eKtab
EN ع
للحياة لون آخر
Read free sample

للحياة لون آخر

by عبد الكريم النملة

Page 1
(تمكُن)
 
قبل أن أصل إلى مبنى المستشفى عبرت بي الذاكرة إلى هناك، حيث كان يجلس على كرسي جلدي فاخر وأكثر ما جلبت ذاكرتي المتعبة تلك النظرات المتحفزة وكأنها جيش متورم بالحماس، أما صوته فلم يشرح ذاكرتي صوت قبله وكنت كلما احتجت استدعاء شيء منه أجز على أسناني خوفاً من تدفق سيل كلماته بذلك الصوت المستفز· أما رائحته التي كانت تضع أمام عينيّ عناوين كبيرة صعبة وتمهلني وقتاً كافياً لقراءة ما تحت العناوين تجعلني أحاول كتم أنفاسي، فلم أعد أحمل قدرة على قراءة عناوينه الصعبة المخيفة، أحاول ألا تصل رائحته إلى أنفي وإن وصلت رغماً عني أجهد في إذابة ذاكرتي عندما تقتحمني عناوينه الصعبة وأجهد بعد ذلك ألا أتذكر شيئاً من ماضيه الذي أختزله بعناوين كبيرة صعبة كي يتملك أكبر مساحة ممكنة من عقلي·
 
لثمتني رائحة المستشفى المتميزة ذكرتني بزيارتي الأخيرة له، اخترت هذا الوقت المبكر لزيارته لعلمي أنه سيكون بحاجة إلى أحد في مثل هذا الوقت·
 
في زيارتي الماضية له كنت أقول له كلاماً كثيراً، كنت أحس أنه يسمعني جيداً وبوضوح وحذر رغم أني لم أنطق حرقاً واحداً سوى كلمات المجاملة المعتادة· في زيارتي الماضية كان الجميع يهذون بكلمات وأحاديث متنوعة، وكانت نظراتي تتسلل عبر كلماتهم إلى أذنيه وأظنها تنحو بعيداً نحو أيامه الماضية، أعترف أني كنت سيئاً كنت أتعمد إيجاعه بنظراتي الممتلئة التي يفهمها جيداً خاصة عندما تمرق بين كلماتهم متجاوزة كل محاولاته لصدها عبر إيهامي أنه يتابع أحاديث الآخرين·
 
أتذكر جيداً عندما خرج الزائرون من غرفته وكنت آخرهم ورمقته بنظرة عجلى موجعة فتقت بها جرحي الذي كان يتعهده دوماً بالإيجاع، كنت أريده أن يعلّ من دمي النازف الذي كان يتمناه ذات يوم، لعله يتذوقه قبل أن يموت ليعلم كم كان يعذبني عندما كنت أراه يطرح مثل هذه الأمنية ويعمل لها عبر طرق عديدة أهونها علي كان أن يشرب من دمي مباشرة·
 
أعود اليوم لزيارته باكراً لا لأكفر عن نظراتي الموجعة التي كنت أرسلها له في زيارتي الماضية بل لأمر جديد طرأ علي بعد زيارتي الماضية له، فقد قررت أن أخبره بحديث مباشر وبكلمات يعلو بياضها عن كل ما أودعه في قلبي من أعاصير جامحة اغتالت فيما اغتالت ذراتي الصغيرة البكر وطفولة نفسي البريئة، كنت أوده أن يودع الدنيا بعد أن يحنو قامته لعل قلبي يعفو ويصفح·
Page 2
رائحة المستشفى المتميزة تلاحقني مع كل نفس حتى وصلت غرفته، فتحت الباب بهدوء، تسللت بخفة قط، حاولت رصد وضعه، أطللت برأسي فلما رأيته ينظر حوله نظرات عابثة أخفيت رأسي ثم أحدثت أصواتاً بالباب تجعله يتحفز، تقدمت إليه ألقيت عليه السلام محاولاً جعل ابتسامة تأخذ ذلك الحيز الذي تكوّن بيني وبينه، بادلني السلام بابتسامة قليلة حاول مجاملتي بها·
 
جلست بجانبه، سألته عن حاله، أشاح بوجهه مبعداً نظراته عن وجهي، حاولت طرح سؤال هامشي لعلي أستلب نظراته الهاربة عن عيني، نظر إليّ خلسة وأبعد نظره بشكل مفضوح، أيقنت أنه برم بزيارتي له وأن جرحي الذي فتقته له في زيارتي الماضية لا يزال ينزف وأنه ربما غرق إلى نهايته في آلامه، أوجست في نفسي خيفة من هذا المنظر المؤلم وتلك النظرات المتساقطة قررت أن أنسحب من زيارتي الفاشلة هذه وقررت أيضاً تأجيل كلماتي التي كنت أزمع إلقاءه عليه إلى وقت آخر، يكون فيه قد ازدرد كل ما حمله له جرحي في زيارتي الماضية، وربما يكون أيضاً قد استفاد من محاولاتي المتكررة بنظراتي القاسية لإيقاظه عله يعلم عظم ما رمتني به أيامه الماضيات ولعل قلبي يعفو ويصفح·
 
خرجت بعد أن أسدلت نظري إلى الأسفل تاركاً له مساحة كافية يمرر فيها نظراته الهاربة·
 
عدت إلى بيتي محملاً بثقل أكبر مما كنت أحمله قبلاً، عدت أكلم نفسي ألوم نفسي على هذا الضعف الذي أصابني أمامه، كيف أرأف به؟ يشطرني هذا السؤال عندما أعود لدمي الأسود المحترق· أجد نفسي تشتعل بنوع آخر لم أكن أحسه، حريق لا تطفئه كلماتي الودودة ولا نظراتي له، حريق أشك أنه ينطفئ دون إتمام زيارة أخرى له·
 
قبل أن أذهب لزيارته هذه المرة سأرسم كل الأحداث بدقة متناهية هكذا حدثت نفسي، ويجب أن يكون الرسم شاملاً لكلماتي وحركاتي وانفعالاتي، ولكل خطوة أخطوها نحوه أو أغادره بها·
 
درجت قدماي على الممر الطويل وبخطوات مدروسة كان ذهني يبتعد، نطراته المتوصلة جعلت بدني يقشعر، صوته الذي بدأ يخفت كصوت من يهمس سراً، حاولت طرد إمكانية استعادة الأحداث البعيدة كيلا أفقد ما جهدت في إعداده وقبل أن أصل إلى غرفته كانت رائحة من نوع جديد تملأ الممر، أغمضت عيني محاولاً تذكر مكانها الذي أحسست به كانت غرفته خالية وهواء الغرفة محملاً بهذه الرائحة الجديدة يهز ستائرها بنوع من الاحتفال·
Page 3
حرية
 
كانت حمامة بيضاء تخفق بعيداً خلف سرب ملتئم، ترسم السماء بلون بهيج، عندا أدخلوه الزنزانة بُحّ صوته مظلوم·· مظلوم··
 
كانت الحمامة البيضاء تلعق ذاكرته وتصبغ نفسه القاتمة· بدأت يده ترسم صورة تلك الحمامة البيضاء، وبعد أن مُلئت جدران زنزانته بأجنحة الحمائم الأخرى بدأت تطير، أحس بنفسه يسبح في السماء·
Page 4
إحساس
 
في المستشفى:
 
تلألأت أكاليل الورود بين أيديهم اهتز بدنه، افترّت ساقاه إلى حافة السرير ولهاً، قبل رائحة الورد، شمّها، ضمّها إلى صدره، اهتدت يده إلى مؤخرة أغصانها كانت تنزف ماءً، هبطت يده بخفة·
Page 5
طمع
 
وئيدة خطواته، وغبار يكلل ملامحه، في المقهى بسط كفيه على الطاولة أمامه، تقزز مَن حوله من رائحة أصابعه النتنة، كلما هاجت نفسه هدأ روعها بعدِّ أكوام الأوراق النقدية التي كنزها في أعماقه، حتى تلقت أصابعه ونزت منها رائحة عفنة عنيفة، وبعد إلحاح غسل يديه بالماء والصابون المعطر، وعاد إلى مكانه المعتاد في المقهى، بسط كفيه على الطاولة أمامه، تلفتت الرؤوس في كل ناحية ولما بصرت برائحة يديه المعطرة تبدد جمعهم وتفرقوا عنه وتركوه وحيداً·
Page 6
الزمن
 
وقع أقدام عقرب الثواني استفزه، أبعد مرمى النوم عن عينيه·· امتثل لهاجسه علّ النوم يجيء، لكن النوم لا يجيء·· مد يده من تحت الغطاء وقذف بالساعة بعيداً، سمع صوت تحطمها أحس بالزمن يتجمد في مكانه، هزه الخوف فتح نافذة تطل على الشارع، كل شيء يقف مكانه دو حراك، استسلم لحرقة جفنيه وراح يغط في نوم طويل لم يفق بعده أبداً·
Page 7
إخلاص
 
تتسلق الأحجار الصلدة فوق بعضها بنظام وإتقان، ينقر الأحجار يهذبها، يرمي مخلفاتها خلف ظهره، بدأ بنيانه كجبل ضخم شامخ، خلفه أناس يجمعون بقاياه ونثار ويصفون بناءً موازياً لبنائه، بعد أن انتهى من عمله غسل يديه جيداً، ومسح بقية أعضائه، هامت نظرته نحو مغيب الشمس، وابتسامة رضى وحبور علت وجهه فيما أصاخت أذناه لأصوات ارتطام وتهدم بجانبه·
Page 8
علو
 
أصوات غريبة يسمعها وحده، جعلته بعيداً عن كل من حوله، قال لهم يصفها: كأصوات بنيان يتهدم أو جبل ينقض·· ضحكوا·· سخروا
 
لاذ بنفسه، جهد لمعرفة مكان تلك الأصوات الغريبة، كانت المفاجأة أنه كان يسمعها تعلو بداخله أحس بطعم غبار الأنقاض ورائحة احتراق الأشياء· تحاشى البوح بما علم لئلا يضحكوا ويسخروا· وبقوة لم يعهدها بداخله أخذ يرفع الأركان وبدأ بنيانه يعلو شيئاً فشيئاً إلى أن شهقت نظراتهم وهي تصعد أعلى بنيانه الضخم·
Page 9
اشتياق
 
عندما كنت أنتظره، كان المساء يحاول جر أنفاسه الأخيرة، عندها فقط قال لي بصوت بعيد: لن أعود·
 
قلت بفزع: لماذا ؟
 
أجاب وكل الغضب ينزفه لسانه:
 
هكذا···
 
أشحت بوجهي عنه، وأطلقت كلمة أردته سماعها مبعثرة·
 
قال مستوضحاً:
 
ماذا ؟
 
أطبقت كفيّ ببعضهما، وهززت رأسي وتركته يحاول اصطياد الكلمة من خياله وبعد أن أضاءت الشمس ما حولنا· سألته: ألن تعود ؟ صمت قليلاً·
 
باغته
 
ــ أتستطيع ألا تعود ؟
 
وبعد صمت لحظات قلت برجاء··
 
ــ أرجوك ·· أرجوك·· عد، عد إلينا، كلنا شوق إليك، عد قليلاً، رتّب الكلمات المبعثرة، ضع السطور فوق بعضها، انفض الغبار المتوالي على أشيائنا، أحينا بعد أن كدنا نغصّ بجرعات موتك، بعد أن دميت حلوقنا، بعد أن ألح طائرك الوثاب فوق رؤوسنا، نرجوك عد ولو قليلاً، لنبدأ معاً، رحلة واحدة جديدة·
 
لن نخلف بعدها صوتاً ولن نترك بعدها أثراً· أرجوك عد، وعندما تعجز عن العودة فسأكون بجانبك ولن أصحب معي أحداً·
Page 10
(معالجة)
 
احتبست في ذهنه نصيحة أبيه سقطت عليه هذه النصيحة بكل أبعادها، حركة فم والده المرتجف، رائحة الغرفة العبقة بالمرض، حزنه وهو يرقب والده الذي يبتعد عنه، الموت المترصد خلف الباب، وقف لحظات قبل أن يلج الحي القديم، رائحة بيتهم القديم زكمت أنفه وكأنه لا رائحة إلا رائحة بيتهم القديم، تلذذ بتلك اللحظات المفجعة، أعادها عنوة على أدراج ذهنه، قرأها عدة مرات، وفي كل مرة يستعرض بها أحداثه الغابرات تنز الذاكرة بحدث خفي في مسار الأحداث، أخذ يمارس هذه اللعبة التي لم يكن يحتاج في خضم لحظاته هذه إلا لها، ركز بذهنه على موقفه هو أمام كل الأحداث التي مرت به، على مشاعره تجاه والده، على مشاعر الآخرين وأخيراً احتبست في ذهنه نصيحة أبيه المريض وهو يشير إلى صدع في جدار غرفته ويرجو من حوله أن يرأب الصدع قبل أن يتمدد ويسقط عليهم سقف البيت، أشاروا له بأن هذا الصدع صغير ولا يجب أن يشغل باله به، صمت العجوز، وتمتم بكلمات قلائل·
 
(لم يفهم أحد كلماته، أنا فقط أستشعر حزنه وألمه وخوفه وأوجز معاناته وأدخرها لوقتها)·
 
رنت في أذنيه كلمات أخيه الكبير معلقاً على مخاوف أبيه:ــ
 
(لن يدركك سقوط البيت، فلا تفزع···)·
 
(ساعتئذ فزعت نفسي من لمعان عيني أخي، عيناه كانتا تومضان بغيب مخيف، ونفسي المستنفرة كادت تخلص من جسدي)·
 
لحظات خروجه الأخيرة من هذا الحي جعلته يدلي برأسه الآن وهو يلجه·
 
(بعد كل هذه السنوات لا أظن أحداً يذكرني)
 
وطأت خطواته الأرض بتثاقل وبطء وذكريات تترى تتساقط على ذهنه، توقظ كل الماضي الذي خلّفه يوماً هنا، تبعث الحياة من جديد بكل شيء حوله، ها هو بيتهم القديم يستيقظ من سباته، يشرئب بقامته، يعلو على المنازل حوله، ها هو في مكانه القديم صامداً أمام نزواتهم·