eKtab
EN ع
لن تجن وحيداً هذا اليوم
Read free sample

لن تجن وحيداً هذا اليوم

by أم الزين بن شيخة المسكيني

Page 1

الإهداء

"إلى كلّ مجانين الثورات العربية...

عفوا،

لن يطول انتظاركم....!"

Page 2

"لا بدّ للبئر العميقة أن تنتظر طويلا قبل أن تعرف ما الذي يحدث في قاعها"

نيتشه....

"أهل الخلاء لا بدّ أن يستبدلوا جلودهم من حين لآخر"

ابراهيم الكوني...

"قافلة الماضي لن تصل بك إلى أيّ مكان"

مكيسم غوركي..

Page 3

طوابير تحت جلدي

"انّي أسرّ عنك جنوني لأنّي أودّ أن أكون مجنونا وحدي"

جبران خليل جبران..

ذبذبات صوت قديم تخترق أحشاء المدى.. ونساء تخجلن من عطر مكسور.. أودعت قلبها المفعم بالأغاني الشاهقة بين يدي نهار طويل.. هو بعض ما تبقى من الوقت كي تنسج آخر أوجاعهم.. وجوههم واجمة وقلوبهم تعتتعها الانتظار على حافة وطن مستحيل.. كانوا كثيرين.. يجيؤون ويروحون.. يتأرجحون بين صلاتين.. تفزعهم أحلامهم العائدة اليهم بلا عنوان.. قالوا لهم في آخر نشرات الأخبار: ايّاكم ان تحلموا ثانية... هنا الرصيف.. اجلسوا على حافته ان أتعبكم الوقوف في محطّة لا شيء يصل اليها.. وانصرفوا عنه ان سئمتم من نهار لا يأتي الاّ صدفة.. أمسكوا مشاعركم جيّدا.. التحقوا بدارة الضوء.. عليكم التقاط أنفاسكم الأخيرة.. لا مكان للشكوى ولا للندم.. بوسعكم أن تخجلوا ان شئتم.. بوسعكم أن تهملوا بعضا من أعضائكم القديمة.. ما تبقى من انفعالاتكم سنفترسها بصمت بهيج.. من ينقصه الطريق لا يعرف كيف يمشي.......

هي الآن تحاول أن تصل قبل طلوع الفجر.. تجهد خطوها.. تجذب حصى الثنايا.. تغريها بالنوم تحت نعليها.. تلقي بقامتها المرتعشة على أوّل قطرات الندى.. تراود الغيمة الأخيرة على التصبّب سيلا باردا على مسامّ جلدها الأسمر.. تقترب رويدا.. تطلب عنفوان صبايا الحكايات القديمة.. تقطّع رحم الأرض كي يولد عشب منعوه من دخول الحديقة.. طفل آخر في أحشائها.. وآخر يهيّء بويضته بعناية.. وسائل آخر يسرع نحو بيضة أخرى.. لكنّهم منعوها من الولادة.. فالمدينة لا تتّسع لسكّان المستقبل... عليها أن تتقن ادارة آلامها كي تنجو المدينة من أحلامها...............

كي تؤجّل آلامها قرّرت الجنون... كي تنجو من أحلامهم قرّرت دفعهم إلى جنون عمومي..........

هي.. متعدّدة تكاد تنشطر إلى ما لا نهاية له من حبيبات العشق.. تلتقط مع كل غروب كل الطاقة السوداء لأهل المدينة.. تخبّئ عنهم ليلهم الطويل كي لا يستفيقوا من حالة التنويم التي أصابتهم.. وتطهو لهم كل صباح فطائر من طحين السنابل الغريبة... كانت تتقن ادارة انفعالاتهم.. وكانوا يذعنون لحقنة التخدير كل يوم..

Page 4

على وجهها غبار ماض كئيب.. حفنة واحدة من دائرة الهدوء كانت كافية لتحلم ثانية.. في نسوغ أعصابها كل أوجاع المستقبل.. لكنّ بعضهم لم يكن يرغب بأيّ مستقبل.. وآخرون كانوا يتحسّرون لأنّهم لم يكونوا مهيّئين كفاية للعيش في الحاضر المكتظّ بأطماعهم.. ورهط آخر اختار التمسّك ببعض ثوابت الأمّة خوفا من المغامرة في طريق قد لا تؤدّي.. ورهط كتوم لا أحد يعلم هل يخيفه البحر الزاحف والأخطبوط أم السقوط في زمان أفظع من هذا المكان الملبّد بالطاغوت.

كلّ سكّان المدينة يتألّمون من الموت ويخافون أن يأتي اليهم قبل الأوان.. أمّا هي فقد كانت دوما تتألّم من الحياة.. من طول الحياة.. هم يعانون من كثرة النسيان.. هي تعاني من ثقل الذاكرة.. كان عليها كل صباح أن تدوّن كل الأحداث التي ستقع هذا اليوم.. وأن تنغمس في تفاصيل من مرّ ومن لم يمرّ.. ومن مات سهوا قبل الوصول إلى أوجاعه القادمة.. ومن قرّر انتعال صمته على جرعات صغيرة..

انّها تتمنى أن تكون مثلهم.. نسخة حيّة خير من أصل ميّت.. يحملون أقدارهم دون أن يدركوا إلى أين هم ذاهبون.. لكنّهم لا يأبهون.. هي تملك ناصية المستقبل بين رموشها.. أمّا هم فلا يعرفونها أصلا لأنّها لم تستطع إلى الآن أن تعبر من أحداقهم المغمورة بضباب السياسات الماكرة. لذلك فهم لم يحلموا يوما بأن يشبهوها حتى مجرّد الشبه.. التشابه أمر مقرف أحيانا.. بل هم لم يحلموا يوما بأيّ شيء خارج أنفسهم.. أو خارج ما يتوهّمونه أنفسهم.. ان كان لديهم أنفسٌ.. انّهم يعيشون فقط.. وذلك كان يكفي كي ترسم هي برواحهم ومجيئهم، بنومهم الملبّد بالغيوم، بغفلتهم عن جراحهم، برائحة العرق اليومية للكادحين.. بأقداهم الفارغة من خمرة مالحة.. بأحذيتهم القديمة المثقلة بغبار حكومات ظالمة.. كانت تطلب كلّ ما لديهم.. فقرهم وعشقهم ووهمهم وجوعهم.. كي ترسم عالما من الحروف الهادئة.. ومن العواصف النائمة..

وتنتصب القضبان في كل أركان المدينة.. سجون شاهقة حيثما ولّيت وجهك.. وفي الداخل أرواح تاهت عن أصحابها.. عمّت الفوضى.. وكثر السطو على أجساد الآخرين.. واستعصىت اعادة الأمن إلى قلوب تعتعها البؤس والطمع في أرواح لا تلائمها..

بعضهم اعتصم أمام مقرّ الحكومة احتجاجا على روحه التي سُرقت منه وهو بصدد احتساء قهوته الصباحية.. وبعضهم يصرخ ويولول بكلام لا أحد يفقه منه أيّ شيء.. وآخرون اكتفوا بالألم خارج أجسادهم.. وآخرون استسلموا للهذيان عمدا كي لا تقع محاسبتهم على ما اقترفوه من اعتداء على الأمن العام لسكّان المدينة.. وآخرون لم تتمكّن من احتضانهم في المدى البصري الذي بحوزة عينين من بلّور روماني..

وقرطاج ترمقهم من بعيد كأمّ ثكلى.. يؤكل أطفالها بين عينيها جهرا.. يؤكلون من الكتف الأيسر بكل صفاقة.. يؤكلون على وقع فارسي كما يُؤكلُ الثور الأصفر.. ولا تستطيع قرطاج حتى احتضانهم أو درء الأذى عنهم.. ههنا يقفون منذ سنتين من الزمن.. يصنعون الربيع ساعة.. ويبكون الزهور المجروحة بفؤوس لا تصلي الاّ لأطماعها.. وهي تحاول بمشقّة مملّة اخفاء دموعها السافرة عنهم.. هؤلاء أبناؤها الشرعيون منذ ألف عام.. تجمّعوا على حقل من السنابل الشامخة.. فأنتجوا أغلبية.. أصابتهم عدوى الحرية فلم يتقنوا ادارة مشاعرهم المكبوتة.. يوشكون كل يوم على التحوّل إلى منشّات للذباب... ورغم ذلك لم تشأ قرطاج أن تتدخّل في أرشيفات حكومات الكذب من أجل اعادة الحق لأصحابه.. لقد كانت تدرك جيّدا أنّهم سيتدرّبون طويلا على حريّتهم.. دون أن يجدوا نقطة التوازن المطلوبة بين أوجاعهم السابقة وأحلامهم اللاحقة.. قرطاج فتاة قٌدّت من عبق آلهة المستقبل.. لذلك هي تعلم جيّدا ما الذي سيقع لأبنائها.. وكيف سيتأرجحون طويلا بين حقولهم الحبلى بالسنابل وجوعهم الدائم إلى سماء جديدة.. قرطاج تجرّ المستقبل بين أنامل من الريحان والعنبر.. لا شيء بوسعها أن تمنحهم غير ما يملكون في أوجاعهم من المدى المنثور هباء بين نهود نسائهم المسبية..

بجسد ناصع كالنصل.. وبروح تكعيبية تتقن التحليق في أرواحهم العميقة كلّما استسلموا ليلا للنوم القسري.. كانت تقف كلّ يوم على سور من الزبرجد صمّمه لها حنّبعل كي تكون أكبر من المدينة تحسن الوقوف على طول قامتها المشتهاة.. وتتقن سكنى جسدها الناعم بلا جدوى.. لا أحد منهم كان قادرا على لمسها.. تنتظر يائسة طول الدهر عاشقا شبيها بحنّبعل.. فتبقى كل غروب على عطش.. فضّلت أن تؤجّل حُلمها وأن تؤجّل عشقها وأن تخبّئ جيّدا شهوة البدن.. في مدينتها لا شيء ينبت غير الجوع إلى التعاويذ ودساتير الظلام والبؤس المقوّى بآخرة لا تأتي.. لأنّ أوانها قد فات منذ زمن بعيد.. جاءت إلى هنا على سبيل الخطأ.. قرّرت أن تبقى على سبيل التطفّل البهيج... في مدينتها تنحني الرؤوس للقتلة.. وتتأرجح الطوابير بين الطماطم السريعة الدهس وعيون الجياع الفارغة..

قرّرت أن تؤجّل أحلامها الخاطئة.. تضامنا مع مدينة اخترعتها بأناملها من جلد ثور مقدّس.. يوم كان الثور قادرا على الانتماء إلى ثورته المناسبة.. هي تملك أحلامهم بين يديها لكنّها ممنوعة بقدر محتوم عمره ألف عام من منحهم أيّ شيء قبل أن يصلوا بأنفسهم إلى أقدارهم..

هاهي تستعيد جيّدا بنود ذاك المرسوم الملكي الذي وقّعته بيد فتاة وثنية في معبدها الروماني تحت اشراف مؤقّت للعناية المقدّسة للعظيم حنّبعل: "قرطاج علّيسة روح حنّبعل.. محكوم عليها بأن تبقى ههنا حذو هذا الشعب الكبير ترقبه من بعيد طيلة تاريخه وعلى مدى كلّ المستقبل الذي بحوزتها.. لكن لا حقّ لها في أن تحضن أبناءها حتّى وان أُكلوا على مقربة من عينيها... ولا حقّ لها أن تمنحهم أحلامهم الاّ في حالة وصولهم بأنفسهم اليها.. قرطاج هي المرأة الوحيدة المالكة لمستقبل هذا الشعب لكنّها محرومة من حقّ توجيههم نحو الطريق الصواب حتى وان سقطوا في الهاوية.. قدرها أن تظلّ واقفة تحدّق كل يوم في هذا المدى الذي افتتحته بأيديها علّ مدينتها تلتحق بأحلامها.. حينئذ فقط بوسعها أن تأفل عن سمائهم إلى سماء أخرى.. وعليه فقرطاج محرومة من حقّ النوم في أيّ زمان.. لا ليل لها ولا حياة غير الحركة الدائبة لهذه الجموع السائرة نحو المجهول.."

كانوا يقفون في طوابير.. قيل لهم إنّ هذه هي الطريقة الوحيدة للسفر نحو المستقبل.. وقيل لهم أنّ المستقبل سيأتيهم هذه المرّة من الخلف.. وقيل لهم أيضا أنّهم عاطلون عن العمل ولم يتبقّ لهم غير الوقوف في طابور.. وقيل لهم أيضا أنّهم سيُمسخون بعد عام من أجل المشاركة في تصوير فيلم عالمي حول الربيع العربـي..

Page 5

وكانت تسأل نفسها في وجل: "هل هم جديرون بهذا الوقوف في الطوابير؟ هل يدركون عمق الهاوية التي يقفون على حافتها؟ هل حانت ساعة عبورهم إلى حديقة الفرح المؤجّل بدموع تسيل دوما على مهل.. ؟ هل سيكونون في حجم هذا الملل المقوّى بالفجيعة؟"... كانت كلّ الأسئلة بلا صدى غير آهات بعض قطرات الندى العابرة من هنا كلّ فجر في خجل فتاة غجرية..

كانت تتمنى كل يوم لو بقي كلّ هؤلاء الأرهاط في أحشائها.. ما كان عليها أن تلفظهم اعتباطا بين زمان هارب ومصير مجهول لا يعبأ بأحد.. لم تكن تقدّر جيّدا ما الذي سيحدث لهم.. عليها أن تنتظر ههنا طويلا كي تدرك عمق الهاوية.. ومن أعلى نقطة في هذا الركح الصاخب قرّرت الاكتفاء بالضحك أحيانا وبالفرجة المجانية أحيانا أخرى.. انّها المتفرّج الوحيد المدعوّ ههنا..

ههنا.. ليس مكانا ككلّ الأمكنة الأخرى.. ههنا.. قطع من اللحم الآدمي المنثور هدرا.. ومشاعر حبّ على قارعة أجساد منهوكة.. هنا شهوات ضيّعت أعضاءها في منتصف الطريق... هنا ثنايا ضاعت في ثناياها كل الأحذية القديمة.. ههنا الأبدية تنشطر إلى أبديّتين.. ثمّ تمرّ ساخرة من كلّ صداع نصفي يصيب أقحوانة وعطر وياسمين..
هنا جنون عمومي يعبر على مقربة نـزقة من الساعة الكبرى المعلّقة على نحو أحمق في قلب الشارع الرئيسي.. شارع الحبيب بورقيبة.. هو أيضا مرّ يوما من هنا.. صنع دولة.. فصار صنما.. ثمّ انتحر على صدر قرطاج...

وتذكّرت كلاما لحكيم قديم.. "حيث لا يمكنك أن تحبّ عليك أن تمرّ".... يومها صاحت في وجه الحكيم غاضبة: "بلى.. حيث يمكنك أن تحبّ يمكنك أن تمرّ.. من يكره لا يقدر حتى على العبور بين الحروف الهشّة والورق النحيل.."

قرطاج امرأة في عمُر النرجس البري.. شبيهة بغزالة صحراوية.. عيون المها وقامة هيفاء تطلّ بها على جبل الشعانبـي كأعلى قمّة في حجم كائن الاهي على قلق.. بثغر مبتسم لعصافير تجيد الزقزقة في الشارع الرئيسي حتى في غير مواعيده الثورية.. كان عليها أن تكون وفيّة لأجدادها الصعاليك.. وفجأة تذكّرت تأبّط شرّا.. اقشعرّت من عقاربه وأصابتها الغيرة من تلك الغولة التي رمى بها ذات صباح بين يديها قائلا في برود: "لملميها في خرقة واصنعي بها ما تشائين.. لقد ضاجعتها ليلا كاملا إلى أن سقطت بين ساقيّ مغشيّا عليها.."

استغربت قرطاج من هذا الكائن الفظيع الذي ظلّ ممدودا على مقربة منها.. ابتعدت قليلا خوفا من أن يلحق بها الأذى.. ضحك تأبّط شرّا وعاد يضاجع غولته في هدوء الشعراء..

عادت إلى التحديق بهم.. في حين استكمل تأبّط شرّا شهواته غير المشروعة.. التفتت عنه في قرف.. صاح مستهترا بمشاعرها: "سأمنحك هذه الغولة هديّة إلى شعبك الكسول الواقف منذ دهر في الطوابير.. سأزرع الرعب في نفوسهم علّهم يتحرّرون من ادمانهم على زراعة الملل في هذا القحط الأزرق.."...

............

آه من الطوابير.. كم سيظلّون واقفين هنا شاردين.. تائهين عن المدى؟ ألا يتعبون؟ ألا يسأمون؟ أشفقت قرطاج على أبنائها فانتفضت كالعنقاء من عمق الرماد ترثي جلودها التي نثرتها على حدائقها علّيسة يوما كان دهرا صالحا للنوارس..

هم.. شعب من أشاوس عيّار وهمّام وأولاد دريد وبني هلال وأولاد ماجر والمثاليث والمرازيق وأولاد نفّات وأولاد دبّاب.. وبحّارة سرسينا من الرومان.. وجنوب النخيل الباسق والتمور الذهبية.. شعب من النوارس أصابهم النسيان الجماعي لأسمائهم ولمدنهم ونسائهم.. فاستسلموا سهوا للوقوف بعد أن سئموا من ملاحقة أوجاعهم.. كانوا أقلّ حجما من سعادتهم وأكثر حجما من حكوماتهم..

بالأمس كانوا ههنا يحملون الشوارع في أنعالهم ويهزّون الأرض بحناجرهم.. بالأمس جاؤوا ههنا بأحلام ضاحكة ودماء مقدّسة.. بالأمس زعزعوا حاكما وبذروا ربيعا عربيا.. واليوم.. هاهم يقفون في طوابير طويلة.. لا أحد منهم يعرف إلى أيّ طابور ينتمي.. وأيّ الطوابير تؤدّي.. وأيّ الطوابير دائرة وأيّها هاوية وأيّها خطّ منحرف..

Page 6

كانت تتمنى في أرقها الدائم لو كان بوسعها أن تفتح قلوبهم النائمة في يديها كي تبصر بأوجاعهم القادمة من زمن آخر.. لكن هل لازالوا يحملون قلوبا بعد تداول كل حكومات البؤس على أحلامهم؟ كانت تتمنى لو كان بوسعها أن تفتح أحجار المدينة حجرا حجرا علّها تعثر على بصمات من عبروا من هنا بأقدام مسلوبة.. بأوجاع منهوبة بأنعال تلبس خفّي حنين.. ومرارا تهاجمها في رؤاها القديمة أرواحهم من عمق التوابيت المحصّنة بحرف مبين.. من عيون تجمّدت فيها الدموع فصارت جبلا من الثلج الأرجواني.. في كلّ دمعة ربيع عربـي يؤجّل حلمه ويهاجر..

وجوههم واجمة.. ونظراتهم شاردة.. وأحلامهم مخطوفة.. هم خائفون.. هل ضيّعوا ربيعهم؟

لم يكن بوسعها أن تحلم نيابة عنهم.. لم يكن بوسعها أن تموت نيابة عنهم.. لم يكن بوسعها أن تجيب بدلا عنهم عن بلاد نسيت أسئلتها وتاهت في وهم كبير.. شعرت بمرارة الوقت المخزّن في عيونهم بلا جدوى.. لم يكن بوسعها أن تراهم على هذه الحالة.. لا أحد منهم كان واثقا من أيّ شيء.. لقد سقطوا في داموس الأغلبية.. وهاهم يغلّقون عليهم صناديق الاقتراع.. وقهقهات الحكومات العربية تمزّق أواصر الفصول.. فيتعثّر الربيع في أسمال خريف كئيب.. ويكثر الثغاء..

"لا تبذّري جمرك على رماد الآخرين..".. هتف هاتف غريب في صراخ مكتوم لأبدية عابرة إلى نهار آخر..

ردّت في ضجر: "العدم يستحي أن يكلّم الموتى.. انّهم لا ينصتون لغير حشرجة الديدان"...

عاد الهاتف يشوش عليها عالمها قائلا في هدير خفيف: "لا تمنح سمومك الحارّة إلى الحمقى.. لا يجيدون استعمالها"..

أجابت في لهجة الصداع النصفي: "لا تلمس الواقع بأصابع عقل مسلوب.. ستدنّسه بالعبودية"...

واصل الهاتف هذيانه كما الطوفان.. قاومته بالغياب عن ذرّات صوته.. وعادت إلى قصّتها الأولى.. تحضر الحطب لنار جائعة إلى الأحلام الطرية...

كي تؤجّل أحلامها المستحيلة.. قرّرت أن تدفعهم إلى الجنون.....

كيف صرت مجنونا؟

في قديم الأيّام قبل ميلاد كثيرين من الآلهة، نهضت من نوم عميق فوجدت أنّ جميع براقعي قد سُرقت - البراقع السبعة التي حُكتها وتقنّعت بها في حيواتي السبع على الأرض. - فركضت سافر الوجه في الشوارع المزدحمة صارخا بالناس: "اللصوص.. اللصوص.. اللصوص الملاعين" فضحك الرجال والنساء منّي وهرب بعضهم إلى بيوتهم خائفين مذعورين.

وعندما بلغت ساحة المدينة اذا بفتى قد انتصب على أحد السطوح وصرخ قائلا: "انّ هذا الرجل مجنون أيّها الناس". وما رفعت نظري لأراه حتى قبّلت الشمس وجهي العاري لأوّل مرّة. لأوّل مرّة قبّلت الشمس وجهي العاري فالتهبت نفسي بمحبّة الشمس ولم أعد بحاجة إلى براقعي. وكأنّما أنا في غيبوبة صرخت قائلا: "مباركون مباركون أولئك اللصوص الذين سرقوا براقعي".

هكذا صرت مجنونا..

جبران، المجنون..

Page 7

نهد واحد لا يكفي

"الطاووس مع حسنه وزينة ظاهره وحلاوة صورته،يأكل الحيّات ويغتذي بالسموم"

أبو علي أحمد بن محمّد مسكويه،
الحكمة الخالدة..

"حدّقي جيّدا ملء عينيك.. فكُلّ هذا المجال البصري مُلك لك.. لا تخافي لا أحد يموت واقفا غير نخلة باسقة".......

دفعت بها إلى الركح من بين أناملها الناصعة.. قالت "اذهبـي، باركك الله كأوّل مخلوق أدبـي في هذا المدى.."

ضحكت على مضض.. وجاءت أحزانها ترسم خطوطا جائلة ومكعّبات مائية في كل الاتجاهات.. تمتمت في برود: "أسرعوا.. حاولوا اختراق هذا الجدار.. لا أحد سيموت هذه المرّة.. جمّعوا كل الخطوط.. تدثروا جيّدا بأوجاعكم.. وادخلوا بين يديّ قبل أن يغلقوا في وجوهنا هذا المدى.. لكن ايّاكم والدخول في قصة أخرى لا تخصّكم.. لن يتسع مجالكم البصري الاّ لشعب واحد".

وانهمكت تنشد أغنية مكتوبة على كفّها بحبر قديم:

ما أجمل هذا المدى.. بيني وبينه ضفّتان والوادي الكبير..

وطوفان من الغدر.. لكنّها.. ستأتي كل يوم إلى هذا المدى

وفي عينيها كل المدى.. وبعض من قطرات الندى..

بيني وبينه.. شفتان وعُرس فاشل وربيع عربـي وحلم ونهر ودم.. ستأتي كل يوم تصبّ قليلا من مدى..

ادخلوا سريعا.. قبل أن يغلّقوا الأبواب في وجه السماء..

لكنّهم... سيسرقون منها كل الصدى.. و.. ستأتي كل يوم وفي كفّيها حرف وجمر وألف وطن خضّبته الدماء..

Page 8

......

كانت تنـزل بخطى صامتة. لا شيء كان ينتظرها في أي مكان.. اليوم.. كل شيء انتهى... كان عليها فقط أن تستأنف هبوط الدرج شيئا فشيئا.. دوما إلى أسفل.. لا شيء يجبرها على الهبوط في دمها ولا شيء يجبرها على الصعود في آلامهم.. ورغم ذلك أحسّت فجأة بالرغم من نهايتها أنّ شيئا ما في دهاليزها القديمة يدعوها إلى البدء من جديد.. لأنّ شيئا ما هو الآن بصدد المجيء اليها.. رغم أنّ كل شيء قد انتهى..

خطوة واحدة تفصلها عن الطابق السفلي من بيتها.. هي ذي في بيتها أو ما أمكن لها أن تتخيّله على أنّه بيتها... وهاهي قامتها، المثقلة بخفّة لا تُحتمل، تدفع بجسدها إلى الأمام جدّا.. عليها أن تخترق المكان مرّة أخرى.. لا تدري هل هي تكرر قدرا قديما أم بصدد السير نحو حتفها.. شيء واحد لا زالت تتقن حمله جيّدا هي بصماتها كآخر عنوان على وجودها.. هل سترسب هنا طويلا أم سنتجح باسعاف في اعادة الهبوط إلى الأسفل جدّا.. كانت تهاب صدمة الحضيض.. فمن يصعد عاليا يكون سقوطه أكثر ايلاما..

همّت بالتقدّم خطوة أخيرة نحو الدرجة الأخيرة في سلم طويل تهبطه للمرّة المليون في حياتها.. لكنّها تجمّدت فجأة.. درجة مستحيلة العبور والسلّم يهتزّ تحت قدميها.. رجّة أم زلزال.. أم لحظة دوار شخصية جدّا.. لم تكن تفرّق يومها بين جنونها الشخصي والجنون العمومي الذي رأته يزحف حثيثا نحو سكّان المدينة..

نصفها قمر ونصف ليل معتّم بأرواح تجيء وتمضي سريعا.. دون أن ينتبه أي كان اليها.. وتأتي مع كل الصباحات التي عبرت هذه المدينة. مفعمة بطفولة جذلى من الورد المنسي.. وكان العصر يتيه في حروفها التائهة في صحراء الخرافة.. شديدة الصمت حريصة على الكتمان.. في كل يوم تخترع عرسا كاذبا تنهيه آخر الليل بحطام من العواطف المنهزمة.. شعرت أنّها أنقاض من وطن أصابته الشيخوخة المبكرة.. أقل من امرأة وأكثر من لغة..

أرهقها هذا السلم الطويل.. وتعبت من كثرة الهبوط دوما إلى أسفل.. وتستحيل عليها الدرجة الأخيرة إلى حدّ الغثيان.. هاهي تستند إلى الحائط الذي كان يحاذيها وحيدا.. بلا متّكئين.. وقفت تسترجع نفسا أخيرا خالت للحظة أنّه انحبس في ركن من أركان رئتيها الصغيرتين.. وقفت بأمر من عضو بدا لها في طريقه نحو العطالة... أصابها دوار لطيف ودمعة فضيّة في عينيها تهمّ بالسقوط..

لملمت شتات روحها وحدّقت بعينيها المتعبتين.. ها هي تلمس بنظراتها المتوترة صورة معلّقة على الجدار المقابل للسلم.. كانت أولى صورها معه.. ومنها بدأت كل الحكاية.. هل هي حكاية فقط أم طابور من المفاجآت والرجّات.. ؟كل شيء معه بدأ فقط.. لا شيء أدرك نهايته.. بعض الأشياء ستولد مرّة أخرى..

كان يوما استثنائيا.. كان فيه عشب حديقة الجامعة أخضرا تماما.. أتقن فنّ اغوائها.. أغراها بجمال الكلمات وبديع القصائد.. اقتربت منه أكثر.. تعانقا أكثر من ربع قرن.. لا شيء حدث غير عائلة صغيرة وثلاثة أطفال.. معها أتقن فنّ الحياة ومعه أتقنت فنّ التظاهر بموت يومي لم يكن يهتمّ به كثيرا...

تبعثرت حواسّها واختلطت عليها الاتجاهات.. وسماء داخلية كانت تدعوها إلى النوم على حافة الهاوية.. كانت تسمع أصواتا غريبة.. وترى أناسا كثيرين في مجالها البصري. بعضهم كان يبتسم لها في لطف.. والكثير منهم يرمقها بنظرات غامضة.. وآخر يتوعدها تشفيا على ثأر قديم.. لم تفهم ما يدور حولها.. وطال التصاقها بذاك الجدار..

ناداها الصوت من بعيد: "أين تكونين.. أيتها الروح القادمة من الريف الحزين؟ ألم تصلي بعدُ؟ أم تُراك نسيت موعدنا؟"

فزعت من ذاك النداء.. أجابت وهي توكوك في عبارات متقطعة: "ومن تكون أيّها الصوت؟ هل أنت من الانس أم من الجنّ أم أنت فزعي ورعبـي جاء يخلخلني؟"..

كانت تراه يمضي أمامها في كبرياء وأبّهة.. هرولت نحوه مسرعة.. لكنّه واصل طريقه.. لم يلتفت ولم ينبس بكلمة.. صمت رمادي أغبر الايقاع كان يلفّهما معا في حدث روائي واحد.. عيناه شاردة وعيناها تحدّقان به متوسّلة أن يتوقّف قليلا عن الهرولة وأن يسترجع ذكراها قليلا..

تمكنت بعد جهد ولأي من أن تقبض عليه.. أمسكت به من يديه.. جرّها بعنف في تيّاره الجارف.. حينئذ قررت أن تبدأ في قراءة تفاصيله الغامضة.. كان يريد الرحيل دوما.. وكانت تجذبه إلى حياة يومية مليئة بالشهوات..

قال لها في همس: "ألم نتفق بأن يمضي كل إلى قدره"

قالت: "بلى.. فأنت قدري"

جذب يده من يديها متملّصا من قدر قديم: "لم أعد بحاجة إلى نهار عمومي"..

لكنّها أصرّت على اغرائه بالعبور ثانية من نفس الدهاليز..

لم يصمد طويلا.. عاد أدراجه..

تأمّلت جدول أوقاتها المعلّق على الثلاّجة.. كل يوم تستيقظ من ليل متقلّب.. تقضم الخبز ككل فئران المطبخ.. تبصق بعدها بمهارة.. وتوكوك بعسر.. تنصرف سريعا إلى أوراقها.. ترتّل أوهامها بكل رطانة..

كان يتناول فطوره إلى جانبها.. في صمت.. وكانت تلتهم قطعة من الشكولاطة مع قهوة سوداء..

سألته بغتة: "لماذا سرقوا السماء بهذه السرعة؟"

أجابها ضاحكا: "ومن أدراك بأنّ ثمّة سماء؟"

ردّت عليه: "سماء هشّة سريعة الذوبان.. لا شيء فيها غير الهواء"

عادت أدراجها إلى الداخل.. وبدأت تحصي فضائله..

Page 9

"ها أنت يا"غريب" في لجّة الحروف الزائلة تأتي ثانية.. ما الذي أعادك إلى قلبـي.. ها أنت تعود دفعة واحدة بكل ما أنت.. هيكل عظمي متناسق ولحم حقيقي وشعر مجعّد لم تزره نواقيس الشيخوخة بعدُ.. وأحشاؤك محشوّة بالكتب القديمة.. وها أنا أصدّق ما أرى كحمقاء ريفية.. فماذا أفعل بك ياتُرى في هذا الزمن البرزخي؟

تُرى هل مازلت منشغلا بسياسة هذي المدينة؟"

أجابها ساخرا: "غريب أمر هؤلاء الصعاليك.. من أيّ السراديب أتوا الينا؟ يعبثون بالفجر ويصدّونه عن قلوبنا.. ويغتالون عقولنا عصرا.. ويستغفرون آلهتهم كلما ضاجعوا زوجاتهم.. ويدفعون بكل فضلاتهم النتنة إلى ذاكرتنا.. وكلما تعرى جسد.. دخل الجميع بهو الحضيض من بابه الواسع"

قالت: بل هو جنون عمومي أصاب سكان هذي المدينة"..

.....

داهمتها الدهماء غاضبة.. في يوم قاني اللون لا مكان فيه لأية لغة غير النباح.. تصاعد الدخان يلفّ بسمات العابرين. وحاصرت سيارات البوليس الأسود أنفاس المدينة من كل الجهات.. أخبروها أنّ التنّين مارّ من هنا بعد قليل.. وأنّه لا يحبّ رؤية الدهماء لأنّه حسّاس جدّا من العدد الأحمق.. وبعد برهة من الزمن داهمت قنابل الغاز الشارع الكبير.. فترى الرمادي يرقص منتعشا منتشيا لمصالحته بين الذين يسكنون السماء والذين يسقطون كالتمر المجروح أرضا.. وقبل برهة من الزمن سقطت طفلة في الثامنة مغشيا عليها في ساحة حقوق الانسان.. وفي نفس الساحة وبعد برهة أخرى شيّعوا جثمان كهل أصابه الاختناق بغازات القحط الديمقراطي الآتي من الشرق..

الآن علمت أنّها سقطت في عام التنّين فجأة.. وأنّها أخطأت الزمن الذي بُعثت فيه.. لقد كانت تذكر جيّدا أنّها طلبت اللجوء السياسي إلى عام الفيل.. لكن القدر أخطأ تقدير مواهبها. للمرّة الثانية تخطئ أقدارها وتتيه في قصة لا تخصّها... تجمّدت مرة أخرى في نفس الدرجة الأخيرة من السلم.. تراود رئتها اليسرى على منحها نفسا أخيرا..

وفي الخارج وتحديدا على مشارف وادي الليل حيث يسقط الوادي في ليل من البؤس الانساني شديد اللهجة.. احتدّ النقاش حولها.. إلى أيّة جهة سوف يرسلونها بعد أن انتهت مدّة اقامتها في مدينة وادي الليل.. لقد أصيبت مدينتها بمرض مثقف جدا يؤدي إلى الموت أو إلى الجنون.. وقد اكتشف علماء مدينتها أنّها المسؤولة على ظهور
هذا المرض الخطير بين الناس.. فهي فقط من يجعل العدوى ممكنة بمجرد خروجها من بيتها.. قالوا إنّها مصابة بجنون من نوع غير شخصي أبدا.. وقالوا أيضا إنّها الوحيدة الحاملة لفيروس هذا الجنون العمومي..

وهي الوحيدة الحاملة للفيروس الأصلي وهي الوحيدة المسؤولة على جعله جنونا معديا بمجرد ظهورها في الشارع الكبير للمدينة.. بعضهم فكر في عزلها تماما وآخر في قتلها مرة واحدة.. وبعض من المسؤولين عن حقوق البيئة والحيوان فكّروا في ربطها إلى سلّم بيتها أو تسميرها على جدار الصالون إلى جانب لوحتها المحببة... جنونها كان خطرا على المدينة.. واحتجازها خطر على الرصيد التخييلي لسكّان هذا المدى.. بعضهم يعتقد بأنّها سرقت كل الطاقة السوداء المسؤولة على الخيال في مدينتها.. وهاهي تُعاقب بفيروس الجنون..

لم تكن تهتمّ لكل هذا الضجيج... وأصرّت على البقاء معه.. رغم كل الاشاعات القائلة بأنّها هالكة في أول الأمر وهالكة في آخر الأمر.. فهي منذ أن كانت في حياتها السابقة وهي لا تطلب غير الهلاك المناسب.. استرجعت نفسا قصيرا وعادت تحفر ذاكرتها المعطوبة علّها تعثر في بعض ثقوبها عن بعض اسمها.. لا شيء ظفرت به بعد برهة صغيرة غير ثلاثة حروف هزيلة.. لكنها كافية بأن تحمل بها اسما قصير القامة..

فليكن.. اسمها من هنا فصاعدا هو "نهد"..

. ثلاثة حروف عارية كافية لبناء عالم جديد ستتكفل فيه برسم مصحة عقلية.. وخاصة بالبحث عن نهدها الثاني.. قالوا إنّها نسيته بين يديه آخر مرّة.. وقالوا أيضا إنّها فقدته مع بعض أعضائها في رواية سابقة.. والأرجح أنّ أحد رجال المدينة يحتفظ به لغايات طبية...

لا يقلقها في شيء أنّها لم تعد تذكر اسمها الحقيقي.. والأرجح أنّها تعمّدت هذه المرّة أن تنساه هربا من قدر قديم.. لا حرج عليها.. لأنّها سئمت من تلك المرأة التي كانت تُدعى "أناهيد".. تلك المرأة المتحجّبة بحجاب مسلم شبقي قزوردي.. وهي أنثى مسلحة في كامل عدتها.. كثيرة التعطّر محبة للحنّاء. مواظبة يوميا على الكحل. محبة للوشم.. طبّاخة ماهرة للشاي الأخضر.. لا تبارح طبقها الفضي توزع الكؤوس وتدعو إلى انجاب البنات من خلاصة الأعشاب.. يومها كانت مدينتها محجّرة على الرجال..

أناهيد.. كانت أكثر من جسد وأكثر من نهد فاخر.. لذلك لم تعد نهد اليوم قادرة على حملها بجسد منقوص أنهكته حقن التخدير.. وزاد في اضعاف قواه أنّها استغنت عن بعض أعضائها في مدينتها القديمة.. يومها لم يكن في مقدور المدينة أن تحتضن سكّانها بكلّ أعضائهم الثقيلة.. الأيادي والأرجل وأمعاء طويلة محشوّة باللحوم المرحية والخضر المدهوسة.. وبعض القمامات الأخرى..

Page 10

كانت تقبض على يده بقوة أسطورية.. وكان يجهد نفسه للتملص منها.. كانت في دوار متواصل.. شدّدت قبضتها على مسام جلده خوفا من السقوط على الدرجة الأخيرة من السلم.. شعرت انّها معلقة بين السلم والجدار.. وأنّه عليها ان تحسم مكان سقوطها.. على صدر لوحتها التي تحدق بها منذ خمسين عاما.. أم على صدره الذي لم تعد تراه.. وكان عليها أن تتمسّك بيده أكثر حتى لا تتهم بالجنون العمومي..

لا شيء تبقّى لها في هذا الدوار المتواصل غير مهارة التحديق بالصورة على الجدار.. ها هو يبتسم ثانية.. تُرى لِمن كانت تلك الابتسامة؟ لتلك الفتاة العابرة التي ناداها بنفسه وسلمها يومها منذ خمسين عام.. آلة التصوير لالتقاط صورته العابرة مع حبيبته الحمقاء؟ أم كان يبتسم للحظة عابرة اخترقت شفتيه يومها اعتباطا وهو في عنفوان شبابه؟ أم كان يبتسم للحظة حبّ وعدته بها يومها حين حلّ ذاك المساء؟ أم تُراه كان يبتسم لها الآن وهي في الدرجة الأخيرة من السلم.. يناديها ثانية إلى عالم مضى كأن لم يكن أبدا.. كيف ستهربين ثانية من ذاك القدر البعيد يانهدُ؟ حذار من خطوط الهروب.. قد لا تؤدي.. وقد تدفع بك رأسا إلى الهاوية الأولى.. وقد لا تلاقين على خطّ تلك الابتسامة غير صاحبها الذي منه تهربين.. كيف ستنجين من الغرق ثانية في رواية من البراكين.. ؟ احزمي أمرك أيتها المرأة.. لا تهبطي السلّم ثانية.. قد لا تعثرين على غير الجثامين... كان عليها أن تتقن السقوط إلى الأسفل قدر المستطاع.. فالأسفل متخم بالحكايا والثنايا.. كانت تعشق الترحال في الداخل.. كلّما أحسّت بالضجر من خارج لا شيء فيه غير الضجيج وعشّاق الأقنعة..

نادته بصوت حزين من أعماق قلب مترهّل: "غريب".. حبيبـي.. هل مازلت هنا أم غادرت؟ هل هاجرتني ثانية إلى السياسة..

لم يجبها.. وابتسم كعادته.. كان مشغولا بربط خيوط حذائه.. كان شديد العناية بتسويد أحذيته وتلميعها كل يوم.. وخيّم الصمت على اللوحة وعلى الجدار الذي يضاجع تلك اللوحة باستمرار بشهوة محمومة.. وكانت تحقد على هذا الجدار لأن لا أحد يخوّل لجدار راشد مفاخذة لوحة قاصرة.. وألوان بريئة وابتسامة عابرة كانت تخالها رُسمت على شفاهه من أجلها..

وتخيّلت الجدار أنثى.. وجالت بعقلها الممسوس صورة شاذّة لزوجها وهو يضاجع الجدار الذي استحال فجأة إلى صدر أنثى يعبق بنهدين مكتنـزين.. أحسّت بوجع في فيافي شرايينها البعيدة.. ضحكت في قرارة نفسها هازئة من نفسها.. "أتراك مازلت تغارين يانهد حتى وأنت جثمان قديم؟ بأيّ روح ستحبّينه ثانية وأيّ نهد ستهدينهم.. وأنت قد فقدت نهدا ولم يبق لك غير نهد يتيم؟"

شعرت بغصّة دفينة.. لا شيء تذكر.. غير أنّهم اقتلعوا يوما نهدها الأيمن.. واكتفوا بأن قالوا لها: "فعلنا ذلك لانقاذك.. بوسعك أن تعيشي بنهد واحد.. بوسعك أن تتألّمي مثل آلاف النساء اللاتي اغتصبهنّ الطبّ.." بكت ثانية.. بكت وفي دمعتها كل النساء وكل النهود الملقاة ظلما في دهاليز الأمراض الخبيثة... ورغم ذلك أصرّت على أن ترسم لنفسها احساسا جديدا: أنّها موجودة ههنا رغم النهد الواحد.. والزوج الواحد والذكرى الواحدة.. والالاه الواحد.. كانت توحيدية في كلّ شيء.. حتّى في اسمها.. لكنّها متمسّكة اليوم بأن تشعر بأنّها وجود أكثر من اللازم.. تطلب عنفوانا.. تطلب شططا.. هي ذكرى فائضة عن رواية ماضية..

"هيّا.. انـزلي ياأمّي.. أكملي درجات هذا السلّم.. لا تخافي لقد أوشكت على النهاية.. تقدمي بهدوء.. لا تخافي.. ها أنذا أسند ظهرك"

سقطت دمعة كبيرة على رخام السلّم الأخير.. وخطت خطوتها الأخيرة قبل النـزول تماما إلى الطابق السفلي من بيتها.. كان يمسك بها في حنوّ.. وكانت تخنق آخر دموعها في حلقها..

وفي قلبها بعض كلمات تعاودها كلّما توغّلت في عتمة هذا السلّم الطويل:

ستسقطين.. معلّقة أنتِ بين الطفولة والموت الرحيم..

وتتأرجحين. في اليوم ألف مرّة خلف الضباب خلف لاهوت السراب خلف صنم.. صنعناه بأيدينا من طين..

أنتِ.. ياألف روح من المرمر الحزين.. وتتأرجحين..

ملبّدة أياديك بجرح الثرى.. بالعدم قبل السقوط في هذا الزمن الثقيل.. هل أنتِ وعدُ للقادمين؟أم أنتِ لعنة من الراحلين

بل أنتِ حبل غسيل تمزّق بين ضفّتين على نهر الجحيم...

.....................

أجلسها بلطف على الصالون.. تحديدا قبالة تلك اللوحة.. كان يحلو لها أن تحدق بابتسامته ردها من الوقت.. هي الآن في سنّ التقاعد.. وهي بجسدها المتقاعد ذاك لم تعد تحذق غير مهارة التحديق..

بادرها بالكلام مشفقا على ما آلت اليها من الشرود الدائم: "اطمئني ياأمّي واستريحي بقدر الامكان.. أنت هنا في أمان.. لا أحد سيطاردك.. ها أنت أخيرا في بيتك.. بعد رحلة معقّدة بين أماكن لا أحد يتمنى الاقامة فيها.."

حدّقت فيه بعينين متعبتين من ليل طويل وأرق ثقيل.. قبّلها على جبينها وجلس إلى جانبها..

سألته: "من أنت من أبنائي؟ لقد ضاعت عنّي كل أسمائهم"

ضمّها إلى صدره وقال مواسيا: "لا حرج عليك ياأمّي.. أنا أصغر أبنائك.. أنا وليد"

...

ها هي تعود إلى الهذيان مرّة أخرى..

سيسرقون منك المدى ياروحا قديمة.. وستعودين ثانية تحملين في عينيك المدى.. وسيسرقون منك الصدى... لكنّك ستعودين بمسوخ وطوابير.. وفي حروفك حشد عظيم.. لا تغلقي الباب في وجه أيّ كان من الحاضرين ولا من الراحلين.. هذا المكان هو وطن للجميع.. مهما كان حزبه أو شكله أو وهمه أو جرحه.. أو ربّه أو موته..

كانت تهذي بكلمات أخرى لا أحد من الغائبين استطاع أن يلاحق سرعة هذيانها الدائم.. لكنّ بعض كلماتها سالت على أرضية السلّم.. فكانت بروقا وشظايا..

وداهمتها اللوحة من جديد.. كانت تراه جالسا إلى جانبها مصرّا على مسكها من يدها.. لماذا لا زال يتردد عليها وكأنه يتعمّد ازعاجها وبلبلة حياتها الجديدة...

تجرّأت على فتح الحديث معه "ماذا تريد منّي؟"

أجاب ساخرا: "أريد فقط أن أبقى بجانبك وأن ألمس بعضا من أوجاعك؟"

ردّت عليه في استغراب: "لكنّك هجرتني منذ زمن طويل.. ما الذي أعادك إلى الحياة؟"

أجابها: "موتتي السابقة لم تعجبني.. فأنا لم أكن أحبّذ الموت في حادث مرور أحمق وفي سيارة مجنونة.. عدت كي أموت ثانية موتة تليق بمكانتي في الدنيا كم يحلو لي حبيبتي أن أموت بين يديك"....