Page 1
تقدمة الكتاب
مدى حاجة الوعي الشعبي للخلدونيةالدراسات الأكاديمية العربية بشأن ابن خلدون ليست بالقليلة··· وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا المفكر في فلسفة التاريخ والاجتماع في الحضارة العربية الإسلامية لم يدخل الوعي الشعبي··· بعد· ذلك لأن الثقافة العربية السائدة مازالت ثقافة شعر وبلاغة وخطابة· وسيبقى الشعر حاجة إنسانية عاطفية وجمالية لا غنى عنها· وهذه ليست دعوة لطمسه·
ولكن أن يكون الشعر وسيلتنا للتعامل مع العصر والعالم فهذه كارثة··· وإذا كان (الشعر ديوان العرب) فإن (النثر لغة العصر) وقد تنبه الفيلسوف الألماني فردريك هيغل إلى هذه الحقيقة، عندما أشار إلى أن أهمية العقل والتفكير العقلاني العلمي في العصر الحديث صارت تتطلب نثرًا يعبر عن فكر العصر، وسبق أن دعا كاتب هذه السطور إلى تأسيس نثر عربي جديد تقوم عليه الثقافة العربية المعاصرة وشعرها المعاصر، باعتبار أن النظرية المدرسية القديمة في أسبقية الشعر على النثر في تاريخ الأمم لا تصمد للتمحيص· فالناس يتحدثون في حياتهم العادية نثرًا ثم يخرج الشعر من هذا النثر مشذبًا ومصفى على ألسنة النابغين منهم· وإذا لم يوجد النثر القائم على أسس قوية تهاوى الشعر أو الكتابة المسـماة شعرًا، والتي سُـميت تغطيةً لهذا الإخفاق (قصيدة النثر) وأعتقد أن أدونيس - وهو أبرز دعاة (الكتابة الجديدة) - قد عاد إلى جادة الصواب عندما نبه إلى أنها أصبحت (كتابة بلا كاتـب) في وقفة مراجعة لا بد من النظر فيها مليًا·
وكم كان توفيق الحكيم مصيبًا عندما تساءل : (كيف تتعرف إلى لغة دون معرفة نثرها··· وإني لأدهش كيف أن مؤلفين مثل ابن خلدون والطبري وابن رشد والغزالي··· لم يعرضوا علينا قط في دراستنا للأدب العربي في المدارس)
مطلوب أن تتأسس الثقافة العربية الجديدة، التي هي عماد النهضة العربية المنتظرة، على نثر عقلي يفهم العصر ويدرك حركة العالم ويستطيع محاورته· وهذه هي السبيل لإنقاذ اللغة العربية التي ترتفع صرخات الخوف على مصيرها في الحياة العربية·
فلن ينقذ العربية إلا عودتها إلى تراثها النثري العقلي الذي يشير توفيق الحكيم إلى نماذج منه، بالإضافة إلى استيعاب ما يماثل هذا النثر العقلي من النثر الفكري للعصر الحديث· وعندما يستوعب شعراء العربية هذه المادة الأساسية، سيقدمون شعرًا في مستوى العصر يتجاوز الترجمات الركيكة لكتابات أجنبية يسمونها شعرًا·
ويأتي نثر ابن خلدون وفكره في المقدمة مدخلاً لا بد منه لهذا التأسيس الثقافي الجديد·
فلا يكفي أن نفاخر بالرجل ونقف عند حدود هذا التفاخر· علينا أن نستوعب - عقلاً ولغة - ما جاء به من فكر وتحليل تاريخي مجتمعي لواقع مازال يحيط بنا وعلينا أن نفهمه قبل أن نغيره··· في الاتجاه الصحيح·
لقد وقفت ثقافة (النهضة) الأولى في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين عند الإحياء الشعري والأدبي، وافتقدت نزعة التحليل الاجتماعي الذي يمثل جوهر الخلدونية وجوهر مدارس علم الاجتماع الحديث وعلوم التاريخ والسياسة، بما أدى إلى اغتراب كارثي عن حقيقة الواقع العربي والواقع العالمي، الذي يمثل نهج ابن خلدون في تراثنا المدخل إليه باعتبار التاريخ حركة العالم·
إن بقاء الثقافة العربية في ذكرياتها الأندلسية - وهو ما احتل مساحة كبيرة منها - لن يساعد العرب على فهم واقعهم وعالمهم الذي يحتاج إلى علم (ليس من علم الخطابة)، كما يؤكد ابن خلدون في تقديم مادته····
Page 2
الباب الأول
خلدونية النهضة الجديدة
ابن خلدون أكثر من ذكرى··· إنه مستقبل !
الذكرى المئوية السادسة لرحيل ابن خلدون (1406هـ - 2006م) مثلت مناسبة مهمة لاستذكار آثاره ومآثره، وظهرت العديد من الكتابات، وعقدت العديد من المؤتمرات لإحياء ذكراه···· ولكن الخلدونية وأفكارها مازالت حبيسة النُخب، على شهرتها، ولم تدخل بعد في تأسيس الثقافة العربية الجديدة المنشودة من أجل النهضة المقبلة·ذلك أن ابن خلدون أكثر من ذكرى··· إنه مستقبل ! ويجب أن يبقى معنا لعقود مقبلة لنبني من جديد على إبداعه في المشروع النهضوي العربي المنتظر· (تراجع أيضًا مقالة الكاتب بتاريخ 15/3/2006 المعنونة (ابن خلدون مقيمًا في أوضاعنا العربية)، وكذلك ملف (العربي) بشأنه، عدد أغسطس 2005)·
وعندما نقول (مستقبل) فنحن ندرك تمامًا أن الفكر التاريخي والاجتماعي العالمي قد تجاوز ابن خلدون في النظر إلى التاريخ والمجتمع، ولكن العقل العربي الراهن والسائد، على صعيد الوعي الشعبي العام، مازال بأشد الحاجة إلى نهجه العقلي ونهجي العملي الواقعي لفهم خصوصيات مجتمعه، الذي لم يتجاوز نهائيًا النظرات الخلدونية في بعض جوانبه، على الرغم من ضغوط التطورات العالمية المحيطة والمتزايدة· ثم إنه حان الوقت، بل تأخر، لأن تحل النظرة العقلية والواقعية التي جاء بها ابن خلدون إلى واقع التاريخ العربي بمجمله··· أن تحل محل النزعة الرومانسية - والوهمية - السائدة لدى أغلب العرب والمسلمين في نظرهم إلى تاريخهم الذي لم يكتب كتاريخ بعد، خارج إطار الانبهار الأسطوري الغرائبي· أضف إلى أن (ثقافة الشعر) وحدها لن تصلح العقل العربي، ولا بد من موازنتها بعقلانية النثر التي كان من روادها في تراثنا ابن خلدون، ومن الغريب (نفي) هذا المفكر المسلم وأمثاله من وعي المسلم المعاصر، وكأنهم خارجون عن الملة !
وبيت القصيد هنا أنه إذا كان الشعر ديوان العرب، فالنثر لغة العصر، ولا بد من إعادة التوازن إلى ثقافتنا العربية وفكرنا الإسلامي كما أقامه أولئك الرواد·
هذه مسألة (مفصلية) لها تداعياتها وارتباطاتها الأخرى الحيوية· ولعله من المناسب في البداية أن نعدد بإيجاز دواعي هذه الدعوة إلى بذر الفكر الخلدوني في الوعي الشعبي العربي، تمهيدًا لنهضة ثقافية جديدة ومختلفة :
أولاً : جاء ابن خلدون في الفصل الختامي من تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، لذلك فإن الزمن وطبيعة التراجع الانحطاطي لحركة التاريخ لم يتيحا لفكره أن يؤسس مدرسة تاريخية واجتماعية جديدة تسير على نهجه في الثقافة العربية· وعندما ينظر الراصد إلى عطاء ابن خلدون في زمنه الصعب، يجده في روحه وتجديده، أقرب إلى إبداعات عصر النهضة الأوربية المنتمية إلى شمال ضفة المتوسط، حيث يبدو ابن خلدون شمعة وحيدة فريدة في ضفة الجنوب، لم تلبث أن لفها الظلام، بعد أن استفادت من إشعاعها مع مثيلاتها في حضـارة الإسـلام، تـلك (النهضة) الجديدة المنطلقة في الشمال·
ثانيًا : عندما بدأت (النهضة) العربية الأولى مطلع العصر الحديث كانت نهضة إحياء أدبي بالدرجة الأولى· ولم تنشغل أساسًا بالفكر الاجتماعي أو التاريخي المنهجي· وإذا كان بعض رجال النهضة - كإمامها الشيخ محمد عبده - قد اهتم بمقدمة ابن خلدون، فقد كان اهتمامًا نخبويًا أو فرديًا محدودًا· أما الثقافة (النهضوية) العامة فقد اتجهت إلى الإحياء الشعري متمثلاً في الشعر العباسي وما قبله، وكان إعلامها هم الشعراء، نظير محمود سامي الباردوي، ثم أحمد شوقي وحافظ ابراهيم، تلاهم المهجريون مثل جبران ومدرسته· هكذا اكتسبت الثقافة العربية الحديثة لونًا أدبيًا وشعريًا طاغيًا، ولم تلتفت إلى التاريخ إلا كحكايا رومانسية (سلسلة قصص جرجي زيدان)، وبقي المتنبي هو المثل الأعلى في الشعر والحكمة، كما كان لدى البدو والحضر· وتواصل في الحياة العربية (الحديثة) الاعتقاد القديم بأن : (الشعر ديوان العرب)، على الرغم مما تحول إليه العالم الحديث من عقلانية علمية تعتمد النثر· هكذا تعمق الانشطار بين (شعر) هو ديوان العرب، و(نثر) هو لغة العصر، وكان من نتائجه تعامل العربي مع موضوعية عالمه بصفة ذاتية شعرية تهزم نفسها بنفسها !
ولا يخالجنا شك في أن الشعر سيبقى في حياة العرب وكل الأمم حاجة نفسية وجمالية لا غنى عن إشباعها، ولكن هذا شيء والتعامل مع واقع العالم الحديث شعرًا، كما يفعل كثير من العرب شيء آخر، لأنه تعامل انفعالي لا يخلو من نزعة انتحارية· واللافت أن الاهتمام في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة منصب على (تأسيس) شعر جديد، أكثر مما هو توجه لتأسيس (نثر جديد) يفي بحاجات العصر العقلية، ولعل في هذه المفارقة ما يفسر جنوح الكتابة الشعرية العربية المعاصرة إلى نثر مأزوم يختلط فيه الشعر بالنقد بالكتابة الفكرية· وإذا كان الشعراء أحرارًا في أساليبهم، التي ينبغي مع ذلك أن تراعي روح الفن، فإن خلط الكتابة النثرية - نقدًا وفكرًا - بمفهوم الشعر، بما يحتمله من تأويلات فنية متباينة، قد جعل من تلك الكتابة النثرية خليطًا هجينًا من التصورات الذاتية التي يستحيل أن تتأسس عليها معرفة عقلية، قادرة على النقد العلمي ومتقبله للمساءلة الفكرية، ناهيك بتأسيس حركة نهضوية ذات وزن·
Page 3
ثالثًا : ولكن التراث العربي لا يخلو من النثر الذي عبر عن فكر الحضارة العربية الإسلامية، وتمثل مقدمة ابن خلدون أحد نماذجه، إلى جانب سلسلة غنية من النماذج نظير مؤلفات الجاحظ والكندي والفارابي وابن سينا وابي حيان التوحيدي، والغزالي خاصة في (المنقذ من الضلال)، وابن طفيل في (حي بن يقظان)، وابن حزم في (طوق الحمامة) مثل هذا التراث العقلي النثري ظل كمًا مهملاً في تدريس اللغة العربية بالمدارس - لاحتوائه على مضامين عقلية تخشاها الثقافة التقليدية البلاغية الانشائية - وهو إهمال شمل في العصر الحديث - تعليميًا وثقافيًا - النثر الجديد المستند إلى ذلك العطاء الخصب من نتاج أسلافه، والذي أنتجه الكتاب المحدثون، وأبرزهم أحمد أمين (المتوفى 1953) صاحب (فجر الإسلام)، و(فيض الخاطر) - من ثمانية أجزاء - الذي نعتبر كتاباته نموذجًا لا غنى عنه لتجديد النثر العربي، حيث الكلمة تؤدي معناها بدقة دون زيادة أو نقصان، ولا بد من عودة تعليمية إليه إذا أريد إنقاذ اللغة العربية من محاذير الاندثار·
وبدايةً فإن إحياء هذا النثر - في قديمه وجديده - لا بد أن يمر من خلال إحياء مقدمة ابن خلدون مع نظائرها العقلية الأخرى، وفي الثقافة العربية الجديدة يجب أن يقف ابن خلدون بنثره العقلي إلى جانب المتنبي بتدفقه الشعري؛ لتستقيم المعادلة في الوعي العربي، ولا تسيطر العاطفة المنفعلة وحدها على تعامل العربي المعاصر مع وقائع عالمه وأحداثه· فهذا ما نشاهده في سلوك العرب اليوم، مما يلحق بهم، كما ألمحنا، الكثير من الخسائر والتراجعات·
رابعًا: إن هذا الإحياء الثقافي العقلي يمكن أن يؤسس لمدرسة تاريخية واجتماعية في جسم الثقافة العربية الجديدة التي، بهذا التعزيز، يمكن أن تكون متوازنة وقادرة على مخاطبة العصر بلغته ومنطقه· ومن المدهش أن الثقافة العربية حتى وقت قريب لم تلتفت إلى البعد المجتمعي، الذي له أعمق الأثر في بلورة الأفكار والتكوينات الاجتماعية والسلوكيات السياسية· وعندما درس طه حسين مقدمة ابن خلدون، أخذ عليه التفاته إلى الحالات الاجتماعية الخاصة في الأوضاع العربية، وعدم وقوفه عند العموميات المطلقة التي تصح على المجتمعات في كل زمان ومكان؛ أي أن ثقافتنا كانت ثقافة (العام) دون (الخاص) حتى لدى أبرز أعلامها، كما وقعت الأحزاب الايدولوجية العربية في هذا المحذور، حيث أقامت خططها وبرامج عملها على العموميات المجردة، في القومية والاشتراكية والديمقراطية، مما أدى إلى أفدح الأضرار والخسائر في مواجهة الواقع والوقائع·
هكذا؛ فإن ابن خلدون يمثل مؤشرًا مهمًا لثقافة جديدة لا تفتقد أرضيتها المجتمعية، بملاحظاته العقلية في الظواهر العربية المتجددة، وليس المطلقة أو المجردة أو الطوباوية، كما فعل الفارابي مثلاً في (المدينة الفاضلة)، التي جاءت صدى لجمهورية أفلاطون، ولم تمثل انعطافًا معرفيًا في مقاربة المجتمع التاريخي العربي كما فعل ابن خلدون في المقدمة·
فهنا يكمن الانعطاف والتحول من ثقافة الشعر إلى ثقافة العقل، أو لنقل التوازن بينهما، حيث أن الشعر وحده لا يمكن أن يمثل الروح لأية ثقافة معاصرة، على أهميته النفسية والجمالية· ومن المفارقات أن الكثيرين من مثقفي العربية وكتابها ظلوا لعقود يعرفون عن تاريخ الأندلس ومجتمعها، أكثر من معرفتهم بوقائع مجتمعاتهم المحيطة بهم، وكان ذلك هروبًا رومانسيًا إلى الماضي لم يساعد على إصلاح الحاضر·
خامسًا : في مفارقة معرفية، يمكننا القول إن استيعاب العرب عقليًا لحقيقة تاريخهم، من منطلق النهج الخلدوني، سيعينهم ذهنيًا على فهم حقيقة العالم المعاصر···!
أجل فحركة العالم حركة واحدة من الماضي إلى الحاضر حسب (منطق) القوانين والنواميس المحركة للمجتمعات· ومن ينظر إلى تاريخه مغلفًا بالأساطير والأوهام والمغالطات لن يستطيع فهم العالم المحيط به، لأن حركته الحقيقية تقوم على القوانين والنواميس ذاتها وتنبذ الأساطير والأوهام· هكذا فإن وعي التاريخ، بما هو حركة العالم، يمثل أفضل مدخل ذهني لفهم حقائق العالم المعاصر، الذي هو جزء من تلك الحركة الشاملة·
أما إذا بقي الوعي العربي العام مضللاً بشأن تاريخه؛ فسيبقى مضللاً بالمثل بشأن عالمه المحيط به لأنهما من نسج واحد بين ماضٍ وحاضر·
وخلاصة القول، ومن حسن الحظ، فإن تراثنا العقلي العربي يمدنا بكتاب هو بمثابة مدرسة تحمل عنوان : مقدمة ابن خلدون، ومعها وقبلها عطاءات مماثلة جديرة بالتوقف والاستيعاب لنهضة عربية جديدة مقبلة·
وبدايةً فإن إحياء هذا النثر - في قديمه وجديده - لا بد أن يمر من خلال إحياء مقدمة ابن خلدون مع نظائرها العقلية الأخرى، وفي الثقافة العربية الجديدة يجب أن يقف ابن خلدون بنثره العقلي إلى جانب المتنبي بتدفقه الشعري؛ لتستقيم المعادلة في الوعي العربي، ولا تسيطر العاطفة المنفعلة وحدها على تعامل العربي المعاصر مع وقائع عالمه وأحداثه· فهذا ما نشاهده في سلوك العرب اليوم، مما يلحق بهم، كما ألمحنا، الكثير من الخسائر والتراجعات·
رابعًا: إن هذا الإحياء الثقافي العقلي يمكن أن يؤسس لمدرسة تاريخية واجتماعية في جسم الثقافة العربية الجديدة التي، بهذا التعزيز، يمكن أن تكون متوازنة وقادرة على مخاطبة العصر بلغته ومنطقه· ومن المدهش أن الثقافة العربية حتى وقت قريب لم تلتفت إلى البعد المجتمعي، الذي له أعمق الأثر في بلورة الأفكار والتكوينات الاجتماعية والسلوكيات السياسية· وعندما درس طه حسين مقدمة ابن خلدون، أخذ عليه التفاته إلى الحالات الاجتماعية الخاصة في الأوضاع العربية، وعدم وقوفه عند العموميات المطلقة التي تصح على المجتمعات في كل زمان ومكان؛ أي أن ثقافتنا كانت ثقافة (العام) دون (الخاص) حتى لدى أبرز أعلامها، كما وقعت الأحزاب الايدولوجية العربية في هذا المحذور، حيث أقامت خططها وبرامج عملها على العموميات المجردة، في القومية والاشتراكية والديمقراطية، مما أدى إلى أفدح الأضرار والخسائر في مواجهة الواقع والوقائع·
هكذا؛ فإن ابن خلدون يمثل مؤشرًا مهمًا لثقافة جديدة لا تفتقد أرضيتها المجتمعية، بملاحظاته العقلية في الظواهر العربية المتجددة، وليس المطلقة أو المجردة أو الطوباوية، كما فعل الفارابي مثلاً في (المدينة الفاضلة)، التي جاءت صدى لجمهورية أفلاطون، ولم تمثل انعطافًا معرفيًا في مقاربة المجتمع التاريخي العربي كما فعل ابن خلدون في المقدمة·
فهنا يكمن الانعطاف والتحول من ثقافة الشعر إلى ثقافة العقل، أو لنقل التوازن بينهما، حيث أن الشعر وحده لا يمكن أن يمثل الروح لأية ثقافة معاصرة، على أهميته النفسية والجمالية· ومن المفارقات أن الكثيرين من مثقفي العربية وكتابها ظلوا لعقود يعرفون عن تاريخ الأندلس ومجتمعها، أكثر من معرفتهم بوقائع مجتمعاتهم المحيطة بهم، وكان ذلك هروبًا رومانسيًا إلى الماضي لم يساعد على إصلاح الحاضر·
خامسًا : في مفارقة معرفية، يمكننا القول إن استيعاب العرب عقليًا لحقيقة تاريخهم، من منطلق النهج الخلدوني، سيعينهم ذهنيًا على فهم حقيقة العالم المعاصر···!
أجل فحركة العالم حركة واحدة من الماضي إلى الحاضر حسب (منطق) القوانين والنواميس المحركة للمجتمعات· ومن ينظر إلى تاريخه مغلفًا بالأساطير والأوهام والمغالطات لن يستطيع فهم العالم المحيط به، لأن حركته الحقيقية تقوم على القوانين والنواميس ذاتها وتنبذ الأساطير والأوهام· هكذا فإن وعي التاريخ، بما هو حركة العالم، يمثل أفضل مدخل ذهني لفهم حقائق العالم المعاصر، الذي هو جزء من تلك الحركة الشاملة·
أما إذا بقي الوعي العربي العام مضللاً بشأن تاريخه؛ فسيبقى مضللاً بالمثل بشأن عالمه المحيط به لأنهما من نسج واحد بين ماضٍ وحاضر·
وخلاصة القول، ومن حسن الحظ، فإن تراثنا العقلي العربي يمدنا بكتاب هو بمثابة مدرسة تحمل عنوان : مقدمة ابن خلدون، ومعها وقبلها عطاءات مماثلة جديرة بالتوقف والاستيعاب لنهضة عربية جديدة مقبلة·
Page 4
خارج الأكاديميا···
ويمكن إيجاز هذا الجانب الخلدوني السياسي (المعاصر) في النقاط الأساسية التالية :
أولاً : يحتاج العرب إلى تغيير نظرتهم للتاريخ، ومنه تاريخهم بطبيعة الحال، ليعرفوا كيف يجب أن يتعاملوا مع واقع العالم الذي هو حاضر التاريخ البشري؛ فالمسألة ليست مسألة تاريخ وإنما مسألة حاضر· لقد تأسس الوعي العربي الحديث على نظرة رومانسية للتاريخ لا تهتم إلا بالبطولات والأمجاد، وتجنح في أحيان كثيرة إلى الأسطورة والخرافة، مما يشيع فيه وعيًا مزيفًا ومضللاً بواقع التاريخ الذي تتحرك قوانينه كما تتحرك قوانين واقع العالم المعاصر، مع فارق المتغيرات والمستجدات التي تبقى محكومة، وان استجدت، بقوانين الحركة التاريخية في ماضي العالم وحاضره على السواء· وهي قوانين من دروسها أن تاريخ الأمم صعود وتراجع، ثم صعود في منحى آخر حسب الإرادة العامة، ولا توجد أمة خرجت من التاريخ إلى الأبد إلا إذا أصرت على إعادته بحرفيته المنقضية·
ثانيًا : فوعي التاريخ، على أهميته في تأسيس الوعي الصحيح لأية أمة، خاصةً إذا كانت تعاني ما يعانيه العرب في حاضرهم، ويمكن أن تمدهم بعناصر الرؤية الصحيحة لما يمرون به بدل بكائيات جلد الذات، نقول إن الوعي بحقيقة التاريخ شرط لابد منه لفهم واقع هذا العالم والتعامل معه بالطريقة العملية الصحيحة، لا بالنظرة الشعرية أو الرومانسية التي لها مكانها في حياة الأفراد والجماعات، ولكن ليس في مجال التعامل مع واقع العالم، لأن مثل هذه النظرة، إن بقيت هي المسيطرة على ردود فعل الأمة، فإنها كارثية الانتحار ·
ومن اللافت والدافع للتأمل العميق، أن ابن خلدون نفسه، برؤيته التاريخية، استطاع أن يتعامل مع واقع الغزو المغولي لديار الإسلام بلقاء تيمورلنك عند أسوار دمشق، والتحدث معه، على الرغم من هول الكارثة في تلك اللحظة، بينما نجد بالمقارنة أن شعراء عربًا تلبستهم النظرة الشعرية وحدها - أبرزهم خليل حاوي - قد انتحروا، جسديًا وحرفيًا، أمام واقع الغزو الإسرائيلي، الذي بدا لحظتها مهولاً في حس الشاعر، لكن له ما قبله وما بعده في رؤية المؤرخ الذي يستبصر المشهد في تواصله البعيد لا في لحظته الآنية المريعة··· فحسب !
وليست صدفة أن ابن خلدون، عندما شرح علمه الجديد في العمران البشري والاجتماع الإنساني (الذي أعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص) حسب قوله، حرص على التنبيه أنه (ليس من علم الخطابة) ! لعلمه بغلبة هذا الجانب البلاغي في التكوين العربي على الجانب العقلي· هكذا فوعي التاريخ، علميًا، مقدمة لفهم العالم المعاصر موضوعيًا· ولا يمكن لأية سياسة أو حركة أو أمة تعيش أوهامًا أو رومانسيات منسوبة للتاريخ، أن تواجه العالم وتتمكن من تغييره لصالحها· فهما - أعني التاريخ والعالم - وجهان لحقيقة واحدة·
ويبقى ابن خلدون أبرز مؤرخ عربي دعا إلى ضرورة التنبّه للعوامل الموضوعية في فهم التاريخ، وتمثل مقدمته التي احتلت مكانتها في التراث الفكري للإنسانية، وليس للعرب فحسب، وثيقة لا يستغنى عنها، خاصةً في الراهن العربي، لتأسيس وعي تاريخي علمي وموضوعي بحقيقة الذات والآخر وتأصيله·
ثالثًا : إن ابن خلدون يحذر من دورة انهيار تاريخي شبه حتمي للأنظمة السياسية العربية التي تبدأ بالحزم والتقشف، ثم تنتهي أجيالها التالية تدريجًا، إلى الترف المهلك، بما يفقدها فضيلة المدافعة والممانعة عن بقائها ووجودها··· هذه الدورات التاريخية المهلكة هل تستطيع أنظمتنا السياسية الراهنة كسر حلقتها والخروج منها، مع شعوبها، إلى آفاق تاريخية جديدة ؟
الجواب ليس سهلاً أمام هذا القانون الخلدوني، الذي قام على شواهد تاريخية متواترة، ونلمسه اليوم لمس اليد، ونراه رأي العين، في الكثير من أنظمتنا السياسية الراهنة·
ابن خلدون مقيمًا في أوضاعنا العربية !
يتنادى كثير من الباحثين ومراكز الأبحاث لإحياء الذكرى المئوية السادسة لرحيل ابن خلدون هذا العام· وخارج نطاق الأكاديميا، فإن ابن خلدون ما يزال مفكرًا سياسيًا معاصرًا، لفكره ارتباط وثيق لم يترحل - بعد - عن عدد من الأوضاع العربية المقيمة والمؤثرة في مجرى الاجتماع العربي، وبالتالي السياسة العربية، والعقل العربي الناجم عنهما·ويمكن إيجاز هذا الجانب الخلدوني السياسي (المعاصر) في النقاط الأساسية التالية :
أولاً : يحتاج العرب إلى تغيير نظرتهم للتاريخ، ومنه تاريخهم بطبيعة الحال، ليعرفوا كيف يجب أن يتعاملوا مع واقع العالم الذي هو حاضر التاريخ البشري؛ فالمسألة ليست مسألة تاريخ وإنما مسألة حاضر· لقد تأسس الوعي العربي الحديث على نظرة رومانسية للتاريخ لا تهتم إلا بالبطولات والأمجاد، وتجنح في أحيان كثيرة إلى الأسطورة والخرافة، مما يشيع فيه وعيًا مزيفًا ومضللاً بواقع التاريخ الذي تتحرك قوانينه كما تتحرك قوانين واقع العالم المعاصر، مع فارق المتغيرات والمستجدات التي تبقى محكومة، وان استجدت، بقوانين الحركة التاريخية في ماضي العالم وحاضره على السواء· وهي قوانين من دروسها أن تاريخ الأمم صعود وتراجع، ثم صعود في منحى آخر حسب الإرادة العامة، ولا توجد أمة خرجت من التاريخ إلى الأبد إلا إذا أصرت على إعادته بحرفيته المنقضية·
ثانيًا : فوعي التاريخ، على أهميته في تأسيس الوعي الصحيح لأية أمة، خاصةً إذا كانت تعاني ما يعانيه العرب في حاضرهم، ويمكن أن تمدهم بعناصر الرؤية الصحيحة لما يمرون به بدل بكائيات جلد الذات، نقول إن الوعي بحقيقة التاريخ شرط لابد منه لفهم واقع هذا العالم والتعامل معه بالطريقة العملية الصحيحة، لا بالنظرة الشعرية أو الرومانسية التي لها مكانها في حياة الأفراد والجماعات، ولكن ليس في مجال التعامل مع واقع العالم، لأن مثل هذه النظرة، إن بقيت هي المسيطرة على ردود فعل الأمة، فإنها كارثية الانتحار ·
ومن اللافت والدافع للتأمل العميق، أن ابن خلدون نفسه، برؤيته التاريخية، استطاع أن يتعامل مع واقع الغزو المغولي لديار الإسلام بلقاء تيمورلنك عند أسوار دمشق، والتحدث معه، على الرغم من هول الكارثة في تلك اللحظة، بينما نجد بالمقارنة أن شعراء عربًا تلبستهم النظرة الشعرية وحدها - أبرزهم خليل حاوي - قد انتحروا، جسديًا وحرفيًا، أمام واقع الغزو الإسرائيلي، الذي بدا لحظتها مهولاً في حس الشاعر، لكن له ما قبله وما بعده في رؤية المؤرخ الذي يستبصر المشهد في تواصله البعيد لا في لحظته الآنية المريعة··· فحسب !
وليست صدفة أن ابن خلدون، عندما شرح علمه الجديد في العمران البشري والاجتماع الإنساني (الذي أعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص) حسب قوله، حرص على التنبيه أنه (ليس من علم الخطابة) ! لعلمه بغلبة هذا الجانب البلاغي في التكوين العربي على الجانب العقلي· هكذا فوعي التاريخ، علميًا، مقدمة لفهم العالم المعاصر موضوعيًا· ولا يمكن لأية سياسة أو حركة أو أمة تعيش أوهامًا أو رومانسيات منسوبة للتاريخ، أن تواجه العالم وتتمكن من تغييره لصالحها· فهما - أعني التاريخ والعالم - وجهان لحقيقة واحدة·
ويبقى ابن خلدون أبرز مؤرخ عربي دعا إلى ضرورة التنبّه للعوامل الموضوعية في فهم التاريخ، وتمثل مقدمته التي احتلت مكانتها في التراث الفكري للإنسانية، وليس للعرب فحسب، وثيقة لا يستغنى عنها، خاصةً في الراهن العربي، لتأسيس وعي تاريخي علمي وموضوعي بحقيقة الذات والآخر وتأصيله·
ثالثًا : إن ابن خلدون يحذر من دورة انهيار تاريخي شبه حتمي للأنظمة السياسية العربية التي تبدأ بالحزم والتقشف، ثم تنتهي أجيالها التالية تدريجًا، إلى الترف المهلك، بما يفقدها فضيلة المدافعة والممانعة عن بقائها ووجودها··· هذه الدورات التاريخية المهلكة هل تستطيع أنظمتنا السياسية الراهنة كسر حلقتها والخروج منها، مع شعوبها، إلى آفاق تاريخية جديدة ؟
الجواب ليس سهلاً أمام هذا القانون الخلدوني، الذي قام على شواهد تاريخية متواترة، ونلمسه اليوم لمس اليد، ونراه رأي العين، في الكثير من أنظمتنا السياسية الراهنة·
Page 5
إن النور الوحيد في آخر هذا النفق، وبما يتخطى زمن ابن خلدون، يمكن أن يتمثل في حركة إصلاح جريء وجذري، وتجديد شامل للحياة السياسية والاجتماعية والثقافية· ومن السهل قول ذلك· ولكن من الصعب للغاية فعله وتنفيذه وإنجازه· ولكن لابد مما ليس منه بد، إن امتلكت هذه الأنظمة السياسية العربية إرادة البقاء··· البقاء المتماشي مع رياح التغيير وحركة التاريخ، وليس البقاء الاستبدادي الأرعن، الذي يعطي للقوى الطامعة فرصة الاحتلال بحجة التحرير ودعاوى الإنقاذ، بينما الحقيقة هي التمزق والفتنة والوقوع في المجهول·
وابن خلدون، في تشخيصه المذهل لواقع نهاية مثل هذه الأنظمة في ماضينا، يتحدث بإلحاح عن خطر (الترف المُْؤذِن بخراب العمران)، إنه الحالة الاستهلاكية المتسيبة والمنفلتة بلغة عصرنا التي تعيشها نخب هذه الأنظمة في لامبالاة قاتلة بالأخطار المحدقة· لو كان ابن خلدون حيًا ورأى التهالك المفجع اليوم على أرباح الأسهم، خاصة في دول النفط، بما تعكسه من ذهنية كسولة تريد الربح بلا إنتاج، لصرخ قائلاً: انظروا··· هذا هو الترف المؤذن بخراب العمران··· عمرانكم الراهن اليوم !
وطالما حذر القرآن الكريم - وابن خلدون من تلامذته الحضاريين - من هذا الترف المؤدي للهلاك، في آيات عديدة، لقوم يدركون ويحسون ويشعرون !
ويتلازم لدى ابن خلدون مع هذا (الترف) في تخريب العمران (ظلم الرعية) حسب تعبيره، الذي يضطرهم إلى الانقلاب على سلاطينهم ووقوفهم إلى جانب الأعداء، داعيًا سلاطين عصره إلى اكتساب قلوب (الرعية) بالمودة والإحسان والعفو، تعزيزًا لدولهم ذاتها، وفي لفتة أخرى ينبه إلى (أن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا ومفسدة للجباية) (أي النظام الضريبي في زمنه)، وهو ما يلخص واقع الفساد الحكومي إلى يومنا بمختلف أبعاده المدمرة· وما يفسر لماذا اشترط قادة العرب الشرفاء على عوائلهم : إما التجارة وإما الإمارة· ولا خلط بينهما !
رابعًا : أدرك ابن خلدون أهمية مراعاة قوانين التاريخ والاجتماع في حركات التغيير، التي لا بد في نظره أن تأخذ بأسباب القوة المجتمعية في المواجهة، وألا تندفع إلى العمل الانتحاري المهلك للنفس دون رؤية ودون عقل سياسي· يقول : ( ومن هذا الباب أحوال الثوار القائمين بتغيير المنكر من العامة والفقهاء، فإن كثيرًا من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الأمراء، داعين إلى تغيير المنكر والنهي عنه والأمر بالمعروف رجاء الثواب عليه من الله، فيكثر أتباعهم والمتمثلون بهم من الغوغاء والدهماء، ويعرضون أنفسهم في ذلك للمهالك، وأكثرهم يهلكون في هذا السبيل، مأزورين غير مأجورين؛ لأن الله سبحانه لم يكتب ذلك عليهم··· وأحوال الملوك والدول راسخة قوية لا يزحزحها ويهدم بناءها إلا المطالبة القوية التي من ورائها عصبية القبائل والعشائر··· وهكذا كان حال الأنبياء في دعوتهم إلى الله وهم المؤيدون من الله بالكون كله لو شاء، لكنه إنما أجرى الأمور على مستقر العادة···) هذا النص الخطير أورده ابن خلدون في (المقدمة) قبل أكثر من ستة قرون، لكنه كمن يصف الحالات الانتحارية في الراهن العربي والإسلامي بدقة متناهية· ويبقى ابن خلدون ملتزمًا بمنهجه الواقعي في التحليل؛ فيقرر أن (أهل الحل والعقد) في الحقيقة هم قادة القوى المجتمعية المؤثرة وليسوا هم الفقهاء الذين يؤخذ رأيهم على سبيل (التبرك) فحسب!
خامسًا : أدرك ابن خلدون منذ زمنه هشاشة المجتمع الحضري العربي سياسيًا، حيث أشار إلى أن (أهل الحاضرة عيال على غيرهم في المدافعة الممانعة)، ومازالت الإشكالية تواجه مجتمعات المدن العربية، أو المجتمعات المدنية، أمام قوى البوادي والأرياف التي تحتكر إنتاج السلطة، ممثلة بذلك أخطر العوائق أمام التطور الديمقراطي الحقيقي·
سادسًا : يبدو ابن خلدون معاديًا في الظاهر للفلسفة عندما يكتب في : (إبطال الفلسفة وفساد منتحليها) - لكنه في واقع الأمر، وفي ضوء فلسفته الاجتماعية والتاريخية، يعتبر في مقدمة أولئك المفكرين الرواد الذين أنزلوا الفلسفة من السماء إلى الأرض من أجل فهم العالم· فقد أبطل فلسفة الميتافيزيقيا لتحل محلها فلسفة الفيزيقيا المجتمعية، التي يمكن لعقل الإنسان أن يتعامل معها· والواقع أن نهجه العقلاني الواقعي هذا يبقى ساريًا في كل سطور المقدمة، محاربًا الأوهام والطلاسم والأساطير· ولم يكن الدكتور محمود إسماعيل موفقًا في اتهامه باقتباس فلسفته من (إخوان الصفا) فهؤلاء، على أهميتهم، مزجوا الفلسفة بالخرافة، والواقع بالوهم، والتحليل بالتنجيم، ولم يقدموا مدرسة عقلية صلبة كالتي يمثلها ابن خلدون في مقدمته·
وتبقى اليوم (مقدمة) ابن خلدون ليست مجرد مقدمة في التاريخ، وإنما (مقدمة) لا غنى عنها لتأسيس وعي عربي جديد قادر على التعامل مع العالم بموضوعية فاعلة·
وابن خلدون، في تشخيصه المذهل لواقع نهاية مثل هذه الأنظمة في ماضينا، يتحدث بإلحاح عن خطر (الترف المُْؤذِن بخراب العمران)، إنه الحالة الاستهلاكية المتسيبة والمنفلتة بلغة عصرنا التي تعيشها نخب هذه الأنظمة في لامبالاة قاتلة بالأخطار المحدقة· لو كان ابن خلدون حيًا ورأى التهالك المفجع اليوم على أرباح الأسهم، خاصة في دول النفط، بما تعكسه من ذهنية كسولة تريد الربح بلا إنتاج، لصرخ قائلاً: انظروا··· هذا هو الترف المؤذن بخراب العمران··· عمرانكم الراهن اليوم !
وطالما حذر القرآن الكريم - وابن خلدون من تلامذته الحضاريين - من هذا الترف المؤدي للهلاك، في آيات عديدة، لقوم يدركون ويحسون ويشعرون !
ويتلازم لدى ابن خلدون مع هذا (الترف) في تخريب العمران (ظلم الرعية) حسب تعبيره، الذي يضطرهم إلى الانقلاب على سلاطينهم ووقوفهم إلى جانب الأعداء، داعيًا سلاطين عصره إلى اكتساب قلوب (الرعية) بالمودة والإحسان والعفو، تعزيزًا لدولهم ذاتها، وفي لفتة أخرى ينبه إلى (أن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا ومفسدة للجباية) (أي النظام الضريبي في زمنه)، وهو ما يلخص واقع الفساد الحكومي إلى يومنا بمختلف أبعاده المدمرة· وما يفسر لماذا اشترط قادة العرب الشرفاء على عوائلهم : إما التجارة وإما الإمارة· ولا خلط بينهما !
رابعًا : أدرك ابن خلدون أهمية مراعاة قوانين التاريخ والاجتماع في حركات التغيير، التي لا بد في نظره أن تأخذ بأسباب القوة المجتمعية في المواجهة، وألا تندفع إلى العمل الانتحاري المهلك للنفس دون رؤية ودون عقل سياسي· يقول : ( ومن هذا الباب أحوال الثوار القائمين بتغيير المنكر من العامة والفقهاء، فإن كثيرًا من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الأمراء، داعين إلى تغيير المنكر والنهي عنه والأمر بالمعروف رجاء الثواب عليه من الله، فيكثر أتباعهم والمتمثلون بهم من الغوغاء والدهماء، ويعرضون أنفسهم في ذلك للمهالك، وأكثرهم يهلكون في هذا السبيل، مأزورين غير مأجورين؛ لأن الله سبحانه لم يكتب ذلك عليهم··· وأحوال الملوك والدول راسخة قوية لا يزحزحها ويهدم بناءها إلا المطالبة القوية التي من ورائها عصبية القبائل والعشائر··· وهكذا كان حال الأنبياء في دعوتهم إلى الله وهم المؤيدون من الله بالكون كله لو شاء، لكنه إنما أجرى الأمور على مستقر العادة···) هذا النص الخطير أورده ابن خلدون في (المقدمة) قبل أكثر من ستة قرون، لكنه كمن يصف الحالات الانتحارية في الراهن العربي والإسلامي بدقة متناهية· ويبقى ابن خلدون ملتزمًا بمنهجه الواقعي في التحليل؛ فيقرر أن (أهل الحل والعقد) في الحقيقة هم قادة القوى المجتمعية المؤثرة وليسوا هم الفقهاء الذين يؤخذ رأيهم على سبيل (التبرك) فحسب!
خامسًا : أدرك ابن خلدون منذ زمنه هشاشة المجتمع الحضري العربي سياسيًا، حيث أشار إلى أن (أهل الحاضرة عيال على غيرهم في المدافعة الممانعة)، ومازالت الإشكالية تواجه مجتمعات المدن العربية، أو المجتمعات المدنية، أمام قوى البوادي والأرياف التي تحتكر إنتاج السلطة، ممثلة بذلك أخطر العوائق أمام التطور الديمقراطي الحقيقي·
سادسًا : يبدو ابن خلدون معاديًا في الظاهر للفلسفة عندما يكتب في : (إبطال الفلسفة وفساد منتحليها) - لكنه في واقع الأمر، وفي ضوء فلسفته الاجتماعية والتاريخية، يعتبر في مقدمة أولئك المفكرين الرواد الذين أنزلوا الفلسفة من السماء إلى الأرض من أجل فهم العالم· فقد أبطل فلسفة الميتافيزيقيا لتحل محلها فلسفة الفيزيقيا المجتمعية، التي يمكن لعقل الإنسان أن يتعامل معها· والواقع أن نهجه العقلاني الواقعي هذا يبقى ساريًا في كل سطور المقدمة، محاربًا الأوهام والطلاسم والأساطير· ولم يكن الدكتور محمود إسماعيل موفقًا في اتهامه باقتباس فلسفته من (إخوان الصفا) فهؤلاء، على أهميتهم، مزجوا الفلسفة بالخرافة، والواقع بالوهم، والتحليل بالتنجيم، ولم يقدموا مدرسة عقلية صلبة كالتي يمثلها ابن خلدون في مقدمته·
وتبقى اليوم (مقدمة) ابن خلدون ليست مجرد مقدمة في التاريخ، وإنما (مقدمة) لا غنى عنها لتأسيس وعي عربي جديد قادر على التعامل مع العالم بموضوعية فاعلة·
Page 6
وما زلنا بحاجة إلى ما ...(ليس من علم الخطابة) !
ابن خلدون اسم سمع به الكثيرون من العرب وتفاخروا به على عادتهم · ولكن مضامين فكره كما تجلت في (المقدمة) بشأن طبيعة المجتمعات العربية خاصة، لم تصبح جزءًا من تكوينهم الثقافي · وما لم تصبح جزءًا من هذا التكوين، فإن اغتراب العرب عن حقيقة مجتمعاتهم سيترك لأمد طويل ضياعًا فكريًا لديهم لا يمكن التقليل من خطره · وإذ انتمى ابن خلدون الى الماضي، فإن العرب لن يستطيعوا تجاوز فكره المجتمعي إلا بعد معرفته عن كثب · وأعتقد أن مقدمته تمثل الكتاب الأفضل لمحو (أميتنا) الحضارية والتاريخية بشأن حقيقة الذات ··· بين أمياتنا الأخرى !فابن خلدون، من خلال المقدمة ؛ يمكن الالتقاء به في هذه المرحلة في العراق، حيث (عصائبه) المتعددة تحاول الاتفاق على مشروع (دولة) · ويمكن الالتقاء به في لبنان للاعتبار ذاته، وفي اليمن، بين قبائله، المترددة بين إرثها العصبوي وبين دولتها الحديثة التي تحاول التحديث والتوحيد، بل إن ابن خلدون يمكن الالتقاء به، ضمن هذا المفهوم، في مصر، حيث الدولة على عكس المحيطين بها من (أحـلاف قبلية) مشرقًا ومغربًا، حقيقة قائمة : (سلطان ورعية) حسب تعبير ابن خلدون !
إن ما رآه ابن خلدون، برؤية نافذة حقًا، إلى السوسيولوجيا السياسية للعرب، ما زال الكثير منه مترسبا بقوة إلى يومنا، على الرغم من (قشـرة) الحداثة، بل العولمة، التي تحاصر المجتمعات العربية · وعندما تأملت في (العولمـة) لأول مرة قبل عقد من الزمن، ذهب فكري حالاً الى تلك (العصائب) والقبائل ··· وتساءلت : ماذا ستفعل العولمة بهم ··· وماذا سيفعلون بالعولمة ؟ بكلمة أخرى : كيف سيكون التفاعل بين مفهوم كوني في منتهى العمومية وأوضاع في القاع المجتمعي في منتهى (الخصوصية)، وبينهما عصور وعصور ليس من الزمن فحسب، وإنما من التطور الحقيقي في الواقع البشري المعاش الذي تجاوز التنظير والتجريد الفكري (يراجع كتاب العرب والعولمة، ندوة مركز دراسات الوحدة العربية، ص 55 - 56، بيروت، يونيو 1998) ·
إذا نظرت إلى ذلك الحضرمي اليماني الأصل، الأندلسي الأرومة، التونسي المولد، المغربي المعاناة، المصري المصير، خالجك الشعور بحكم الزمان (النهضوي) والمكان (المتوسطي)، إنه ينتمي إلى ذلك الشاطئ الشمالي (الأوربي) من المتوسط بين رواد نهضة أوربا الأوائل، بحكم جدة تفكيره وتأسيسه لعلم العمران (الاجتماع) · ولعل هذا ما يفسر الإعجاب المتناهي لفيلسوف التاريخ البريطاني أرنولد توينبي به، الذي اعتبره أعظم عقل في موضوعه في أي زمان ومكان، كما يفسر اهتمام الباحثين الأوربيين به، وترجماتهم لمقدمته إلى يومنا · إلا أن (مقدمة ابن خلدون)، في حقيقة الأمر، هي آخر كتاب وآخر ومضة إبداع في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، بالمعنى الفكري الإبداعي في التجديد الحضاري، وتنتمي بشكل عضوي إلى هذا الجانب (العربي) من المتوسط ·
حقًا جاء بعده مؤرخون أفذاذ، وشهود حق على عصورهم، وآخرهم عبدالرحمن الجبرتي صاحب (عجائب الآثار)، لكن ابن خلدون يبقى سيد المفكرين، في الواقع، لا في اليوتوبيا، وفي التاريخ لا في الميتافيزيقيا !
لقد أتيح لي، ذات سنة أكاديمية، تدريس ابن خلدون لنخبة من طلبة الدراسات العليا بجامعة الخليج العربي بالبحرين · أدركت حينئذ مدى قدرته على الإيحاء الإبداعي للعقول في عصرنا هذا ··· وربما إلى زمان بعيد · لغة ابن خلدون ليست سهلة التناول ولا تمنح نفسها بسهولة، فنصه ممتنع غير سهل· وربما أحس قارئه المتعجل بركاكة ··· أقصد ممن تعودوا شعر الحماسة وأسلوب الخطابة · غير أن النص الخلدوني كفرع الشجرة المثقل بثمره، لغزارة فكره وتفرع تأمله · عليك أن تتناوله بتؤدة لتكتشف كل ما فيه من ثمر · وإن استعجلت فربما فاتك منه قطاف كثير · فكثافة الفكر تأتي قبل لطافة اللغة، لديه، بل إن اللغة العربية تنوء بثقل أفكاره، ويكفيها فخرًا علميًا، أنها استوعبته وربما كان هذا الملمح الأسلوبي من أسباب (غربته) عند بني قومه، العرب، لطربهم الدائم بإيقاع البلاغة شعرًا ونثرًا ! ··· ويبقى النص الخلدوني اليوم على مائدة (خبراء) التحديث التربوي، سواء استلهموه من أوربا أو أمريكا ···!
كان ابن خلدون بفكره (خارجًا) على التقليد البلاغي العربي · وعندما تبلور لديه علم الاجتماع مع فلسفته في التاريخ العربي، مع نظراته غير المعهودة في مسائل اللغة والتربية والعمران، داخله إلحاح غريب بأن يحذر قراءه بأن ما يقدمه لهم في المقدمة : (ليس من علم الخطابة) ·
Page 7
يقول ابن خلدون بهدوء موضوعي غريب ومستفز في المقدمة: ( هذا هو غرض هذا الكتاب، وكأن هذا علم مستقل بنفسه · فإنه ذو موضوع وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني · واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة غزير الفائدة، أعثر عليه البحث وأدى إليه الغوص ·· وليس من علم الخطابة)، نعم هكذا ببساطة (ليس من علم الخطابة) !!
هل هي (لكمة) إيقاظ ذهني ؟ هل هي سخرية ؟ هل هو غضب كاتم لغيظه؟ إنه بالتأكيد خروج على (الذوق) الجمعي العربي بل على الظاهرة الصوتية العربية كلها ··· لذا بقي في غربة عنها ···
ولكن إلى متى سيبقى غريبًا عنا · والعالم يفكر اليوم كما فكر ابن خلدون بالأمس ·
لا نريد أن نبالغ في أهمية ابن خلدون، وإلا وقعنا في (علم الخطابة) ! نريد القول : إن لدى الرجل رؤية تحليلية لتكوين المجتمعات العربية لا بد من الإلمام بها قبل الانتقال لغيرها · ذلك أن (بلغاء) الخطاب العربي جاهزون للاعتراض : هل تريدنـا أن نبقى في (أسر) ابن خلدون وقد تجاوزه العالم بقرون · نعم تجاوزه العالم · لكنا كمجتمعات عربية لم نتجاوزه في تكويننا وإن داخلتنا مؤثرات أخرى· فإذن علينا التوقف عند محطته الفكرية المهمة للغاية قبل الوصول إلى محطة كارل ماركس وفيبر وغيرهما من علماء الاجتماع الحديث· فعند محطة ابن خلدون يتضح العمود الفقري للسوسيولوجيا السياسية العربية بالذات، وبعدها إضافات مهمة دون شك، لكنها ليست بدايات أو منطلقات يؤسس عليها ·
عندما أصدرت كتاب (تجديد النهضة) قبل أكثر من عقد من الزمن، ضمنته فصلاً كاملاً بعنوان (خلدونية ·· لا ماركسية : نحو مدرسة ترى الأزمة في خصوصيتها المجتمعية)، كان قصدي فقط التنبيه للأهمية القصوى لفهم (الخاص) في القوانين الاجتماعية إلى جانب (العام) · وهنا أهمية ابن خلدون، أهميته البالغة في تشخيص العرب · فلن تجد لديه في فلسفة التاريخ وصيرورة المجتمع انشغالاً بالقوانين العامة، إنه دائم الحديث عما هو (خاص) في مجتمعات العرب وتاريخهم ··· العرب ضمن تفاعلهم في النطاق الإسلامي مع من جاورهم من (ذوي السلطان الأكبر) ·
لهذا الاعتبار قلت: خلدونية ·· لا ماركسية · وكان عالم الاجتماع العراقي الفذ الدكتور علي الوردي، وهو من أبرز رواد مدرسة ابن خلدون في النصف الثاني من القرن العشرين، يحاول إقناع مجادليه ومواطنيه من الشيوعيين العراقيين أن النظام الزراعي في العراق نظام عشائري وليس نظامًا إقطاعيا، حسب المواصفات الأوربية وحسب توصيف الماركسية· وكان يقول بتواضع جم : أتمنى أن أكون مخطئًا ·· لكنه نظام عشائري !
ولكن يبقى، بطبيعة الحال، أن علم الاجتماع الماركسي (وليس خطابه الايدولوجي) ما زال يحمل الكثير من التحليلات الصائبة أو القريبة من الصحة، في تحليله لظواهر الاجتماع والاقتصاد والسياسة· بل إني أعتقد أن هذا العلم، في حدوده المنهجية الخاضعة لمقاييس الصواب والخطأ، يحتفظ بمصداقية أقوى بعد سقوط الأنظمة الشيوعية الناطقة باسمه، والتي لم تكن أمينة له بقـدر ما كانت حريصة على تسـلطها ومصالحها كما في كل تسـلط ··· فمـن قبل بقي المسيح (غريبًا) في كهنوت الكنائس الرسمية ·
ويبقى أن المسألة ليست في المفاضلة المطلقة بين ابن خلدون ومدارس علم الاجتماع الحديث - ومنها علم الاجتماع الماركسي - على طريقة (إما وإما) السائدة في الخطاب العربي إلى يومنا · فمن أجل تشخيص وفهم أفضل، ثم تغيير أصح، للمجتمعات العربية، لابد من الوقوف عند ابن خلدون ثم استكمال تجاوزه بالطريقة المنهجية السليمة، لا بالتجاوز السطحي أو الشكلي كما في بعض مدارس الحداثة ! ··· ومازال الهدف فهم الواقع من أجل تغييره ·
هل هي (لكمة) إيقاظ ذهني ؟ هل هي سخرية ؟ هل هو غضب كاتم لغيظه؟ إنه بالتأكيد خروج على (الذوق) الجمعي العربي بل على الظاهرة الصوتية العربية كلها ··· لذا بقي في غربة عنها ···
ولكن إلى متى سيبقى غريبًا عنا · والعالم يفكر اليوم كما فكر ابن خلدون بالأمس ·
لا نريد أن نبالغ في أهمية ابن خلدون، وإلا وقعنا في (علم الخطابة) ! نريد القول : إن لدى الرجل رؤية تحليلية لتكوين المجتمعات العربية لا بد من الإلمام بها قبل الانتقال لغيرها · ذلك أن (بلغاء) الخطاب العربي جاهزون للاعتراض : هل تريدنـا أن نبقى في (أسر) ابن خلدون وقد تجاوزه العالم بقرون · نعم تجاوزه العالم · لكنا كمجتمعات عربية لم نتجاوزه في تكويننا وإن داخلتنا مؤثرات أخرى· فإذن علينا التوقف عند محطته الفكرية المهمة للغاية قبل الوصول إلى محطة كارل ماركس وفيبر وغيرهما من علماء الاجتماع الحديث· فعند محطة ابن خلدون يتضح العمود الفقري للسوسيولوجيا السياسية العربية بالذات، وبعدها إضافات مهمة دون شك، لكنها ليست بدايات أو منطلقات يؤسس عليها ·
عندما أصدرت كتاب (تجديد النهضة) قبل أكثر من عقد من الزمن، ضمنته فصلاً كاملاً بعنوان (خلدونية ·· لا ماركسية : نحو مدرسة ترى الأزمة في خصوصيتها المجتمعية)، كان قصدي فقط التنبيه للأهمية القصوى لفهم (الخاص) في القوانين الاجتماعية إلى جانب (العام) · وهنا أهمية ابن خلدون، أهميته البالغة في تشخيص العرب · فلن تجد لديه في فلسفة التاريخ وصيرورة المجتمع انشغالاً بالقوانين العامة، إنه دائم الحديث عما هو (خاص) في مجتمعات العرب وتاريخهم ··· العرب ضمن تفاعلهم في النطاق الإسلامي مع من جاورهم من (ذوي السلطان الأكبر) ·
لهذا الاعتبار قلت: خلدونية ·· لا ماركسية · وكان عالم الاجتماع العراقي الفذ الدكتور علي الوردي، وهو من أبرز رواد مدرسة ابن خلدون في النصف الثاني من القرن العشرين، يحاول إقناع مجادليه ومواطنيه من الشيوعيين العراقيين أن النظام الزراعي في العراق نظام عشائري وليس نظامًا إقطاعيا، حسب المواصفات الأوربية وحسب توصيف الماركسية· وكان يقول بتواضع جم : أتمنى أن أكون مخطئًا ·· لكنه نظام عشائري !
ولكن يبقى، بطبيعة الحال، أن علم الاجتماع الماركسي (وليس خطابه الايدولوجي) ما زال يحمل الكثير من التحليلات الصائبة أو القريبة من الصحة، في تحليله لظواهر الاجتماع والاقتصاد والسياسة· بل إني أعتقد أن هذا العلم، في حدوده المنهجية الخاضعة لمقاييس الصواب والخطأ، يحتفظ بمصداقية أقوى بعد سقوط الأنظمة الشيوعية الناطقة باسمه، والتي لم تكن أمينة له بقـدر ما كانت حريصة على تسـلطها ومصالحها كما في كل تسـلط ··· فمـن قبل بقي المسيح (غريبًا) في كهنوت الكنائس الرسمية ·
ويبقى أن المسألة ليست في المفاضلة المطلقة بين ابن خلدون ومدارس علم الاجتماع الحديث - ومنها علم الاجتماع الماركسي - على طريقة (إما وإما) السائدة في الخطاب العربي إلى يومنا · فمن أجل تشخيص وفهم أفضل، ثم تغيير أصح، للمجتمعات العربية، لابد من الوقوف عند ابن خلدون ثم استكمال تجاوزه بالطريقة المنهجية السليمة، لا بالتجاوز السطحي أو الشكلي كما في بعض مدارس الحداثة ! ··· ومازال الهدف فهم الواقع من أجل تغييره ·
Page 8
أفكار حبيسة ···هل تطلقها ضرورة الإصلاح ؟
لعل أفضل مدخل للتعرف إلى حقيقة فكر ابن خلدون، الوقوف عند بعض لمحاته الرائعة في الفكر السياسي القائم على التشخيص المجتمعي الدقيق، لأوضاع المجتمع العربي في سياقه التاريخي، الذي مازال ماثلاً ومؤثرًا إلى درجة كبيرة (ومن لا يستفيد من أخطاء تاريخه، محكوم بإعادتها···)·وإذا كان فكر ابن خلدون قد جاء في الماضي في ختام المشهد الحضاري العربي، فلم يتأسس عليه بناء فكري يذكر، كما لم يستوعبه فكر النهضة الحديثة الذي افتقر إلى الواقعية الاجتماعية وانشغل بالرومانسيات التاريخية، فالمفروض، قبل فوات الأوان، أن نؤسس عليه اليوم فكرًا مجتمعيًا للمراجعة والتصحيح، فواقعنا الاجتماعي المتوارث تاريخيًا من زمن ابن خلدون، وما قبل، يحتم علينا الرجوع لابن خلدون، والبدء به، في فكرنا الاجتماعي الجديد، إن أردنا له أن يحقق فهمًا للواقع وقدرةً على تغييره·
بداية نذكر ما أشار إليه باحثون عدة في فكر ابن خلدون إلى أنه كان رائدًا في الإرهاص والإيماء إلى مسألتين مهمتين، تنبّه إليهما الفكر الحديث بعامة، وذلك قبل أن نركز على ما خص به الواقع العربي من تشخيص ونقد :
أولاً: إن القيمة الاقتصادية للسلعة يحددها الجهد الإنساني (العمالي) المبذول فيها وليس مجرد قيمتها المادية· وهي مسألة انبنى عليها الفكر الاجتماعي الحديث - الاشتراكي بخاصة - في دعوته إلى إنصاف العمال الذين يضيف جهدهم إلى قيمة السلعة، أحيانًا في ظروف قاسية· وهي قيمة يستفيد منها الرأسماليون عادة في النظم التي لا تنصف العمال· لم يصل ابن خلدون إلى هذه الدعوة الصريحة لكنه اقترب كثيرًا من مضمونها الفكري· وذلك ما يفسر احتفاء كتاب يساريين عرب به وإن لم يكن حكرًا عليهم، إذا لاحظنا، منذ مطلع النهضة، اهتمام الشيخ الإمام محمد عبده به، وكذلك طه حسين، وساطع الحصري· ولكن الحقيقة أن هؤلاء المفكرين الكبار لم يستطيعوا إدماج فكره (الاجتماعي) في ثقافة النهضة أو الحركة القومية· ومن أسوأ ما تعرض له ابن خلدون اتهام د· محمود إسماعيل له (1976) بالسطو على أفكار (إخوان الصفا) في فلسفته الاجتماعية، على الرغم من عقلانيته البارزة وقصور فكر (الإخوان) عنها أساسًا· ومازال ابن خلدون يثير حماسة الكتاب العرب؛ فتتراوح أعمالهم بين نقد لاذع وروايات تدمج التاريخ بالمتخيل، كما في كتابات د· سالم حميش الذي وجدته أكثر الباحثين العرب المعاصرين متابعة للخلدونية في تلاوينها·
ثانيًا : أنه أومأ إلى شـيء قريب جـدًا من الفكرة القومية الجامعة عندما تحدث عن (دولة العرب)، ثم (دولة الفرس)، ثم (دولة الترك) في سياق التاريخ الإسلامي· صحيح أنه بنى فكره في تفسـير الاجتماع والتاريخ لدى العرب على (العصبية القبلية) - وهو واقع لا يستطيع أي مفكر حقيقي تجاهله - لكنه أشار أيضًا إلى أن تلك العصائب القبلية إذا تحالفت، خاصةً في ظل (دعوة دينية)، تسـتطيع أن تؤسـس لتحالف أوسع بينها يسـتند إلى حقيقة كونها منتمية إلى (قوم) متميز من الأقوام·
يقول في المقدمة : ( فتتألف كلمة القوم لإظهار الحق، ويتم اجتماعهم، ويحصل لهم التغلب (أي بتأثير الدعوة) المزيلة للغلظة والأنفة ومذمومات الأخلاق··· وسرّه أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل والميل إلى الدنيا، حصل التنافس ونشأ الخلاف، وإذا انصرفت إلى الحق، اتحدت وجهتها، واتسع نطاق الكلمة لذلك فعظمت الدولة···)
وهذا يعني أن ابن خلدون يسـجل ويقرّ لمثاليات الدعوة والقيم دورها في لم الشمل القومي، لكنه لا يغفل أن لم الشمل ممكن أساسًا لتشابه (القوم) كما تقدم· (تراجع دراسة الكاتب في مجلة (العربي): مارس 1983 بعنوان : (ابن خلدون وسيطًا بين العروبييـن والإسـلاميين) - وفي كتاب (العربي): (مراجعات في الفكر القومي)، رقم 57 الصادر في 15/7/2004)·
Page 9
إلا أن أهمية ابن خلدون وطرافة فكره، وإن تمثلت في إيماءات فكرية، تتخطى عصرها كالفكرة الاقتصادية والفكرة القومية كما أوجزنا، فإنه كان محددًا وواضحًا في أفكار أخرى مازالت واقعًا لا يمكن إنكاره في حياتنا العربية الراهنة، نورد منها على سـيل المثال لا الحصر، تدليلاً على أن ابن خلدون مازال (معاصرًا) لنا كعرب، وأننا سنحتاج إلى وقت حتى نتجاوزه في واقعنا الاقتصادي والاجتماعي والسياسي:-
1- من أهم المسائل التي حذر منها ابن خلدون اشتغال رجال السلطة بالتجارة ومنافستهم لأهل البلد وتجاره، بما يؤدي إلى عرقلة الاقتصاد وتدميره، وانعكاس ذلك وبالاً على الدولة نفسها في نهاية الأمر، كما يتضح من تجارب عربية معاصرة··· يقول ابن خلدون في نص كأنه كتب اليوم عن هذه الظاهرة، وخلاصته : (إن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا ومفسدة للجباية (أي لنظام الضرائب الذي تستعين به الدول)) - وفي (المقدمة) إسهاب فكري مهم في إيضاح جوانب هذا الأمر والوبال الذي يجلبه على (الرعية)، وكيف أن رؤوس الأموال تهرب وتهاجر من بلد التسلط إلى بلدان أخرى، خاصةً إذا استغل المتسلط نفوذه في السلطة لمنافسة أهل البلد في أرزاقهم· وعلى العكس من ذلك، كان ابن خلدون يشيد دائمًا بالسلاطين الذين يكتفون بسلطة الحكم ولا يخلطون بين الإمارة والتجارة، وهو ما بقي مثلاً أعلى للحكام العرب القلائل الذين تميزوا عن غيرهم بالنزاهة ونظافة الذمة، على ندرتهم في تاريخنا وواقعنا .
2- كما حذر ابن خلدون من أنواع الاستبداد والتسلط الأخرى لأن ذلك يؤدي إلى تنفير أهل البلد، وانقلابهم على السلطان وتعاونهم مع أعدائه؛ وقد لخص ابن خلدون رؤيته لآثار مختلف أنواع الاسـتبداد والتسلط بمقولته الرائعة (الظلـم مؤْذِن بخراب العمران)، داعيًا السلاطين إلى اكتساب قلوب رعاياهم بالمودة والعفو والإحسان، تعزيزًا لدولهم ذاتها·
3- يُنبه ابن خلدون إلى أن الدعوة الدينية بلا عصبية قبلية أو قومية لا تتم لاحتياجها إلى وازع طبيعي، وذلك ما يحاوله - معكوسًا - في أيامنا بعض المشتغلين بالإسلام السياسي تحديدًا، بإثارة النعرات الطائفية أو العشائرية لدى أتباعهم؛ ليقينهم أن مواعظ المنابر الدينية في حد ذاتها لا تملك التأثير الكافي لاحتياجها إلى قوى اجتماعية مؤثرة وراءها، لذلك لا نراهم ينادون بإسلام نقي مبرأ من الطائفية أو العشائرية كما ينبغي أن يكون دينيًا، وإنما هم يتخندقون وراء هذه العصبيات لأنهم بدونها لا نفوذ لهم، ولم نسمع بحركة إسلامية واحدة، فوق المذاهب، ومن مختلف المذاهب - كما كان الأمر في حركة التحرر العربي - لأن الناس لا يجتمعون خلف الدعوة الدينية بالمطلق، وإنما يتحركون بعصبياتهم القائمة المتوارثة، فذلك ما ورثوه عقيديًا ويبدو من الصعب جدًا تجاوزه· وعليه، فإذا انتفت القوة الاجتماعية الدافعة، يتحول الدعاة إلى مجرد أصوات صارخة في البرية بلا أثر، أو حسب تعبير ابن خلدون : (ومن هذا الباب أحوال الثوار القائمين بتغيير المنكر من العامة والفقهاء، فإن كثيرًا من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الأمراء، داعين إلى تغيير المنكر والنهي عنه والأمر بالمعروف رجاء الثواب عليه من الله، فيكثر أتباعهم والمتمثلون بهم من الغوغاء والدهماء ويعرضون أنفسهم في ذلك للمهالك، وأكثرهم يهلكون في هذا السبيل، مأزورين غير مأجورين لأن الله سبحانه لم يكتب ذلك عليهم··· وأحوال الملوك والدول راسخة قوية لا يزحزحها ويهدم بناءها إلا المطالبة القوية التي من ورائها عصبية القبائل والعشائر··· وهكذا كان حال الأنبياء··· في دعوتهم إلى الله··· وهم المؤيدون من الله بالكون كله لو شاء، لكنه إنما أجرى الأمور على مستقر العادة···)
هذا النص الخطير لابن خلدون كتب قبل أكثر من سـتة قرون، لكنـه كمن يشخص (الظاهرة الإرهابية) في أيامنا ومن يندفع وراءها من فقهاء وعامة وغوغاء ودهماء، فيقضون ويهلكون حسـب تعبيره (مأزورين غير مأجورين لأن الله لم يكتب ذلك عليهم···)، حيث تذهب أعمالهم عبثًا، أما أحوال الدول فقائمة لا تؤثر فيها إلا القوى الاجتماعية الفاعلة، سواء كانت قبائل أو غيرها من قوى مجتمعية كما في عصرنا· وهذا يعني، من منطلق ابن خلدون، أن الموعظة تبقى موعظة، سلفية كانت أم علمانية، وأن الفكرة مهما كانت لا تهبط إلى واقع الناس إلا إذا حملتها قوى فاعلة من ذلك الواقع، وما عداه حرث في البحر··· ! (ولو كان (تنويرًا) وعظيًا من جانب أخطر المفكرين والدعاة!)·
1- من أهم المسائل التي حذر منها ابن خلدون اشتغال رجال السلطة بالتجارة ومنافستهم لأهل البلد وتجاره، بما يؤدي إلى عرقلة الاقتصاد وتدميره، وانعكاس ذلك وبالاً على الدولة نفسها في نهاية الأمر، كما يتضح من تجارب عربية معاصرة··· يقول ابن خلدون في نص كأنه كتب اليوم عن هذه الظاهرة، وخلاصته : (إن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا ومفسدة للجباية (أي لنظام الضرائب الذي تستعين به الدول)) - وفي (المقدمة) إسهاب فكري مهم في إيضاح جوانب هذا الأمر والوبال الذي يجلبه على (الرعية)، وكيف أن رؤوس الأموال تهرب وتهاجر من بلد التسلط إلى بلدان أخرى، خاصةً إذا استغل المتسلط نفوذه في السلطة لمنافسة أهل البلد في أرزاقهم· وعلى العكس من ذلك، كان ابن خلدون يشيد دائمًا بالسلاطين الذين يكتفون بسلطة الحكم ولا يخلطون بين الإمارة والتجارة، وهو ما بقي مثلاً أعلى للحكام العرب القلائل الذين تميزوا عن غيرهم بالنزاهة ونظافة الذمة، على ندرتهم في تاريخنا وواقعنا .
2- كما حذر ابن خلدون من أنواع الاستبداد والتسلط الأخرى لأن ذلك يؤدي إلى تنفير أهل البلد، وانقلابهم على السلطان وتعاونهم مع أعدائه؛ وقد لخص ابن خلدون رؤيته لآثار مختلف أنواع الاسـتبداد والتسلط بمقولته الرائعة (الظلـم مؤْذِن بخراب العمران)، داعيًا السلاطين إلى اكتساب قلوب رعاياهم بالمودة والعفو والإحسان، تعزيزًا لدولهم ذاتها·
3- يُنبه ابن خلدون إلى أن الدعوة الدينية بلا عصبية قبلية أو قومية لا تتم لاحتياجها إلى وازع طبيعي، وذلك ما يحاوله - معكوسًا - في أيامنا بعض المشتغلين بالإسلام السياسي تحديدًا، بإثارة النعرات الطائفية أو العشائرية لدى أتباعهم؛ ليقينهم أن مواعظ المنابر الدينية في حد ذاتها لا تملك التأثير الكافي لاحتياجها إلى قوى اجتماعية مؤثرة وراءها، لذلك لا نراهم ينادون بإسلام نقي مبرأ من الطائفية أو العشائرية كما ينبغي أن يكون دينيًا، وإنما هم يتخندقون وراء هذه العصبيات لأنهم بدونها لا نفوذ لهم، ولم نسمع بحركة إسلامية واحدة، فوق المذاهب، ومن مختلف المذاهب - كما كان الأمر في حركة التحرر العربي - لأن الناس لا يجتمعون خلف الدعوة الدينية بالمطلق، وإنما يتحركون بعصبياتهم القائمة المتوارثة، فذلك ما ورثوه عقيديًا ويبدو من الصعب جدًا تجاوزه· وعليه، فإذا انتفت القوة الاجتماعية الدافعة، يتحول الدعاة إلى مجرد أصوات صارخة في البرية بلا أثر، أو حسب تعبير ابن خلدون : (ومن هذا الباب أحوال الثوار القائمين بتغيير المنكر من العامة والفقهاء، فإن كثيرًا من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الأمراء، داعين إلى تغيير المنكر والنهي عنه والأمر بالمعروف رجاء الثواب عليه من الله، فيكثر أتباعهم والمتمثلون بهم من الغوغاء والدهماء ويعرضون أنفسهم في ذلك للمهالك، وأكثرهم يهلكون في هذا السبيل، مأزورين غير مأجورين لأن الله سبحانه لم يكتب ذلك عليهم··· وأحوال الملوك والدول راسخة قوية لا يزحزحها ويهدم بناءها إلا المطالبة القوية التي من ورائها عصبية القبائل والعشائر··· وهكذا كان حال الأنبياء··· في دعوتهم إلى الله··· وهم المؤيدون من الله بالكون كله لو شاء، لكنه إنما أجرى الأمور على مستقر العادة···)
هذا النص الخطير لابن خلدون كتب قبل أكثر من سـتة قرون، لكنـه كمن يشخص (الظاهرة الإرهابية) في أيامنا ومن يندفع وراءها من فقهاء وعامة وغوغاء ودهماء، فيقضون ويهلكون حسـب تعبيره (مأزورين غير مأجورين لأن الله لم يكتب ذلك عليهم···)، حيث تذهب أعمالهم عبثًا، أما أحوال الدول فقائمة لا تؤثر فيها إلا القوى الاجتماعية الفاعلة، سواء كانت قبائل أو غيرها من قوى مجتمعية كما في عصرنا· وهذا يعني، من منطلق ابن خلدون، أن الموعظة تبقى موعظة، سلفية كانت أم علمانية، وأن الفكرة مهما كانت لا تهبط إلى واقع الناس إلا إذا حملتها قوى فاعلة من ذلك الواقع، وما عداه حرث في البحر··· ! (ولو كان (تنويرًا) وعظيًا من جانب أخطر المفكرين والدعاة!)·
Page 10
نقد سياسي لواقع متطاول··· متى نصلحه ؟
جاء ابن خلدون - كما ألمحنا - في نهاية المشـهد الحضاري الإسـلامي، لذلك لم يتح (البناء) على ثورته الفكرية في حينه· وفي عصرنا الحديث، جاءت مدارس الفكر الأوربي المستمدة من خصوصيات مجتمعاتها - على الرغم من أهميتها كمقاربات عامة - فصرفت أكثر المثقفين العرب عن واقع موروث تحت أرجلهم· ومازالت حاجتنا الفكرية والواقعية قائمة لرؤية هذا الواقع بقراءة (المقدمة) قراءة متأنية·في لمحة رائعة ينبه ابن خلدون إلى أن أهل الحل والعقد في الإسلام ليسوا رجال الدين المعممين، الذين لا قوة وراءهم غير اشتغالهم بعلومه؛ لأن : (الشورى والحل والعقد، بتعبيره، لا تكون إلا لصاحب عصبية (أي قوة اجتماعية) يقتدر بها على حل أو عقد··· وأما من لا يملك من أمر نفسـه شيئًا··· إنما هو عيال على غيره، فأي مدخل له في الشورى··· اللهم إلا شوراه فيما يعلمه من الأحكام الشرعية (وهي) متحققة في الاستفتاء منه، أما شوراه في السياسة فهو بعيد عنها لفقدانه العصبية والقيام على معرفة أحوالها··· وإنما إكرامهم (أي رجال الدين) من تبرعات الملوك والأمراء (فمغزاها أن تكون) الشاهدة لهم بجميل الاعتقاد في الدين وتعظيم من ينتسب إليه··· الخ) (وليس لكونهم من أهل الحل والعقد كما قد يتبادر إلى الأذهان)·
هكذا بحسم فكري، يقرر ابن خلدون، وهو ليس مفكرًا اجتماعيًا فحسب وإنما من علماء الحديث الشـريف وقاضي القضاة بمصر، أن رجال الدين أهل شورى في علوم الشرع، لا في الحل والعقد بشأن مصير الأمة التي هي لغيرهم من قادة القوى الاجتماعية المؤثرة· ومثل هذا الحسم الفكري ينهي جدلاً طويلاً عقيمًا تشهده الساحة الإسلامية في أيامنا··· وما أحوجنا إليه من عالـم ديـن وحديث وقضاء مثل صاحب (المقدمة) !
وكما تعانيه المجتمعات العربية إلى اليوم، يكتب (معاصرنا) ابن خلدون : (إن الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قل أن تستحكم فيها دولة)، وهو ملحظ يحتمل مجلدات في إشكالات الدولة العربية الحديثة والمعاصرة··· وتكفي للفت الأنظار إليه ما تحمله أنباء النزاعات الداخلية العربية·
وفي لقطة واضحة تسجل عجز المجتمع المديني (المدني) وافتقار القوى السياسية المدنية إلى أسنان سياسـية تدافع بها عن نفسها، كتب ابن خلـدون في جذور هذه الإشكالية: (وأهل الحاضرة عيال على غيرهم في المدافعة والممانعة)، ملخصًا الحقيقة القائمة في التاريخ العربي وهي احتياج الحواضر إلى قوى البادية المحاربة للدفاع عنها (أو قوى الأرياف في عصرنا، التي مثّلت القوى المجتمعية الضاربة وراء الانقلابات العسكرية والدينية ومازالت)، بما نجم عن ذلك من ثمن باهظ تدفعه المدن من حرياتها ومستواها المدني التحضري، وغياب إرادتها السياسية في تقرير نظامها السياسي· وحسب الرؤية الخلدونية المسـتمدة من تجارب التاريخ العربيـة : كلما مرت دورة وانغمـس البـدو المحاربون في (ترف) الحضارة المدنية، فقدوا فضائلهم الحربية وتعرضوا لغزوة جديـدة من بدو محاربين جدد، وهكذا· وحسب طبيعة التطور المجتمعي في المرحلة الراهنة؛ فليس من الضروري قدوم الغزوة الجديدة من البادية في هيئة غزو حربي مكشوف، إذ إن الهجرة السكانية الريفية (والبدوية) إلى المدينة تخلق بالتدريج واقعًا ديمغرافيًا في المدينة (وفي أحزمة البؤس المحيطة بها)، يؤدي إلى ظهور (قوة) سكانية معادية لأنماط العيش في المدينة ونظام حكمها، بما يؤدي إلى انقلاب عسكري أو ديني تدعمه تلك القوة غير المدنية، وهو ما يلخص التاريخ السياسي العربي والإسلامي المعاصر، وربما لم نصل إلى نهاية مشاهده، بعد··· ما لم تتم المبادرة إلى تمدين الريف والبادية بدل ترييف المدينة وبدونتها، وهو ما حصل بوتيرة متصاعدة العنف في أيامنا·· ومسـاكين أهل الحاضرة إن بقوا (عيالاً على غيرهم في المدافعة والممانعة)، حسب تعبير ابن خلدون· وقد أسهب الباحثون في عرض أفكاره بشأن أبعاد الصراع بين قوى البادية وقوى الحاضرة في النسيج المجتمعي العربي، بما لا يسعه حيز هذه الدراسة الموجزة، مكتفين بهذا الانعكاس السياسي على قوى المجتمع المدني (المديني)، الذي حان الوقت ليتحول إلى آليات القوة الفاعلة بدل البقاء أغلبية صامتة لا حول لها ولا قوة· والجدير بالذكر أن أهل الحاضرة الكويتية، بين أمثلـة أخرى، بنوا (ســور الكويت)، مثلما أقام الصينيون (سور الصين)، على اختلاف الحجم والكثافة السكانية· وهدف السورين واحد وهو حماية الوجود الحضري من الاكتساحات الرعوية، إلا أن مثل هذه المؤثرات في أيامنا لم تعد توقفها أسوار المدن في ظل الهجرة المسـتمرة - بشريًا وبالتالي فكريًا - من البوادي والأرياف إلى المدن·