eKtab
EN ع
لقد خلق جميع البشر متساوون
Read free sample

لقد خلق جميع البشر متساوون

by د. توراو توكودا

Page 1
المقدمة

" انتفاضة الفلاحين " في مجال العلاج الطبي
لقد تربيت ونشأت في جزيرة صغيرة اسمها "توكونوشيما"، وهى جزيرة تابعة لمحافظة "كاغوشيما" (جنوب اليابان)، وقد فقدت أخي الأصغر الذي مات هناك بسبب ضعف الإمكانيات الطبية وهو في نعومة أظفاره.
وقد كان حادث فقدانه هذا - والذي أحزنني كثيراً – هو البداية الحقيقية لقراري الذي أخذت بأن أصبح طبيباً. وحين أصبحت طبيباً بالفعل اكتشفت أن واقع الحقل الطبي يبعد كثيرا عن الصورة الوردية المثالية التي كنت أرسمها في مخيلتي.
ورغم تلك المقولة الشهيرة التي تقول كلماتها "إن حياة إنسان واحد هي أثقل من الكرة الأرضية كلها"، فقد اصطدمت آنذاك بواقع أن أكثر الأمور التي يتم التعامل معها في اليابان بشكل غير مسؤول هي حياة الإنسان، ولهذا فقد كرست نفسي لإنشاء المستشفيات من منطلق مبدأ أنه "أضعف الإيمان أن أبدأ من نقطة العلاج الطبي حيث تبدأ درجا ت السلم طالما صرت طبيباً".
وهكذا وبينما كنت أواجه الكثير من المصاعب والعقبات صرت أنتبه شيئاً فشيئاً إلى أن القطاع الأكبر من مواطني اليابان يحملون مشاعر عميقة من القلق وعدم الرضاء من الوضع الذي يعيش عليها واقع العلاج الطبي بشكل أكبر مما كنت أتخيله، لدرجة إنني توصلت إلى نتيجة تفيد بأن أكثر الأمور تناقصاً وتأخراً في اليابان حالياً قد تكون قضية العلاج الطبي في حد ذاتها عن غيرها من القضايا القومية الأخرى.
وعالم الطب في اليابان هو أكثر المجالات صعوبة وقسوة وتعقيداً من حيث التحديات والانتماءات والمنافسات، وإنني أعتقد أن المفترض في مجال العلاج الطبي أن يكون قائما على عمودين أساسيين وهما: التقنية الطبية بالإضافة إلى مهنة الطب كمهنة إنسانية بحته، بحيث يتحتم أن تمارس هذه المهنة على أيادي أكثر البشر تحلياً بالصفات الإنسانية وبأعلى تقنية علمية ممكنة. لكن لسان الحال في الواقع يقول إن العكس من ذلك هو الواقع الحالي من حيث إنه منذ بداية فترة الإصلاحات في عصر "ميجى" (منذ حوالي 140 عاماً)، فإن مظاهر التأخر في تطوير التقنية الطبية واضحة للعيان، أما من الناحية الإنسانية فحدث ولا حرج حيث تتدهور الأمور نحو الأسوأ.
إن عدم تحسن أحوال العلاج الطبي على طول الخط يعود في رأيي إلى استحواذ مجموعة صغيرة من الأفراد على الأمور بحيث أصبحت المصالح الشخصية هي الأمل الأساسي الذي يتحكم فيه.
إن وجود فوارق بين الناس في المسكن والمأكل والملبس هو أمر طبيعي ولا جدال عليه، ولكن فيما يتعلق بحياة الإنسان فإن مبدأ المساواة يجب أن يكون هو المبدأ السائد.
هناك من الناس من يحكمون عليّ ظلماً بأنني يساري أو يميني، لكن مثل هذه الإيديولوجيات لا تعنى من الأمر شيئاً. إنني فقط أنادى ببناء المزيد من المستشفيات في طول اليابان وعرضها من منطلق يشبه "انتفاضة الفلاحين" الشهيرة (انتفاضة حدثت باليابان منذ أكثر من 150 عاماً قام بها الفلاحون للمطالبة بإزالة الظلم القائم عليهم من جباية الضرائب وشظف العيش)، وهو موقف قائم على شعور داخلي جارف بالغضب وبالحزن إشفاقا على الفقراء. أي أن ما أقوم به الآن هو " انتفاضة العلاج".
إنني فقط أقف في جانب من يصيبهم الضرر من المواطنين البسطاء وأحاول التحرك من أجلهم في مواجهة من أفسدوا مجال الطب في اليابان.
إنني من خلال تجربتي الطويلة في معترك الحياة الطبية أو من إيمان قوي بأن الشعب بجميع طوائفه يجب أن يكون مشاركاً أساسيا في عملية تغيير حتمية حيث إن قضية العلاج الطبي ليست بذلك الأمر المعقد الصعب الفهم. لقد كان ذلك أهم شيء أردت قوله من خلال هذا الكتاب حيث إنني وقفت موقف المواطن الذي يحتاج العلاج ونظرت إلى الأمور من منظوره. فمن أجل ممارسة "العلاج الحقيقي" يجب أن تتضافر جهود كل فرد من أفراد الشعب ويجب أن يكون الشعب نفسه هو الرقيب على مسار العلاج الطبي وأن يقوم بتنظيمه بنفسه. ومنذ نهايات عام 1978 بدأت وسائل الإعلام اليابانية تتناول النشاط الذي تقوم به مجموعتنا وهى "مجموعة توكوشوه" ورغم أن الإنجازات التي نفذناها لا تتعدى أن تكون أصداء إلا أنه ما قمنا به كان كثيرًا جدًا وكانت التطورات سريعة متلاحقة بشكل آثار الدهشة وسط أوضاع متداخلة غير واضحة المعالم خصوصاً في خلال الستة أشهر الأولى من انطلاقنا.
كما أنه خلال تلك الفترة تكررت طلبات كثيرة من دور النشر لي ولزملائي للكتابة عن التجربة التي نخوضها، غير أننا اعتذرنا عن تلبية تلك الطلبات لإيماننا بأن ما نفعله لا يصل إلى درجة أن يستحق إصدار كتب عنه.
ولكن النتيجة التي حدثت في الواقع هي قيام خمسة أو ستة دور للنشر بأخذ قرار إصدار كتب عن نشاط مجموعتنا، ولهذا قررت أن أكتب بقلمي كتاباً بغرض مواجهة سوء الفهم الذي أحاط بنشاطنا وكذلك بغرض محاولة معرفة أكبر عدد من الناس لما أقوم به أنا وزملائي ولتعريفهم بشخصيتي وفكري.
لقد أصبحت أكرس نفسي للكتابة على مدى شهرين بشكل مكثف حيث اقتطعت من وقتي يومياً حوالي خمس ساعات وكأنني عدت بعقارب الساعة إلى الوراء لأعيش إحساس طالب في المرحلة الإعدادية يكتب موضوعات الإنشاء أو يستعد لدخول اختبار الثانوية العامة، لكنني في النهاية لم أستطع التعبير سوى عن نصف ما كنت أريد قوله وذلك بسبب ضعف قدرتي الحرفية على الكتابة.
بيد أننا –ولأضعف الإيمان – نرغب في أن يتفهم الناس وجهه نظرنا من حيث أننا كنا على طول الخط نقف في صف الضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة ونتحرك من منطلق آمالهم وأمانيهم.
لقد التقيت بالكثير من الناس حتى الآن، وكان منهم عدد ليس بقليل ممن يبذلون الجهد دون مقابل في سبيل مساعدة الضعفاء. وإنني أتمنى بتضافر الجهود مع هؤلاء المتعاونين أن نصل إلى بناء مجتمع متفائل واعد صحيح معافى.
وفي نهاية المقدمة أود أن أذكر أن المكافآت المالية التي تلقيتها من وسائل الإعلام التي كتبت وتحدثت عنى وعن زملائي وكذلك المكافآت التي حصلت عليها عن محاضراتي العامة التي قمت بإلقائها تبرعت بها لجمعية "تحسين الخدمات الطبية للمجتمعات الصغيرة"، وهى الجمعية الأهلية التي تشكلت بهدف تطوير خدمات العلاج الطبي، وإذا حدث ولقي هذا الكتاب إعجاب الكثيرين من القراء ونجح في انتشاره فإنني أنوى أن أصب كل الدخل الذي سأحصل عليه من توزيع هذا الكتاب من أجل تفعيل حركة إصلاح مجال العلاج الطبي في اليابان.
المؤلف
د. توراو توكودا
Page 2
البداية

مدفوعاً بمشاعر الحزن والغضب
القلق الناشئ من تردى هيكل الطب الإسعافي:
لقد ولدت ونشأت في جزيرة صغيرة اسمها "توكونوشيما" تابعة لمحافظة "كانموشيما" جنوب اليابان. وهذه الجزيرة سكانها من البسطاء الطيبين. ولقد مات أخي الأصغر وهو في سن الثالثة من عمره. وبينما كان أخي الأصغر يصارع الموت ركضت في ظلام الليل خلال طرقات الجزيرة الجبلية الوعرة كي أصل إلى الوحدة الصحية واستجدى النجدة من هناك. لكن الطبيب لم يلب طلبي ورفض الحضور معي. وحين أتذكر أخي الصغير الذي مات دون أن يستطيع يتلقى كشفاً طبياً من طبيب الجزيرة فإنني على الدوام أعانى من الشعور بالحسرة من إخفاقي في نجدته. لقد قررت منذ تلك الليلة أن أصير طبيباً في المستقبل... بل إنني أصررت داخل نفسي على ألا أقبل سوى أن أكون طبيباً. إنني أؤمن بأن العلاج الطبي يجب أن يكون لم يحتاجه من المرضى وأؤمن بأن توفير العلاج لذلك المريض الذي يعيش على حافة الحياة والموت هو واجب على الطبيب لا يمكن الإفلات منه أو التخلي عن مسئوليته.
وفي اليابان اليوم تنتشر دائرة عدم الثقة والقلق من منظومة الرعاية الطبية وذلك على مستوى القطر كله.
إن الكلمات التي تنتشر حالياً مثل تردى أوضاع الرعاية الطبية" و"انعدام الرعاية الطبية" كثيرا ما تسمعها أذناي. وحتى بالنسبة لتلك الأمراض التي تم التغلب عليها بالتقنية الطبية الحديثة فإذا تصادف وأصيب صاحبها بأزمة مفاجئة في منتصف الليل أو في أيام الإجازات أو أعياد رأس السنة وغيرها فإن مصيره غالباً ينتهي بالموت. وهذا أيضاً واحد من أسباب انتشار ظاهرة عدم الثقة هذه.
في اليوم الحادي عشر من شهر سبتمبر (أيلول) عام 1978 وفي تمام الساعة الثانية صباحاً أي بعد افتتاح المستشفى العلاجي لمجموعة "توكوشوكاي" في مدينة "ياأو" بمحافظة أوساكا بأيام قليلة.. وفد إلى المستشفى في سيارة الإسعاف شاب فاقد الوعي محمولاً على نقالة.
كان الشاب الذي تم نقله علىً الفور إلى حجرة استقبال الطوارئ قد أصيب بتهتك في رئته اليمنى وبكسور في الفقرات الثالثة والرابعة من عموده الفقري، كما أن قلبه قد انتزع عن موضعه الطبيعي قليلاً.. أي أن إصابته كانت بالغة بحيث كان بين الحياة والموت.
وبسؤال والديه فقد أخبرونا أنه أصيب بتلك الإصابات في حادث مروى في الليلة الفائتة حوالي العاشرة مساء، فقد كان ذلك الشاب ذو الثمانية عشر ربيعاً الذي يعيش في مدينة "ياأو" يقود سيارته في الطريق فواجه حادث تصادم نقل على أثره الشاب إلى إحدى مستشفيات المدينة قرب مكان الحادث. وحين هرع الوالدان إلى المستشفى كان الشاب قد فقد وعيه بالفعل وكان يعانى من آلام شديدة بسبب إصاباته البالغة، لكن كل ما قامت به المستشفى من إسعافات لم يتعد وضع ضمادات الثلج على جبهته وتزويده بالأكسجين. ولان آلامه كانت غير عادية، فقد صار والداه يتوسلان إلى الممرضات كي يتخذن أي إجراء آخر، لكن الرد الوحيد الذي كان يأتهما هو: "على أي حال لن يكون هناك أي تصرف قبل موعد الكشف الرسمي غداً التاسعة صباحاً" !! وفي نهاية الأمر اختفى طاقم التمريض داخل الغرفة الخاصة بهن وأغلقن الباب بالمفتاح من الداخل. أما الوالدان المكلومان على ابنهما فلم تكن هناك أية استجابة لطرقاتهما المحمومة على ذلك الباب سوى الصمت المطبق! أما ابنهما الشاب الذي كان يقاوم الآلام دون جدوى فقد سكن جسده تماماً عن الحركة في نهاية الأمر.. وكان ذلك حوالي الخامسة فجراً. ولما صار الوالدان يصرخان بأعلى صوتهما شاكيان من عدم حركة ابنهما.. خرجت إ ليهما ممرضة من الممرضات وقالت لهما في برود: "هذا يعنى أنه صار يشعر بالراحة عن ذي قبل" ! ثم تركتهما ودخلت إلى الغرفة مرة أخرى.
كانت هناك سبع ساعات كاملة قد مرت منذ وقوع الحادث. لم يكن هناك إجراء إسعافي بمعنى الكلمة قد أجرى خلال تلك الساعات الطويلة، وكانت هناك أربع ساعات كاملة باقية على موعد حضور الطبيب لتوقيع الكشف على المصاب. وهنا اضطر الوالدان المشتعلان قلقاً على حالة ابنهما إلى عمل مكالمة هاتفية في الفجر إلى واحد من أعضاء المجلس المحلى للمدينة وشكا إليه الوضع وطلبا منه الغوث والنجدة. ولما كان ذلك العضو النيابي يعلم بافتتاح مستشفى مجموعة "توكوشوكاي" فقد نصحهما بنقل ابنهما المصاب على الفور إلى هناك ودبر لهم سيارة إسعاف توجهت على الفور لحمل الشاب. لكن ما حدث بعد وصول سيارة الإسعاف لأخذ الشاب المصاب كان مأساة أخرى.
لقد رفضت الممرضات تسليم الحالة إلى رجال الإسعاف قائلة "مستحيل أن أسلمكم هذه الحالة إلا بعد التاسعة صباحاً وبعد موافقة مدير المستشفى شخصياً" ! أما الوالدان من جانبهما فهما لم يتحملا بالطبع الوقوف مكتوفي الأيدي وهما يشاهدان بأعينهما فلذة كبدهما وهو ينازع الموت والامتثال لطلبات الممرضة بسبب ظروف المستشفى الإجرائية، فانفجرا في الممرضة قائلين:
"لن نترككم تتحكمون في حياة ابننا أكثر من هذا" ثم قاما عنوه" بحمل ابنهما مع رجال الإسعاف إلى خارج المستشفى" وفي مستشفى "توكوشوكاي" بمدينة "ياأو" بدأت على الفور إجراءات الإسعاف الطارئة في غرفة العناية المركزة، وبالرغم من تلك الجهود الدءوبة لم يفق الشاب من غيبوبته إلا بعد مرور عشرة أيام كاملة من يوم الحادث.
Page 3
إن الشاب إذا كان قد ترك على وضعه هذا لعدة ساعات، لكان بلا جدال قد لفظ أنفاسه وفقد حياته. إن سيناريوهات مشابهة تحدث حتى الآن، وفي يومنا هذا في كل بقاع القطر الياباني. إن المريض إذا دخل مستشفى من المستشفيات ورقد هناك على أحد الآسرة لفترة من الوقت ثم فارق الحياة فسوف يكون أمراً أهون. ولكن إذا حُمل مصاب أو مريض في حالة حرجة بسيارة الإسعاف إلى المستشفيات فإن أكثر المستشفيات ترفض استقبال تلك الحالات وعدم إدخالها.
وهناك قصة أخرى عن واحد من مشاهير الفنانين من منطقة غرب اليابان فقد فوجئ بأن طفله الذي لا يتعدى عمره عاماً وبضعة أشهر يعانى من قيء مستمر وآلام شديدة بالبطن، فأسرع بحمله إلى إحدى المستشفيات.. ولكن تصادف أن كان ذلك اليوم يوم أحد.. أي يوم العطلة الأسبوعية، فما حدث أنه استطاع فقط أن يحصل على موافقة بدخول المستشفى حيث لم تنفذ أي إجراءات إسعافية لابنه المريض. وفي تلك الأثناء أخذت بطن الطفل تنتفخ شيئا فشيئاً وهو يواصل القيء والصراخ من آلام بطنه. أما الأب الذي أنتابه القلق والذعر من وضع ابنه المتدهور فقد قام بلفه في بطانية واستقل سيارة تاكسي أخذ يلف ويدور به على المستشفيات. وفي نهاية المطاف سمحت إحدى المستشفيات باستقبال الطفل وعمل إجراءات الكشف عليه، وقد اتضح إصابة الطفل بانسداد في أمعائه و أجريت له جراحة على الفور لكن الحالة كانت متأخرة للغاية فلفظ الطفل أنفاسه الأخيرة".
إن الجدير بالقول هنا هو أنه من منطلق علمي أن الطب الحديث لهذا اليوم إن أمر الوفاة بانسداد الأمعاء هذا هو أمر غير وارد. فلو تمت الإسعافات الضرورية في مرحلة مبكرة فسوف يتم الاكتفاء بحقنه شرجية ذات ضغط عال ويستغنى تماماً عن التدخل الجراحي. ولكن لأن الحالة ظهرت فجأة يوم العطلة الأسبوعية وهو الأحد فإن الطفل المسكين لم يتمكن من تلقى العلاج رغم السماح له بدخول المستشفى وكذلك لم يقم الطبيب - الغائب – بتوقيع الكشف عليه، ولهذا فقد جاء الطفل في التوقيت غير المناسب.. وفقد الأب ابنه الغالي في ظروف تختلف عن وقوع أخطاء علاجية أو جراحية.
وحالياً.. وحتى في مدينة "تشيبا ساكى" بمحافظة "كاناباوا" حيث يتم إنشاء المستشفى الثامن لمجموعة توكوشوكاي الطبية فقد أصيب موظف متوسط الدرجة من موظفي مجلس نفس المدينة بثقب في معدته كتطور سلبي لقرحات المعدة وتم حمله في سيارة الإسعاف إلى خارج المدينة، لكن حالته كانت متأخرة فمات بعد أن تطورت حالته ليصبح هناك التهاب حاد بجدار المعدة، تلك القصة أيضاً سمعتها ضمن قصص أخرى.
إن مرضاً مثل مرض ثقب جدار المعدة هذا تم إيجاد حل طبي ناجح له منذ أكثر من عشرين عاماً، فإذا كانت هناك فترة قصيرة بين حدوث المرض وإجراء التدخل الجراحي في الغالب تكون العملية الجراحية بسيطة واحتمالات فشلها غير واردة، أي أنه نوع من الأمراض نسبة علاجه وشفاء المريض منه مضمونة مائة بالمائة. وبالرغم من هذا فها هو مريض يموت بسبب مضمون علاجه. وكان السبب فيما حدث أن منظومة الطب الإسعافي لمدينة "تشيباساكى" قد وصلت إلى أسوأ حالاتها. إن معظم الحالات الطارئة التي تحملها سيارات الإسعاف تنقل إلى مستشفيات خارج تلك المدينة، لكن معظم المستشفيات التي ترد عليها تلك الحالات الطارئة غالباً ما ترفض استقبالها. وطبقاً لما ورد على لسان بعض من أطقم الإسعاف، فإنه من أجل البحث عن مستشفى يقبل استقبال تلك الحالات الطارئة فإن الأمر يتطلب زمناً يفوق الثلاث ساعات وأحياناً وصل الأمر لعمل 32 مكالمة تليفونية بحثاً عن مكان للاستقبال.
وقد حدث أحياناً حين وصول عربة الإسعاف إلى مكان الحالة الطارئة أن يتجمع السكان حول طاقم المسعفين فينفوهم ويزجروهم قائلين: "ماذا كنتم تفعلون بحق السماء؟ ولماذا تأخرتم في الحضور؟ ولذلك يضطر المسعفون إلى القيادة إلى مكان مظلم حتى تصلهم إشارة تفيد قبول إحدى المستشفيات دخول الحالة إليها. وفي خلال فترة الانتظار هذه فإن حالة المريض تتدهور إلى أن يلفظ المريض أنفاسه الأخيرة.
بوجه عام فإن الإنسان حين يكون صحيحاً معافاً فإنه لا يشعر أن المرض يعنيه عند سماعه قصصاً عن أناس واجهوا أزمات صحية مفاجئة ولم يتلقوا علاجا مناسباً أو أنهم ظلوا يدورون على المستشفيات في سيارة الإسعاف "كعب دائر" دون أن يقبل أحد استقبالهم. كل هؤلاء يصابون بالصدمة حين يواجهون في الواقع نفس التجربة حين يصاب ذووهم بأزمات مفاجئة ويدركون عن كثب مدى ضعف المنظومة العلاجية الإسعافية كأمر واقع.
برنامج الـتامين الصحي لكل مواطن أساس العلاج الطبي:
منذ عصر ميجى التاريخي شهد الاقتصاد الياباني طفرة إصلاحية كبيرة حتى صار هناك رخاء على مستوى الحياة اليومية للمواطنين لا يقل أبدًا عن المستوى الذي وصلت إليه مجتمعات أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. ولكن فيما يخص الرعاية الطبية فإن لسان الحال يقول إن اليابان مقارنة بالولايات المتحدة الأمريكية متأخرة بما يوازى عشرين عاماً كاملة.
إن التقنية الطبية حتى ولو شهدت تقدماً، فإن التعليم الطبي لم يتقدم منذ عصر "ميجى"، نستطيع أن نقول إن الوضع قد ازداد تدهوراً وسوء من منطلق أخلاقيات القائمين على ممارسة الطب. ومنذ عصر "ميجى" ومروراً بعصور الأباطرة اليابانيين خلال النصف الأول من القرن العشرين وحتى منتصف الستينيات منه، فعلى حد علمي فإنه خلال تلك الفترة لم يحدث أن اعتذرت مستشفى من المستشفيات عن استقبال حالة طارئة حملت إليها بسيارات الإسعاف، ولكن بعد تطبيق نظام "التأمين الصحي لكل مواطن" ومع ازدياد مطرد لعدد الحالات الطارئة، كما زدادت حالات تظاهر الأطباء بعدم التواجد تهرباً من توقيع الكشف على الحالات الطارئة. ومع حلول فترة السبعينيات من القرن الماضي حين أشرفت مستشفيات الطوارئ على عصرها الذهبي حدثت في نفس التوقيت زيادة في التعداد السكاني لكبار السن ومعها تم تطبيق نظام العلاج المجاني لهم، وبالتالي صار الكثير من هؤلاء يدخلون المستشفيات للإقامة بها رغم عدم حاجة حالاتهم إلى التواجد بالمستشفيات.. ومعها تحولت الكثير من المستشفيات لتصبح بمثابة "بنسيونات" لإقامة كبار السن ولم تعد بها آسرّة كافية لاستقبال حالات الطوارئ.
وواقع الحال الآن يقول إن أكثر من تسعين بالمائة من المستشفيات العامة وحتى الخاصة لم تعد تستقبل حالات الطوارئ. إن نظام "التأمين الصحي لكل مواطن" و"الرعاية الطبية لكبار السن" الذي قام أصلا من أجل صالح الموطنين قد أصبح اليوم بعيداً عن المسلمات المفترض توافرها في الأطباء وفي المستشفيات وأصبح يسير في طريق التخلي عن "المبادئ الأساسية للعلاج الطبي."
لكن الزمن الآن أصبح غير الزمن، ففي الماضي لم تكن الغالبية العظمى من الشعب الياباني في مستوى التعليم العالي، وربما لهذا السبب كان الطبيب المتخرج من الجامعة يحظى باحترام مرضاه لكن في وقتنا الحالي فإن مستوى التعليم بين الشعب قد ارتفع بوجه عام وعليه فقد صارت نظرات الانتقاد التي توجه إلى الأطباء وإلى الوضع القائم في مجال العلاج الطبي حادة.
كما أنه مقارنة بالماضي فمع التحسن في مستويات الملبس والمأكل والمسكن فقد صار هذا العصر عصراً يدرك فيه معظم المواطنين أن الصحة هي أهم من أي شيء آخر. وفي مقابل هذا أصبح الأطباء وحدهم في أماكنهم يتخلفون عن مسايرة المجتمع ويتم اتهامهم بانعدام الإحساس وسوء التصرف وغلبة الأنانية على أساليبهم في العلاج وثقافتهم وطمعهم.. إلى آخره من الاتهامات القاسية. حتى ولو وصف الأطباء بتلك الصفات من باب السخرية أو الدعاية اللاذعة فكيف لنا نحن الأطباء الذين ننتمي إلى نفس المهنة أن نقف مكتوفي الأيدي لا ندلي بدلونا من أجل تصحيح هذه الأوضاع السلبية؟
Page 4
العمل طوال العام دون أجازة أتاحت للجميع الحصول على شروط العلاج الطبي:
في يوم 27 أبريل (نيسان) عام 1979 حين أتممت مراسم وضع أساسات مستشفي "توكوشوكاي" في مدينة "تشيبا ساكى"قمت بإلقاء الكلمة التالية إن مبدأنا هو الوصول بهذا المجتمع إلى مجتمع لا يشعر معه المواطن بأي قلق من ناحية العلاج الطبي في أي زمان وأي مكان وتحت أية ظروف.
بل إننا نبذل لذلك قصارى جهدنا من أجل أن يحصل كل مواطن مهما كان مستواه على أفضل أشكال العلاج. في أي زمان وأي مكان وتحت أية ظروف" يعنى تغطية جميع المستويات من غنى أو فقير وفي أي مكان سواء كان في مدينة كبيرة أو في قرية صغيرة أو في جزيرة منعزلة أو في أية دولة متقدمة غنية أو دولة فقيرة أو نامية. إن مبدأ الرعاية الاجتماعية يكمن أساساً في عدالة الحصول على العلاج ومنها نصل إلى النقطة الرئيسية وهى مرحلة الطب الإسعافي أو طب الطوارئ. فبالنسبة لعلاج الأمراض المزمنة أو بالنسبة للطب الوقائي فيمكن للطبيب أن يقوم بذلك عندما يوجد عنده وقت. لكننا لا نستطيع أن نتشرف بأننا نقوم بتوفير الرعاية العلاجية في الوقت الذي نهمل فيه الرعاية الإسعافية للطوارئ التي لم تكن تحدث في أي وقت. والنظر إلى العلاج من وجهه نظر المريض وليس من وجهة نظر الطبيب المعالج يبدأ أولا من العلاج الإسعافي قبل أي شيء آخر. ومن أجل هذا فإن أقل شروط العلاج الطبي أن يكون متاحًا في أي يوم من أيام السنة وعلى مدى الأربعة والعشرين ساعة في اليوم، فأنا أعتقد أن الرعاية الطبية تبدأ أولاً من الطب الإسعافي، وثانياً من الرعاية الصحية للأمراض المزمنة وثالثاً من الطب الوقائي وأنني من أجل أن أصل إلى تطبيق واقع الشكل المثالي من إنهاء التجاوزات السلبية الموجودة في مجال الرعاية الصحية في اليابان كلها فقد أخذت القرار بحتمية إنشاء مستشفيات تتعامل مع المرضى من وجهه نظرهم بقدر الإمكان.
شعوري الجارف بالغضب والحزن يدفعني إلى إنشاء مثل تلك المستشفيات.
في عام 1973 وبعد افتتاح أول مستشفى من هذا النوع وهى مستشفى "توكودا" وفي خلال ست سنوات من ذلك التاريخ تم إنشاء خمسة مستشفيات، وفوق ذلك فحالياً نحن الآن نقوم بإنشاء ثلاثة مستشفيات أخرى وفي مناسبة افتتاح مستشفى "توكوشوكاي" في مدينة "تشيباساكى" فإنني أسعى جاهداً في سبيل ترسيخ مبدأ إنشاء مستشفيات من وجهه نظر المرضى أنفسهم في جميع أنحاء اليابان انطلاقاً من حزمة العاصمة وضواحيها تقوم بتطبيق مبدأ العلاج الطبي والرعاية الطبية الحقيقية. ولكن هناك أطباء يعارضون ذلك المبدأ لأسباب متعددة. إن المبادئ التي ننطلق على أساسها، وهى على سبيل المثال مثل "فتح أبواب المشافي على مصراعيها طوال السنة وكل يوم لمدة أربعة وعشرين ساعة دون إغلاق أبدا أو عدم قبول أية هدايا من المرضى مقابل تقديم الخدمات العلاجية لهم" هي مبادئ لا تتعدى كونها مسلمات يجب أن يتحلى بها الطبيب.
وإنني لا أقول سوى أننا نسعى إلى تحقيق تلك المسلمات والتي نشرناها في كل أنحاء القطر الياباني. إن ما يدفعني إلى هذا الحد من بذل الجهود في سبيل إنشاء مثل هذه المستشفيات هو شعوري بالحزن وبالغضب من الوضع السيئ الذي آلت إليه الرعاية الطبية في الوقت الحالي.
وأن محور غضبى وحزني يعود بجذوره إلى الظروف التي نشأت بها في جزيرة "توكونوشيما" مسقط رأسي. إنني حين أعود بالذاكرة إلى أيام طفولتي أشعر بالحرقة. فلو لم نكن نعيش في جزيرة "توكونوشيما" الصغيرة المنعزلة تلك لربما كان أخي الصغير على قيد الحياة حتى الآن. ولذاك فبالنسبة لي فإن "توكونوشيما" تمثل رمزا للمناطق المنتشرة في جميع ربوع اليابان التي تقل بها إمكانيات الرعاية الطبية الإسعافية مثل القرى والجزر المنعزلة وكذلك الدول النامية والفقيرة.
إنني دائما حين أتذكر جزيرة "توكونوشيما" فإنني أزيد إصراراً على بذل كل مجهوداتى من أجل هؤلاء الذين لا يتمتعون بالخدمات الصحية اللازمة لهم.
ومن أجل هذا فقد بذلت جهوداً مستميتة حتى الآن. والحياة نعيشها مرة واحدة فقط، وكل منا سيموت يوماً ما لا محالة. وأنا الذي أعمل طبيباً أنشر دائما الرعاية الطبية الحقيقية وأشعر بأنه واجب عليّ ألا أدخر وسعاً في سبيل تحقيق ذلك. ولذلك فحتى ولو شعرت بقدر ضئيل بأنني قصرت في جزء ما من واجبي فإن ذلك يدفعني إلى الإحساس بأنني أهدرت حياتي هباء وبأنني إذا كنت سأموت فسوف أموت ـ ناقص عمرـ. إن أقصى ما فعلته هو إنشاء ثمانية مستشفيات فقط، وأن الفكر الذي أملكه أنا وزملائي والذي يدفعنا إلى الاجتهاد في بناء المستشفيات التي تنفذ الرعاية الطبية الحقيقية لن يثمر أبداً إذا اقتصر على أنا وحدي وعلى مجموعة "توكوشوكاي" التي تتبنى هذا الفكر. ومن أجل هذا فإننا في حاجة شديدة إلى مشاركين آخرين حتى ولو كانوا قليلين. ولهذا فإنني أود أن أرسل ندائي إلى كل الناس وأقول: "فليفكر كل واحد منكم في وضع الرعاية الطبية للمنطقة التي يعيش بها ويسأل نفسه عما إذا كان راضياً عنها أم لا، ثم أدعو هؤلاء الناس للاجتهاد وتضافر الجهود من أجل تحسين مستوى تلك الرعاية الطبية". إنني أنادى الجميع بالتعاون مع مجموعة توكوشوكاي من أجل تحسين مستوى الرعاية الطبية. نسعى جميعاً. لإقامة حملة كبيرة لإرساء قواعد مجتمع كبير يجعل الرعاية الطبية في متناول يد كل مواطن في البلد؟
Page 5
الفصل الأول

حتى أولاد الفقراء يمكنهم أن يصبحوا أطباء

موت أخي الصغير دفعني إلى بناء تلك المستشفيات بكل ما أملك من عزم.

لماذا سأصبح طبيباً؟ ولماذا أبذل كل هذا المجهود لبناء المستشفيات؟ بالتأكيد هذه ليست مصادفة فأنا أريد أن أصبح طبيباً، لابد أن أصبح طبيباً، وهذا ما شغل فكري، فهناك أمر قد حدث لا يمكن أن ينسى. فكما ذكرت منذ قليل، إن أخي الصغير قد مات وهو في سن الثالثة، عندما كنتُ في المرحلة الابتدائية لقد ولدت في منزل قروي فقير في جزيرة "توكونوشيما".
كان لدي من الإخوة 8 من الذكور والإناث، مات منهم 3، أخي الصغير، وأختي الصغرى، وأختي الكبرى، وتبقى منهم أخت كبرى واحدة، وثلاثة من الإخوة الصغار. أنا لا أتذكر جيداً أخواتي اللاتي قد متن، ولكن ما لا أستطيع نسيانه هو فقدان أخي الصغير.
فقد حدث ذلك وأنا في المرحلة الثالثة الابتدائية. ففي منزل ذي سقف مصنوع من القش، ونوافذ منزلقة مليئة بالثقوب، كان أخي يعاني من حالة إسهال حاد، وتقيئ شديد ومتكرر. ففي حوالي الساعة الثالثة من منتصف الليل، أيقظتني أمي التي كانت تقوم بتمريض أخي وحدها وقالت لي " استدع الطبيب حالاً ". كانت القرية التي يسكنها الطبيب تبعد بمسافة 2 كم، فبالنسبة لطفل صغير مثلي وقتها كنت أشعر بالخوف لأنه كان طريقاً جبلياً به حقول القصب. كان صعباً علَّي أن أسلك الطريق ليلاً، وذهبت كي أتفقد حال أخي الصغير، فوجدت عينيه مقلوبتين، وفاقد الوعي وبعد أن رأيت هذا، خرجت من البيت مسرعاً كي أنقذ حياته، واختفى مني شعور الخوف تجاه ذلك الطريق الجبلي وشعور أنني لم أكن أريد أن أستدعي الطبيب.
لم يكن هناك حتى مصباح. فالطريق الجبلي كان حالك الظلمة، فكنت أتعثّر في أي شيء وأقع على عيدان الأشجار والصخور. وبالرغم من ذلك، مجرد أنني ذاهب كي أستدعي الطبيب إلى البيت، جعلني أكمل سيري بكل عزم. ذلك الطبيب في الغالب يأتي لإجراء الكشف المنزلي ممتطياً جواده. اعتقدت أن الطبيب سيعيدني إلى البيت معه حتى ولو على مؤخرة الجواد وأن الطبيب بالتأكيد سوف يعاملني بطيبة.
وأخيراً ها قد وصلت عند بوابة منزل الطبيب، وطلبت منه أن يأتي معي بسرعة، ولكن لسبب ما لم يأت معي الطبيب كي يجري الكشف المنزلي. يبدو وأنها ظروف ما قد منعته. فعدت أدراجي مرة أخرى من ذلك الطريق الجبلي. معاناة أخي الصغير ازدادت شيئاً فشيئاً، وفي الصباح التالي انطلقت مسرعاً إلى طبيبٍ آخر، فسألني عن حالة أخي، فأجبت " إن عينيه مقلوبتان ".
ذلك الطبيب أتى حوالي الساعة الواحدة والنصف ظهراً، ولكن وقتها كان أخي الصغير قد رحل. حتى إذا وصول الطبيب في الوقت المناسب ربما لم يكن يستطيع إنقاذ أخي الصغير. لكن كون أخي الأصغر مات دون فحص الطبيب جعلني أشعر بالحزن الشديد وعدم الرضا عما حدث، واصرخ واقسم: "سأصبح طبيباً، يجب أن أصبح طبيباً"
وهذا ما قد شغل فكري وقتها إن الطبيب يجب عليه أن يفحص المريض عند إصابته فجأة بمرض ما. إن الطبيب هو الوسيلة لفحص المرضى، وأنه يجب أن ينقذ الطبيب مرضاه. وقد قررت وبكل حماس في صغري، أنني عندما أصبح طبيباً، سأساعد كل متضرر. وفي تلك الليلة، رأيت حلماً أخي الصغير قد عاد للحياة مجدداً. فقفزت من فوق سريري وذهبت كي أرى أخي الصغير، ولكنه كان ميتًا، وجهه شاحب اللون، مستلقي على ظهره.
وفي اليوم التالي، وبعد أن انتهت مراسم العزاء، رأيت أخي الصغير مرة أخرى في منامي.
رأيت أنني أراه وأسحبه من يده، أنا وشخص آخر. نسحبه من نهر الموت العميق، فقد كنت أحاول أن أسحبه منه بيدي وبكل قوة، ولكن انفصلت يد أخي الصغير عن جسده.
يا لأخي المسكين. إذا كان ليس هناك مفر من أن يرحل فأريد أن أعيد له يده كما كانت، ثم توقفت عن جذبه. وأثناء تفكيري في ألا أسحبه مرة أخرى، استيقظت من النوم.
إنني مازلت أتذكر بوضوح ذلك الانطباع القوي الذي هز مشاعري في صغري، عندما أفكر في وفاة أخي الصغير وكيف أنني لا أستطيع أن أعيده، أريد أن أدرس الطب كما ينبغي، كي أساعد المتضررين"إن وفاة أخي الصغير دفعتني لبناء تلك المستشفيات مهما كلفني الأمر.
Page 6
جزيرة "توكونوشيما" الجزيرة التي تُعامل بتفرقة عنصرية

إن نقطة بدايتي هي وفاة أخي الأصغر ومسقط رأسي جزيرة "توكونوشيما".إن ذكرياتي تجاه جزيرة "توكونوشيما"، أنها كانت جزيرة حزينة وبائسة، جزيرة مظلومة فقيرة فقد حملت على كتفي تاريخها المضني، فتلك الجزيرة هي التي جعلت دمي يفور لبناء تلك المستشفيات.
في الماضي، عانت جزيرتي "توكونوشيما" وجزيرة "أماميداي شيما" من قَمْعِ حكامها المتعاقبين، وكذلك من وضعهما تحت حكم الجيش الأمريكي بعد الحرب وأيضاً من الأسرة الملكية "ريوكيو" وإقطاعية "ساتسوما".في عهد سابق، قامت الإقطاعية بأخذ كل عيدان القصب الذي عانى الفلاحون في زراعته ولم تترك واحداً. حتى بمجرد أن يقوم أطفال صغار الفلاحين بمص عود من عيدان القصب، يعاقبون ضرباً بالعصا، والمهرّبين يعاقبون بالإعدام.
وبعد أن حل عصر "ميجي"، انتهى ذلك القَمْع، لكن الشعور بالتفرقة لم يزل قائماً.
فكان كلاً من جزيرة "توكونوشيما" وجزيرة "أماميداي شيما" تحت حكم الجيش الأمريكي، فقد قيل أنهم كانوا هناك في "أوكيناوا" كمصدر دعم للعاملين من أجل بناء قاعدة عسكرية هناك.
فلا يمكنني أن أنسي أبداً تاريخ الذل الذي عاشه أهل جزيرة "توكونوشيما". قد كان يشعر أهل تلك الجزيرة أنهم في دوّامة الغضب والتفرقة والإحساس بالنقص.
ففي عصر إقطاعية "ساتسوما"، وقعت عدة مرات انتفاضات الفلاحين عرفها تاريخ جزيرة "توكونوشيما".فقام الفلاحون بعمل الانتفاضات ورفع العلم الياباني، والاستعداد النفسي لمواجهة الموت. فانتهازاً لفرصة موت أخي الصغير، وغضب وحزن أهل الجزيرة، أشعر بأن هناك شيئًا يدفعني إلى ما أعزم عليه والذي أصبح ميؤسًا منه وهو العلاج الحقيقي من أجل الفقراء.
لقد كنا ثمانية أخوة فقراء، وكنت أول من ولد من الصبية، فقد كنت أساعدهم في الأعمال المنزلية منذ أن كنت صغيراً. وعندما كنت في الصف الثالث الابتدائي كان عملي هو أن أذهب إلى الزريبة سريعاً في الحقل البعيد، وأحضر البقرة. وكان عملي اليومي هو جز الحشائش من أجل إطعام البقرة مرتان صباحاً ومساءً. ولم أستطع عدم القيام بتلك المهام إلا إذا كان هناك رياح التيفون، لكن كان هناك الكثير من آثار الجروح في معصم وأصابع اليد اليسرى. وهذه الجروح سببها المنجل وقتها.
بمجرد أنني أجد نفسي منقاداً نحو ظروفٍ مرهقة متعلقة بالمذاكرة للامتحانات أو بإنشاء المستشفى، كنت دائماً ألمس برفق شديد آثار الجروح تلك، فكنت أستجمع شجاعتي مردداً في سرّي "تشجعي ياجزيرة "توكونوشيما"، لا تنس حزنكِ وغضبك".
إن روح المنافسة لدي كانت قوية منذ الطفولة. وأتذكر أنه في يوم ممطر، عندما كنت في الخامسة من العمر، كان هناك آلة لعصر عيدان القصب تسمى بـ "كونما". وهي آلة لها ذراع تدفعها البقرة وتدور بها، وكنت أدور خلفها لكي أضربها على المؤخرة، وإن لم أفعل ذلك توقفت. يتم حصاد القصب في الشتاء. وكانت آلة العصر تلك تعمل في شهر فبراير/شباط تقريباً. وعلى مدار العام يكون متوسط درجات الحرارة 21 درجة مئوية في جزيرة صيفها دائم، ولكن في الشتاء الجو يكون بارداً.
كان والدي يقول لي "هيا ادخل الكوخ حتى لا تصاب بالزكام". ولكنني لم أكن لأفعل ذلك. كما أنى كنت أريد ألا أهرب من البقرة، فهي لا تتوقف عن دفع ذراع آله العصر، فلماذا أتوقف أنا عن السير فقط خلفها ! إذا توقفت عن العمل سوف يفسد شيئاً مهمًا، فإذا توقفت في المنتصف، كأن شيئا ما مهمًا قد ضاع. لم يزل والدي يناديني من داخل الكوخ قائلاً " ادخل بسرعة"؟
حتى مع أنني كنت أسمعه يناديني، ولكن كنت أكمل العمل في صمت أنا والبقرة.
وبقيت أتابع المسير أنا والبقرة حتى أن حل الليل وبلّنا المطر بشدة.
في فترة المرحلة الابتدائية والإعدادية، كنت أعود من الحقل مع حلول المساء، وكثيراً ما كنت أعود مع عمال الحقل الذين يعملون طوال النهار.
فكانت النساء اللواتي من نفس عمر أمي يحملّن على ظهرهّن البطاطا بجانب ما كن يحملهن في أيديهن من أشياء ثقيلة دون تذمر. فعندما كنت أراهن يحملن أشياءً ثقيلة، كنت أذهب إليهن، وأساعدهن على حمل تلك الأشياء. لذلك كنت أرى سعادة النساء المسنات في قولهن "لقد ساعدنا "توراو" في حمل الأشياء عنا ونحن عائدات من الحقل".
لقد كان شعوري في هذه اللحظات، ليس مجرد أنني شهم مثلاً أو طيب القلب، بل أن هناك من يعاني من حمل تلك الأشياء الثقيلة، فلن أستطيع أن أتقبل أن أراهم يعانون ولا أفعل شيئًا.
وإن لم أحمل تلك الأشياء، فسأخشى من ذلك الإحساس بأنني قد أضعت شيئاً مهماً. فهو يشبه نفس شعوري بالنسبة لبقرة المعصرة بألا تهزمني. والحكاية التالية أيضًا عن عدم تقبلي الهزيمة.
عندما كنت في الصف الرابع الابتدائي، كنت من بين العشرة الأوائل، وفي الصف الخامس لم أكن بينهم. فكان سبب ذلك أن المدرس المسئول عنا كان متحيّزاً. وقد كنت أكره التحيز ولا أتسامح فيه، وكنت أعارض بشدة من يقوم بذلك. لقد كان هذا المدرس يضايقني كما لو كنت عدوًا له. حتى أنه ذات مرة ظل يضربني لمدة دامت أربع ساعات تقريباً. كان من الطبيعي أن أبكي، ولكنني لم أكن لأفعل. بل على العكس فكنت أنظر إليه شذراً. لقد بدأ الدم يتدفق داخل فمي، فابتلعته على أن أبصقه. وكلما استمريت في النظر إليه شذراً، ازداد عنفه لي. فلم يكن يضربني ضرباً عادياً، لقد كان يضربني على ساقي بحذاء الجنود، ويدفعني بقدمه بركلة من ركلات رياضة الجودو.
وبالرغم من كل ذلك لم أشكو، واستمريت في النظر إليه شذراً في صمت ولم أصرخ وإذا رآني أحد أكبر مني، يعتقد أنني أضع دم كذب بصلصة الطماطم ولا يبدو علي الضعف لكنني بالفعل أكره التحيّز بشدة. لذلك فإن الطبيب الذي يحصل على الهدايا من المرضى ويبتسم لهم ويفكر فقط في فائدته فإنه طبيب يغضبني وأعتقد أنه أحمق.
ليس فقط رحيل أخي بل عندما كنت في المرحلة الابتدائية، مات فتى أصغر مني بسنة في الدراسة. كان لديه جرح خارجي عند عينه، فلم يفحصه الطبيب، بسبب أنه أصلاً لا يوجد طبيب للعيون في الجزيرة. كذلك لم يكن لدى أسرته المال كي يسافر لتلقي العلاج، فهو من أسرة فقيرة.
لقد كان الجرح يغطي كل وجهه بدءًا من العين، فقد كان وجهه متورّماً كما لو كان مسخاً.
الخوف أن يقال "ياله من طفل مسكين، تلك الأسرة ليس لديهم المال كي يعالجوا طفلهم من المرض"، فيشعرون بالمهانة والخزى، فقام أهل الطفل بعدم إخراجه خارج المنزل، كي لا يكون على مرأى من الناس. فأصبح لون وجهه كلون اليقطين، ولم يمد له أحد يد العون. وبعدها مات.
إن المرض شيء مخيف. إن ما يؤمن به أهل الجزيرة من أعماق قلوبهم دائماً، أن يصير الإنسان مريضاً أمر في حد ذاته لا يمكن وصفه بالكلمات.
Page 7
" إقدام " أبي

"توراو"، هذا هو اسمي، لقد كان سبب تسميتي بهذا الاسم، إن أمي وأبي قرءا ذات يوم في مجلةٍ اسم بروفيسور في الطب يدعى "توراو"، فأسموني على اسمه. ولكن لأن أبي وأمي كانا يعملان كعمال من الطبقة الفقيرة، لم يتخيلا حتى في أحلامهما أنني في المستقبل سأكون طبيباً. إن لم يكن أبي وأمي موجودين لما ولدت ولما كنت سأجني كي أبني تلك المستشفيات. أنا أرث عن أبى القوة وأضعه في الاعتبار، إن هناك من هم ضعفاء، كذلك المزاج القاسي للناس وروح المنافسة الطبيعية بجزيرة "توكونوشيما"، وعن أمي بذل الاجتهاد والمثابرة. في جزيرتنا هناك كلمة، وهي "توبّا" أي " الإقدام".
قد أكون مبالغاً في التفاخر نوعاً ما، ولكن أن يفعل شخص ما لا يفعله الآخرون، فهذا هو معنى الغنى بالأفكار، ووالدي كان حقًا "توبّا" فمن هذه الناحية، كان أبي لديه قلب كإنسان من لحم ودم.
بالرغم من أنه لا يجد ما يكفيه من طعام يشعره بالرضا، لكن هناك من هم أفقر منه فكان يتقاسم معهم لقمة العيش سوياً. لقد كان هناك شخص فاقد البصر وفقير ومنبوذ من القرية، فيذهب إليه حاملاً معه أرزاً، أو حتى المعكرونة التي لا يشتريها لنفسه لارتفاع ثمنها.
أما الآخرون من أهل القرية، فربما لهم نفس أحاسيس أبى ولكنهم يخجلون من فعل ذلك. لكن أبي كان لا يفعل ذلك دون حرج ولا خجل. والمقربون لأبي كانوا يقولون أنه رجل غير عادى، أعتقد أن أبي كان يمتلك فكرًا أكبر مما يستطيع الآخرون احتوائه. فمن كان لا يستطيع أن يفهم أبي من أهل الجزيرة، كان يقول "إنه يقول ما لا يقدر عليه".
ولكن، لو أنني الآن بقيت قابع في الجزيرة، لقيل عني نفس الكلام. فأنا في النهاية ولده.
فشخصية أبي تلك، لم تكن أصلاً ملائمة لحياة الجزيرة. فعندما كان يافعاً، خرج من الجزيرة، وأصبح عاملاً من الطبقة الفقيرة، وذهب إلى أماكن مختلفة. وأثناء فترة الحرب، عاد أبي إلى الجزيرة، وكان الفلاحون يعملون بكل جد، ولكن بعد الحرب، وضعت الجزيرة تحت حكم الجيش الأمريكي وتم تطبيق سياسة الاكتفاء الذاتي، فأصبحت الحياة قاسية جداً بالنسبة للفلاحين. ولكي يتمكن أبي من التخلص من هذه الحياة القاسية، قام بـ "التجارة السرية". فكان يأخذ قصب السكر الذي يباع بسعر رخيص جدًا إلى "كاغوشيما" ويبيعه هناك، ويملئ السفينة بالخنازير عند العودة. لأن في "كاغوشيما"، كان القصب سعره ثلاثة أو أربعة أضعاف ثمنه في الجزيرة.
أما بالنسبة لأهل الجزيرة فكانوا يعلمون أن بيع قصب السكر خارج الجزيرة عملاً غير قانوني ولكن لم يكن هناك وسيلة أخرى للتغلب على شظف العيش غير فعل ذلك. فلم يكن والدي فقط هو من يقوم بالتجارة السرية. والعقاب كان صارمًا جداً، فكثيراً ما تصادر المضبوطات.
فأثناء عودته ومعه الخنازير عندما تقترب منه سفن الشرطة، كان يلقي بالخنازير في الماء، ويتظاهر بأنه يصطاد سمكاً ثم يفر عائدا أحياناً كان القليل من الخنازير يسبح حتى تصل إلى بعض القرى التي تقع على ساحل الجزيرة، وكان أهل تلك القرى يفاجئون بذلك ويشعرون بالفرحة وكان أبي يبتسم ويصمت وهو يفعل ذلك ويرى إعطاء بعض الخنازير إلى القرى أفضل من أن تُصادر.
وعندما كان يفلح الأمر، كانت تمتلئ المزرعة بالخنازير. لكن القراصنة كانوا يجوبون البحر في كل مكان، ولقد علمت أن القراصنة أطلقوا نيران بنادقهم على رفاق أبى وقتلوا بعضهم.
لقد كان يخاطر بنفسه من أجل التجارة السرية، فبالرغم من أنه كثيراً ما كان يواجه خطر المصادرة، لن أقول أن أبي المقدام هذا قد فشل ذات مرة، ولكن أقول فقط أنه نجح. لذلك عندما يقول له أهالي الجزيرة "احمل لنا السكر خارج الجزيرة " كان يلبي طلباتهم دون أن يتبرم. ولأن أبي كان تصادر منه بعض شحنات القصب، فلم يكن سهلاً عليه أن يدفع تعويضا لأصحاب القصب وسرعان ما تصبح الحياة قاسيةً مرة أخرى لاتفاقه على دفع تلك التعويضات.
وبرغم أنني كنت طفلاً فلقد كنت أتفهم لماذا يصدرون السكر إلى خارج الجزيرة بشكل سري. إن مشاعر "انتفاضات الفلاحين" لأهل جزيرة "توكونوشيما" المتكررة ضد القَمع الذي طال أمده زُرعت داخلي، ولم أنظر إلى أبى بعين السوء، حتى عندما كانت تطارده الشرطة ويضطر إلى الهرب داخل مزارع القصب. أبي لم يكن يفر دون هدف لمجرد الفرار، ولكن يعارض اتهام الشرطة له بتهمة "الفرار من المصادرة".لم يتسن لليافعين من أهل الجزيرة أن يتحملوا ذلك التحكم الصارم، وقاموا بمحاصرة مركز الحجز التابع للشرطة وإلقاء الحجارة عليه، ولكن الشرطة اعتبرته المحرض على ذلك، وعليه فقد تحمل أبى المسئولية الكاملة عن ذلك.
وقد دست الشرطة عميلاً سرياً لها من أهل الجزيرة لمعرفة ما يدور حول التجارة السرية، وعندما كان أبي يشرب الساكي "النبيذ الياباني"، يتشجع ويقف أمام بيت ذلك المخبر السري يصيح وهو في نوبة غضب ويقول " عار عليكم الوشاية للجيش الأمريكي، أنكم أكثر جرمًا من السارقين، السارق يسرق قليلا ولكنكم بالوشاية عن السارقين تسرقون الكل.
أدى هذا الصياح إلى اعتقال أبي بتهمة التهريب وإرساله إلى سجن جزيرة "أماميداي شيما" كي يقضي فترة سجن لمدة تسعة أشهر من دون إيقاف التنفيذ. وفي الوقت الذي كان أبي وقتها في السجن، توفي أخي الصغير. فعندما ذهبت كي أستدعي الطبيب متخذاً ذلك الطريق الجبلي، لم يكن أبي وقتها موجوداً في البيت، فقد كان سجيناً وكانت أمي في بداية الشهر التاسع لحملها. وبعد وفاة أخي الصغير بشهر، ولد أخ أصغر آخر. لذلك كان يتوجب علي أن أقوم بكل شيء بداية مما تحتاجه البقرة من متطلبات لقد سمع أهل قريتي ممن دخلوا السجن أن أبى كان محبوسًا منفردًا، ولكن أهل القرية لم يعتقدوا أنه دخل السجن لقيامه بعمل سوء، ولذلك لم يخطر ببالي قط أو شعرت بالمهانة أو العار.
Page 8
أبي الوحيد الذي يراهن من أجلي في مصارعة الديكة

هناك حادثتان عالقتان بذهني مما تأثرت به بشدة عن شخصية أبي المقدامة والجسورة.
الأولى: هي قصة ذات صلة بمصارعة الديكة التي ازدهرت في جزيرتنا "توكونوشيما" مع مصارعة الثيران.
فعندما كنت صبياً، كانت مصارعة الديكة شيقة جداً كنت آمل بشدة في أن أملك ديكًا مقاتلا. ولكنني لم يكن لدي المال كي أتمكن من شراء ديكاً قوياً يستطيع الفوز في المصارعة.
وقد انتبه أبي إلى ما كنت أتمناه، فذهب لحلبة مصارعة الديكة، وأثناء المصارعة كُسر منقار ديك، فاشتراه لي أبي بسعر زهيد وأعطاني إياه قبل أن يُعدم مباشرة.
أكاد أموت من السعادة، لأنني الآن أملك ذلك الديك الذي لطالما تمنيته. ولكن الناس كانوا يضحكون عندما يرون أن منقار ديكي مكسور، لكن ذلك لم يغير شعوري تجاهه.
فقد كنت أعتني به بكل اهتمام وشعوري دائماً كان "انظروا إليه كيف سيكون".
فهو ليس كالسحلية التي إذا فقدت ذيلاً ينمو لها آخر، فإن منقاره إذا كسر لن ينمو من جديد. ولكن مع مرور الوقت تغير شكله وأصبح له ما يشبه المنقار، وعندما كانت تسنح الفرصة، كنت أجعل ديكي يتقاتل مع الديكه الآخرين، كي أعزز قدرته القتالية.
كان ذلك الديك صغير البنية، لكنه كان في الماضي بطلاً ولو تكون له منقار، لكان كافياً لإظهار قوته. وبعد عام أخرجت ديكي في نزال حقيقي.
ولكن لم يكن هناك من يراهن على ديكي. فالذي كنت أواجهه ديكاً كبير البنية وبطل معروف، لذلك كان كل المشجعين يراهنون عليه فقط، ولم يراهن أحد على ديكى الصغير البنية والذي ليس له منقار. وفي حالة إن لم يكن هناك من يراهن عليه فسوف يتم إلغاء المباراة. ولكن شخصًا واحدًا فقط دون الجميع هو الذي راهن عليه، ذلك الشخص هو أبى.
لقد كانت مجازفة كبيرة، لكن ربما كان يريد أن يمنحني فرصة كي أثبت نفسي لقد سألني وهو قلق بشأني،"هل أنت واثق من الفوز"؟
وأجبت بوجه متخشب بما يفيد الموافقة وذلك بإيماء رأسي إلى أعلى وأسفل دون كلام. مدة المباراة ستون دقيقة، ضربة واحدة قد تجعلنا نفوز أو نخسر.
ديكى كان صغيرًا حتى أنه لم يصل إلا إلى رقبة الديك المنافس، فانقض على الجزء الضعيف في رقبة الديك المنافس وأمسك بكل قوة ولم يتركها وبعد مرور 27 دقيقة فقط استطاع ديكى أن يطرح الديك الآخر أرضاً. وقد عرفت من ذلك أن الذي حدد نتيجة المباراة، ليس الجسم الكبير أو المنقار الحاد، ولكن الجراءة وروح القتال.
سألني أبي الذي كان يخاطر من أجل ولده هل وعيت ما حدث؟ فجعلني هذا أبجله أكثر وجعلني أشعر بما لا يمكن وصفه.
Page 9
ترك حسابات ميزانية العائلة لي وأنا في الصف السادس الابتدائي

أما عن واحدة من الحكايات التي لا أنساها عن أبي، حكاية ساعة الحائط. تقريباً لم يكن عندنا ما نستطيع أن نُطلق عليه أثاثًا في ظل ظروف المعيشة الضنك هذه، فكان أبي يضع العائد من بيع قصب السكر في منديل ويضع المنديل فوق ساعة حائط قديمة.
كنت وقتها في الصف السادس الابتدائي. انتهزت فرصة عدم وجود أحد، فقمت بفتح المنديل تلك، فأخذت عملة ورقية واحدة. كانت المرة الأولى لي التي أفعل فيها ذلك ولكن لم أتخيل أنني سوف أشعر بتأنيب الضمير مثل ذلك. ففي اليوم التالي ذهبت إلى المدرسة، ولكنى لم أستطع المذاكرة لانشغالي بالتفكير في ذلك. لم أستطع تحمل تأنيب الضمير هذا، وأخيرًا قمت بفرد العملة الورقية التي كنت قد ثنيتها أربع مرات، وأعدتها مرة أخرى إلى مكانها بداخل المنديل. شعرت وكأنني أزحت حملاً من على كتفي. وقررت ألا أفعل عملاً مشينًا مثل السرقة مرة أخرى.
ففي مساء ذلك اليوم وبعد تناول العشاء، ناداني أبي. وقفت أمامه، ووجدته يرمي لى المنديل الذي به المال نحوي، ثم قال لي "أنت الابن الأكبر، استخدم المال كما تشاء".
في البداية لم أستطع أن أفهم معنى ذلك. لكن أبي كان يعرف جيداً ما الذي فعلته أنا، لأن الطريقة التي قمت بها بغلق المنديل كانت مختلفة عن طريقته في غلقه.
لكنه قال لي "من الآن فصاعداً، سأترك لك كل المال وعليك عمل الحسابات وتسيير أمور البيت، فلتملك زمام الأمور".
فبدلاً من أن تلوم طفلاً على خطأً اقترفه، قم بتعزيز ثقته في نفسه. إن طريقة احتضان أبي لي، هزت مشاعري بشدة، وبعد هذا الموقف شعرت بالمسئولية أكثر كابن أكبر.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت أبذل ما بوسعي في تولي إدارة مصاريف الأسرة، إلى أن تولي أخي الأصغر المسئولية بعدما انتقلت إلى المدرسة الثانوية في "أوساكا".
حتى عند استخدام ميزانية بسيطة جدًا كشراء قميص لأخوتي فيجب التفكير في كيفية استخدام تلك الميزانية. وبذلك تعلمت منذ كنت في المرحلة الابتدائية صعوبة تحمل ميزانية البيت.
ولكن تلك التجربة الشخصية بالنسبة لي كانت شيئا نفيسًا. فإن الثقة في الشخص تجعل ذلك الشخص يصبح قويًا ويتعلم الكثير. والآن أنا أيضا أبذل ما في وسعي دائماً لإعطاء الثقة لمرؤسيني كما كان يفعل أبي. كما أنني قررت داخلي ألا أفعل أبدًا ما يجعلني أشعر بالندم.
Page 10
الابن يستذكر دروسه بينما الأم تقوم بالحياكة

كانت أمي تعيش في ظل شخصية أبي العصبية، وكانت صبورة ونشيطة جدًا، كانت تعمل طوال اليوم. فعندما كانت تصنع جبن فول الصويا كعمل إضافي، كانت تستيقظ حوالي الساعة الرابعة فجرًا وتصنع الجبن ثم تعدنا لكي نذهب إلى المدارس وتخرج بعدنا للعمل في حقول قصب السكر وحقول الأرز، وعند غروب الشمس تعود للمنزل وتبدأ في أعمال المنزل والحياكة حتى ساعة متأخرة من الليل.
كانت شمس النهار حارقة وكان ثوب أمي المخصص للحقل يتبلل من فرط العرق الغزير لدرجة إمكانية عصره، فكانت تغيره بثوب حقل آخر، وعندما يبتل الثوب الثاني يكون الثوب الأول قد جف فترتديه، ويتكرر ذلك عدة مرات خلال العمل حتى تظهر بقع العرق البيضاء على كلا الثوبين. عمومًا أعتقد أنه لم يكن في قريتنا "كاميه توكو" أي شخص ولو حتى رجل يستطيع أن يتفوق على أمي في العمل بجد. لهذا الحد كانت أمي تقوم بكل الأعمال بما في ذلك أعمال الزراعة. درست أمي في المدرسة الابتدائية حتى الصف الرابع وتغيبت عن دراسة الصف الخامس ثم عادت بعدها للصف السادس مباشرة، حيث كانت تلك ميزة في ذلك الوقت يتمتع بها التلاميذ المتفوقون.
ولأن أمي كانت من أسرة فقيرة فقد اضطرت للتغيب عاما آخر عن الدراسة كي تعمل في النسيج، والتحقت بعد عودتها للدراسة بالصف الأول من المدرسة العليا (البكالوريا).
كانت أمي تعمل طوال اليوم بتواصل، وكانت تصلح وتحيك ملابس الأطفال حتى ساعة متأخرة من الليل. وكانت تسهر بجواري وأنا أستذكر دروسي وهي تقوم بأعمال الحياكة. وعلى الرغم من وجودها إلى جواري وأنا أستذكر فأنا لا أتذكر أنها قالت لي ولو مرة " ذاكر ". وعندما أتذكر تلك المشاهد الآن، أتأكد من أنها كانت تجلس بجواري ليس فقط للقيام بأعمال الحياكة ولكن لتراقبني وترعاني. وكـأنها كانت تدعوني لتحديها ومنافستها في العمل.
وعندما كنت أشعر بالنعاس، فأنظر إليها وأراها تعمل بجد فأستحي أن أقول لها سأسبقك للنوم. وعندما أفكر في أن أمي تستيقظ في الصباح قبلي وتبدأ العمل كنت أغالب النوم وأكمل دروسي ولو كارهًا.
كانت أمي عندما تريدني أن أستذكر حتى الساعة الحادية عشرة والنصف مساءً على سبيل المثال، ولأنها تعرف أنني لا أحب أن أنهزم أمامها، كانت تسهر بجواري وهي تحيك حتى الساعة الحادية عشرة وعشرون دقيقة ثم تقول لي " تصبح على خير " وتذهب للنوم، وكنت أنا أبقى بعدها عشر دقائق ثم أذهب للنوم.
بالنسبة لأمهات الآن فإن الأم تقول لأبنائها "ذاكروا، ذاكروا" وهي جالسة تشاهد التلفاز. وأنا لا أؤيد هذه الطريقة وأعتقد أن أسلوب أمي أفضل لأنه يدعو للتنافس في العمل.
كانت أمي لا تشكو أبدأ دائما تعمل بجد وكانت تتحمل مثل العباقرة الذين يتحملون، ولذلك فأنا أشعر بالعرفان والشكر من كل قلبي لأن هذه الأم ربتني.