Page 1
(1)
كان يريد أن يتحرر من عقد البداية، ويرسم لنفسه جهة أخرى غير تلك التي يدافع عنها الناس! كان يدرك أنه بحاجة إلى قوة هلامية ليصبح شيئاً مغايراً عمّا كان من قبل، أيام كان يخطط له والده مستقبلاً يصلح للبؤساء·
والده.
تمنى لو يستطيع أن يبتسم لمجرد أن يتخيل شكل الابتسامة على شفتيه، بعد عمر طويل من العبوس. فكر بينه وبين نفسه: هل ثمة ما تغير حقاً؟ عندما استيقظ صباحاً وجد نفسه يريد النظر إلى وجهه! طلب من خادمه إحضار مرآة، وبقي الخادم يبحلق فيه صامتاً ومرتبكاً، قبل أن يقول بصوت مليء بالحيرة:
ـ سيدي· أنت من أمر بنزع المرايا من الجدران والأمكنة· أنت من أمرنا بعدم ترك مرآة واحدة في البيت. !
نظر إلى خادمه وهو يشرح له أمراً بدا له خطيراً! لا مكان للمرايا في البيت؟ ألهذا الحد كره نفسه؟ تظاهر بعدم الاكتراث بما سمعه ووجد نفسه ينظر إلى وجهه على زجاج النافذة. زجاج عكس له وجه لا يعرفه· مجرد تقاطيع متشابكة وعينين محاطتان بهالة سوداء قاتمة وشعر هزمه البياض من كل جهة· لعله ارتبك قليلا أمام عينيه· ارتبك وهو يبتعد خطوة نحو الخلف، وقبل أن يبتعد تمتم بكلمات مبهمة ودخل إلى الحمام ليستقبل يومه الجديد! فكر بينه وبين نفسه: لا بد أن الجميع حائرون بسبب مزاجه المفاجئ، والتغيير الذي طرأ عليه منذ استيقظ من النوم· حتى أنه قال صباح الخير للخادمة التي دخلت عليه تحمل صينية القهوة· ذهلت وهو يقول لها بصوت هادئ وبسيط:
ـ سأشرب قهوتي في الصالة·
قالها وهو يصوب نظرته نحو النافذة: يبدو اليوم مشمساً. لقد حل الربيع أخيراً! ولم ينتظر من خادمته العجوز تعليقاً، كان يكفي أن يرى ملامحها من انعكاس زجاج النافذة ليفهم تلك الدهشة التي أبقت فمها مفتوحاً للحظات قبل أن تأخذ الصينية وتخرج مهرولة· لبس بذلته الخضراء الأنيقة وخرج إلى الصالة بخطوات أقلّ حدة. كأنه ليس هو. كأن شخصاً آخر تقمصه ليلعب دوراً مختلفاً عن الدور الذي لطالما أدّاه بطريقته الخاصة التي جعلت الجميع يخافون من مجرد النظر إليه. يخافون من خطواته مثلما يخافون من صوته. جلس يرتشف القهوة مستمتعاً بزقزقة العصافير في هذا الصباح المشرق، وعندما انتهى من قهوته نهض نحو السيارة التي تنتظره في الخارج. رأى سائقه الخاص يدنو منه مهرولاً ليتناول من يده الحقيبة الجلدية الصغيرة. تلك حركة تعوّد عليها منذ سنين، لكنه قال بصوته الحازم:
ـ سأبقي الحقيبة معي·
تدارك السائق ارتباكه وهو يفتح لسيده الباب الخلفي، وبدل الجلوس في الخلف قال له بصوت بداً ودوداً:
ـ سأجلس في المقعد الأمامي!
و لم يعرف السائق كيف يتصرف وماذا يفعل؟ بقى واقفاً فاتحاً فاه مذهولاً، ثم سرعان ما انتبه إلى وقفته تلك وأسرع نحو السيارة، ركبها وانطلق بها مذهولا!
Page 2
يا إلهي! ما الذي حدث للسيد؟!
قالها السائق بينه وبين نفسه، كما قالها الخدم بينهم وبين أنفسهم· كل من رآه اليوم قالها في سرّه. ما الذي حدث؟ كان هادئاً· لم يكن هدوءه مفتعلا هذه المرة. لأول مرة يبدو هادئا عن قناعة وليس عن واجب. بين الرجل الذي غادرهم أمس وهذا الذي جاء إلى مكتبه اليوم اختلاف كبير وخطير· مع هذا لا أحد كان ليجرؤ على سؤاله مباشرة· طرق سكرتيره الباب طرقاً خفيفاً ودخل حاملاً مجموعة من الملفات والرسائل، وبعض الفاكسات التي وردت إليه من الخارج· كانت الفاكسات منسقة بإتقان شديد داخل ملف أخضر وقد قام السكرتير بترجمتها قبل حملها إليه ككل صباح.
ـ جنرال·
رفع نظره إلى سكرتيره الذي كان يبحلق نحوه بنظرة غبية أثارت في نفسه رغبة في الابتسام.
ـ العقيد هيثم اتصل بكم أكثر من مرة وطلب مني إبلاغه بقدومكم إلى المكتب يا سيدي. هل أبلغه الآن؟
ـ لا.·
قالها وهو يمد يده إلى الملف الأخضر· فتحه بلا رغبة في القراءة· بدا له لون الملف سخيفاً وهو يتأمله. كل شيء كان أخضر هنا. البذلة الرسمية التي يلبسها. ديكور المكتب. الكراسي والأريكة العريضة التي يستلقي عليها أحياناً. السجاد أخضر، متمازج بين الداكن والفاقع. كان السجاد هدية من جنرال إيراني· قال له وهو يصف له قيمة هديته: إهداء سجاد إلى صديق يعني محبة دائمة! لم يكن وقتها ليتقبل المحبة الدائمة ولكنه أحب ذلك السجاد كثيراً. وجد له مكاناً في مكتبه الذي لا يدخله كل الناس، فقط من يسمح لهم بالدهس على السجاد بأحذيتهم العسكرية الثقيلة. كان أحياناً يتأمل الرسومات المتشابكة وكأنها كتابة هيروغليفية، ويتأمل تلك الأحذية التي تأتيه لتدوس على النقوش· لم يكن ليكترث كثيراً بهذه التفاصيل الصغيرة. خيل إليه اليوم أنه يستطيع أن يطلب من زائره ترك حذاءه خارج المكتب، كما يفعل أي مصلي قبل الدخول إلى المسجد! صحيح أن الفكرة بدت له سخيفة، لكنه ابتسم أمام عيني السكرتير الذي كان يسترق النظر إليه بين الفنية والأخرى منتظراً أوامره الصباحية· كان يعرف أن السكرتير مستغرب أيضا، ربما لأنه بادره بتحية أصابته بحالة تشبه الإغماء! نظر الجنرال إلى عيني سكرتيره الصغيرتين. كان شابا في الثلاثينات من العمر، أنيق ومهذب ومرتبك دائماً في حضور الغرباء. ابتسم وهو يرى شحوب سكرتيره. تساءل في سره: هل أنا مخيف إلى هذا الحد؟ وابتسم من جديد، وقبل أن يطلب منه الانصراف قال له بصوت أراده حازماً:
ـ أريد ملف الملازم حسين زرياب!
غادر السكرتير مسرعاً، بينما أحنى الجنرال رأسه ليتأمل السجاد عن قرب. تنهد مقتنعاً أن عليه نقله إلى مكان آخر كي لا تدوسه الأقدام السوداء!
Page 3
(2)
ماذا جرى؟
قالها السكرتير بينه وبين نفسه وهو يبحث عن الملف المطلوب؟ منذ انتقل ـ قبل ثلاثة أعوام ـ ليعمل سكرتيراً خاصاً في هذا المكتب وهو يراه بنفس الوجه المكفهر، العابس والمغلق· لم يره يبتسم إلا نادراً، وعندماكان يضحك، يحسّ بخوف أكبر. كان يشعر أن في ضحكة الجنرال قدرة غريبة على الأذى· كلما ضحك، اقتنع بذلك أكثر·
لم يأت السكرتير للعمل في هذا المكتب عن رغبة، وحدها الصدفة من حملته إلى هنا· فأن يشتغل شاب فقير وبائس سكرتيراً في مكتب الجنرال لهو عطاء يهبه الله لشخص ما. إنها النعمة التي لا يجوز التبطر عليها كما يقول والده الذي صار يفتخر به لأنه يعمل في مكتب الجنرال! لم يكن والده سوى الساعي الذي عاش حياته بين أجنحة وزارة الدفاع حاملاً البريد من مكتب إلى آخر. كان يقول له: البسطاء والتافهون هم أكثر الناس علماً بكل ما يجري في كواليس الوزارة يا بني، ولكن أهم درس يجب أن تتعلمه هو أن تخفي لسانك داخل فمك، بحيث لا يحق لك فتحه إلا لتقول: حاضر!
حاضر!
إستراتيجية الذين اشتغلوا في الوزارة منذ الاستقلال إلى يومنا، إذ أن أول اختبار يقومون به يبدأ أساساً من اللسان· حفظ اللسان أهم من حسن السلوك ومن الوفاء والوطنية التي لا تعدو كونها شعارات يضعها أصحاب العمل لإجبار العامل على الطاعة وعلى الولاء إليهم عبر الولاء للوطن· حتى والده لم يختر لنفسه العمل في هذه الوزارة، لكنه شعر أن الله راض عنه عندما أوصلته الصدفة ليكون ساعياً قضى حياته بين المكاتب حاملاً الرسائل وفناجين القهوة من مكتب إلى آخر. لم يكن والده من النوع الذي يثرثر، لهذا بقي في عمله، واستطاع أن يثير شفقة أحد الضباط الذي وعده بتعيين ابنه سكرتيراً في إحدى الدوائر التابعة لوزارة الدفاع، وبعد سنة من تعيينه سكرتيراً استطاع أن يكسب ثقة الجميع وتعاطفهم. صار معروفا بنشاطه الكبير وأناقته الزائدة، مع أنه كان ابن ساع لا أكثر ولا أقل· إلى أن لمحه الجنرال ذات يوم، وطلبه دون مقدمات ليشتغل عنده في المكتب وكان يعرف أن الجنرال لا يشغل سكرتيرات في مكتبه، لأنه لا يثق في ألسنتهن ولا في ولائهن· كان ذلك أشبه بليلة القدر بالنسبة لوالده الذي شكر الله كثيراً أن حوّل ابنه من مجرد سكرتير مغمور إلى السكرتير الشخصي للجنرال. لكن الابن لم يكن راضيا ولا راغباً في العمل في وظيفة صنعت منه أبكماً عن واجب. كان يحلم بشيء يختلف عن كل هذا. في السابعة عشرة من العمر حلم بدخول كلية الفنون الجميلة· كان يشعر أن لديه موهبة يريد تفجيرها، ربما لأن أساتذته أطلقوا عليه مسبقا لقب الفنان، لأنه كان يرسم على الجدران ما يريده. قال له أستاذ العربية ذات يوم وهو يتأمل رسمه على جدار المدرسة: ستكون رساماً كبيراً بل وأفضل من بيكاسو نفسه! لكنه فشل في الالتحاق بمعهد الفنون الجميلة لأنه لم يكن يملك المال ليشتري مكانه في المعهد، فقد رسب في امتحان القبول، ولأن والده اعتبر الرسم قلة ذوق وغياب مسؤولية من ابنه· قال له يومها بصوت غاضب:
ـ بدل أن تبحث عن عمل تساعدني به على سد مصاريف البيت تريد أن تدرس الرسم؟ ما هذا العبث؟
و لكي لا يكون عبثيا قبل بالوظيفة التي وجدها له في الوزارة· في الشهور الأولى من العمل وجد نفسه يؤدي عملا روتينياً ومملاً أغرقه في عالم من الأوامر التي لم تكن تعنيه، لكنه كان ينفذها عن خوف أشعره من البداية أنه دخل إلى قفص لن يخرج منه. كان مجرد عامل في خلية من الموظفين الذين يركضون في كل اتجاه في سباق الوقت، لأجل جنرال أو عقيد أو عميد· قال له أبوه وقتها:
Page 4
ـ أنا في سن المعاش، سيتخلون عن خدماتي قريباً وأشكر الله أنني زرعتك في الوزارة!
كانت عبارة زرعتك تعني جميل كبير عليه أن يحمد الله عليه صباحاً ومساءً، ولم يكن ليقول أكثر من حاضر فهو يتقاضى راتباً جيداً، ناهيك عن المزايا التي يمنحها له عمله. فأن تكون لديك بطاقة عليها ختم وزارة الدفاع معناه أنك مواطن استثنائي في دولة تقدس كل ما هو مرتبط بالبذلة العسكرية والجزمة الغليظة التي يلبسها أولئك الذين يملكون الرغبة في إرهاب الآخر من باب إثبات سلطة شخصية أو رسمية· فهو يتذكر أن جارهم أرعب الحي كله لأنه التحق بوزارة الداخلية وصار شرطياً بسيطاً يلبس بذلة زرقاء كانت تثير فخر أسرته ورعب جيرانه منه. كل بذلة رسمية تخيف الناس، وكل شخص تقاس أهميته إزاء بذلته وليس إزاء شخصه، لهذا بمجرد أن تنتهي مهامه الرسمية بالمعاش أو الفصل، ينتهي وقاره، وينتهي خوف الناس منه. يتحول من شخص استثنائي إلى شخص عادي وأحياناً بائس، وعندما جاء دوره بعد عام من العمل وصارت له بذلته الخضراء الرسمية لبسها بإحساس غريب يشبه إحساس حية تغير جلدها إلى الأبد. وحدها البذلة من حولت فشله إلى نجاح كبير في أعين الناس. أصبح مخيفاً ومهمّاً·
عثر أخيراً على الملف المطلوب· سحبه ووجد نفسه يفتحه على عجل· انتبه إلى الصورة الملصقة بإتقان يمين الأوراق· رأى وجه شاب ووسيم· رأي عينين واثقتين، وابتسامة ساخرة وحزينة. فكر بينه وبين نفسه: ماذا سيفعل بهذا الملف؟ ثم هزّ كتفيه وهو يسرع نحو مكتب الجنرال الذي وجده واقفاً أمام النافذة، سرعان ما التفت نحو سكرتيره المرتبك في وقفته، ممسكاً بالملف· ابتسم وهو يفكر أن سكرتيره الساذج لا يعرف إخفاء أخطاءه الصغيرة· كان واضحاً من ملامحه أنه ألقى نظرة فضولية على الملف الذي وضعه أمامه بيد فضحها الارتباك· عادة لا يتسامح مع جنحة كهذه· تمنى لو كانت له القدرة على سؤاله مباشرة عما رآه في الملف.؟ ثم بنظرة سريعة منه جعلت السكرتير يغادر المكتب مسرعاً، كمن يهرب من ورطة كبيرة! عاد الجنرال للجلوس خلف مكتبه. فتح الملف على نفس الصورة التي رآها سكرتيره قبل قليل. صورة شعر بالدهشة قبالتها· صورة مدهشة حد الوجع· كم من الماء مر تحت الجسر منذ خمس وعشرين عاماً؟ وكم يبدو واثقاًو وسيماً! قالها في نفسه· لكن تلك السخرية التي لفتت انتباهه جعلته يتململ فوق كرسيه كمن لسعته حية· سخرية موجعة لأنها مباشرة، يكاد يتلمسها بيديه· مع أنه لا يعرفه، إلا أنه شعر أن تلك الابتسامة في الصورة تسخر منه هو بالذات· شعر أن العينان تسخران منه أيضاً، ولسبب ما أحسّ بشيء يقرص قلبه من الداخل. فكر من جديد:
ـ كم يبدو واثقاً ووسيماً.· ووقحاً!
ظل ينظر إلى الصورة، مدققاً في كل تقاطعاتها كمن يبحث عن شيء ما· تماماً كما فعل أمس. لكن أمس لم يطلب هذا الملف بالتحديد، بل طلب مجموعة من الملفت أراد الإطلاع عليها كما يفعل عندما يرغب في تصفح تفاصيل المنتسبين الجدد إلى الوزارة، وجد نفسه فجأة أمام هذا الملف الذي أصابه بالصدمة، ثم الذهول، وظل ينظر إلى الصورة التي لم يقدر على تصفح غيرها. صورة شخص لا يعرفه. لم يره. لم يلتق به من قبل. أليس هذا جنوناً؟ من عادته ألا يتوقف أمام صورة أكثر من دقيقتين كافيتين ليدرسها دراسة شاملة· أغمض عينيه ثم فتحهما. شعر وقتها أن شيئا ما حدث في داخله. شيء غريب وخطير·
تساءل: هل يمكن لصورة أن تغير في شخص؟ هو الذي لم تهزّه المعارك ولم تغيّره الهزائم القديمة والدسائس التي كانت تحاك ضده في الظلام· كان يزداد قوة كلما زادت الحروب الخفية، الباردة أو الساخنة. كان يزداد جبروتاً أمام كل حرب يكسبها وعدو يهزمه. مع ذلك، مع كل ذلك...هزمته صورة!
Page 5
(3)
كيف يمكن لحكاية أن تبدأ أو تنتهي بصورة؟
لا يدري· لكنه يعي أن الحكاية بدأت قبل أكثر من ثلاثين سنة خلت. أيام كان للأشياء مسميات مغايرة، أو ساذجة. كان لخضر وقتها في سن يقال أنه عنفوان كل الأعمار التي يمكن لشخص ما أن يعيشها، لم يشعر قط أنه يحمل عمراً يستحق أن يحتفي به داخل ما كان يحيطه من فراغ مهول ولا جدوى ظلت تطارده طويلا، ربما لأنه في تلك السن اكتشف أنه آيل إلى بؤس فتح له أبواب مواربة كانت تصنع في يومياته ثقوباً لا حدود لها ولا مهرب من التسلسل فيها إلى مزيد من الكبت والجوع! في تلك السن، كان الشباب يعتقدون أنهم في ذروة الحرية· يـَطلبون ويُطالبون. يثورون ويحتجون معتقدين أنهم سيغيرون وجه العالم· كان بعضهم يمارس السياسة ويرى فيها مخرجاً كشخص يتسلى بجريدة لا يقرأها إلى النهاية، والبعض الآخر يكتفي بأنه يعيش شبابه فحسب· يحب ويـُحَب، يتسلى بالعشق· يتأبط ذراع فتاة يرى فيها طموحاً يعرف أنه لن يتحقق، ويتأمل في خجلها حلماً يموت بالتدريج كلما مشى خطوة نحو الحقيقة التي تقفز إلى عينيه قائلة له: الحب للأثرياء الذين يستطيعون فتح بيت وتحمل مصاريف زوجة وأطفال يولدون جياعاً بالفطرة! لم يكن لخضر من هؤلاء الذين يحلمون بشيء ملموس. كان يرى نفسه فاقداً للطموح، مثلما كان عاجزاً عن القول أنه سعيد بحياديته الضاربة بعيداً في الهباء!
نعم. لم يكن سعيداً، فلم يكن ثمة شاب في المدينة وفي مثل سنه يدّعي السعادة· كان الجميع يتفق على أن السعادة كذبة قومية جاهزة لشعار سخيف يكتب على شرف أولئك الذين يعرفون أنهم سعداء لأن التعاسة مرتبطة ببؤس الفقراء فقط· هذه هي سنة الحياة في نظرهم، منذ بداية الخليقة. منذ تحولت التعاسة إلى بطاقة وطنية يحملها الشعب عن فخر قديم كذب عليهم قائلا لهم أنهم ينتمون إلى بلد كبير تركه الشهداء خلفهم دون أن يلقوا نظرة أخيرة إلى الخلف، لرؤية ما سوف تؤول إليه الأوضاع من بعدهم جيلاً بعد جيل، بعد جيل. بعد جيل! ماذا لو ألقى الشهداء نظرة إلى الخلف؟ هل كانوا سيتركون البلاد ويمضوا· كل البؤساء كانوا فقراء، وكلهم يترحمون دون غيرهم على بطن الوطن الذي أنجب أولئك الشهداء الذين تركوا لهم وطنا ويحتفوا بأمجاد سرقها الأحياء واستولى عليها اللصوص ليصلوا إلى السعادة على أكتفاهم· هل يحق له أن يكون سعيداً بعدئذ؟ كان يعتقد من الأول أنه لم يكن يستحق السعادة لأنه لم يفلح في الدارسة· فشله فتح هوة سحيقة بينه وبين أبيه الذي اعتبره فاشلا بامتياز، مع أن والده لم يكن قادراً على مصاريف الكتب والدفاتر التي كان يعايره بفشله فيها·
لكم شعر باللا جدوى وقتها.. ثم ما معنى الجدوى أساسا؟ فهو لم يختر في حياته شيئا. لم يختر وضعه ولا العائلة التي عاش فيها وكبر· لم يختر أمه التي اكتشف مع الوقت أنه لم يعرفها تماما· فقد توفيت وهي تضع أخته الصغرى إلى الحياة. كان في العاشرة من عمره عندما ماتت أمه بعد أسبوع من الولادة العصيبة· ماتت بسبب نقص في الرعاية· كانت تحتاج إلى طبيب لم يستطع والده أن يأخذها إليه. كان يسمع أنينها ليلاً، ويرى في الصباح شحوبها وجفاف صدرها من الحليب· يومها، طلب من أبيه أن يفعل شيئاً، لكنه تفاجأ به ينهال عليه بالضرب صارخاً فيه:
ـ لا ينقصني إلا أن تملي علي واجباتي يا ابن الكلب· أمك تحتاج إلى الدواء والغذاء لتشفى، أين لي بالمال لأشتري لها كل ذلك؟ أين لي بالمال. ؟؟
أمه.
يتذكرها كما لو أنها ماتت البارحة· يتذكر جسمها النحيف وابتسامتها التي لم تكن تفارقها قط، ونشاطها في البيت حتى في حالة المرض. يتذكر وجهها الذي كان يعيده إلى البيت كل يوم، ويجبره على الإصغاء والطاعة لينجح ويحمل العبء عندما يكبر. فهو الابن البكر الذي ستعود إليه مسؤولية الأسرة كلها· كان يصدق في وجهها تلك الأكاذيب الصغيرة والجميلة عن الغد والنجاح والفرح، والمستقبل. أمه نقيضا مطلقا عن والده· لم يكن والده سيئا، بل كان حازما لأنه كادح، ولأنه بائس وفقير. لا وقت لديه ليفتح أحضانه المتعبة لأحد· كان يعود منهكاً وشاحباً· يرتمي على الفرشة الأرضية البالية وينام نوماً مليئا بأنين التعب اليومي الخالي من اليقين. تلك الصورة أشعرته أن عليه أن يكبر بسرعة ليحمل المسؤولية ويأخذ نصيبه من العبء· لكن موت أمه أشعره ألّا وقت للغد، وأن النجاح كذبة لا يمكن لمثله أن يجتهد لأجلها، لأنه لا يعرف ماذا سيصنع بها إن تحققت. !
يتذكر جيداً ذلك اليوم الذي رجع فيه من المدرسة في مساء ماطر وكئيب. عاد كما يعود كل يوم جائعا يرتعش من البرد· تفاجأ بجارتهم وهي تمسكه من ذراعه وتجره إلى بيتها· لاحظ اجتماع النسوة في بيتهم. سأل بصوت مليء بالدهشة:
Page 6
ـ لماذا تتجمع النسوة في بيتنا؟
قالت الجارة بصوت غارق في الهدوء:
ـ يا لخضر يا ابني، أمك المريضة، ارتاحت الآن·
ـ هل أحضر لها أبي الدواء؟
ـ بل أخذها الله إليه· لأنه يحبها· الله يأخذ من يحبهم يا بني!
بعد ساعات من الانتظار، فهم أن أمه ماتت. أخذها الله إليه ليريحها من مرضها وأنينها الليلي.· ماتت كما لو أنها تعاقبه على أشياء لم تكن له يد فيها وهو في تلك السن الصغيرة والغضة. شعر وقتها أنه أصبح يتيماً كأشد ما يكون اليتم جرحاً. لم يحاول والده أن يغطي غيابها، فلم يكن له الوقت ولا الرغبة في أن يغطي غياب أمّ مريضة ومنهكة، لهذ فكر في المستقبل كما يفكر رجل في مثل وضعه، وحاجته إلى امرأة أخرى تعتني به وبطفليه. لم يسأله عن رأيه عندما سافر إلى قرية أقاربه البعيدة، وعاد بعد أسبوع حاملاً معه امرأة قال له أمامها:
ـ هذه أمك الجديدة !
لم يعلق. ظل صامتاً، حتى وهو يرى أمه الجديدة تسيء معاملة أخته الرضيعة وتنهرها حين تبكي، وتشتكي منها لوالده الذي لم يكن يعلق كثيراً سوى بنفس العبارة ذاتها:
ـ احتمليها ولك الأجر عند الله!
و لم تكن لتحتمل أحداً، ولا حتى والده حين تدخل معه في شجار ينتهي بخروجه من البيت غاضباً، ليعود في آخر الليل بمزاج سيء، منتظرا أية ردة فعل من ابنه ليهجم عليه بالضرب ويفرغ ما في جوفه من غضب ومن استياء· اكتشف لخضر أن الضرب المبرح هو الطريقة الوحيدة التي تخفف من غيظ والده وترضي زوجته التي تهدأ بعدها لأيام طويلة· كان جسمه الصغير ساحة للمعارك التي تنفجر بين أبيه وزوجته، ولم يكن يعرف كيف يعترض ولا كيف يقاوم· مع هذا كان يصدق أن والده لا يكرهه، وأن ما يفعله ليس أكثر من ردة فعل إزاء وضعه· ربما لهذا لم يعد يشعر بالألم من الضرب· كان يشعر بالألم مما يخلفه الضرب من ضغينة صامتة كبرت بينه وبين أبيه وعتاب ظلّ ينخر العظام. مسؤوليات والده ازدادت مع مرور الوقت، بعد أن أنجبت زوجته ثلاثة أبناء احتلوا مكانه وفرشته ووجوده في البيت. شيئا فشيئاً سكنته المسافة إزاء إخوته الذين حرصت أمهم على إبعادهم عنه، وكان يبتعد عنهم برغبة في الابتعاد· فقط أخته الصغيرة من ارتبطت معه بذلك الشعور المبهم والإحساس المشترك باليتم. أخته التي أصيبت بالحمى فجأة، وظلّ الجميع يتفرج عليها. كان في السابعة عشر، عندما خسر أخته أيضا. يتذكر جسمها الصغير والنحيف وإحساسه بالعجز أمامها· شعر لخضر أن عليه أن يطلب من أبيه أخذها إلى الطبيب· قال له بصوت مليء بالرجاء:
ـ لا يجب أن نتركها تموت·
لم يجد والده سريراً شاغراً لها في المستوصف القريب، ولا في المستشفى الذي رفض حالتها لعدم خطورتهاً! كانت عبارة عدم خطورة الحالة تعني بالأخص: عدم أهمية المريض! ذلك أن عبارة عدم خطورة المرض معناه الرفض المباشر لأولئك الذين يمرضون على حساب الدولة، فتصبح الدولة مجبرة على الاعتناء بهم بصيغة التأجيل الذي يصبح مع الوقت إهمالاً متعمداً، لكي يموت كل البؤساء تلك الميتة التي لا تحسسهم أنهم يخسرون الحياة لأنه لم يكن لهم الحق فيها أساساً· ظلت أخته الصغيرة تصارع الحمى طوال أسبوع إلى أن استسلمت لها. توقفت أنفاسها وتوقف جسمها عن الارتجاف. كان لخضر يريد أن يكون حاضراً في تلك اللحظة الأخيرة، حين أمسك يدها بقوة وظل يضغط عليها إلى أن تسربت برودة قاسية إلى جسمه. فهم أنها النهاية. انقطعت أنفاسها أمام عينيه، ووجد نفسه يصرخ بقوة ليوقظ من في البيت· نهره أبوه ليكف عن الصراخ، وقبل أن يستوعب الجميع ما يجري، كان جسم أخته يزداد هدوءا وبرودة، وانغماساً في ذلك الصمت القريب من النهاية·
Page 7
فكر أن أخته ذهبت إلى الله لأن الله يأخذ من يحبهم. فكر أنها لن تجوع ولن تبرد ولن تمرض بعد الآن! تساءل يومها وهو يضغط على أسنانه كي لا تغلبه صرخة محبوسة في حلقه: ماذا يشكل موت طفلة في السابعة من العمر لأب فقير وأسرة جائعة؟ ألا يعني الخلاص للبعض وراحة للبعض الآخر؟ اكتشف أن موت أخته لم يكن أكثر من صفحة قلبها الجميع بمن فيهم والده الذي عاد بعد الدفن، ليستلقي في فرشته وينام نوماً عميقاً· هل كان سيشعر أن ثمة شيء يعنيه في هذه الحياة حقا؟ لا شيء، ولا حتى العمر الذي قبالته ظل يشعر أنه فاشل، قبل أن يصرخها فيه والده بذات الصوت المليء بالغضب والضغينة:
ـ أنت تتسكع في الشوارع منتظراً مني أن أصرف عليك وأنت بهذا الطول المخجل؟ ليتك تخجل من نفسك ولو مرة واحدة في حياتك!
كان خجلاً من نفسه فعلا· يعرف أنه لم تعد ثمة مساحة لشيء غير الخجل والخجل الأكيد، ربما لأنه يشعر أنه لم يعد معنيا بشيء· كان حيادياً أمام كلام لم يكن يعنيه مباشرة رغم أنه يخجله·
ـ لو في عروقك دم لشعرت بالشفقة على أبيك وهو يكدح طوال اليوم في الميناء حاملاً الأكياس على ظهره كالحمير لأجل إطعامك وإطعام إخوانك. لكن ماذا أقول. فعلا أنت لا تخجل من نفسك·
كان والده حمالاً في الميناء منذ جاء إلى العاصمة بحثاً عن لقمة العيش هاربا من قرية أكلها الفقر.فأن يعثر على عمل بعد أشهر من وصوله أمر حسده عليه كل الذين جاءوا في نفس القطار معه، لهذا شعر أن العمل قيمة يجب الدفاع عنها مهما كان نوعها، كان يرى في بطالة ابنه شيئاً مثيرا للتقزز والغثيان· لقد تحول في نظره إلى عالة يجب التخلص منها في أقرب وقت· قالت زوجة أبيه بصوت ضجر:
ـ يجب أن تجد حلاً لابنك، لا يمكن أن يكون عالة على البيت بهذا الشكل!
ـ لكن الشغل غير متاح· أنا أعرف ظروف البلاد أكثر منك· الشغل غير متاح، لو شفت عدد الشباب في سنه وهم يتسكعون في الشوارع بلا عمل!
ـ لا يهمني. إما أن يشتغل أو يرحل.
ـ أفكر في تشغيله في الميناء معي. لقد غيروا رئيس العمال وأحضروا شخصاً جديداً، قد أفلح في إقناعه ليجد له مكاناً معي· سأكلمه صباحاً ونرى·!
لم يكن هذا الحوار جديداً ولا مفاجئاً، لكن الجديد أن يعمل في الميناء حمالاً كأبيه· في الحقيقة لم يتخيل نفسه حمالاً، ربما لأنه لم يفكر في العمل أساساً. كانت ثمة فكرة تسيطر عليه بإلحاح، سمعها من بعض الشباب الذي يجالسهم أحيانا قليلة في الحي، يتكلمون عنها بنفس الصوت والإصرار: الهجرة من البلد! منذ أيام والفكرة تدور في رأسه· لم تكن الهجرة مجرد رحلة إلى بلد ما، بل كانت تعني هرباً حقيقياً يمارسه الشباب حين يقررون التسلق على متن السفن الراحلة إلى دول أخرى، دون التفكير في اسم الدولة التي عليهم الذهاب إليها· كان بعضهم يرمي بنفسه في البحر تاركاً للمد حرية اختيار وجهة أقداره، إما الشمال وإما الغرق· يتحدثون عن الهجرة بعبارة: الهرب.إذ أن التسلل إلى باخرة ما يبقى أقصى حالات النجاح في فكرة الهرب· سمع عن حالات هرب ناجحة، وأخرى فاشلة أعيد مرتكبوهاً بتهمة الخروج من البلاد بلا إذن رسمي! مع ذلك كان الهرب حلماً كبيراً راوده كثيراً·
Page 8
لم ينم ليلتها· بقي مسيقظاً منتظراً الصباح، وعندما حلّ الصباح غادر البيت دون كلمة، كما يفعل كل يوم، تسكع حتى قرصه الجوع والتعب، وعاد مساء يتسلل بخطوات مكتومة كلص محترف، وعندما رآه والده قال له بصوت ممزوج بين الفرح والجدية:
ـ جيد أنك جئت الآن· أريد أن أكلمك في موضوع هام.· !
جلس يتظاهر بالهدوء ونظر إلى أبيه وهو يرتشف قهوته ببطء مثير للأعصاب. بينما زوجته جالسة قرب موقد النار تحرك في قدر قديم، وإخوته الصغار يتلاعبون فيما بينهم في تناغم حسدهم عليه·
ـ عندي لك خبر أعتقد أنه سيسعدك· وجدت لك عملاً معي في الميناء
و فتح الشاب عينيه بكل ما أوتي من دهشة· فكر بسرعة: سأهرب إذن. ! شعر بقلبه يدق دقاً قوياً وكان والده ينتظر منه رداً مقنعاً وواضحاً·
ـ عملك سيكون دعما لنا· يجب أن تقف معي لحمل المسؤولية!
لم يكن يصغي إلى كلام أبيه· كان يفكر في أن القدر يضع في طريقه سبباً حقيقياً لتغيير حياته· فكر في الذين يحلمون بالهرب ولم يستطيعوا· شعر أنه يحتاج إلى جهد ليقول شيئاً ما· قالت زوجة أبيه بصوت بدا له مؤذياً:
ـ أنت تدفع في حمار ميت! إنه لا يهتم بما تقوله· لقد تعود على التسكع· تعود على الاتكال عليك· لن يحتاج إلى العمل طالما يرى نفسه سعيداً بخيبته ولا جدواه.· !
ـ بل أريد العمل في الميناء.. !
قالها أخيراً· نظر إليه والده مرتاحاً، بينما توقفت زوجة أبيه عن تحريك ذلك القدر البائس، والتفت إخوانه إليه وقد كفوا عن اللعب· بدا متحمساً للعمل. قال والده وهو يكمل ارتشاف قهوته مبسوطا:
ـ لو تعرف كم تعبت لأجل إقناع المسؤول الجديد· لكن لا بأس· المهم أن تشتغل وتساعدني في هذا الحمل الثقيل
لم يعلق. كانت الفكرة تدور في رأسه ملحة ومتكررة. الفكرة التي تدور في رأس ربع شباب المدينة. الهرب!
Page 9
(4)
هل يمكن لشخص أن يهرب من الجحيم؟ أن يهرب من هالة الجوع والغبن والإهانة والذل الذين تظلل بهم طوال حياته بنفس الفكرة أن الفقراء لا يمكنهم الهرب أبعد من قناعتهم الجاهزة بأن الفقر هو الطريق الوحيد إلى الجنة؟ لم يكن يعرف أن الهرب مستحيل إلى أن اشتغل في الميناء· أخذه والده إلى رئيس العمال الذي كان مستغرقاً في قراءة جريدة سرعان ما وضعها جانباً وهو يرى المقبلين نحو مكتبه:
- أهلا سي عثمان·
ـ صباح الخير سيدي الشيف! هذا ابني لخضر أحضرته معي حسب الاتفاق·
نظر رئيس العمال إلى لخضر نظرة مليئة بالخيبة، فقد توقع أن يرى شاباً يافعاً بالصحة، لكنه وجد شخصاً نحيفاً وشاحباً لا يصلح للعمل أساساً· فكر بينه وبين نفسه: كيف يحتمل هذا الجسم النحيف عملاً قاسياً كعمل الميناء؟ ولعل الأفكار ظهرت واضحة على وجهه إذ بادره سي عثمان بالقول بصوت مليء بالحماسة:
ـ إنه قوي يا سيدي، لا يخدعك جسمه النحيل·
و لم يقتنع رئيس العمال بما سمعه، لكنه تعاطف معه. كان يعرف أن السي عثمان يفكر في الغد· مثله مثل أي أب يرى أن عليه أن يغرس ابنه في المكان الذي سيتركه ذات يوم قريب.· كان رئيس العمال ينظر إلى الرجلين متفهماً حماسة الأب وشحوب الابن الذي بدا كأنه أمام امتحان عسير، لكنه خشي بينه وبين نفسه أن يندم إن وافق على تشغيله. قال يحاول قطع الفكرة إلى شطرين:
ـ طبعا مسألة التوظيف ليست بيدي وحدي، لهذا يجب اختباره شهراً وبعدها يمكنني الرد عليك بعد إيصال الطلب إلى مدير الميناء·
تلك الدبلوماسية الوقورة التي تعني أن مسألة الشغل ليست مضمونة، لكن بالنسبة للحضر كانت كافية لأجل أن ينفذ فكرته، ويتسلق إلى سطح باخرة ما، نحو مهرب ما. شهر من الزمن مدة كافية لتحرير دول بعينها، فما بالك بعملية هروب فردية عبر ميناء تصطف على شاطئه العديد من البواخر الأجنبية المغرية بشكلها الجاهز لأخذه بعيداً. بعيداً جدا! كان طوال الوقت الذي استغرقه في مكتب رئيس العمال، يتأمل البواخر من نافذة المكتب المفتوحة على الميناء مباشرة. كان يتأملها بعينين غارقتين في الحلم، بعضها يستعد للمغادرة وبعضها ينتظر إذنا للدخول والاصطفاف في المكان المحدد لها من قبل العمال الذين كانوا يتحركون في كل اتجاه. كان الجو في الميناء يشبه خلية نحل نشيطة ودائمة الحركة بين الذهاب والإياب·
ـ عموماً شهر من الزمن ستكون فرصة للخضر كي يتعرف على المكان جيداً
قالها رئيس العمال وهو ينهي الحديث. كان السي عثمان ممتنا لرئيس العمال استقباله اللطيف، قال يخاطب ابنه وهما يغادران المكتب:
ـ هل سمعت ما قاله الشيف؟ يجب أن تثبت وجودك لتبقى هنا· هذه فرصتك الأخيرة، إن ضاعت من يدك فلن أتحمل مسؤوليتك أبداً·
ذلك التهديد المغلف الذي تعود عليه· كان يدرك أنها فرصته الأخيرة وألا حق له في الفشل. هل يمكن لشاب في مثل سنه وأوجاعه الداخلية أن يفشل قبالة ميناء يفتح أمامه ألف باب للحلم، وألف وجهة للرحيل نحو أي مكان بعيد.؟ أضاف والده بنفس النبرة:
ـ عليك أن تثبت أنك رجل. هذه فرصتك الأخيرة. لا فرصة لك بعدها·
Page 10
الفرصة التي تأتي مرة واحدة في العمر· تأتي فجأة وأحياناً جاهزة لا تنتظر سوى ركوبها والذهاب بعيداً. كانت تبدو فعلية وهو يتعرف على عمله الجديد، وعلى الأشخاص الذين التقى بهم في أول يوم له في الميناء. كان بعضهم ينظر إليه بنظرة شفقة أو سخرية· لكنه أراد أن يكسب الرهان، ليس لشيء سوى لأجل نفسه. لأجل أن يحقق حلمه الذي صار مرتبطاً برجولته·
ـ يجب أن تثبت لهم أنك قوي وقادر على القيام بالعمل على أحسن وجه يا ابني يا لخضر!
قالها له شخص ما زال قوياً وقادراً على العمل رغم تقدمه في السن. كان واضحاً أنه يحمل لوالده مشاعر طيبة، فقد أضاف كأنه يهمس له بشيء خاص:
ـ عليك ألا تخيب ظن أبيك فيك مرة ثانية· إنه يعتمد على الله ثم عليك لتحمل المسؤولية معه. لقد صرت رجلاً.
ـ...
ـ اسمع كلام عمك إبراهيم وكن في مستوى الثقة، مرحلة التجريب ستنتهي بسرعة، وأريد أن أراك دائماً هنا·
قالها والده وهو يبتعد لبدء عمله الصباحي اليومي· كانت تلك أول مرة يرى فيها عمل والده على الطبيعة· لأول مرة يراه يحمل على كتفيه تلك الأكياس الكبيرة· كان يترنح أحياناً في مشيته من ثقل الحمولة التي ينقلها من رصيف الميناء إلى مستودع معد لتصفيف الكياس التي تأتي من وراء البحر بانتظار أن يأتي أصحابها لاستلامها وأخذها على متن شاحنات النقل· صعقته الصورة أول اليوم، مع أنه يعرف جيداً نوع عمل والده، إلا أن المشهد هزّه جداً· نظر إلى إبراهيم الذي كان يبتسم بهدوء·
ـ هذا هو العمل هنا يا بني!
ـ أليس هنالك عربات صغيرة تساعد على نقل البضائع بدل نقلها على الأكتاف؟
ضحك إبراهيم ضحكة طويلة وهو يرد عليه بنفس الصوت الطيب:
ـ إنهم يذلوننا بهذه الطريقة· لن يستوردوا عربات نقل صغيرة لأنهم يضعون ثمنها في جيوبهم· نحن نعتمد على قوة تحملنا في العمل لا أكثر، وعليك ألا تخيب أمل أبيك!
أحس لخضر بحزن غريب وهو يتساءل: هل هذه هي الحياة التي نولد لأجلها؟ شعر أنه يكره هذه المهنة لأنها سبب في كل الغبن الذي ترعرع فيه، وأن والده الذي لم يضمه قط إلى صدره، لم تكن له ذراعان ليضمه بهما بعد ساعات مميتة كان يقضيها في حمل الأكياس على ظهره ذهاباً وإياباً· تذكر أيام كان والده يصاب بالزكام أو التعب المفاجئ، فيرفض البقاء في فرشته خوفاً ألا يجد شغله في انتظاره إن هو غاب عنه بسبب المرض. كان يرى أن عليه أن يبقى مريضاً في الشغل، على أن يبقى مريضاً في فراشه!
و مضى الشهر بسرعة غريبة· لم يكن لحضر يجد الوقت للهرب· كان يعود إلى البيت غير قادر على فعل شيء سوى الارتماء على فرشته البالية والاستغراق في نوم متعب· خيل إليه أن جسمه لم يعد صالحاً من شدة الإرهاق ويديه متورمتان من ثقل الأشياء التي يضطر إلى تحمل ثقلها ليثبت للجميع أنه ليس ضعيفاً ولا هشاً· في الأول كان العمال ينظرون إليه بعيون ممزوجة بالسخرية والشفقة، لكنه استطاع أن يثبت لهم أنه قادر على العمل، وأنه يصلح لأن يكون حمالاً جيداً· حتى أنه نسي الهرب!
عندما استدعاه رئيس العمال ليبشره بأن المدير وافق على استمراره في العمل، شعر بشيء غريب يتسلل إلى أعماقه· لعل الرئيس توقع منه شيئاً آخر عدا هذا الحزن الذي رآه في عينيه. لم يفهم كيف يمكن لشاب أن يحزن لأنه وجد وظيفة ثابتة. يومها قال له والده بصوت مليء بالسعادة:
ـ كنت أعرف أن الله لن يتخلى عني· أخيراً صار لي سند يعينني. الحمد لله !