبر إلاّ وقد خالطك العزُّ القديم، وحضارة عهدٍ بأصالةٍ ودفءِ أنوارِ.
 
تسبح أحلامي في مياهك المرجانيّة وكأنّها فراشة بريّة في حقلٍ عميق، ونسماتٌ بجهةِ هبوب غربيّة، تشعلُ النّفسَ طمأنينة ً لجميلِ منظرٍ، وعطرِ أزهارِ.
 
ها هو اللقاء بيننا يغرقني فيك؛ لأتنفّسَ مِلحَ الفرحِ وأطفو على جناحيك، وكأنّهما مرآة شمسك الساخنة، لتكون ما بعد الصديق.. بعلوِ مرتبةٍ وصدق همّةٍ واقتدار......
 
العقبة..... 20/05/2004
Page 8
الحالة الرابعة
 
بالأمس القريب كانت الآمال الصغيرة جدّ كبيرةٍ في عيوننا البريئة، واليوم هي كبيرة في حقيقتها الصعبة تحتاج إلى إدراك سليم بقصةٍ ذات واقعيّة يتمتع أبطالها بأكبر درجاتِ الإتقان الصادق.
 
إنّما هي رسالة طهرٍ وكبرياءٍ تتغلغلُ في عروق جسدٍ ذي مسألةٍ عظيمةٍ، يتخطى كل العواقب الوخيمة، ليمحوَ من حياته كل كلمةٍ تحمل أي لحظةٍ أليمةٍ.
 
ولكن كم يحمل التحول بين المراحل الحياتيّة المختلفة من ألم كبير صعب الاحتمال، تستثقل منه الحواس، ولكنّه الإحساس بالنفور مما يتقصده النّاس؛ من شرٍ بثوبه الخفي يلازم نفوسنا بشيء من تسلطٍ وإصرارٍ على تكبيلها، لتغدو جوفاء بأزيزها المخيف فتبعد مراكب الاستقرار والسكينة عن ميناء أثرها الغائر في تراب شعورنا المر.
 
ثم يكون الطعم الذي نطلب مذاقه،، حلواً كالحياة في براءة الطفولة لاشوائب تُفرض ُ على آمالنا النقيّة فيها، ولا ألمٌ يُترك في قلوبنا الصغيرة إلا ما كان من غير إصرار....
 
لنكون كالماء في صفائه، تُجرف مع جزيئاته حبات الألم ، ثم تزول متبخرةً كما لو أنّها ما كانت، لتولد من جديد صلبة حياتنا دون أثرٍ يعمل على إعاقة المسير، أو تأخرٍ لما كان من تقدم محمود، نسعد به جُلّ السعادة، أو تحطمٍ للأمنيات في تشييد البناء الشامخ الذي يخلو من أي صدع أو شرخ.
 
هكذا تولد أحلامنا بلونها الجميل الساطع، طويلة بثوبها القصير، ثم ما تلبث أن تتلاشى كأنها السراب بحرارته المنتشرة من حوله، لنبحث عن ذلك الهواء الذي تغيب فيه شمس الحياة الصعبة خلف أفقهِ الربيعي، ونكوّن لكلنا من أنفسنا تلك النظرات الصادقة، التي تخلو من أي معنى من معاني التصغير، أو التحقير، أو التقليل.
 
فهيهات...! وأين ذلك الثبات الذي نطلبه!؛ بأن نكون فقط حالة دون غيرها وإذ بنا من بينها كلها دون واحدةٍ منها، إنّما نحن في خليطها؛ فنكون في تفسيرٍ وبيانٍ لما نشعر ونتعرّض له من تغييرٍ مستمرٍ واختلافٍ في إدراك الأمور؛ بين العسر والصفاء، لنعيش حالاتٍ تارةً مؤلمةً، وأخرى ترتدي ثوب الراحة البيضاء.
 
فإلى أين المسير..؟ وكيف لنا أن نسير..؟؟! قد يكون الرجوع إلى الماضي لنعيد فيه رسم الخطوط، أو أن ننظر إلى المستقبل بتفكرٍ عميق ونشرع برسم غير الخطوط لنرى أي الطريقتين أصلح للحال بنزعٍ للأحمال التي تثقل نفوسنا بعبء وزنه ثِقل الجبال، أو الأخرى، إن كانت فيها من معاني الاحتمال ما يعين على دحر كل معاناة.
 
عمّــان..... 14/07/2006
Page 9
الظلام الأبيض
 
{الجزء الأول}
 
وتبلغ الثورة من أيّام قيامها العاشر بعد المائة، فتأبى الأرض من خضابها إلاّ شديد الحمرة، لترويَ عطشها من ماء الحياة لفتيةٍ جُــرّموا، فما كان من قولهم إلاّ ..لا!! لينقلب الرفض إلى عملٍ ارتدى ثوب الشرعيّة والتقديس.
 
من أولائك الأبطال، كان ذلك الأسطورة الذي فجّر في النفوس ينابيعاً من العواطف التي أخذت تسيطر على مشاعر كل من رآه أو سمع عنه،، قصـــــيُّ، الذي بلغ الوعي فاقداً لأبويه منذ صغره القديم، وكأنّه أراد ثأراً لعقيدةٍ هي كيانه، أو لأصليه اللذيْن ما اجتمع معهما في لحظة إدراك منه، سوى بعض أخيلةٍ لذاكرةٍ اهترأت من ألمٍ وشقاء، أو أنّه ثائرٌ لأمّةٍ أوشكت اكتمال خلعِ ثوبها الأصيل لتُكسى من نسج غرباءٍ كان دوماً عُريُّنا لهم هدفـــــــــاً.
 
مع انطلاق الخلق - كما هي العادة - كلٌ إلى عمله، يبدأ قصي يومه باللعب مع أبناء قريته الأبيّةِ، لعباً يناسب أيّام سنيّه الأربعة، لتأخذه خطواته بعيداً عن أقرانه، وإذ به يسمع صوتاً زلزل فيه خوفاً ترجمه إلى بكاءٍ، فينطلق نحو صخرةٍ عظيمةٍ تلبيةً لنداء الفطرة فيه، ليسأل نفسه:
 
ماذا كان ذلك الصوت؟ وكيف بي الرجوع إلى البيت؟؟ ماذا أصنع؟ ردد ذلك مراراً...!!
 
لم يعرف ذلك المسكين أن الصوت ذاك ما انبعث إلاّ من طائرةٍ تفوح منها رائحة العِداء والتربص، وكأنّها الجارحة التي ترقب فريستها دون أن يكون لديها أي اعتبار، فينتهي الصوت سريعاً، ليمتلئ قصيُّ فرحاً وينطلق من مخبئه قائلاً:
 
ما هذه الأشياء التي امتلأت بها الأرض؟ فلم يعد يرى الثرى الذي اعتاد اللعب فوقه، ليعُجب بذلك السيف الخشبي، واضعاً يده فوق أزرارٍ فيه، فيكون آخر ما رآه حبّات الرمل والحصى التي انطلقت نحو وجهه البريء، فأفقدته النور، بل أفقدته حياته!.
Page 10
وألقى أسداله دويُّ ذلك الانفجار القوي على الموقف حينها، لتتجه امرأة نحو الطفل المسكين، بعد أن كانت منها صرخة عظيمة زرعت القشعريرة في الأجساد، وهوت لتطفئ النيران المشتعلة في جسده الصغير، دون أن تعلم من نفسها عجزاً عن إطفاء النيران الحقيقية التي ستمتليء بها نفسه عند إدراك الحقيقة المرّة التي ارتدت من الأثواب أسودَها.
 
وأتت به المستشفى، ومنه تبدأ معاناته بمعالمها المتداخلة في الرسم، فينظره كلُّ من في المستشفى بألمٍ وحسرة، وهم يلعنون أفعال الكفرة الذين ما جعلوا لفسادهم في الأرض حداً، من غير كثير عُجبٍ، لأنّهم هم المفسدون ولكن.. لا يعلمون.
 
الطبيب: لابد من خياطة الجروح في وجهه أولاً، ثم تغطية العينين، بلطفٍ وهدوء، فجسده لا يحتمل تلك العمليّات التي سيتلقّاها تباعاً.
 
وتمرّ أيّام قلائل، وقد عاشها الفتى الأسطورة غائباً عن دنيا الظلم والجور، ليعود وقد تبدلت كثير من أمور، فقد أبت أن ينظرها الألوانُ إلاّ الأسود منها، فيا له من فقيرٍ حُجبَ عنه النور، ليكره حالاً مؤلماً كان قد نسج خيوطه حوله، لتمرّ السنين عليه وقد أضاءت في نفسه ناقوسَ الأملِ (.. ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ) .
 
من هنا كان العمل، فاكتفت الرئتان من هواء الشّهيق، لتزفر الأفعال تغييراً يشهدُهُ عالمٌ سيكون منه الترقبُ بخوفٍ، وهو يحسبُ كلّ الحسابِ لصغيرها قبل الكبير، ونحن ننظرُ من المكانة أرفعَها ليعود لنا المجدُ بعزّةٍ ورجوعٍ إلى كريم الأخلاقِ.
 
عمّــــان..... 26/10/2004