eKtab
EN ع
لو وضعتم الشمس بين يدي
Read free sample

لو وضعتم الشمس بين يدي

by خليل النعيمي

Page 1
-1-
 
موعدنا في اللوكسمبورغ·
 
الجو خريفيّ بارد· السماء محجوبة بغيوم خفيفة لا تَشُفُّ عن شيء· الأشجار بدأت تتخلّى عن أوراقها· ورائحة مالحة تنتشر في الفضاء·
 
وجاء الرجل الذي أنتظره·
 
جاء ماشياً، بهدوء· رأسه منكس· منكباه متدليتان· خطواته قصيرة متعثرة· ثيابه بالية·
 
 ومنذ أن وصل بدأ يحكي·
 
- مَنْ أنت؟
 
سألني بتودد يحمل مسْحَة من النفور·
 
وعلى الفور صَحَّح، أريد أن أقول :
 
- هأنذا جئتُ، مرة أخرى، وأنالا زلتُ أجهل عنك كل شيء تقريبًا، رغم أننا التقينا أكثر من مرة، من قبل·
 
 وسريعاً أضاف:
 
- صحيح أن لقاءاتنا كانت، أحياناً، خاطفة، وأحياناً، مشغولة بأمور أخرى، أو مُدَثَّرة بدثار نفسيّ كتيم لا يسمح برؤية واضحة لأحد، لا لكَ، ولا لي· لكن ذلك ليس عذرًا ليظل أحدنا يجهل الآخر، أو يكاد·
 
وبعد أن استقر، نهائياً، إلى جانبي، تابع بلطف:
 
- مع أن المعرفة، غالباً، ليست أكثر من أكذوبة·
 
ولما بقيتُ ساكتاً، أكملَ:
 
- أكذوبة تجعلنا نطمئن إلى الغرباء، أو الذين نعتبرهم، تعَسُّفاً، هكذا· فليس ثمة غريب على وجه الأرض·
Page 2
ولأني لم أكن أعرف ماذا أقول، تابع :
 
- ماشياً، كنتُ أتساءل: مَنْ أنت ؟ مستعيداً بصعوبة، وجهك، وهيئتك، وألوانك، مع أنني رأيتك مرات عديدة· لكنني، برغم ذلك، لم أتوصَّلْ إلى معرفة أكيدة تجعلني اطمئن إليكَ· كدتُ أَلوم نفسي التي لم تحتفظ بكَ، أو لم تلتقط منكَ ما يُنْبِئني عنكَ، أو يهديني إليكَ، حتى ولو شذرات من كلام، أو ملامح·
 
 كان يتكلّم دون أن ينظر إليَّ·
 
 فهو لا يجلس، أبداً، في مواجهتي، وإنما في صفّي· وحسبْتُ أن الجواب الذي وقف فوق لساني، ولم أقُلْه، لا يبدّل، لو قلته، في الأمر شيئاً·
 
ودون أن يهتم بمُلابساتي، عاد إلى الحديث:
 
- لدي احتمالات لا نهاية لها حولكَ· وبي رُؤى وأقاويل· أنت تعرف أن الحياة مليئة بما يسرُّ وما لا يسرُّ· بالأساطير وبالوقائع البليدة· بالحقيقيّ وبالمزيّف· وعليَّ أن أوضح، منذالبدء، أنني أعتبرهما، أقصد الحقيقي والمزيّف، في وضعنا العربيّ الراهن متماثلين، أو متكاملين، إذا أحببتَ·
 
وبعد أن توقف قليلاً عن الكلام، وكأنه ينتظر مني أن أتَمَثَّل ما يقول، أضاف دون إلحاح:
 
- وأنا أكره ما لا أحبّه منها، من هذه الحياة العربية البليدة· أقصد من وقائعها ومن أهلها· وعسى ألاّ تكون أنتَ من هذا الجزء منها·
 
مَنْ أنا؟ أنا لا أحد، قلتُ في نفسي· ولكن كيف يمكن لي أن أنقل إليه هذا الخواء البشع؟ ورأيتُه يَتمَلّى الالتباس الكامن في اللوح، لوح وجهي، وهو يَتمَطّى مُتفاصِحاً، من جديد:
 
- أريد أن أعرف منكَ ما تعرفه أنتَ عن نفسك، لا ما يعرفه الآخرون عنكَ· هوية الكائن الإدارية لا تهمُّني· ما أبحث عنه هو هويته التاريخية· وآمل أن يكون لكَ حظ منها·
 
وبعد قليل من السكوت، بادر إلى الكلام بهدوء آسر، وكأنه يدعوني إلى مأدبة نفسية:
 
- أعرف أنني لا أتوجّّه إليك بما يلزم من التَرَوّي والهدوء، لكنني لا أحب أن أُقارب الأشخاص الذين، ربما، سيعنون لي، ذات يوم، شيئاً، مقاربة مُلْتَبسَة تحمل أكاذيبها وفشلها منذ البداية·
Page 3
بدأتُ أغرق في صمتي: الهوية التاريخية ! ما هي هذه الأكذوبة الجديدة؟ كنت أتصور أنني تخلصت من هذه البلاهات منذ زمن طويل·
 
ولما أحس بي مشغول البال، تابع :
 
- لا تخفْ! أنا لا أبحث عنكَ بالتحديد· إنني أبحث عن الشيء الذي تبحث أنت عنه· عن مقصدكَ في الوجود وغايتك في الحياة· فالكائن الذي لا هَمّ له إلاّ فمه وفَرْجه، لا يعني لي شيئاً· وهو ما سيجعلني أغفل عنه، وأطويه من صفحة أفكاري على الفور· وحده، مَنْ يحلم بعوالِم جديدة، يمكن أن يجعلني أحلم، أنا الآخر·
 
وبعد صمت ثقيل، أضاف :
 
- ولو متأخراً·
 
وبصوت أكثر خُفوتاً قال، على غير انتظار مني، وكأنه يحكي لأحد لا أراه:
 
- ولو أن الحياة لا تأبه لمثل هذه الأراجيف·
 
وسَكَتَ، من جديد·
 
وظللتُ أنا ساكتاً·
 
كنتُ مأخوذاً، لا بلطف ما أسمع، ولكن بروعة ما أرى·
 
فبعد أن كان النهار متردداً في الحضور ذلك اليوم، صار، الآن، يتسارع نحو مصيره الأزليّ· في المشهد كآبة واستكانة· وفي قلبي غَيْب وأساطير· كنت أريد أن أكفَّ عن الحديث إلى أن أجد السبيل الصحيح إلى الكلام· لكنه لم يعبأ كثيراً بتصّوراتي، فأضاف بشكل مليء بالإغواء:
 
- أنا مشغول بأمر (لم يوضح لي ماهيته) والعالم مشغول بآخر· وكما ستفهم من ذلك، ليس الحل سهلاً·
Page 4
بقيتُ صامتاً·
 
حاولتُ أن أجد موضوعاً للتحدّث· لكنني لم أعثر على شيء· في ظـرف مثل هذا، سيبدو الكلام، أيّاً كان، زائداً عن اللزوم·
 
من قبل، كنت أحسب أن أسهل الأمور التكَلُّم· أما الآن فقد أصابني نوع من الخَرَس الذي لا أفهم له سبباً· لم أجد الفرصة ملائمة لكي أسأله عن···
 
وقبل أن أُحدِّد ما سأقوله، عاد إلى الحديث براحة بال:
 
- لا تهْتَم! لا ضرورة للتسرّع في الكلام· أنت لا تجهل، كما أظن، أن الصمت كلام آخر، إنْ لم يكن هو الكلام الأساسي الذي ينقصنا·
 
وبعد ثوانٍ، أضاف :
 
- لماذا يصمت الكائن إنْ لمْ يكن من أجل أمْرٍ خطير؟ أنت تحسب أن الصمت من خصال الكسالى، وأنا أرى أنه شيء جليل· هو ليس فضيلة، بالتأكيد، لكنه ليس رذيلة، أيضاً· إنه موقف من العالم الذي نعيش فيه· موقف لا أدرك، حتى الآن، كل أبْعاده، لكنني أخشاه·
 
أخشى الصمت أكثر ممّا أخشى الكلام· تصوَّرْ!
 
 كان المساء يقترب شفيفاً من وراء أشجار الحديقة العملاقة· ومع اقتراب المساء بدأتُ أتهيّأ للمسير إليه: إلى تمثالي الأثير· أول تمثال رأيته عند دخولي المدينة· كنت مشغوفاً بالنظر إليه: تمثال عازف الناي العاري الذي يفتتح حديقة اللوكسمبوغ· العازف الذي لا يملُّ من تحريك أواصر الحياة في عروقي·
 
وكأنه يعرف، من قبل، هذا الهوس البصري الذي يقودني دائماً إليه، إلى ذلك العازف اللامبالي، والذي يبدو سعيداً، تطلَّع بهدوء نحو السمت الذي يملأ عينيَّ، وتنَهََّد· كان يحسب، ولا بد، أنني وقعتُ ضحية عريه الصارخ· وكنت أبكي في قلبي كلما أراه دون أن أعرف السبب·
Page 5
لم أجد نفسي مضطراً للتصريح بمشاعري بالرغم من تأكيده:
 
- حتى الصمت يمكن أن يدلّ على ما يريده الكائن· أن يُوصِل إلى الآخر مراده· أن يجعلنا نفهم غايته الخبيئة· الكائن يعبِّر بأكثر من وسيلة عن مشاعره· أريد أن أقول عن مقاصده· ودون صدق لا معنى لأي جهد بين الكائنات· لا للتعبير الصاخب، ولا للصمت الهائب· عليكَ أن تدرك هذا! أضاف·
 
اكتفيتُ بابتسامة خاطفة·
 
فراغ هائل يملأ نفسي، ولاأعرف كيف أعبّر عنه· لكأن اللسان مرتبط بالمكان· والعاطفة كذلك· لساني الثرثار في دمشق، صار، اليوم، مربوطاً بخيط من حرير·
 
هنا غَدَوْتُ خالياً من المعنى· وهذه الحال هي أقسى درجات الغربة التي يمكن أن يواجهها المرء· صرْتُ بحاجة إلى زمن جديد لأمتلىء، مرة أخرى، بعد أن نَفَضْتُ حُمولي· أمتلىء بعاطفة جديدة، قد تعطيني طاقة فهم جديد، أستعيد بها علاقتي القديمة بالكلام·
 
ولكن كيف أشرح له الأمر وهو غاطس في تصّوراته؟
 
وفجأة قال ما لَمْ أكن أتوقَّعه:
 
- أنا أفهم وضْعَكَ، أو أكاد· أفهم أننا عندما نحرص على شيء، علينا أن ندافع عنه بكل شيء يمكن أن يحميه، حتى ولو بالصمت· لكنني لستُ هنا من أجل هذا·
 
ودون أن ينتظر مني تعليقاً على ماقال، استدار ليصير، هو الآخر، في مواجهة عازف الناي العاري، والذي لا يكف عن الرقص على قدم واحدة· درْتُ نصف دورة لأبتعد عن مشهد العازف، لعله يفهم أنني لستُ مشدوداً إليه بالقوّة التي يتصوّر أنها تُكَبّلُني·
 
في مواجهتي، بَدَتْ أشجار حديقة اللوكسمبورغ تتهادى في ذلك الغروب الذي بدأ يبتلع أطراف باريس· والأضواء الجميلة أخذتْ تتفتّح الواحدة بعد الأخرى، وكأنها تستعد لمقاومة الليل·
Page 6
من موقعي الجديد، صرتُ أُلاحق الحركة السرية لشفتيه المغمورتين بالحديث، دون أن أسمع مما يقول، شيئاً· وكان ذلك موقفاً شبهَ ـ إراديّ، تقريباً·
 
صرتُ أخشى الامتلاء الفارغ بعد أن فَرَّغْت حُمولي·
 
الظُعون تمشي·
 
أراها أمامي، وأنا واقف في المكان·
 
أبي الطويل، الأسود الفخذين، يركض وراء الجمل الهائج· أمي تُقَلْقِل الوتد المغروس في القاع لتزحزحه· والوَتَدُ لا يريد أن ينقلع من الأرض· ثَمَّة رَبْط سرّي للشيء بمكانه· حتى الوتد يتشبّث بموضعه، ولا يريد أن يَنْشَلِع منه؟
 
ولكن، لِمَ عَبَرَتْ فكري، الآن، تلك اللحظة الغارقة في القدم من طفولتي؟
 
وبدا لي أنني سمعتُه يقول بهدوء، وكأنه يؤنِّبني على صمتي الذي طال:
 
- اللسان يصمتُ، أما العقل فلا يكفُّ عن التكلُّم· أنتَ لا تخدعني·
 
ودون أن ينظر إليَّ، أضاف، وكأن الصوت، وحده، يكفي لنقل المشاعر والأحاسيس:
 
- بين الصمت والكلمات، تبدأ حياة الكائن، وتنتهي·
 
بعد أن قال ذلك، ابتعد عني، وهو يوصيني، دون أن يتوقف عن المشي: لا تَنْسَ هذا·
Page 7
-2-
 
يحل المساء هادئاً على دمشق·
 
في الضوء الخافت لبداية الليل، أراها تجيء· تجيء ماشية بنظام هَوَسيّ· لكأنها ذاهبة إلى الموت· إلى موت مُحْتَفى به، لكنه مخيف·
 
كنتُ لاطئاً أنتظرها وقلبي يخفق بشدة·
 
نهاية النهار في دمشق تجعل الحياة مقلقة وضحلة· ولقاء محتَمَل كهذا قد يحيلها إلى جحيم·
 
من بعيد، رأيتُ حركاتها العُصابية المرعبة· وكاد التفكير، مجرد التفكير، في ضَمّها يجعلني أقع على القاع شَغَفاً· منذ متى لم ألمسْ جسداً؟ وهل سبق لي أن لَمَسْته، أصلاً؟ لكن هذه المباحثات الذاتية لم تكن ذات أهمية، آنذاك، في مواجهة الإعصار الجنسي الذي ينتظرني·
 
قضيتُ أشهراً وأنا أتهيّأ لهذه اللحظة·
 
أُرابِط لها وفي نفسي سَعير· أكاد أضمّ الحجر لمجرد اقترابها منه· تفلسَفْتُ كثيراً، وتلاعَبْتُ بلغتي ومشاعري، من أجل مؤانستها· لجأْتُ إلى مشاهد درامية مقلقة، وأنا أُحاول إقناعها بأهمية الحياة الجنسية لدى الكائنات السليمة العقل· وزَيَّنْتُ لها روعة المتعة وضرورتها لكي تستقيم الحياة العاطفية عند البشر من أمثالنا·
 
وفي كل مرة كانت تضحك ساخرة، وهي تقول: لكن أهلي لا يرون الأمر على هذا النحو· وكنتُ أنفجر، أنا الآخر، ضاحكاً، ولكن بيأس· أكاد أشتمها· وأشتم أهلها· وأهلي· لكنني، في اللحظة الأخيرة، ألجأ إلى كلمات فارغة من كل معنى، قائلاً بما يشبه الهذيان: سنرى· سترين عندما يحدث ما نخطط له منذ شهور· إبصقي عليَّ إذا لم يكن الأمركذلك· وأُضيف محرِّضاً: المهم هو التجربة· وكانت تعيد عليَّ، من جديد، سؤالها المرتبك الضاحك، نفسه: حتى ولو في الجحيم ؟
 
كنتُ أصرف وقتاً كبيراً من أجل أن ألْقاها·
Page 8
وعندما نلتقي تكون الحكاية بالكاد قد بدأت· أبْنيها اليوم، وتهدِّمها غداً· أقضي أياماً ولياليَ وأنا أُخطط لاصطياد لحظات عابرة منها· وهي لا تكاد تدرك حتى الجهد الخارق الذي أُعانيه· لكأنني منذور بطبيعتي، بطبيعة الجنس والتقاليد، لكَيْ أتصرّف معها بهذا الشكل· ولأُبَذِّر وقتي بلا حساب·
 
لم تكن تعرف الامتنان· ولا يهمّها الجُهْد الذي أصرفه من أجل أن نتلاقى· هي مطمئنة إلى وضعها وحياتها، أو هي تُظْهِر ذلك على الأقل· وأنا أتَقَلَّب في جحيم متعدد الأبعاد: كَبْت جنسيّ، وحرْمان عاطفيّ، وبؤس·
 
المدينة، كلها، لا تشفي غليلي· ولا النساء الأخريات اللواتي كنتُ محروماً منهن· جسدي يسخن، ويبرد، بين يديها وهي لا تدري· أو هي تدري ولا تريد أن تعترف، أو تروق· هي مقفول عليها في قفص من وجود كتيم· وأنا أتَدَحْرج نحوها بلا أمل، مثل كرة زِبْـل طازج في بوادي الجزيرة· تُدَحْرِجها الجعلان والخنافس إلى حيث تندفن بلا مبالاة تحت التراب· لا أحد يأبه بها· ولا يَلْتقِطُها حتى الرُعاة·  
 
مع ذلك، كنتُ أرى خيوط الشَوْق تصبغ وجنتيها، وهي تستمع مبهورة إلى مخططاتي الغامضة التي أبتكرها، كلما الْتَقيْنا·
 
ولكَيْ تطمئن إليّ، وإلى المساء، وإلى المكان الذي سنجتمع فيه، كنتُ ألجأ، في كل مرة، إلى ألاعيب كثيرة لأستميلها، وأملأ مخيّلتها الجنسية الفارغة (أو التي كنت أحسب أنها كذلك) بالإثارة· كنتُ أظُنُّ أن استجابتها قريبة، وشَبَقيّتها هائلة، وأنها لن تقاوِم طويلاً· لكنني لم أكن أدرك، بعد: أن الظُنون فُنون·
 
 ولسذاجتي، كنتُ أحسبُ، أنه لا بد لها، في النهاية، من الرضوخ لرغباتي· لرغباتها هي، أيضاً· رغباتها الخفية، الكامنة في قلبها، والتي أحسُّها تنبض تحت جلدها الأملس المثير، مثل نار تحت رماد خفيف· أو هذا ما كانت توحي لي به تلك القشعريرة التي أصير أراها تَسْري في دمها، مرتسمة على شفَتَيْها اللتين أكاد الْتَهِمهما، شَوْقاً· ولكن، متى يحصل هذا؟
 
يومها؟ لا! فيما بعد، حينما سأبتعد عن مواقعي الأولى كثيراً، سأدرك أن الكائن لا ذنب له إنْ أخطأ، مع أنه لن يصيب أبداً، في مجتمع مثل هذا: كل شيء فيه محظور، إنْ لمْ يكم محرَّماً·
Page 9
في ذلك المساء الدمشقيّ المَحْموم، سأختار زاوية مظلمة وأخْنُس فيها، بانتظار أن تحاذيني· وهي تتجاهل هذا، كله، آتيَـةً، تمشي بتلعثم وبطء، وكأنها مُكَتَّفة بخيوط لا مرئية· لكأنها لا تريد أن تصل إلى حيث أريد، حتى ولو صرفتُ العمر كله في سبيله·
 
منذ متى وأنا أتهيَّأ لهذا اللقاء العاثر؟
 
وإلى أي أمَدٍ سأظلُّ···؟ أصير أتَحَرَّق من قسوة الانتظار·
 
والآن، أجدني أتساءل مرعوباً: مِنْ أين كانت تنبع عندي كل تلك القُدْرة على التَحَمُّل، والصَبْر؟ وكيف ولدَتْ عندي فكرة الاستواء الذاتي الذي سيقودها إليَّ إنْ عاجلاً، أو···
 
حتى إنني صرتُ أعتقد، فعلاً، أنها ستَسْتوي بشغفها، ذات يوم، وتَهُرَّ فوقي مثل تينة دمشقية ناضجة· وما عليَّ آنذاك، إلاّ···
 
لو كنتُ قائداً حربياً، يتهَيَّأ ليخوض معركة فعلية، لما تَطَلَّب الأمر مني كل ذلك الجهد· أُفَكِّر· صرتُ أحب أن أنهزم· أن أتخلّى عن كل لقاء محتمَل· أن أغوص· لكنني، لحماقتي، ربما، أو بسبب توتّري الجنسيّ الهائل، كنتُ أشجّع نفسي، متحمِّساً: أي قائد أحق بالتقدير مِنْ كائن يقود معركتة الخاصة؟ وكنتُ أحدد: وبالخصوص عندما تكون معركته الجنسية
 
وأحياناً، أُضيفُ، مؤكِّداً لنفسي ما سئمتُ من تكراره: معركة مثل هذه، في مجتمع مثل هذا، لا بد من ربحها مهما كانت الخسائر، والأساليب
 
 وبنوع من التحدّي السابق لأوانه، أصير أُبَرِّرسلوكي الذي كنتُ أعتبره غير لائق، ولا بد، وإلاّ لِمَ التبرير السخيف، وأنا كالعصفور الجائع الذي يريد أن ينقر، أو يحاول أن ينقر، بعض حَبّات القمح المدفونة في الزبل، ولا يجد شيئاً؟ إنخذالي المحتَمَل بشدَّة، هو الذي كان بحاجة إلى تبرير· وكنتُ أُغمض عينيَّ عنه·
 
وأيّاً كانت الحال، أروح أردد، بكآبة عميقة: في مجتمع كهذا، لا يشتهي سوى تعذيب الكائن وتدمير رغبته، كل فوز بجسد جديد يعد غنيمة لا مراء فيها
 
 وأخيراً، لكي أُهدِّىء انفعالاتي، وأُواسي نفسي، كنتُ أستعين على محنة الانتظار الذي لا ينتهي بعبارات أرتجلها حسب الوقت والحاجة·
Page 10
 واليوم، كانت: إهْدأْ، وسَتَرَ !
 
بعد ذلك بزمن طويل، عندما سأتذوّق المتعة في أشكالها المختلفة، سأستعيد تلك اللحظات الإنسانية الساحرة، بشغَف·
 
سأفهم لِمَ يثور المكبوتون على عوامل كبتهم· ولِمَ يتدافع المحشورون نحو مخارج النجاة، تلك التي ستقذف بهم إلى الرَحْب بعد الضيق· وتنقلهم من العدم إلى الوجود· إلى وجود مُنْبَسِط وسعيد·
 
سأفهم، أيضاً، كيف يتفرّق الناس بعدما اجتمعوا· ويَتَساءمون بعد أن تَعاشَقوا· ويتناحرون لأسباب لا علاقة لها بالحب·
 
سأفهم، كذلك، أشياء كثيرة أخرى كنت أحدسها دون أن أدرك، لا بنيتها، ولا أسباب حدوثها، أوعدم حدوثها: كان عقلي صغيراً، وأحاسيسي كبيرة· كنتُ، ببساطة، مثل ثعلب الصحراء: تعيساً، ومستاء، وماكِراً· إذا كان يحق لي أن أُحـدِّد صفاتي·
 
سأفهم، أخيراً، وهذا هو أهمُّ ما في الأمر: أن على الكائن أن ينقذ نفسه، لا أن ينتظر الآخرين لينقذوه·